ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.
وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة🌟
قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات💬..
الفصل الأول : الجـامعة / 10 صفحات
تاريخ النشر: 01/07/2025
قـراءة ممتعة
_____________________________
موسيقى عذبة من حناجر عصافير صغيرة، اتخذت من غصن الشجر مجلسًا لها مع أحبائها قرب بيتٍ من بيوت الله عز وجل، تسبّح وتحمد مُصوّرها، من أحسن خلقها والعالم أجمعين.
أزرق داكن امتزج بالبنفسجي، مع رشّة من الأبيض الناصع، رصّع السماء فكانت في أبهى حلّة. فشاءت هذه اللوحة أن تزول، وينوب عنها نور الصباح لينشر دفئه في شوارع مدينة شعبية بسيطة كانت جزائرية أُطلق عليها "عين الدفلى".
أذان الفجر كان الهمس الأول والوحيد الذي أصبح العباد به قيامًا ليوم جديد، يهمّون لتلبية نداء الله، والتذرع لرحمته ونعيم بركته، والتلذذ بطاعته.
ملاءات زهرية بأبيض ناعم على سرير مرتّب ونظيف، فرّ منه صاحبه ليحيا صباحًا آخر جديد، مع نافذة مفتوحة رحّبت بنسمات الهواء الباردة أن تزور الغرفة.
وصوت الأذان يتناغم مع نسمات الهواء المنعشة بأركان الدار، يبعث الروح في أهله وناسه رغبة في الأفضل. قطرات الماء البارد تتدحرج على طول ذراع وجبين بيضاء البشرة، تتأهّب لتلبية نداء الله بعد اغتسال ووضوء كان الروتين الأفضل للطهارة. خطوة بخطوة خافتة الصوت مبتغاها خارج الحمام، تغلق بابه خلفها لتتقدم نحو غرفتها، بينما نبرة المؤذن العذبة كانت البلسم لقلبها النابض.
«الـلّٰـهُ أَكـبَرُ الـلّٰـهُ أَكـبَرُ
الـلّٰـهُ أَكـبَرُ الـلّٰـهُ أَكـبَرُ
أَشهَدُ أَنّ لَا إِلـٰهَ إِلَّا الـلّٰـه
أَشهَدُ أَنّ لَا إِلـٰهَ إِلَّا الـلّٰـه
أَشهَدُ أَنَّ مـُحَمّـدًا رَسـُولُ الـلّٰـه
أَشهَدُ أن مـُحَمّـدًا رَسـُولُ الـلّٰـه
حَـيَّ عَـلَى الـصَلـَاة
حَـيَّ عَـلَى الـصَلـَاة
حَـيَّ عَـلَى الفَـلـَاح
حَـيَّ عَـلَى الفَـلـَاح
الـلّٰـهُ أَكـبَرُ الـلّٰـهُ أَكـبَرُ
لَا إِلـٰهَ إِلَّا الـلّٰـه »
"لَا إِلـٰهَ إِلَّا الـلّٰـه.."
همست في نفسها بينما تجلس على حافة السرير تذكر الله قليلًا وتسبّحه قليلًا بعدما صلّت:
"اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ."
صباحٌ مشرق، ونهارٌ طويل مليء بالحياة بإذن الرحمن، وبداية صفحة جديدة ستُدوّن عليها أعمال الناس من حسنات وسيئات. ومستقبلٌ مجهول ليكن طيبًا إن شاء رب العالمين، ومع الصبر والإيمان فلا مستحيل طالما يد الله هي العليا وكنا نحن المتمسكين بها.
"السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ."
رفعت يديها من حجرها قليلًا نحو الأفق حيث الرفيق الأعلى، وراحت تسأله وتدعوه أن يحفظها وييسّر أمرها، ترجوه أيضًا أن يحفظ أهل غزة وينصرهم على القوم الظالمين، وأن يرحم موتانا وموتى جميع المسلمين. أخفضت يديها بعد طول دعاء لتقف من مضجعها، ثم طوت سجّادة الصلاة ووضعتها على السرير لتُقبل نحو حقيبتها، تحزم أمتعتها وتتفقد إن كان ينقصها شيء أم لا. إذ بها تذكرت نظاراتها الطبية، لم تأخذها، فسارعت بذلك في البحث عنها بين أدراج الغرفة. هي ليست شخصًا يعاني من مشاكل في البصر كنقص النظر، وإنما إرهاق عينيها بكثرة القراءة والتصفح أجبرها على ارتداء النظارات.
وحيث كانت جالسة بركن به أدراج بنية لمكتب كبير تتشاركه مع أخواتها، تبحث عن سماعاتها، التفتت ناحية الباب بعدما باغت وقعه مسمعها وتلاه همس كسر صمت الغرفة:
"جمانة، أوَلم تجهزي بعد؟ هيا أسرعي فوالدك ينتظر بالفعل!"
نبست الوالدة تذكر ابنتها باقتراب موعد مغادرتها المنزل نحو أرض بعيدة، حيث الغربة والوحدة. لتبتسم الصغرى لأمها وتقف تلحقها بعدما أمسكت حقائبها تخرجها من الغرفة فتسير برواق المنزل الواسع بخطوات خافتة الصوت. نزلت أدراج المنزل الثلاثة الصغيرة، بينما أخذت مقلتاها تتأملان بهو المنزل وتسترقان النظر لعناقيد العنب التي تتدلى من أغصانها الملتفة حول الجدران.
وبمساعدة شقيقتها الكبرى لها استطاعت وضع أغراضها بصندوق السيارة. وما إن انتهت رفعت نظرها نحو دارهم، دمعة حارقة هربت من قفصها فتدحرجت على طول خدها المتورد. البيت الذي ترعرعت تحت سقفه، ووعت على هذه الدنيا بين أحضانه آمنة، لتغدو الآن شابة في مقتبل العمر وستغادره طلبًا للعلم.
تنهيدة صغيرة فرت من فاهها لتخاطب ذاتها بينما بؤبؤ عينيها لا يزال يلتقط آخر صورة للمكان ويحفظها بزاوية من زوايا ذاكرتها:
"وإنَّ ما بنيناه وما اعتقادنا في هذه الدنيا ليس كعلم الله بما تقدم وتأخر من أيامنا، فيكون قد سخّر لنا من رزقه أكثر مما نعلم نحن. فيا رب، إنّي فوضت أمري إليك فلا ملجأ ولا مهرب لي غيرك، فلا تنسني ذكرك واسكِني طمأنينتك في سفري وأعدني سالمة إلى أرضي بمشيئتك."
ما تعيشه هي الآن لطالما كان مجرد حلم باحت به لجدران غرفتها الصغيرة ولوسادتها قبل أن تنام، واعتقدت بأن تحقيقه شبه مستحيل. ولكن ما يحدث في هذه اللحظة يؤكد لها بأنه قد حان وقت مغادرة عشّ والديها وفرد جناحيها عاليًا، فالحلم لم يعد حلمًا، ولم يعد خيالًا يتهيأ لها في نومها.
خالجتها مشاعر عدة في آنٍ واحد حتى باتت تستصعب إدراكها كاملًا ودفعة واحدة. تريد المغادرة واستكشاف العالم من حولها، وفي ذات اللحظة لا تريد أن تخطو خارج عتبة هذا الباب. لا تريد الذهاب للغربة، ولكن ما من مفر فعليها أن تتشجع وتكمل ما بدأته.
ستشتاق لأرضها كثيرًا، بصحاريها الشاسعة المفروشة برمال من ذهب، وكهوفها ذات اللون الخشبي الرمادي رطبة الملمس جدرانها، كما ستشتاق لبحارها التي زيَّنت الساحل فأضْفَت عليه جمالًا بعد جمال. وماذا عن أشجارها شاهقة الجذوع التي تغطي وتستر من استظل تحتها في غابات القبائل، بالإضافة إلى ناسها الكرماء الطيبين، فهم يحبون كل محب لهم ويفتحون أذرعهم بصدر رحب لكل زائر يأتيهم.
وكم تهوى كل تفصيلة صغيرة كانت أو كبيرة عن هذه الأرض، فهي ليست مجرد قطعة أرض محاطة بأسلاك تحدد وتبين مساحتها، وإنما هي قطعة من روحها. كل منطقة تتجذر تقاليدها وعاداتها في دمها وعروبتها، هي إرث تناقلته الأجيال من أجدادها الشهداء حتى أحفادها، وهي الأمانة التي تركها السابقون للاحقين.
احتضنت أختها الكبرى بقوة، وسلّمت على أمها لتقترب من أختها الصغيرة وتقبّل خدها، ومن ثم استدارت بظهرها، تخطو بأرجل متحمسة ومتوترة إلى سيارة والدها لتركب معه كي يوصلها نحو وجهتها التالية، ألا وهي محطة الحافلات.
••••
صوت محرك السيارة هو كل ما تسمعه في هذه الأثناء. بريقٌ لامعٌ اكتسح مقلتيها بينما تحدق في طرقات المدينة من النافذة المغلقة، وصمتٌ دار بينها وبين والدها الجالس بمحاذاتها. كانت مشاعرها متشابكة، تحاول فكها بلطف وهدوء كخيوط صوفية سهلة الانعقاد والتمزق، لتهرب من شفتيها تنهيدة صغيرة عبَّرت عن مدى خضوعها لمشيئة الله رغم تضايقها من مشاعر الفراق. فالله هو عالم غيب السماوات والأرض، وأن لكل شيء حكمة جاء هو بها، وحكمة الله لا يعلو عليها مَلَك.
دقائق معدودة، وتوقف المحرك عن إحداث الضجيج لترتجل جومانة من السيارة. وقعت بعد ذلك أنظارها على والدها فابتسمت له بخفة ليقترب منها الآخر محتضنًا إياها ويقبّل رأسها قائلًا بصوت يملؤه الفخر:
"اعتني بنفسك هناك جيدًا يا حبيبتي، واتصلي بنا حين تصلين بسلام. ولا تنسي... كلنا فخورون بك، حفظك الله يا بُنَيَّتي."
تلألأت عيناها وأضحتا كستارٍ من زجاجٍ تلمعان. إنها بالكاد تستطيع السيطرة على دموعها المحبوسة في قفصها؛ تريد البكاء ولكنها تأبى ذلك في آنٍ واحد، فما فعلته من أجل هذه اللحظة كان يستحق، فها هي اختارت درب حياتها وجاهدت من أجله، والآن هو يناديها ويدندن لها بأن ما كافحت من أجله لم يكن هباءً منثورًا ولن يكون طالما تشبثت به بقوة.
"سأفعل ذلك يا أبتي بإذن الله، سأتصل بكم فور وصولي إلى هناك."
لانت ملامح الأب للحظة بعد كلمات ابنته، إذ به يشاهدها تخطو بعيدًا عنه، تفتح صندوق السيارة وتخرج حقائبها منه ليتبعها ويساعدها في نقل أمتعتها للحافلة. وفي الأخير، سلّمت عليه لآخر مرة، وقابلته بظهرها تصعد بهدوء على متن الحافلة، وتجلس على أحد المقاعد الفارغة في المقدمة لتضع رأسها على حافة النافذة تسترق النظر لمظهر والدها، فهي لن تراه ولا عائلتها لسنة كاملة.
••••
رفرفت عصافير صغيرة ذات ريش بني ناعم بارتجاف من أعلى الشجر إثر ما رأته من مشهد مشؤوم تقسم ألا تنساه. فلم يكن في حسبان أحد أنه في مثل هذا اليوم المشمس بمدريد ستُرمى جثة على الأرض جراء غضب أحدهم وجشع آخر.
بإبهام خشن الملمس، مسح بقعة دم من على خده الأيمن بينما بقي مُقرفصًا أمام المغتال. هدوء مريب يحيطه كالهالة كانت أشبه بهالة شخص سيحرق العالم من أجل أن يصل لمبتغاه لا أكثر.
جسد الرجل المقتول يكاد لا يُعرف رأسه من قدمه، ويبدو أن القابع أمام الجثة هناك أبدع في تشويه هيكله تمامًا. فقد كان الميت رجلاً لا ينتمي له، مجرد جاسوس آخر من عشيرة معادية تسلل لعرينه ابتغاء التخلص منه، متناسيًا أنه إيفانو دامبيير الذي جعل عشائر المافيا ذات مرة تهابه لما يخفيه من أسرار مرعبة بجعبته. فخطأ واحد يستفزه ولن يخرج صاحبه من باله حتى يأخذ ثأره منه.
"ضع جثته بعلبة الزينة وأعدها لصاحبها، واثق من أنه سيحب الهدية كثيرًا."
نبس لشريكه في الجريمة فيليب بصوت عميق وهادئ. ليرتفع بجذعه من على الأرض ويغادر جانب الجثمان، متجهًا نحو بوابة حديدية صدئة شامخة تابعة لإحدى أراضيه. تخطى فيليب بخطوات ثابتة وهادئة، غير آبه بما افتعله قبل لحظات ولا برائحة الدم الشبيهة بالمعدن الملتصقة به، أو بكمية الدماء التي تلطخ وجهه وبذلته السوداء الأنيقة. انزلق داخل سيارته السوداء المرسيدس بعدما فتح بابها، لينطلق بسرعة على الطريق السريع، متجاوزًا السيارات بمهارة صَوْبَ منزله.
••••
ضجيج محركات السيارات وأبواقها يملأ المكان، ومنظر المسجد الأعظم الشامخ الذي يطل على الطريق السريع جعل المشهد بهيًا يستحق التأمل لساعات طويلة بلا كلل أو ملل.
لا تزال جالسة في الحافلة، تعد الدقائق القليلة المتبقية لتصل إلى وجهتها في العاصمة. تحدق من النافذة بشرود، تتأمل طرقات المدينة النابضة بالحياة وجمال وطنها، وكأنها راحلة بلا رجعة. كانت ترتدي حجابًا بنيًا فضفاضًا وقفازات بلون البيج، وهو نفس لون غطاء رأسها، وقد تناسب تمامًا مع بشرتها القمحية. عيناها بدت كشراب عسل عذب مع انعكاس أشعة الشمس عليهما، بالإضافة إلى رموش قصيرة وقليلة أظهرت كبر حجمهما كحبة لوز حلوة المذاق.
توقفت الحافلة أخيرًا عن المضي بعدما وصلت لآخر محطة. أربع ساعات من الجلوس المتواصل على متنها أرهقت جسدها وأودت به حتى أضحى متشنجًا. وقفت من مكانها، واتخذت خطواتها خارج الحافلة، وبيديها أمتعتها تسير بين شوارع العاصمة، تتجول هنا وهناك مستمرة في مشاهدة رونق البنايات، والشوارع المزدحمة بالناس والمركبات، وعلى وجهها تعابير الدهشة. بعيون واسعة تحدق وبعقل مذهول تفكر، لطالما عاشت بمنطقة شبه نائية وما تراه أمامها حبس أنفاسها وجعلها تتوه وتسرح في عالمها. فجأة فكرت:
"إن كان المكان هنا جميلًا، فماذا يوجد بمدريد يا ترى؟"
تنهدت بخفة تهرب من سرحانها، وابتسامة جميلة تعلو ثغرها. توقفت قليلًا عن المشي، وسحبت هاتفها من جيب حقيبتها لترد على اتصال جاءها، فوضعته قرب أذنها:
"نعم يا أختاه، أهنالك شيء؟"
نبست بهدوء تستمع لحديث أختها، فربما تكون قد نست شيئًا في المنزل، وهذا قد أخافها كثيرًا، ماذا ستفعل إن تركت شيئًا مهمًا بالمنزل وهي على مشارف الصعود إلى الطائرة؟
"نعم هنالك يا فتاة، لا تنسي أن تشتري مجموعة الملابس التي أوصيتك بها وبعضًا من مستحضرات التجميل المتوفرة هناك. منحتك مبلغًا كبيرًا بالفعل، وإن لم تصلني كما اتفقنا سابقًا، فاعلمي بأنك لن تفلتي مني."
ضحكت جومانة على كلام شقيقتها وارتاحت من قلقها بعدما تيقنت بأنها ستغادر وبجعبتها كل ما تحتاجه، لتبتسم بعدها قائلة:
"حسنًا حسنًا، أعدكِ بأنني سأحضر لك ما تريدين وأكثر، فقط لا تتذمري هكذا."
دحرجت الكبرى عينيها من خلف الهاتف بضجر من حديث الصغرى. لا تنسيان طباعهما حتى لو كانتا على بعد ألف سنة ضوئية. عادت الكبرى من شرودها على صوت هادئ كان يعود لأختها، والذي أيقظها:
"أبلغي الجميع سلامي، ستنطلق طائرتي قريبًا وأنا متجهة نحو المطار، لا أرغب في التأخر أكثر، مع السلامة."
"رافقتك السلامة."
ردت الكبرى في الأخير وأغلقت الاتصال لتسمح الصغرى لأنفاسها بالهروب من شفتيها بهدوء، وترفع رأسها ناحية الأمام بشرود، فتعود مرة أخرى لفرز ما في رئتيها من هواء محاولةً تصفية ذهنها من تشابك الأفكار وتعقيدها، لتسير بعدها نحو وجهتها التالية تجرجر أغراضها معها نحو قدرها، القدر الذي لن تتمكن روحها من الإفلات منه.
••••
بالطائرة جالسة هي، بعدما انتهت من إجراءات السفر والأمن، تضع سماعات بلوتوث تستمع لأحد الحلقات الدينية المسجلة بهاتفها، حيث تحكي عن الصحابيات في عهد الرسول وزوجاته.
كانت ولا تزال تعشق مثل هذا النوع من الحكايات والقصص. تهتم بآراء الآخرين البناءة وتحب سماع أفكارهم في مثل هذه الأحاديث، والرحلة بالطائرة كانت فرصة من الفرص التي لطالما اغتنمتها من أجل الاستماع إلى "البودكاست".
لحظات مرت، لتسمع صوت مضيفة الطيران ترحب بجميع الركاب، مع رجائها لهم بارتداء أربطة الأمان، فوقت الإقلاع قد حان.
"سأفتقدك يا أرضي، فهل ستفعلين المثل؟"
همست لذاتها بينما تشاهد من الزجاج الطائرة وهي ترتفع شيئًا فشيئًا عن الأرض، لتتدحرج دمعة من مقلتيها لخدها المتورد، وابتسامة خافتة عبرت محياها، أخذت تحكي عن الكثير من الأحاسيس والمشاعر التي فاضت من الكأس.
فتاة لم تبرح يومًا خطوة خارج مدينتها إلا قليلًا، والآن هي تغادر وطنها بالكامل وليس مدينتها فقط.
ستجتهد لتبني طريقها... حياة تنتظر أن تضع لمستها عليها فتزينها وتبدع في تلوينها. حياة ومستقبل يقبع بين أحضانها الدافئة يرجو أن يكبر وينعم بحنان يديها، فيغدو كبيرًا ليكون الحامي لها فيما بعد.
مسحت دمعتها بأصابع مرتجفة، وابتسمت بخفة لتقول في نفسها:
"ما شاء الله قد كتبه لنا، وما نشاءه سنسعى وراءه حتى يشاء الله ويجعله قدرنا. تجري أقدارنا على أفواهنا، فيا رب إني أرجوك مشيئة فيها الخير بعد كل شر، وأسألك أن تنير دربي ولا تتركني في جهالة وظلم قد يبتلعان روحي كما يلتهم الوحش فريسته."
_______________________________
يتبع...
naiirouz_