ابتسم الإمبراطور ابتسامة شاردة، وهو يغوص أعمق في بحر الذكريات\. كانت إليانورا عاصفة صامتة\. تقتحم المكان دون ضجيج، وتجعل الجميع يبتسمون دون أن يعرفوا السبب\. يتذكر ذلك اليوم جيدًا… كان اجتماعًا حاسمًا، والوجوه متجهمة، والمناقشات محتدمة حول أحد التمردات في الشمال، الجميع كان متوترًا، وهو—ولي العهد آنذاك— كان على وشك أن ينفجر غضبًا\. ثم\.\.\. انفتح الباب دون إذن\. دخلت إليانورا وهي تحمل صينية شاي وكعك الزهور، نظرت إليهم ببراءة وقالت: — "أعلم أنكم مشغولون… لكن لا يمكن حل الحروب على معدة فارغة\." ساد صمت غريب\. النبلاء نظروا إليها وكأنها فقدت عقلها\. أما هو… فقد ضحك\. ضحك لأول مرة منذ شهور\. ثم يتذكر موقفًا آخر… حين مرض أحد الخدم الصغار\. في قصر مهيب، حيث تُترك الأمور للآخرين، كانت هي تجلس بجانب الخادم، تطعمه بيديها، تبلل جبينه، وتحكي له قصصًا كي لا يشعر بالخوف\. وحين واجهها بشأن ذلك لاحقًا، قالت ببساطة: — "إذا لم نرَ الضعفاء، فماذا تعني قوتنا؟" نظر إلى نيل من جديد\. كان نسخة منها… ليس فقط في الملامح، بل حتى في لحظات عناده الطفولي، وفي تلك الطريقة التي ينظر بها للناس كأنهم لغز يجب حله\. همس بصوت خافت: — "لقد هزمتني، إليانورا… حتى بعد رحيلك\." ثم مرر يده على شعر نيل مجددًا، يتمتم بهدوء: — "أنت أيضًا ستجعل الجميع يلاحقونك\.\.\. أرنبي الصغير\." حدّق الإمبراطور في السقف لوهلة، وعيناه نصف مغلقتين، كأنما يحاول رؤية شيء غاب منذ زمن\. همس بصوت خافت، كأنما يخاطب نفسه: — "عائلة ڤالينثرا\.\.\." كان الاسم يحمل وقعًا غريبًا في ذهنه، لا يشبه باقي الأسماء التي اعتاد سماعها في عالم السياسة والنبلاء\. عائلة من النبلاء الجدد نسبيًا… عمرها لا يتجاوز المئة عام، نشأت فجأة، واستقرت بهدوء في الجنوب، دون صعود مبهر أو سقوط مدوٍّ\. فقط\.\.\. وجدت وبقيت\. وذلك وحده ما كان يثير القلق\. في عالم تلتهم فيه العائلات النبيلة بعضها منذ آلاف السنين، من الذي ينجو من دون أن يحرك ساكنًا؟ ما يميّز عائلة ڤالينثرا—بالإضافة إلى تاريخها الغامض—هو لون العيون البنفسجية النادر، سمة لم تظهر سوى فيهم، ونقلتها إليانورا لطفلهما نيل، كأنها توقيع وراثي سري\. قال الإمبراطور لنفسه: — "حتى بعد زواجي منها\.\.\. لم ألتقِ بأفراد عائلتها سوى مرات معدودة\." يتذكر جيدًا أن إليانورا كانت تتفادى الحديث عنهم بلطف\. وحين كان يسأل، كانت تبتسم، وتغيّر الموضوع بحكاية طريفة أو كوب شاي\. حتى في الحفلات الرسمية… لم يحضر أحد من عائلتها إلا مرة واحدة، رجل مسنّ ذو ملامح هادئة، يُدعى "أورفال"، لم يتحدث كثيرًا، ولم يُدعَ مجددًا\. تمتم وهو يحدق في عيني نيل النائم: — "ربما أنت المفتاح لفهم هذا الغموض، أرنبي\.\.\. ربما سلالة والدتك تحمل ما هو أعمق من مجرد لون نادر\." ثم نهض الإمبراطور ببطء، وسار نحو مكتبه الجانبي داخل الجناح\. فتح درجًا سريًا، وأخرج ملفًا قديمًا مغطى بطبقة خفيفة من الغبار، عليه ختم أحمر مطبوع بحذر: "سِجلات غير مكتملة: عائلة ڤالينثرا\." أراد أن ينتظر حتى يكبر نيل ليحدثه عن والدته… لكنه بدأ يشعر، أن الوقت قد لا يكون في صالحهم\. ثم أغلق الإمبراطور الملف ببطء، ونهض من كرسيه، ملامحه جادة، وعيناه تلمعان بعزم لم يظهر منذ سنوات\. اتجه نحو النافذة، حيث سقط ضوء القمر على وجه نيل النائم بهدوء في سريره\. همس بصوت منخفض: — "حان الوقت لكسر الصمت، عائلة ڤالينثرا\.\.\." لطالما كان الإمبراطور يتجنب إجبار عائلة نبيلة على الحضور، احترامًا للأعراف، حتى أكثرهم تكبرًا\. ولكن هذه المرة\.\.\. لم يكن الأمر شأنًا سياسيًا\. كان شخصيًا\. عميقًا\. محفورًا في قلبه منذ رحيل إليانورا\. استدار نحو أحد الفرسان الواقف بهدوء عند مدخل الجناح، وأمره بصوت لا يقبل الجدل: — "جهّز الدعوات للحفلة الملكية القادمة\. أريد أن تُوجّه دعوة شخصية باسم الإمبراطور ذاته لعائلة ڤالينثرا\." تردد الفارس للحظة، ثم انحنى بامتثال: — "أمركم، جلالتكم\.\.\. ولكن، هل ترغبون بإرسالها عبر مكتب الشؤون النبيلة؟" أجاب الإمبراطور، ونبرة صوته مشبعة بالسخرية: — "لا\. أريد أن تُسلّم الدعوة يدًا بيد، مع ختمي الإمبراطوري\. أريد أن أرى وجوههم عندما يدركون أن الوريث الثالث\.\.\. يحمل لون عيونهم\." ثم أضاف، بعد لحظة صمت: — "أريد مقابلة ذاك العجوز\.\.\. أورفال\." كان اسم أورفال يتردد في ذهنه كظلٍ طويل خلف صورة إليانورا، لا يظهر إلا في الزوايا المعتمة\. كان الظهور الوحيد لذلك الرجل في القصر يكتنفه الغموض، والآن\.\.\. يريد أن يرى كيف سيواجهه\. "إن كانوا يخفون شيئًا، فسيفضحهم انعكاس نيل في أعينهم البنفسجية\." وفي ظلال القصر، حيث تهاوت أضواء الشموع، كان نيل يتقلب ببطء في سريره، وجهه المرهق يعبّر عن ألم باهت لا يزال عالقًا في صدره، ويداه تمسكان حواف الوسادة كما لو كانت درعه الأخير\. بينما الإمبراطور قرر\.\.\. أن ما خفي من إرث إليانورا، آن له أن يظهر\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في صباح هادئ تسلّل فيه ضوء الشمس من بين الستائر الثقيلة، استيقظ نيل ببطء، وهو يشعر بشيء ثقيل ودافئ يحتضنه\. فتح عينيه بتثاقل، فقط ليكتشف أنه… مرة أخرى، محاصر في ذراعي الإمبراطور\. تمتم بتذمر، وعيناه بالكاد مفتوحتان: — "لماذا دائمًا أستيقظ وكأني دمية محشوة\.\.\." حاول الانسحاب ببطء، كما يفعل كل صباح، لكن الذراع الإمبراطورية التي تحيط به انغلقت عليه كالفخ الحديدي\. — "أوه لا، لا لا… ليس مجددًا—\!" وقبل أن يُكمل، شدّه الإمبراطور نحوه أكثر، وبدأ كعادته بمضايقته، قرص خديه المنتفختين برضا واضح، ثم عضّ أحدهما بلطافة\. — "صباح الخير، أرنبي الملكي\.\.\." قالها الإمبراطور بصوت ناعس، وهو يعيث فسادًا في شعر نيل \. صرخ نيل: — "أي صباح هذا\! توقف\! أيها العجوز المتسلط\! أنت إمبراطور أم مجرم أطفال؟\!" ضحك الإمبراطور وهو يشد خده الآخر: — "أنا أب يحب ابنه\. هل هذا جريمة؟" نيل، وقد بدأ يتلوى يائسًا: — "جريمة؟ هذه جريمة عظمى بحق الطفولة وحقوق الأرانب\! أتركني\! لدي كرامة… قليل منها على الأقل\!" لكن محاولاته للهرب باءت بالفشل كالمعتاد، بينما شعره صار كأن عاصفة مرت عليه، ووجهه محمّر كالطماطم الناضجة\. وأمام كل هذا، لم يملك نيل سوى أن يتذمر أخيرًا: \(— "لوكا\! استدعِ محامي أرانب\! أريد تقديم شكوى ضد الإمبراطور شخصيًا\!\!"\) لكن نظامه كالعادة، التزم الصمت… وربما كان يضحك داخليًا\. ضحك الإمبراطور وهو ينظر إلى نيل المتكوّر على السرير كقط صغير غاضب، ثم جلس بجانبه وأخرج من خزانة جانبية صندوقًا مخمليًا\. فتحه ببطء، وكأنما يستعرض كنزًا ثمينًا، ثم قال بصوت مرح: — "أيها الأرنب، أمامك خياران هذا الصباح\.\.\. إما أن تأتي معي إلى اجتماع النبلاء، أو أرسلك مع ليونيل لتتجول في الأكاديمية وتكون مثالًا حيًا للأرنب الملكي\." رفع نيل رأسه ببطء وحدق فيه بنظرة فارغة: — "هل\.\.\. هل أنت جاد؟ بالأمس كنتُ مريضًا، كنت أبكي وأحترق كأنني قطعة خبز في فرن\! والآن تريد أن ترسلني في جولة رسمية وأنا بالكاد أتنفس؟" رد الإمبراطور وهو يلوّح ببدلة أرنب بيضاء مذهّبة، من تصميم فاخر: — "وهل هناك شفاء أفضل من الهواء النقي؟ قررت\.\.\. ستأتي معي\. أرنبي الملكي يجب أن يظهر بكامل بهائه أمام النبلاء\." فتح فمه ليُكمل، لكن نيل صرخ فجأة: — "لااااا\! أنت لا تتصرف كأب، بل كمدير مسرح للأطفال المجانين\! هل تعرف ما معنى أن أظهر أمامهم بزي أرنب؟\!"  لم يرد الإمبراطور، بل اقترب وهو يحمل البدلة، ثم بدأ بمهمة "الإلباس الإجباري" كما يسميها نيل، وسط صرخات متقطعة: — "لا تلمس أذني\! أوه لا، لا القفازات\! هذه بها ذيل؟ لماذا بها ذيل؟\!\!" وهو يتلوى ويحاول التملص، كان الإمبراطور يثبت طوق القماش المخملي، ويعدل شريط العنق الحريري\. قال بفخر: — "الآن تبدو ملكيًا بالفعل\.\.\. أرنبًا يليق بالعرش\." رد نيل وهو يرمقه بنظرة تفيض كراهية: — "سأسجل كل هذا، وسأكتبه في مذكراتي السوداء\.\.\. يومًا ما سيقرأها العالم\." ابتسم الإمبراطور، ثم حمل نيل كأنه دمية ملبّسة بعناية: — "دعه يقرأ\.\.\. فليعلم الجميع من هو الأرنب الأجمل في الإمبراطورية\." حمل الإمبراطور نيل بين ذراعيه كما لو كان كنزًا هشًا، وخرج به من الجناح الإمبراطوري، يسير بخطوات هادئة واثقة\. أما نيل، فقد دفن وجهه في صدر الإمبراطور، متحاشيًا نظرات الجميع، وهو يتمتم بغيظ: — "هذا ليس عدلًا\.\.\. أنا أمير، أمير\! لست أرنبًا محمولًا\!" لكن لا أحد من الخدم أو الفرسان أبدى دهشة، بل على العكس، اكتفوا بانحناءات هادئة وهم يرون المشهد المعتاد\. همس أحد الفرسان لزميله: — "إنه الثلاثاء، لا بد أنها بدلة الأرنب الجديدة\." ضحك الآخر بصوت مكتوم: — "وأظنه بدأ يعتاد الأمر… أو يستسلم له\." أما الإمبراطور، فابتسم وهو يربت على ظهر نيل بلطف: — "عليك أن تعتاد، أرنبي\. الهيبة لا تأتي فقط بالسيوف، بل بالثقة… والثقة تبدأ من تقبلك لذيلك الصغير هذا\." زمجر نيل بصوت مكتوم: — "سأخلع هذا الذيل وأرميه على رأسك يومًا ما\." دخلوا قاعة الإفطار الفخمة، وتوجه الإمبراطور مباشرة إلى مكانه المعتاد، وجلس على الكرسي المريحة، ثم أجلس نيل في حضنه كأنه طفل صغير\. بدأت الأطباق تُقدَّم، ألوان من الكعك والفطائر والعصائر، بينما كان نيل يحاول النزول من حضنه والجلوس على كرسيه المعتاد، لكن الإمبراطور ثبته بيد واحدة: — "لا تتحرك، دعني أطعمك اليوم أيضًا\." فتح فاه وحمل قطعة فطيرة محلاة بالعسل، ثم قربها لفم نيل، الذي عبس وقال: — "أنا أستطيع الأكل بنفسي… توقف عن معاملتي كرضيع\." رد الإمبراطور ببرود وهو يضع القطعة في فمه على كل حال: — "لكن الرضيع لا يشتكي بهذا الشكل… أنت فقط أرنب درامي\." ابتلع نيل اللقمة على مضض، ثم همس وهو يحدق في الملعقة القادمة: — "سأسمم الشيف في يوم من الأيام\." ضحك الإمبراطور بحرارة، ثم قال: — "سأجعله يحضّر لك فطيرة خاصة عندها\.\.\. بنكهة التمرد\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. دلف الإمبراطور إلى قاعة اجتماع النبلاء المهيبة، بخطوات ملكٍ لا يلتفت لدهشة أحد، وبين ذراعيه، نيل المتذمر ببدلته الأرنبية الجديدة، التي كادت أن تلمع من شدة نظافتها وفخامتها\. عند دخولهما، علت بعض الهمسات في الصفوف الأمامية للنبلاء، البعض اتسعت عيناه بدهشة لمشهد الأمير المحمول وكأنه دمية فاخرة، والبعض الآخر اكتفى بالتنهد؛ فقد رأوا ما هو أغرب في الأكاديمية، ولم يعودوا يتفاجؤون بمظاهر حب الإمبراطور المفرطة لابنه الأصغر\. همس أحد الدوقات لنظيره: — "هل… هل ما زال يصرّ على هذه البدلات؟" فأجابه الآخر مبتسمًا بخوف: — "من الأفضل ألا تسأل… أحد الوزراء فعلها مرة، واختفى ثلاثة أيام\." جلس الإمبراطور على عرشه الفاخر في نهاية الطاولة المستطيلة، ووضع نيل في حجره كالعادة، يلف ذراعه حوله، بينما نيل كان قد استسلم للقدر، عابسًا، مكتّف اليدين، يخفي نصف وجهه بأذنيه الطويلتين\. قال الإمبراطور بنبرة حازمة: — "ابدأوا الاجتماع\." تقدّم قائد فرسان الظل، الفِريان، بزيه الأسود المرصّع بعلامة العنقاء الملكية، وانحنى احترامًا: — "جلالتكم، بشأن الحادثة الأخيرة في الأكاديمية، تأكدنا من هوية المهاجم… إنه شيطان من المرتبة الثالثة، متنكر بشكل بشري\." سادت لحظة صمت مشحونة، قبل أن يضيف: — "للأسف، اختفى بعد أن فرّ من موقع القتال… لم نستطع الإمساك به حتى الآن، لكنه لم يغادر العاصمة بحسب تقارير المراقبة\. نحن مستمرون في عملية التمشيط والبحث\." شدّ الإمبراطور ذراعه حول نيل قليلاً وكأنما يذكّر الجميع لِمَ هذه القضية مهمة\. قال بصوت بارد، لكن يقطر غضبًا مكبوتًا: — "شيطان يهاجم الأمير داخل الأكاديمية… ويمزّق بدلته؟ أنتم تعلمون حجم الإهانة هنا، صحيح؟" ابتلع بعض النبلاء ريقهم بخوف، بينما نيل تمتم: — "ولماذا البدلـ…" لكن الإمبراطور أسكته بهزّة خفيفة: — "هذه ليست قضية أمن فقط… إنها كرامة ملكية\. استمر بالبحث، إن لم يُعثَر عليه قريبًا، سأعتبر أن هناك من يوفّر له الحماية\." انحنى الفِريان برأسه: — "كما تأمرون، جلالتكم\." مع انطلاق الاجتماع رسميًا، بدأ الوزراء والوجهاء في عرض التقارير المتعلقة بالأقاليم، الاقتصاد، والوضع الأمني… لكن الإمبراطور، رغم صمته الظاهري، كانت نظراته أشبه بمطارق خفية، تتنقّل بين الوجوه\. ثم قال بنبرة هادئة… لكنها حملت قسوة خلفها: — "دوق كايل… دوق جوزيف… لديكما الكثير لتقدّماه هذا الأسبوع، على ما يبدو\." رفع كلا الدوقين رأسيهما في ذات اللحظة، وكأنّ أحدهم صبّ دلواً من الماء البارد فوق رأسيهما\. دوق كايل حاول التزام الصمت والهدوء، بينما دوق جوزيف قطّب حاجبيه بخفة، متحسّسًا ما يرمي إليه الإمبراطور\. تابع الإمبراطور، وهو يمرّر أوراقًا ثقيلة أمامهما: — "أريد تقريرًا مفصّلًا عن إدارة ممتلكاتكم، تخصيص الجنود، وحركة القوافل\. على طاولتي… قبل نهاية الأسبوع\." تهامس بعض الوزراء الجالسين في الأطراف: — "أليست تلك مهام نصف شهر؟ لماذا العجلة؟" — "هممم… ألم تطلب الآنسة روزاليا يد الأمير نيل؟" — "وأرين… ذلك الشقي، تشاجر مع نيل داخل الأكاديمية، أليس كذلك؟" ضحكة مكتومة تسربت من أحدهم: — "هذا ما يحدث عندما يعبث أطفالهم مع أرنب جلالة الإمبراطور\." — "يبدو أن العقاب ليس دائمًا بالسيف… بل بالعمل المضاعف\." في تلك اللحظة، انحنى دوق كايل بخفة وقال بلباقة: — "بالطبع، جلالتك… سيكون التقرير كاملًا بين يديكم في الموعد المحدد\." أما دوق جوزيف فقد حاول التحدث بثقة: — "جلالتك، أؤكد أن ابني… لم يكن سوى ضحية لسوء تفاهم—" لكن الإمبراطور قطع عليه الكلام دون أن ينظر إليه، منشغلًا بتعديل وضعية نيل على ركبته: — "هذا الاجتماع لا يتضمن مناقشة ما حدث بين الأطفال\." ثم رمقه بنظرة جانبية، أرسل فيها رسالة واضحة: — "لكننا نناقش ما ينتج عن أفعالهم\." سكت الجميع\. حتى همسات الوزراء تلاشت، وصار صوت تقليب الأوراق هو المسيطر الوحيد\. أما نيل… فقد تمتم دون أن يرفع رأسه: — "أخبرتك أنني لست أرنباً… توقف عن وضع كل هذا اللوم عليّ…" لكن الإمبراطور لم يُجبه، فقط ابتسم بهدوء، وهو يربّت على رأسه بلطف مبالغ فيه، وكأنه يقول له: "أنت لست السبب… بل السبب في كل شيء\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. رفع الإمبراطور عينيه ببطء، ونظر إلى الجمع بنظرة صارمة ولكنها هادئة: — "قررت إقامة حفلة ملكيّة رسمية خلال هذا الأسبوع\. وجميع نبلاء الإمبراطورية… دون استثناء، ملزمون بالحضور\." — "جلالته… يجبر النبلاء؟\! هذا غير مسبوق\." عمّ الصمت قاعة الاجتماع بعد إعلان الإمبراطور، وبدت الدهشة على وجوه الحاضرين كأنهم تلقّوا أمرًا غير متوقّع تمامًا\. وضع أحد الوزراء ريشته جانبًا ونظر إلى جليسه هامسًا: تبادلت العيون النظرات، وبدأت الهمسات تنتشر بين الصفوف\. في الزاوية اليسرى من الطاولة الطويلة، انحنى دوق كايل نحو دوق جوزيف وهمس له بنبرة مشدودة: — "أخبرتني روزاليا أن نيل يملك نفس لون عيني والدته… البنفسجي\." رد عليه دوق جوزيف وهو يضغط على ذقنه بتوتر: — "إذًا… فهذا يتعلق بعائلة ڤالينثرا، أليس كذلك؟ لم يُجبر أحدًا على الحضور من قبل، حتى في تتويج ولي العهد…" — "ربما يريد إجبارهم على الظهور… وكشف شيء ما\." — "هم معروفون بانغلاقهم\. حتى نحن لا نعرف شيئًا عنهم سوى الاسم\." — "ويبدو أن جلالته… ضاق صبره\." في تلك اللحظة، أعاد الإمبراطور الحديث بصوت رخيم ولكن نافذ: — "أريد تلك الحفلة أن تكون مهيبة، أن تُكتب في السجلات\. ولن أقبل باعتذار أو غياب\. حتى أولئك الذين يدّعون الحياد… عليهم أن يتذكّروا من يملك العرش\." تحرّك أحد الوزراء وقال بتحفّظ: — "هل هناك مناسبة خاصة يا جلالة الإمبراطور…؟" أجابه وهو ينظر إلى نيل النائم في حجره، ابتسامة خفيفة تلمع على شفتيه: — "بلى… إنها حفلة من أجل أرنبي العزيز\." ضحك بعض الوزراء بخفوت، ظانّين أن الأمر مجرد مداعبة من جلالته… لكن من عرفوا الإمبراطور جيدًا، تجمّدت ابتسامتهم\. لأنه حين يقول: "من أجل أرنبي"… فذلك يعني أنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لشخصٍ ما\. ساد صمت ثقيل أعقب كلمات الإمبراطور، كأن الهواء في القاعة أصبح أثقل من أن يُستنشَق\. ثم اعتدل الإمبراطور في جلسته، وبعينين نصف مغمضتين، أخذ ينظر واحدًا تلو الآخر إلى وجوه النبلاء، حتى استقرت نظراته على دوقَي كايل وجوزيف\. قال بصوت هادئ… لكنه يحمل نغمة لا تخطئها الأذن: — "أعلم أن بعضكم قد يظن أن الإجبار على حضور حفلة… أمر مبالغ فيه\." تبادل النبلاء النظرات المتوترة\. تابع الإمبراطور، ونبرته تزداد برودًا: — "لكنني أعتبر هذه الحفلة اختبارًا للولاء\. فهناك من أصبح يظن أن مكانته تسمح له بالتصرف كأنه ندٌّ للعرش\." ثم حوّل نظره ببطء نحو دوق كايل، واستطرد: — "تربية الأبناء مسؤولية ثقيلة… وأخطاءهم، للأسف، لا تنعكس عليهم وحدهم\." لم يتجرأ كايل على الرد، فقط انحنى قليلاً برأسه وهو يضغط على قبضة يده بصمت\. ثم نظر الإمبراطور إلى دوق جوزيف، وأضاف: — "أما من يشجّع أبناءه على العبث والتطاول… فربما يجب عليه أن يراجع مفهوم الولاء للعائلة المالكة\." أخفض جوزيف بصره، ولم ينبس بكلمة\. أنهى الإمبراطور حديثه، وهو يربّت برفق على رأس نيل في حضنه، الذي ما زال يغط في نوم خفيف: — "أريد حفلة لا تُنسى\. ولا أريد أعذارًا أو تأخيرات\. تذكروا أنني لا أهدد… أنا فقط أُعلِم\." ساد صمت مطبق، ولم يجرؤ أحد على رفع عينيه نحوه\. حتى أولئك الذين لم يتورطوا في شيء، شعروا بالقشعريرة تسري في أعماقهم\. وبينما ظل الإمبراطور يربت بهدوء على شعر نيل، أدرك الجميع أنهم لم يكونوا مدعوين إلى حفلة… بل إلى محكمة مهيبة، ستحمل أحكامًا لم تُعلن بعد\. \.\.\.\.\.\.\.\. تثاءب نيل وهو يفتح عينيه ببطء، متخبطًا قليلًا بين ذراعي الإمبراطور، قبل أن ينظر حوله بتكشيرة نعسة، ثم رفع رأسه قليلًا وحدّق بالحضور\. كانت القاعة لا تزال صامتة، والوجوه مشدودة ومتوترة… إلى أن خرج صوت نيل: — "أبي… هل أخفتهم مجددًا؟" رفع الإمبراطور حاجبًا، ونظر إلى نيله الصغير بإبتسامة هادئة: — "لم أفعل شيئًا\. فقط كنت أتحدث معهم\." زم نيل شفتيه، وأشاح بوجهه متذمرًا: — "هممم، دائمًا تقول هذا… لكن كل مرة ينتهي بك الأمر وأنت تُرعبهم كأنك ساحر شرير من رواية\!" تداخلت بعض السُعال الخافتة بين النبلاء، في محاولة يائسة لكتم ضحكة أو استغراب، بينما جوزيف وكايل شعرا بالإهانة المزدوجة: من الإمبراطور… وابنه الأرنب الصغير\. الإمبراطور لم يبدُ عليه أي انزعاج، بل ضحك ضحكة خافتة وهو يقرص خد نيل: — "أنا ساحر شرير؟ هذا جديد\." — "نعم\! وكلهم خائفون منك… حتى أنهم لا يتنفسون\." ثم أضاف بنبرة أكثر جدية وهو يعبس: — "توقف عن التنمر عليهم، أبي\. هذا ليس عدلًا\." همس الوزراء فيما بينهم بدهشة، بينما علّق أحدهم بصوت منخفض: — "الأمير نيل… يوبّخ جلالة الإمبراطور؟" نظر الإمبراطور إلى نيل لوهلة، ثم تنهد، كأنه استسلم، وقال: — "حسنًا، بما أنك قلتها بهذه الطريقة… سأكون أقل شرًّا اليوم\." ثم نظر إلى النبلاء، وأكمل بابتسامة: — "لقد أمرني أرنبي الصغير أن أكون لطيفًا، فلتشكروه لاحقًا إن نجوتم جميعًا\." ضحكة خافتة صدرت من أحد الأركان، وكأنها كسرت الجليد، وعادت الأنفاس إلى القاعة، بينما نيل عانق الإمبراطور بتذمر: — "سأشكو عنك في المقابلة\!" الإمبراطور ابتسم وقال: — "وقتها سأقاضيك بتهمة التشهير الملكي\." بدأ الاجتماع يهدأ، لكن الجميع بات يعرف… أن الإمبراطور اليوم، وإن بدا مبتسمًا، ما زال يختبرهم جميعًا، وكل شيء يُدوَّن، سواء قاله نيل… أو لم يقله\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. رفع نيل رأسه بثقة صغيرة وهو لا يزال جالسًا في حضن الإمبراطور، ثم استدار نحو الحضور بنظرة شبه جادة، وقال بصوت طفولي ناعم: — "أبي… أعتقد أن الجميع يحتاج إلى إجازة\. يومان من الراحة\. الجميع يبدو متعبًا… مثل حضرتك حين لا تحصل على قهوتك\." رفع الإمبراطور حاجبًا مجددًا، وقد تسللت ابتسامة ساخرة إلى وجهه: — "هممم، هل أنت تطالب الآن بحقوق الوزراء والنبلاء يا أرنبي؟" — "نعم\! دعهم يذهبون للراحة\. وأنا أيضًا سأرتاح، لأنك تجبرني على حضور هذه الاجتماعات المملة\! أنا في الخامسة، من المفترض أن ألعب… لا أن أستمع لك وأنت تصرخ على الناس\!" ساد الصمت للحظة في القاعة… ثم انفجر عدة نبلاء وضباط في ضحكات مكتومة، بينما بدت الدهشة واضحة على وجه الباقين\. الإمبراطور تنهد، كأن الأمر أصبح خارج سيطرته تمامًا، ولوّح بيده بتكاسل ملكي: — "إذن فليأخذ الجميع إجازة ليومين\. مراسيم ملكية… بناءً على أوامر الأمير نيل\." وقف أحد الوزراء مندهشًا، يتمتم: — "لم نكن نحلم حتى بنصف يوم\!" بينما تمتم آخر بدهشة أكبر: — "هذا الطفل… إنه معجزة\." لكن نيل أشار إليهم بإصبعه، وقال وهو يقطّب جبينه الصغير: — "لا تشكروني\! لقد فعلت هذا لأنني أريد الهرب من الاجتماعات المملة\. لا تنظروا إليّ كمنقذ\. أنا فقط… طفل بريء\." ازدادت الضحكات المكتومة، بينما غرق كايل وجوزيف في الصمت، عاجزين عن تحديد ما إذا كان عليهم الشعور بالإهانة… أو الإعجاب\. الإمبراطور، من جهته، لم يعلّق، فقط شدّ نيل أقرب إليه وهمس له: — "أنت تتصرف كملك صغير… هل هذا تمهيد للسيطرة؟" فرد نيل، وهو يتثاءب ويضع رأسه على كتف الإمبراطور: — "إنها خطتي… للهرب من البدل الأرنبية، أولًا\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في قصر قديم يلفّه السكون وتحيط به غابات كثيفة في أقصى الجنوب، وصلت الرسالة الملكية المختومة بالشمع الإمبراطوري الأحمر إلى بوابات قصر عائلة ڤالينثرا\. وقف الخادم الذي أوصل الرسالة مرتجفًا، وهو يسلّم الظرف الثمين إلى أحد الحراس ذوي العيون البنفسجية الباردة، والذي بدوره حمل الرسالة إلى الداخل، دون أن ينبس بكلمة\. \-\-\- في قاعة الاجتماعات الرئيسية، ذات النوافذ العالية والستائر المخملية البنفسجية، اجتمع أفراد العائلة على عجل\. في صدر القاعة جلس اللورد أورفال ڤالينثرا، العجوز الغامض، ذو الملامح الهادئة والتعبير الدائم على وجهه الذي لا يُقرأ\. فتح الظرف بعناية، وعيناه البنفسجيتان تراقبان كل حرف… ثم ارتفع حاجبه قليلًا، ذلك التعبير النادر الذي لم يره أحد منذ سنوات\. — "دعوة… إجبارية؟ من الإمبراطور نفسه؟" همست دوقة ليريانا: — "لم يحدث هذا من قبل، جلالة الإمبراطور لا يُجبر أحدًا على حضور حفلات القصر…" قال أحد الشباب الجالسين على اليسار، بنبرة فيها توتر: — "هل علم بشأن… قدرة الأمير نيل؟" سادت لحظة من الصمت الثقيل\. ثم قال أورفال بهدوء بالغ: — "منذ البداية، كنت أعلم أن اختفاء تلك السمة لن يدوم طويلاً\. إن كان الطفل قد ورث العيون البنفسجية… فهذا يعني الكثير\." همست ليريانا: — "وهل نظهر؟ أمام الجميع؟ بعد مئة عام من الحياد؟" رفع أورفال نظره البطيء نحوها، وقال: — "علينا أن نظهر\. ليس لأننا نريد… بل لأن الإمبراطور قرر أن يكشف أوراقنا\. واللعبة قد بدأت\." ثم نهض من مقعده ببطء، ووجهه هادئ… لكن عينيه البنفسجيتين تلتمعان بنور غير مألوف: — "استعدوا\. سنحضر الحفلة\. وأريد أن أراه بعيني… الأمير نيل\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وقف نيل في وسط الحديقة الإمبراطورية، حيث نسيم الربيع يداعب أذنيه الأرنبية، وعبير الزهور يملأ الأجواء، بينما كان يحدّق في شاشة النظام الشفافة أمامه بوجه عابس\. — "لوكا… أحتاج مال\. كثير منه\. أريد شراء عناصر تسرّع تطور القصة\. اختصر الألم والمعاناة، وابدأ عهدي كعبقري درامي مظلوم من الآن\." ظهر لوكا، نظامه الرقمي، بشكله الكرتوني المعتاد، يعقد ذراعيه بتعبير ساخر: — "هل تظن أن هذا متجر حلوى؟ متجر النظام غير متاح لك حاليًا، لأنك ما زلت في المرحلة الأولى من الدمج\. والمال؟ حتى لو امتلكت كل ذهب الإمبراطورية، لن يُفتح المتجر لك\." تجهم نيل، وركل حجراً صغيراً أمامه\. — "ما الفائدة من امتلاك نظام إذا كان مغلقاً مثل غرفة أسرار في قبو؟\! على الأقل اسمح لي بشراء شيء بسيط… جرعة ذكاء؟ جرعة يجعلون الجميع يبكون لأجلي؟" لوكا ابتسم بسخرية: — "هل ترغب بشراء دموع الآخرين أيضًا؟ أضيفها لسلة المشتريات؟" — "أوه، لا تكن وقحاً\! أنا فقط… أريد تسريع الأحداث، لا أريد الانتظار حتى يأتي الشيطان التالي ليحاول قتلي ثم يبدأ التطور البطيء\!" تنهد لوكا: — "لا يمكنك القفز على المراحل يا نيل\. كل نقطة تطور، وكل تفاعل درامي، يصنع منك الشخصية التي ستصبح\. تقبّل ذلك\." نيل تمتم وهو يعقد ذراعيه: — "أنا طفل، دراما الحياة لا تهمني… أريد الحلوى والبطاطا المقلية\." لوكا ابتسم وقال: — "والآن تتحدث من قلبك\." نيل همس: — "وإذا بعت بدل الأرنب الغريبة اللي اشتراها والدي؟ أكسب منها ذهب؟" لوكا نظر له بنظرة طويلة، ثم قال: — "ستُنفى من المملكة، وستُمنع من دخول المخبز الإمبراطوري للأبد\." شهق نيل: — "مستحيل\!\! المخبز خط أحمر\!" ثم ركض عائدًا نحو القصر، يخطط لطرق أخرى لكسب المال… دون المساس بالمخبز\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. أثناء عودة نيل إلى القصر، مرّ عبر الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الإمبراطوري، حيث تزيّن الجدران لوحات زيتية ضخمة لأفراد العائلة المالكة على مرّ العصور\. لكن إحدى اللوحات تحديدًا جعلته يتوقف\.  كانت صورة امرأة ذات جمال هادئ، شعرها الأبيض ينسدل بنعومة حتى خصرها، وعيناها البنفسجيتان تحملان دفئًا غير مألوف\. ترتدي ثوبًا ملكيًا فخمًا، مزينًا بتطريزات فضيّة وفيونكات أرجوانية ينسدل من كتفيها\. نيل همس دون أن يشعر: — "هذه… أمي؟" كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها صورة إليانورا، والدته الراحلة، منذ تجسّده\. لم يعرف لماذا تجمّد مكانه، وكأن الهواء أصبح أثقل\. كان في عينيها شيء مألوف… شيء يشبهه\. كأنها تبتسم له فقط، من خلف الزجاج والطلاء\. وبينما هو غارق في تأمله، اقترب الإمبراطور من خلفه بصمت، ثم انحنى وحمله بذراع واحدة بخفة\. لكن نيل لم يقاوم، لم يركل أو يتذمر كما اعتاد\. بقي بين ذراعي والده، جسده ساكن، وعيناه معلقتان بالصورة\. قال الإمبراطور بهدوء، بصوت منخفض لا يسمعه إلا نيل: — "تشبهها كثيرًا… خاصة عندما تنظر بهذه الطريقة\." مرت لحظة صمت طويلة، لا يُسمع فيها سوى حفيف الستائر وصوت أنفاسهما\. ثم همس نيل: — "هل كانت لطيفة…؟" أجاب الإمبراطور بعد برهة، وصوته يحمل حنينًا دفينًا: — "أكثر مما قد تتخيل، يا أرنبي الصغير\." ثم مشى به بهدوء نحو جناحهما، بينما ظل نيل يلتفت برقبته، كأنه لا يريد أن يزيح عينيه عن والدته… تلك التي لم يعرفها، لكنه بدأ الآن يشتاقها دون أن يفهم السبب\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. أثناء سير الإمبراطور في الممرات الهادئة، حاملاً نيل بين ذراعيه، بدأ عقله يغوص في تساؤلات لم يكن يملك لها إجابات\. لماذا لم يسأله نيل يومًا عن والدته؟ كان الأمر غريبًا… ليونيل و أدريان، فقط، لم يتوقفا عن طرح الأسئلة\. "أين والدتنا؟" "لماذا لا نراها؟" "هل كانت تحبنا؟" كانا يلحّان في السؤال، ويمطرانه بالاستفسارات التي لم يكن دائمًا يملك الشجاعة للرد عليها\. لكن نيل\.\.\. لم ينبس بكلمة\. هل لأن طفولته كانت معزولة، مخفية في الجناح الغربي؟ أم لأنه لا يتذكرها مطلقًا؟ أم أن قلبه قرر ألا يفتح هذا الباب من تلقاء نفسه؟ أُسْقِطَت أفكار الإمبراطور فجأة حين شعر بشيء دافئ يلامس يده\. نظر للأسفل… دمعة\. ثم دمعة أخرى\. كان نيل يبكي بصمت، وجهه الصغير مدفون في كتف الإمبراطور، لكنه لم يصدر أي صوت\. لا نحيب، لا شكاية… فقط دموع خفيفة تسيل، تحمل في طيّاتها مزيجًا من الحيرة، والحزن، وربما الاشتياق لشيء لا يعرفه\. توقف الإمبراطور عن السير، وشدّ نيل إلى صدره أكثر\. همس بصوته العميق، الحنون: — "هششش\.\.\. أرنبي الصغير\.\.\. أنا هنا، لا تبكِ\." ربّت على ظهره بلطف، كما اعتادت إليانورا أن تفعل مع أطفالهما\. ثم أضاف، وكأنه يعد نفسه قبل أن يعد نيل: — "لن أدع شيئًا يؤذيك… لا ماضٍ، ولا حزن، ولا حتى ذاك الغموض الذي يطارد دمك\." استمر بالسير نحو الجناح، وقلبه أثقل قليلًا\.\.\. لكنه أكثر دفئًا من أي وقت مضى\.
rwzi_1