ماريا، روز، وسينا\.
ثلاثة أسوار شامخة، نُصبت قبل قرن من الزمن، كخط الدفاع الأخير ضد فناء البشرية\.
لقرنٍ كامل، وقفت هذه الأسوار كجدران لا تُخترق، تحمي من بداخلها من خطر العمالقة المتربصين خلفها\.
كانت رمز الأمان، والحاجز الأخير بين الإنسان والانقراض\.
لكن كل أسطورة عن الخلود تحمل بين طياتها بداية النهاية\.
في يومٍ مشؤوم، ظهر عملاقٌ ضخم، تلاه آخر مدرّع، وجّها الأول ضربة واحدة لبوابة سور ماريا، فتداعى الحجر تحت وطأة قوته الهائلة، بينما اندفع المدرّع ليُجهز على ما تبقى من الحاجز، كاسرًا آخر دفاعٍ كان يمنح البشرية شعورًا زائفًا بالأمان\.
في لحظات، تحولت مئة عام من السلام إلى فوضى، ومع سقوط سور ماريا، لم ينهَر الحجر فقط، بل انهارت معه أوهام البشر بأنهم محميون، ليواجهوا الحقيقة الوحيدة التي تجاهلوها طويلًا\.
لم تكن الأسوار يومًا حصنًا أبديًا\.
بل كانت مجرد مهلة\.\.\. وقد انتهت\.
وما كادوا يلتقطون أنفاسهم بعد كارثة سور ماريا، حتى تكرر الكابوس مرة أخرى\.\.\. بعد خمسة سنوات\.
مدينة تروست، الواقعة داخل سور روز، كانت على حافة السقوط، العملاق الضخم ظهر مجددًا، محطمًا بوابتها\.
والعمالقة تدفقوا إلى المدينة، يلتهمون كل من لم تسعفه قدماه للهروب، الصراخ، الدماء، والركام غطوا شوارعها، ليعيدوا إلى الأذهان أهوال سقوط سور ماريا قبل خمس سنـوات\.
لكن\.\.\. حدث أمرٌ غير متوقع\.
وسط الفوضى، انتشر خبر غريب، إشاعة أشبه بالخرافة\.
قيل إن فتىً من المجندين الجُدد، فتى لم يكن سوى مجرد جندي متدرب، قد تحول إلى عملاق\.\.\. وحارب العمالقة\.
وبقوته تلك، استُعيدت مدينة تروسـت\.
وخلال أربعة أيام، لم تتوقف أصوات المدافع التي قصفـت العمالقة المحتجزين داخل الاسوار، والبقية
أجهز اعضاء فيلق الاستكشاف عليهم،
رائحة الجُثث المتعفنة لم تتلاشى من المدينة، ومن حُسن الحظ، تم جمع جميع الجُثث وإشعال النار فيها خشية إندلاع وباء كارثي\.
بعضٌ مِن اعضاء فيلق الاستكشاف الذين قضوا نحبهم هناك، كانت النيران تأكـل جُثمانهم\.
لذا، بعضٌ من الاحياء كانوا هناك، في الساحة التي اصبحت منكوبة بفعل العملاقة، بعضٌ منهم وقف يشاهد ذلك ببعض من الحزن، واخرون كانوا قد إعتادوا على ذلك فلم يتمكن الحزن منهم كمن لم يفعلوا، والبعض الآخر كانوا على رغم الإعتياد، إلا أن قلوبهم كانت مفطورة على من سبقوهم إلى حتفِهم\.
"فيرينا\!\!"، على الفور، إلتفتت الصهباء نحو الخلف، إثنين مِمن لازموها منذ مدة طويلة كانا على مايبدو أنهما سيغادران، ضيقت عيناها قليلًا خلف النظـارات الزُجـاجية، إذا أن بعض الغبار قد إلتصق بها فكان رؤيتها الآن ضبابية، وقبل أن تنطق، تفقدت إصابة كتفها الأيسـر، كانت مؤلمـة\.
"أستأتي؟"، ندهت المرأة البعيدة مُجـددًا\.
"لا هانجي، رُبما ألحق بكما أن استطعت\!"، أشارت فيرينـا نحو إصابة كتفها عندما تحدثت\.
"حسنًا\!"، نبست هانجي، والآخر إكتفى بإيماء\.
إلتفتت فيرينا نحو النار التي إلتهمت نصف الجثث، ثُم دعمت جسدها بذراعها اليمنى أثناء نهوضها، من حسن الحظ بعضٌ من الجنود في الفيلق كانت لديهم المهارة كافية في معالجة الإصابات، وموبليت كان أحدهم، والعثور عليه لم يكن صعبًا، كان بالفعل يساعد احد الجُنود المصابين رفقة أخرى صهبـاء\.
سارت بوهن، وأثناء اقترابها منهما، إلتفت موبليت حين سمع صوت خطواتهـا، فأشار لها نحو الفتاة بجانبها لإنشغاله بمصاب اخر\.
"نيفا، هلّا تفقدتِ فيرينا؟"، نبس موبليت وقد أنزل القماش الذي غطى الجزء السفلي من وجهه، إكتفت نيفا بالإيمأة، ثم أشارت لفيرينا بالجلوس\.
لم يكن مكانًا مميز، ساحة منكوبة، حفنة من المدنين والجنود المصابين يتلقون بعضًا من العلاجات من قِـبل ممن يُجيدون ذلك، أضافة لبعض الأطباء الناجين الذين مدوا يد العون لهم\.
"لما نيفا؟ سمعت انـك بارع في استخدام يديـك\!"، تمتمت فيرينا بصوت مسموع أثناء جلوسها أمام الفتاة التي تجمدت لوهلـة، يمكنها ان ترى لما لم يفعلها بنفسـه\.
"آآآ فيرينا\! ظننت انك ذهبتِ مع هانجي\!"، نطقت نيفا بنبرة متوترة عندما لاحظت تجمد موبليت لبرهة\.
"كُنت مشغـولة في البحث عن شخص يعرف كيف يوقف النزيف قبل أن أضطر للبحث عن طريقة أخرى لتفادي الموت هنـا\."، خرجت نبرة فيرينـا متنهدة، وشرعت بإنزال المعطف الذي غطى الجزء المُصـاب من كتفهـا\.
"هذا سيء\."، تمتمت نيفا، وراقبت الدم الذي ما يزال يتسرب ببطء من بين خيوط الشاش الملفوف على عجل، رغم أن فيرينا شدّت العقدة الأخيرة بإحكام، كانت الرائحة المعدنية تملأ أنفها، والسائل القرمزي يلطخ جزء من المعطف\.
قصّت نيفا جزءً من قماش القميص المبلل بالعرق، ورأت أنَّ شيءً من الضمادة عالقة بالجرح، خلفه كان الجلد ممزقًا بعمق، واللحم تحته متورم ومكشوف، بضع غِرز وسيكون الأمر بخيـر\.
وبالفعل، فتحت نيفا علبة صغيرة تحتوي على إبرة جراحية وخيط قاتم اللون، عقّمتهما جيدًا، ثم مررت الإبرة عبر طرف الجلد الممزق، ارتعشت كتفا فيرينا، لكن نيفا تابعت الغرز والـشد، غرز وشد، كل غرزة تُقرّب الحافتين أكثر، تردم الفتحة الصغيرة\.
بعد ثماني غرز، تأكدت أن الجرح أغلق بشكل متماسك، ثم مسحت بقايا الدم بمنديل معقّم، ووضعت طبقة من مرهم مضاد للالتهاب، ثم بدأت بلف الشاش النظيف بعناية، من تحت الذراع مرورًا بالكتف ثم الصدر لتثبيت الحركة\.
"ستأخُـذ وقتًـا للإلتأم\! لكنكِ بخير الآن\."، نبست نيفا، ورفعت معطف فيرينـا لتغطية الجزء المكشوف من جسـدها\.
"شكرًا، تمنيت ان يفعل رجل ذلك\."، رمت فيرينا نظرة سريعـة نحو موبليت، ولاحظت الإحمرار المُتسخط في وجهه، فابتسمت\.
وقفت من موضعها على مهل بخطوات محسوبة، وحين استدارت للمغادرة، قطع طائر رمادي صغير السماء، هابطًا بسرعة نحو كتفها\.
لكنه هبط بثقل غير متوقع، فتعثر جناحه بعنق فيرينا قبل أن يستقر أخيرًا على كتفها\.
"أخيرًا قررت الظهور\." تمتمت فيرينا بصوت هادئ، وهي تعدّل موضعه على كتفها، ثم أكملت، "خشيت ان يصطادك البشر وضيعون\."
رفعت نيفا حاجبها، متفاجئة قليلًا، بينما تابعت المشهد عن كثب، "كان يطير فوقنا منذ مدة\!"
"كان يراقبنا، لا يحب الزحام\."، أجابت فيرينا وهي تمرر أصابعها على رأس الطائر\.
"إيروين الثاني\! ظننته مات، من الجيد رؤيته\."، خرجت نبرة موبليت مزيجًا من التسلية واللامبالاة، وهو يربط الضمادة الأخيرة على الجندي المصاب\.
"انه أذكى من بعض المجندين القدامى\!"، ابتسمت فيرينا باتساع نحوهما ثم واستدارت مجددًا تكمل خطاهـا نحو وجهتها\.
"كانت تقصدكِ\!"، تجمدت نيفا إثر سماع ذلك، ثم رفعت ذراعهـا ولطمت موبليت على قفاه لطمة قوية\.
استأنفت فيرينا مجددًا سيرها نحو وجهتها، خطواتها بطيئة، ووجهها كان شاحِب قليلًا بسبب فقدان الدم، لم تكن بحال جيدة\.
كان عليها الذهاب إلى المحكمة التي ستُقام لتحديد مصير أيرين ييغر، كما أمرها القائد، المحكمة التي يتوافد إليها جنرالات الحكومة وممثلو الجيش، كلٌّ يحمل أجندته، وكلٌّ يرى أيرين من زاوية مختلفة، سلاح، تهديد، فرصة\.
لكن، أليست هذه أخبارًا سارّة؟
ثمة عملاق\.\.\. لا، بشري يتحوّل إلى عملاق، يقف في صف البشرية أخيرًا، مجرد فكرة كتلك كفيلة بإحداث زلزال في هذا العالم المحاصر باليأس\.
سيمكنهم بذلك استعادة سور ماريا، وسيعود الناس إلى ديارهم، وسيزرعون، ويحصدون، وستتوقف الأفواه الجائعة عن النحيب كل ليلة\.
سيكون منقذهم\.
لكن\.\.\. منقذ؟
رددت الكلمة في عقلها، بنبرة ساخرة بعض الشيء\.
أليس نعتُه بلقب كهذا يُظهرها كعديمة مسؤولية؟
قاطنوا سور روز بالفعل يوافقون على ذلك، فُتحت النقاشات في الأسواق والمقاهي المتهالكة،وانتشرت الشائعات كالنار في الهشيم\.
حتى إن البعض قد يستغلونه للتحريض على تمرد ضد المنطقة الداخلية، سيقولون أنهم من ضحوا بأبنائهم خارج الأسوار، فلما يحكمهم مَن لم يعرف طعم الخوف؟، ثم سيتبع ذلك احتجاجات، فوضى، وربما دماء تُراق على الطرقات\.\. إراقة دمٍ عقيمة\.
ولذلك ربما عليهم فقط التخلص من أيرين ييغر قبل أن يتحول إلى شرارة تشعل كل شيء، في نظر فيرينا هذا حل مثالي للإبقاء على السلام داخل الاسوار\.
لكن لا يبدو أن القائد إيروين سميث موافق على ذلك، وكانت تعرف تلك النظرة في عينيه الزرقاوتان، نظرة ثابتة لا تعبّر عن شك أو ارتباك، بل حزم لا نقاش فيه\.
وقفت فيرينا على ميّل متكئة بكتفها الأيمن على إطار البـاب، في حين جلس أيروين وحفنة مِـن نخبة فيلق الاستكشاف، على أريكة وكراسي داخل الغُرفـة\.
وقبل أن يفتح فمه، نبست فيرينا بنبرة متشككة مع رغبة يائسة في ثنيهِ عن رأيه،"حتى لو عمّت الفوضى داخل الأسوار\.\.\. سنحتفظ بأيرين في صفنا؟"
نظر إليها، ولم يرمش حتى، "أجل\."، خرجت نبرته جادة، ثم وقف باستقامـة أمامها\.
"حتى لو زعزع ذلك نظام الحكومة؟"، دفعت جسدها عن إطار الباب، وخطت خطوة لداخِل الغُرفة، ثم حركت كفّها اليُمنـى نحو النظارات الزجاجية وعدلت موضعها على عينيها، وثبتت بؤبئتيها على ورقة التقرير في يدها\.
"أجل\."، أجاب دون تردد\.
فيرينا مدركة أن قرار القائد ليس مجرد خطط او تكتيك، بل قناعة، ورغم كل ذلك، فهي لم تكن متأكدة إن كان ذلك مطمئنًا أم مخيفًا، لم تحب قط رهاناته\.
فقالت، بعد أن رأت أن لا فائدة من محاولة ثنيه،"\.\.\.فهمـت"، ثم رفعت نظرهـا عن الاوراق ونصبتها نحوه\.
MAR