وِصاية

وِصاية

13 0

بعد سويعات قليلة، إمتثل كُلٌ مِن اعضاء فيلق الاستكشاف، الشرطة العسكرية، الحماية، ونقابة التُجار، وحفنة من كنيسة الأسوار، في المحكمة العسكرية، أمام القائد الأعلى داليس زاكلاي، الذي جلس على أعلى موضع-كما عليه ان يفعل- في القاعـة.

تموضعت فيرينا بيـن ايروين وليـفاي، وطافت عينيها حول قائد الشرطة العسكرية، وقائد فيلق الحماية، لم يكن بيكسيس يشكل أي مُعضلة، على خِـلاف نايـل الذي لطالما إختلفت أرائهما وجوانبهما منذ أن عرفته، أي منذ عشر سنوات تقريبًا.

توقف حدقتا عينيها عن التجول حول وجوه الحاضرين المعتمة، وركزتها على أيرين يـيغر، الذي توسط جسده الهزيل القاعـة، وبدت ملامح الريبة والقلق على وجهه.

وبما أن حالة أيرين ييغر إستثنائية، فقد تم إقامة هذه المحكمة التي ستُحدد من سيمسك حق الوصاية عليه، فقد ثبت ان إخفاء وجودهِ أمرٌ مستحيل، ومالم يتم الإعلان بوجوده بطريقةٍ ما، ستواجه البشرية تهديدًا اخر إضافةً إلى العمالقة.

بالنسبة لـّشرطة العسكرية، فـأيرين يُهدد الاستقرار داخل الأسـوار، وهذا ما تراه فيرينا مُقلقًا، وهذا ما قد يتسبب بالمتاعب لهم على المدى البعيد، لذا الحل الأمثل الذي تبنوه، هو ان يقوموا بدراسة جسد ايرين، وبعد ذلك سيتخلصون منه.

قوة عملاق أيرين ييغر قد صدّت الهجوم الأخـير، لكن على الرغم من ذلك، فشخصيته تستحث إضطرابات قد تؤدي إلى ثورة، لذا سيزوود البشرية بما يكفي من المعلومات، ثم يستشهد من أجل البشرية.

لكـن، قبل ان تسنح الفرصة لزاكلاي بالرد، صاح أحد اعضاء كنيسة الاسوار، وقد رفع سبابة يده اليمنى نحو أيرين، "هذا ليس ضروريًا!!! إنه حشرة قام باخترتق وانتهاك اسوار الإلاه المقدسة!! يجب ان يتم قتله هنا والان!!!"، دارت فيرينا بنظرها نحوه ونحو القائد زاكلاي الذي قد تجاهل ما نده به رجل الدين، وأعاد مجرا حديثهم لما قد اجتمعوا له، "لنسمع الان إقتـراح فيلق الاستكشاف!."

رمقت فيرينا إيروين بطرف عينهـا، بنظرة ترقب، "أنا العقيد ايروين سميث، القائد الثالث عشر لفيلق الاستكشاف، واقتراحنا كتالي!"، أبعدت فيرينا نظرها عن ايروين ونصبتها على نايل، نايل الذي أبدى تعبيرًا غير راضي على الأطلاق.

شدّت على قبضتهـا، واستمعت اكلام ايروين، "سنقبل أيرين كعضو رسمي في الكتائب الأستكشافيـة، ونستعيد سور ماريا باستخدام قوى عملاقه... هذا كل ما لدينـا!!"، حل صمت مُريب علـى القاعة، وخرجت همهمة راضية من بين شفاه فيرينا عندما اشتدت تعابير التسخط على وجـه نايـل.

"أهذا كافٍ؟"، عدل زاكلاي نظارته على جسر انفه، وثبت نظرته على عقيد الكتائب الاستكشافية.

"أجل، باستخدام قدرته على التحول فباستطاعتنا ان نستعيد سور ماريا! انا واثق من ان الأولويات واضحـة!"، اومئ زكلاي، ثم حول نظره من ايروين إلى فيرينا وتابع،"يالمناسبة فيرينا! من أين تنون البدء؟ فجوة تروست قـد أغلقت ويستحيل فتحها أليس كذلك؟"، عدلت فيرينا وقفتها، ثم أجابت بثقة، وقد ابعدت عيناها عـن نايل إلى زاكلاي،"أجل، وهي لن تُقتح مجددًا على الارجح، رفعت ورقة كانت على يدها اليُمنـى وباشرت بسرد محتواها، "لذا سنبدأ من كالانيس بالشرق! ومن هناك سنشق طريقنا نحو شيغانشـيـنا!"، ثم وقبل أن يحظى زاكلاي بفرصة الرد، بدأ البعض يصيح بـ

"علينا أن نحكم إغلاق جميع البوابات الان!! العملاق الضخم قادر على تدمير البوابات وحسب!!"

"اخرس يا دمية نقابة التجار!! باستخدام قوة هذا العملاق! فسيمكننا استعادة سور ماريا!"

"لقد ضقتُ ذرعًا من لعبكم دور الابطال كل مرة!!"

"انت تُثرثر كثيرًا أيها عالة!"، أنزلت فيرينـا يدها السليمة، ونظرة بطرف عينها نحو ليفاي، الذي توجهت الانظار نحوه بعد تعليقه الوقح، ثم اكمل ليفاي،"من قال أن العمالقة سينتظرونكم إلى أن تحكموا إغلاق البوابات؟، الناس تتضور جوعًا لاننا لا نكمل مايكفي من الاراضي!"

"كل ما نقترحه هو أنه إن تمكنّا من إحكام إغلاق البوابات، فنكون في-"، لم يكمل التاجـر حديثه، فقد تشبث عضو من اعضاء كنيسة الاسوار وبدأ بتكفير التاجر واتهامه بعـدم الإيمان، وان السور قد اخترق لضعف إيمانه بـألهة الاسوار العظيم، يا له من هراء.

فيرينا لم تنطق، عيناها فقط طافت بين المتخاصمين، لكن! ألم تكن تلك غلطتهم منذ البداية؟

لقد تأخروا في تقوية دفاع السور، لذا آل الامر لهذا المآل، لكن لما عساهم الاهتمام؟ إذ امتلكوا المال والاراضي الكافية لملئ بطونهم!، وما خسر شيء سوى الحثالة-في نظرهم- اهاليهم وديارهم؟

طبطب زاكلاي بقوة على مكتبه، ولفت بذلك انظار الجميع نحوه بمن فيهم المتخاصمين، "هذا يكفي! ناقشوا امر آرائكم ومعتقداتكم في مكان اخر!!"، ثم عندما صمت الصخب، أعاد عيناه نحـو ايرين يغير واكمل، "ايرين، هل تستطيع الاستمرار بالقاتل من أجل البشريـة كجندي؟"

خرجت نبرة ايرين متوترة حينما قال،"أ- أجل!"، رمقت التقرير في يدهـا رمقة سريعة، ثم نظرت نحـو زاكلاي عندما قال،"لكن، وردَ في تقـرير تروست مايلي، 'ما إن إتخذ هيئة العملاق حتى سدد قبضتـه نحو ميكاسا اكارمان!' "، لا يبدو أن ايرين يذكر ذلك، فبعد ما قال زاكلاي ذلك، إلتفـت ناحية ميكاسا في دهشة! او ربما عدم تصديق!

وسحقًا، نايل كان قد سبق ونبش عن طفولة ايرين بعدما أدلـت ميكاسا أكارمان بشهادة مضطربة عاطفيًـا، وعلى ما يبدو أن ذلك كان لأنها يُتمت على يد قُطاع طرق، وقد تبنتها عائلة أيرين بعدما قتل كِلاهما المتسببين بيتمها.

ثم، بدأت اصابع الشك توجّه إلى أكارمان في عدم تصديق أنه يمكن أن لا تكون بشريـة، وأن تشريحها واجب في هذه الحال للتأكد.

"مهلًا مهلًا!!"، ندهت فيرينـا بصوت عالٍ، فالتفت معظم من بالقاعة نحوها، لكن الهمسات المتشككة لم تَزُل بالكامل، رفعت ورقة التقرير وأكملت، "ميكاسا اكارمان، من فيلق التدريب، الدفعة مئة وأربعة، اجهزت على أكثر من عشرة عمالِـقة عند سقوط تروست!"، نظرت بطرف عينها نحـو ميكاسا أكارمان، ثم اضافت،" كما أنها من القِلة الذين بقـوا وقاتلوا حتى النهاية اثناء سقوط تروست!"

إنفلتت نبرة التاجر مرتبكة لمّـا تحدث، "كل ما أقوله هو انه من المحتمل ألا تـكون بشرية!"

"وأنا اقول أن ميكاسا أكرمان قاتلت إلى جانبنا، لا ضدنا، وسلوكها خلال سقوط تروست كان واضحًا!"،

اغمضت عيناها للحظة اثناء الشرح، مرّت بعينها على ما كُتب في التقرير، ثم ارتفعت نظرتها نحوه، واسترسل الحديث مجددًا، "اقتراح تشريحها الآن، ليس عقلانيًا، بل تصرفٌ مدفوع بالريبة والخوف، وهذا ليس وقتًا لنخضع فيه لغرائزنـا"، أطلقـت تنهيدة غضب مكتومة نهاية حديثهـا، وانثنت قامتُها عن الاعتدال، ومالت في وقفتها.

أليس شرح هراء واضح كهذا أمرًا في غاية الإحباط؟، إذ أن كل شيء جلي في أعين الجميع لكنهم يُصرّون على إنكار الحقائق، يتشبّثون بأوهامهـم وهُـم يرمون كلماتهم بلا حساب في ما قد يكون أملًا؟

وفي حين أن كلمات متفائلة تهدر دون أن تُحدث أثراً، فتنساب نظرات الإحباط على وجوه مؤيدوها.

"أ- أوي! انتِ تدافعين عنهما أكثر من اللازم... ماذا يضمن لنا أنكِ لستِ مثله!"، فغرت فيرينا فمها قليلًا، كأنها تبتلع شيئًا لم تتوقع مرارته، وتمثلت في وجهها ابتسامة هادئة لشدة دهشتها، لا تُفهم إن كانت سخرية أم تهكمًا أم غضبًا، ثم حملقت في الفراغ الماثل أمامها...

وسكتت، بدت كأنها تراجع الكون، أو تتفحّص اتساعه الذي عجز عن استيعاب تهافت هذا المشهد، وتفاهة من يملؤون القاعة بالريبة والجهل والمصالح.

وساورها خاطر، لا... لم يكن خاطرًا، بل رعشة خبيثة ورغبة صبيانية رعناء مرّت في أطرافها، كأن أصابعها تاقت أن تفصح عمّا يضجُّ في صدرها.

أرادت، دون أن تخفي تلك الرغبة، أن تتقدم وتتجاوز السور الخفيض، فتضرب القس على فمه، على كل كلمة قالها مذ فتح فاه... منذ أن خُلق ربما!

ثم تخيلت نفسها تقترب من نايل — وجهه ذاك، الجاف، الصلب، المتغضّن بتجاعيد لا تقول

حكمة— أن ترفع كفها في صفع واثق، ليس من غضب، بل من قرفٍ خالص.

وأخيرًا، ذاك التاجر الذي تدلّت كلماته من فمه كما تتدلّى نقوده من جيبه، شعرت برغبة خبيثة، لا للصفع هذه المرة، بل للسكوت الأبدي، أرادت — في خيالها على الأقل — أن تسكته للابد، لا من باب العدالة، بل لأن لا أحد قادر على إحتمال الحياة وثرثرته في الوقت ذاته!

لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك، لا صفعًا ولا قتلًا، بل اخفضت نظرها لّتقرير وتمتمت بشتيمة.

"صمـتًا!"، أعاد زاكلاي الأنظار نحـوه بطقطقة عالية على مكتبه.

لكن تاجر آخـر بدأ يصيح بضرورة إعدام أيرين قبل ان تتافقم قوته، إذ أنـهُ، يرى أن القضاء على مُشكلة لازالت صغيرة، أفضل من تركها تنمو فتخرج عن أيديهم وسلطتهم، فيكونوا بذلك قد ارتكبوا خطاء أبلغ من أن يُرتكب.

وما يزيد الطين بلّة، هو أن طلب القائد إيروين سميث — الرجل الذي لا يهوى الخطو إلا على الحد الفاصل بين المجازفة والرجاء— فزاد الشكوك اشتعالًا، إذ بدا لآذان البعض أنه لا يسعى إلا لإطلاق وحشٍ بسلسلة أوهى من أن تُبقيه، وأنه إنما يبذر بذور دمارٍ في أرضٍ لم تُشفى بعد من غدر العمالقة.

أيرى أيروين في العاصفة خلاصًا؟ أو يظنُّ أن الرياح تأتمر بأمره؟

ولمّا طاف هذا المعنى في القاعة، رأى فيه البعض خيانة مبطّنة، ورأى فيه آخرون محاولة إنقاذٍ مستميتة، لكن الغالب عليهم جميعًا... أنهم كانوا على وشك أن يغرقوا في خوفهم، أكثر مما هم راغبون في التمسك بعقلهم.

"حتى وإن زعم أنه سيكون عونًا للبشرية، وسندًا في الذود عنها… فإن في نفسه ما يُوجِس!!"، إرتفع صياحهُ الأجش مرة ثانية، وقبل أن تُتاح فرصة لؤلائك أرادوا الإحتجاج إسترسل متابِعًا إحتجاجه هو، "الغدر لا يعلن عن نفسه صراحة، بل يتوارى خلف كلماتٍ منمّقة!!ووعودٍ معسولة!"، تعالت الهمسات بين الجمع في القاعة، مِـمَا أعاد التوتر اسوء من قبل.

"أفلا يُعقل! أن يكون هذا الذي بين أيدينا، واحدًا منهم؟!"، هتف بها، وقد انتُزعت من أعماقه انتزاعًا، فكأن صدى صرخته تموَّج في جنبات القاعة، ثم انقضَّ عليها صمتٌ رزينٌ.

لا يُمكن إنكار أنّ هذا مقنع، وجيد للغاية بالنسبة لتاجر لا يُحسن التفكير فيه، لكنّه لا يزال مبتذلًا كل الابتذال، ككلماتٍ مصوغةٍ على عجلٍ في سوقٍ يعجّ بالصياح، لا تصمد أمام أول نسمة من منطق، ولا تزن في ميزان العقل أكثر من ريشةٍ عالقةٍ بثوب.

كان وقعها على مسامع فيرينا أشبه بأغنيةٍ يترنّم بها متسوّل عند ناصية الطريق، لا يُلقي في أوتارها روحًا، ولا في كلماته معنى، فتدسّ في يده بعض النقود، لا لأن صوته راق لها، بل لأنّها تبتغي منه أن يطوي فمه.

"لماذا هذا الفزع الذي يعتريك، وأنت لم ترى عملاقًا قط في حياتك؟" إرتسم صوت إيرين بهدوء قاتل، يختلط فيه صلفٌ بالتهديد.

كان عليه أن يلتزم الصمت، وكان يعلم تمامًا أن السكوت في هذه اللحظة فريضة لا مفر منها. فقد أدرك، وإن بدا عاجزًا عن كبح لسانه، أن الإفصاح عما في جعبته سيعجل بنهايته المحتومة، يقتاده الموت بلا رحمة، فلا مناص له من الهلاك المحتوم.

لكنه أصرّ، لا مبالٍ، قائلاً بنبرةٍ متصاعدة، "كل ما أنجزتموه حتى هذه اللحظة، ليس سوى تأويلاتٍ وافتراضاتٍ تلبسونها لباس الحقيقة لخدمة أغراضكم الخاصة! أترون أنكم ستصلون إلى أي خلاصٍ عبر الهروب من واقعكم بهذا الغرور الأعمى؟"، واشتدّ صوته في القاعة، يملؤها تحدياً واحتداماً.

"وإن تخلى الأقوياء عن القتال نيابةً عنكم، فما هو مصيركم إذًا؟ وإن كانت قلوبكم ترتعش من خشية المواجهة دفاعًا عن حياتكم، فلتمنحونا على الأقل عونكم ودعمكم لننهض نحن بذلك!"، ثم صمت لحظة، قبل أن ينفجر بالصراخ قائلاً، "كفى من هذا العبث والضجيج... وراهنوا بكل ما تملكون عليّ!"

ساد الصمت المطبق بين الحضور، وكأن الكلمة الأخيرة أطلقت شرارةً خفية أشعلت أجواء القاعة برهبةٍ مكتومة.

ولكن، لم تدم تلك اللحظة الهادئة طويلًا، إذ باغت أيرين ضربةٌ قويةٌ ارتطمت بوجهه بعنف، حتى شعر بخدر يمتد في عظام وجهه، وارتطم شيءٌ ما بفمه، ربما ضرسٌ تحرر من مكانه.

لم يُمهله الوقت حتى يستنشق ولو شهيقًا، إذ تلت الضربة ركلةٌ أخرى عنيفةٌ استقرت في بطنه، أشدّ وطأةً من سابقتها، وقف الجميع كالصمادة، تتراوح نظراتهم بين الدهشة والذهول، بينما كانت فيرينا تتابع المشهد بعينين تفيضان بالشك والتساؤل، تتساءل في قرارة نفسها، هل ليفاي يستمتع فعلًا وهو يوجّه تلك الضربات؟

خطا ليفاي خطوة للخلف، ثم خفض بصره نحـو ايرين، صوته منخفضٌ حين قال، "هذه وجهة نظري، وربما القاسية، لكن الألم هو أفضل معلم للانضباط."، ركله مجددًا ثُـمَ أضاف، "أنت بحاجة لدرسٍ تطبيقيٍّ أكثر من النظري، هذا انحناؤك المذلّل يجعل منك هدفًا سهلًا لكل ركلاتي."

ثم عاد ليفاي يصبّ على أيرين سيل ركلاته المتتالية، الفتى المسكيـن، لم يعد يقوى إلا على الانهيار تحت وطأة الضربات المتلاحقة.

ولا ريب أن ما جرى قد غرس في نفوس بعض الحاضرين بذور الخوف والارتياب مما قد يحدث لو أنّ أيرين استسلم لغضبه وتحول إلى عملاق.

عندها انبرى نايل قائلاً، وقد غطت بضع قطرات من العرق جبهته، "الأمر خطير… إن هو فقد السيطرة واهتاج، فقد يتحول في الحال إلى عملاق!"

فقفزت نايلا إلى الكلام قبل أن يفرغ من عبارته، وكان في لهجتها من حدّة التهكم ما لا يخفى، "ظننت أنّك ستشرحه لنا تشريحًا!"، وكانت غايتها، ولا شك، أن تنال من نايل إهانةً مقصودة لا تخفى على أحد.

"لقد كنتم تنهشونه بالقول طَوال الوقت!" تابعت بنبرة تحدي، ثم مالت قليلًا إلى الأمام، وقد ازداد اتساع ابتسامتها الملتوية، حتى غدت تحمل في طياتها شيئًا من التحدي والازدراء معًا، "ولكن، تُرى… أستكونون قادرين على إزهاق روحه إن وقف في وجوهكم وجهًا لوجه؟"

ارتفع صوت إيروين وهو ينادي،"جنرال زاكلاي!.. لديّ اقتراحٌ لكم!"، وقد رفع ذراعه في الهواء، حتى يُصغي إليه الجميع.

أومأ له زاكلاي إيماءةً مقتضبة، فأخذ ايروين يتابع، وقد انطلقت كلماته بلهجة حاسمة لا تخلو من الحذر،"إن كثيرًا من الحقائق ما يزال غارقًا في المجهول عن قدرات هذا الفتى إيرين، وبذلك يبقى خطرًا محتملًا يُخيّم على رؤوسنا، فإن اخترتم وضعه تحت مسؤوليتنا، فسأُعجّل، من باب الاحتياط، بتكليف القائد ليفاي بمراقبته… وكونوا على يقين أنّه يملك من الكفاءة والصرامة ما يكفي ليحسم أي طارئ قبل أن يستفحل."، وما إن ختم إيروين كلمته، حتى تسلّلت بين الصفوف همهمات متباينة، بعضها مبلّل بريبةٍ حذرة، وبعضها الآخر يقطر خوفًا.

عندئذٍ، نهض زاكلاي، وقد عقد حاجبيه وهو يرسل نظره على الحاضرين وقال،"حسنًا إذن… أرى أننا قد بلغنا نهاية النقاش، وما عاد في الوقت متّسع للمزيد من اللغط، وها أنا أعلن قراري..سيلتحق إيرين ييغر بفيلق الاستكشاف… غير أنّ عودته إلى الأسوار ستظل رهينةً بما تُسفر عنه البعثة المقبلة."

ومن هناك، انطوت اللحظة على ذاتها.

بالنسبة لفيرينا، كانت تسير بأفكارها في دهاليز معقدة، تتساءل بهدوء عن كيفية تعاطي المقاطعة الداخلية مع هذا الملف الشائك، ذلك الكيان الغامض الذي يحيط بكل شاردة وواردة داخل الأسوار، والذي لا يرحم ضعفًا ولا يتهاون في تهديد الاستقرار.

أدركت تمام الإدراك أن فيلق الاستكشاف، بكل شجاعة مغامراته وخطورته، لا ينطلق إلا من أساس متين من الاستقرار الداخلي، ومن دعم صامت وربما مضطرب لهذا المجتمع المحاصر.

كان من الواضح أن العقيد إيروين سميث، بفطنته التي لا تغيب عنها أدق التفاصيل، قد فهم هذا الوضع، ولذلك، كان لا بد أن تكون رحلته القادمة مع إيرين ييغر خارج الأسوار ذات رسالة مضاعفة، ليست مجرد استكشاف للأراضي الجديدة أو استعادة ما فقد، بل إعلان صريح عن أهمية أيرين وقيمته الاستراتيجية، رسالة تصل إلى كل زاوية في المقاطعة، تدل على أن هذا الشاب لم يعد مجرد عنصر عادي، بل قطعة محورية في لعبة الحياة والموت التي تحيكها القوى الكبرى خلف الكواليس.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إندثار|الحافة الأخيرة

المؤلف MAR
2025/07/11 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة