مدخل

مدخل

17 0

القاعدة الأولى: تخلَّ عن ذكرياتك إن وددت العيش سعيدًا ⋘ ──━༺༻━── ⋙ دُجًى ألمَّ بمشاعرَ شاجية، تضمُّها معالمُ الحُجرة البالية، ووصبٌ أرج عبرَ نتوءات أرضيّةٍ يبطن تَحتَها سرابٌ مستورٌ بذكرياتٍ جانية هناك تَرَاقصَ أجيج لهيبٍ متَّقِد حتّى استقرّ على طرف السّيجارة الرّاكدة، تاركًا خلفَه دِعةً ونَزْعةً ملسونة كاذبة، الدُّخانُ لفَّ وجهي بين نفسٍ وآخر، مخفيًا ملامحي المُكدَّرة المُعنَّتة الشّاحبة، يخرجُ من منخريّ وفمي متماوِجًا يرتَفع قبل اختفائه مندثرًا كهندباء هشّ ووهى أنزلتُ ذراعي، أجعلُها تتدلّى على ركبتيّ المرفوعتين، الرّطوبة تتسلّل من جدران الزّنزانة تُجمّدني، تجمّد جلدي فحنيت رقبتي قليلًا أُقوِّس ظهري والأكبال بمعصميّ، قدميّ وجيدي المتَّصلة بالجدران تمعني من الحراك بحرِّية، شعري الّذي ربطته تمرّدت بعض خصلاتِه إلى وجهي بينما طرف عينيّ حطَّ على القدَّاحة الذّهبيّة والتَّبغ المُلقى، تبغٌ ثقيلٌ يُرمض صدرك ولا يقترب من حلقِك، تبغٌ فاخرٌ لا يُعطى للمساجين خصوصًا الّذين يلقونَهم مع الجرذان المسعورة، أشحت بنظري أشعر بثقلٍ في رأسي وأنا أميله أو لنقل عندما سقط من تلقاء نفسه، أحسست بحرارتي ترتفع، بحكّة في رقبتي "قدّاحة جلالتِه، تبغ جلالتِه" تمتمت، وضعت السّيجارة مجدَّدًا بين شفتيّ "وأتروبين نقي عالي الجرعة وضعتُه بالثّلث الأماميّ من سيجارة جلالتِه" استنشقت الدخّان حتّى رئتيّ، يُعطي للتبغ طعمًا مميَّزًا لن أُنكر، طعمًا جافًّا قابضًا، لن أتناولَ سمًّا بعلمي إلَّا إن كان بالتَّبغ، إلّا إن كان يمنحني هلوسَة وإن كانت مرعبة ما دمت لن أعود، ما دام يجعلني أطير من جسدي كالمخدِّرات "لم يستحقّ جلالتُه هذا الطّعم قبل موتِه " رفعت مقلتيّ للقضبان الصغيرة في الفتحة بالجدار حالما لمع البرق، وصلت إليّ رائحة التراب المبلل بالمطر "جافٌّ كالعظم، أحمرُ كالشوندر، أعمى كالخفّاش، حارٌّ كالأرنب، مجنونٌ كصانع قبّعات، وممتلئٌ كقنينة " همست بالقاعدة، انعكس الضّوء على عينيّ الناعستين وانخفضت عقيرتي أكثر "استحقّها جلالته " توسّعت حدقتاي بفعل تأثيرِه، كان حلقي جافًّا وتردّد بذهني عندما كان يجلس على عرشِه يتسمّم ولا يستطيع فتح فمه لنصف ساعة، رجلٌ مصابٌ بالتصلُّب الجانبيّ الضّموريّ يُعاني لرفع إصبعِه في الأحوال العاديّة كان سمٌّ كهذا الأنسبَ له "كان جلالته غبيًّا، أبله لأنّ شعبه غبيّ " كانت النّيران تلهو على جسدي، نظرت لذاك الجسم --الرجل في الخارج بلمحة سريعة ثمّ أعدت مقلتيّ أمامي "باع حقَّ أناسِه للعدو، باع أراضيه للعدوّ، باعها لنا لأجل الثروة والجاه وطفق يُوهم شعبَه أنّ جيشهم قاتل بشرف " رؤيتي باتت مشوّشة، متداخلَة "ظنّ أنّه خدع شعبَه لذا أمنَهم وأمنني " رقبتي كلّها باتت حمراء وجلدي "لكنّني لست من شعبِه، لم يكن من المفترض بجلالتِه أن يأمَنني " حككت رقبتي، كل شيء حولي يدور وكلامي قد بات بطيئًا، حنجرتي أُقفلَت وبات صوتي يخرج بصعوبة، لنقل حاولت التظاهر بذلك وأنا أُلقي نظرة خاطفة على مَن بالخارج الّذي لا يفتئ يراقبني، حاولت ألّا أنقر على لساني وأُكمل الهلوسة قدر الإمكان "جافٌّ كأراضي قومِه المنهوبَة من قبل النُّبلاء، أحمرُ كتربتِه الملوّنة بدماء الأبرياء، أعمى كضميرِه، حارٌّ كجحيمِه، مجنونٌ كوعودِه، وممتلِئٌ كخطاياه" نظرت هنا وهُناك، نظرت ليديّ وردّدت كلّ الهراء، طفقت أحكّ جيدي كي أظهر له علامات الاختناق الّتي يودّها، جرحت جلدي بأظافري وكأنّني أظنّ أنّ هناك شيئًا تحته، مثّلت كلّ الأعراض، مثّلت كل الهلوسات وربّما صدمت رأسي ثلاث مرّات حتّى تسرّب الدّم، سقطت عندما حاولت الوقوف عدّة مرّات وطفقت أشدّ السّلاسل المتّصلة بطوق رقبتي للوراء حتّى وضع المعدن علاماته على رقبتي وكدت أختنق، أخذت أُحدّث أمّي الّتي تخيّلتها رغم أنّني لا أملك أمًّا، فعلت العديد والعديد من الهراء والغباء والقرف، الرعديد كان يشرب شايه يجلس على كرسيّه أمام القضبان ويراقبني، نسيت أنّ ابنَ الملكِ المتوَّج عيناه عليّ، أنّه يستطيع رؤية أيٍّ كان ما يريد إن لم يكن على بُعد خمسة كيلومترات منه، أنَّني إن سممت ذاتي فسأجده أمامي ليراقبَني، كافحت لألّا أبصق في وجهِه وأجعله تحت حذائي. الأتروبين النّقيّ، واحد من الأدوية والسموم المتبقّية من الحرب البيولوجية العظمى، واحد من فتات العالم القديم، كان يُباع بثمنٍ أغلى من الذّهب عندما اجتاحت سموم الأعصاب، من الأدوية النّادرة النّاجية مما حدث قبل قرنين، الجرعات الزّائدة تعمل كسمٍّ للناس قبل قرنين، لشعب الشّمال وملكهم، لشعب الجنوب وملكهم، لشعب الشّرق وملكِهم، لكن ليس لي، ليس للغرب، أمير الشّمال الصّالح لو كان طفلًا من أطفال الشّوارع لم أكن لأجدَه أمامي يشرب الشّاي بهذه البلاهة أرض الغرب منبتٌ للسموم، أطباءُ الغرب العشبيُّون لا يعيشون إلّا على السُّموم، اسلب من طبيب غربيٍّ سمَّه وسيقبّل قدمك حتّى تعيدَه إليه.. قاعدةٌ يعرفها الكلّ إلّا النبلاء المشغولين بفنون الإتيكيت أسندت جسدي على الحائط، بقيت أنظر لنقطة شاردًا، أظهرت سلوكًا شبيهًا بالجمود ورغم أنّني إن مثّلت أنّ مجراي التنفُّسي قد أُغلق رغم أنّ الأتروبين لا علاقة له بهذا سيصدِّقني، لكنّني لست جاهلًا لأفعل هذا، إن رأى أنّ السّمّ لا يؤثِّر بي سيفصل بسيفِه رأسي عن جسدي في لحظتِها دون أخذي لساحة الإعدام حتّى، عضضت باطن وجنتي أهمس بشيءٍ لم يسمعْه، بأنّني لن أتركَه دون أن أخنقَه بحذائي عندما أحشره بفمِه، مدلَّلٌ مثله يجعلني بهذا المظهر المُثير للشفقة لن أجعله يفرّ منّي عندما أكسر أكبالَه عديمة الجدوى أنهى شايَه، ربَّت بلطفٍ على شفتيه بالمنديل ولا أدري أيّ غباء يملك ليغدو مشرفًا عليّ وهو لا يعرف عنّا شيئًا إلَّا أنّنا نعيش بغرب الكرة الأرضيّة، مرَّر يده بجيب بنطالِه يُخرج مفتاحه --مفتاح الزّنزانة وحاولت كبح ضحكتي من الخروج وأنا أراه يكافح ليُديره بفتحتِه، جعلْت عينيّ على البقعة الّتي هو بها أتظاهر بشرودي هناك، بأنّني لا أعي مَن هو بينَما تقدّم نحوي، ابتسم ومررت لساني بجوف فمي ألعق السمّ المتبقّي "ابن الغرب يموت بالسّم الّذي استخرجه تراجيديٌّ أوليس؟" جسدي امتصّ السِّم، شعرت بالطّاقة تتفجّر في عروقي لكنّها ليست كافية، أحتاج جرعة أعلى بعشر مرّاتٍ كي أكسر السّلاسل، لكنّ تدفُّق الطّاقة فيّ كماءٍ حلّ على أرضٍ يباب يشعرني بالنّشوة، نشوة لم أستطع كبحَها ومخالبي تخرج تدريجيًّا تجرح باطنَ يدي الّتي كوّرتها على أظافري أُحاول سحبها للداخل، همهمت أتظاهر بأنّ لساني مشلول فأَظهر وجهًا متقزِّزًا وبعدها وجدت وجهي يُلامس الأرض، قدمُه ضغطت على جانب وجهي يُلصق الجانب الآخر بالأرض الرّاطبة، والسّلاسل كانت طويلة تتدلّى من طرف طوق عنقي "غربيٌّ مثيرٌ للشفقة " قال، شعرت بعظام فكّي تتقاطع وأنفاسي تسارعت، تسارعت وأنا أضغط بمخالبي على راحتي يدي أتخيّل عندما أُدخلها برقبتِه، أمال رأسه قليلًا وضغط على وجهي بحذائه أكثر "والدي العزيز، ملك الشّمال المحبوب.." صمت، دمي تسرّب من الجرح الّذي صنعته إلى الأرض، من يدي، من جبهتي، من باطن خدّي، رفع قدمَه عن وجهي، شراييني امتدّت وشعرت أنّ رأسي يُنتزع من جسدي عندما شدّ السِّلسلة إليه، أحسست بالمعدن يضغط على فقراتي وأغلقت عينيّ، كنت أختنق، حلقي احترق، وسمعت صوت أنفاسِه قريبة منّي، استشعرتها وهو يقرّب فمه من أذني "كنت أودّ التلذُّذَ بقتلِه، كنت أودّ أن أرى موتَه أمامي " همس، سحب السِّلسلة أكثر للوراء ثمّ تركَها، رأسي ارتطم بالحائط وارتدّ للأمام، كان الألم في جمجمتي فظيعًا وأنا أحاول التقاط أنفاسي الّتي خرجت على شكل شهقاتٍ مريعة، فظيعة، الدَّم سقط إلى عنقي لزجًا حارقًا يتقطّر على طوقي، إن حاولت قتلَه فسيجهز عليّ، هو أقوى منّي والسِّم لم يمنحني الطّاقة الّتي أبغيها بعد، لا أدري كم مرّة رددتها في عقلي وأنا أتخيّل جثّته أمامي الرّباط سقط من خصلاتي الّتي شدّها، الّتي سحب من خلالها رأسي للوراء يجبرني على النّظر في مقلتيه الرّماديتين، مقلتيه اللتين تحملانِ مللًا، ازدراءً وكأنّه ينظر لجرذ "منذ أتممت العاشرة وأنا أخطِّط لطريقةٍ تُنهيه، بحثت عن أكثر الطّرق إيلامًا لأحصل على العرش بيديّ، لأسمع آهاتِه وأراه يلعق حذائي كي أعفو عنه " انكمشت ملامحه "ثمّ يأتي غربيٌّ ابن زنا ويحبط مخطّطي بطريقةٍ مبتذلة مثله، لقيطٌ غبيّ رأى لحظات أبي الأخيرة وأنا لم أرها " دفع رأسي للأمام، جبهتي للأرض بعنفٍ أفقدني توازني، ارتطمت الأرض بكلّ جسدي، بركبتي، صدري، وجهي، هسهست بخفّة وعضلة صدري اضطربت بين الانقباض والانبساط، رؤيتي باتت مشوّشة وأنا أشعر بالألم في كلِّ شبرٍ من جسدي، وأنا أنظر إليه يتقدّم أمامي، قبض على فكّي بيدِه، حشر التّبغ في فمي، الأتروبين، ملأ فمي به، اختنقت وخدشت أظافري الأرض، حاولت ألّا أبصقه وأبلعه لكنّني فعلت، لكنّني لم أحتمل هذه الكمّية في فمي، لم أسمع ما قال وهو يذهب، لم يكلّف نفسَه عناء إغلاق الزّنزانة وخرج اعتدلت أسمع طنينًا يصفر، تلاطمت الأصوات داخل جمجمتي، أصدرت أنفاسي فحيحًا وأنا أضغط على أذني، جرت عيناي حولي حتّى حطّتا على التّبغ الممتلئ ببصاقي، بدمائي، زحفت إليه، زحفت على يديّ وركبتيّ المجروحتين، أمسكت السّجائر المتبقّية بيديّ المكبّلتين، كانت رطبة ونظرت إليها للحظة قبل أن أُدخلَها كلَّها لفمي، التّبغ تسرّب لحلقي، كان مرًّا حامضًا مقرفًا، بلعت كلّ الهراء وكل الذّلّ الّذي مرّ على بلعومي، احتاج جسدي وقتًا لفصل السمّ عن الباقي، لمعرفة ما يريد وفرزه، وقتًا طويلًا قبل أن أتقيَّأ، أحسست أنّني أتقيّأ أمعائي، أحسست بالطّاقة تغلي فيّ، أحسست بالأتروبين يذوب بجسدي، يختلط بدمي، يملأُني، كان الشّعور جيِّدًا، رائعًا، ابتسمت أسمح لمخالبي بالخروج، أسمح لنفسي بتخيُّل المدينة وهي تحترق، توهّجت مقلتاي بلونٍ عسليّ ولم أبذل جهدًا لجعل الأطواق تنكسر، صوت طقطقة نتج عنها ثمّ باتت كل واحدة منها نصفين ساقطين، وقفت وقد تركت الأطواق علاماتِها على موضعِها من جلدي، أملت رأسي لكلا الجانبين أُفرقِع مفاصل رقبتي وشعري الأبيض غطّى بعضًا من علاماتها الّتي بدأت بالالتئام... ......

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أومبرا/كود الأبديّة

المؤلف emilia
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة