بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|09:

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|09:

62 0

ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات..

الفصل السـابع: خِطبة / 12 صفحة

تاريخ النشر: 17/09/2025

قـراءة ممتعة

_____________________________

فتح مهجتيه حين استفاقت أذناه على صوت الحمامة البيضاء، فابتسم بخفة بينما تبادر إلى ذهنه حلم عاشه ليلة أمس. منذ فترة لم تراوده مثل هذه الأحلام الهادئة، أو ذكريات جميلة من الماضي.

ارتفع من على سريره ليتجه نحو الحمام كي يستحم ويبدأ يومه، بثياب رسمية للعمل بعيدًا عن الخمول والراحة. بذلة سوداء جديدة لحفل خطوبته؛ فاليوم سيعلن خطوبته بروساريو، حفيدة ريغنر.

بينما كان يعدل ربطة عنقه أمام مرآة طاولة الزينة، سمع طرقا على الباب يليه صوت نقر خفيف دلالة على فتحه، ليظهر انعكاس فيليب على المرآة وهو ينظر لإيفانو.

" صباح الخير."

أومأ إيفانو قليلا ردًا على تحية فيليب ليستدير بعدما انتهى من تعديل الربطة، فيرتدي ساعته بعدها.

" تبدو بمزاج جيد هذه الأيام."

صرح فيليب وابتسامة جانبية أخذت تحتل ثغره؛ ملامح إيفانو كانت ساكنة لا تجاعيد عليها ولا تجهم كالأيام السابقة، وكأن نورا من العدم أضاء وجهه فجعله مشرقا.

"هذا صحيح. أرجو أن يستمر هذا المزاج حتى نهاية الحفلة، فلا طاقة لي لتحمل ترهات أحد أعضاء تلك العشيرة."

تقدم إيفانو من فيليب الذي كان مسندا ظهره على الجدار ويضم ذراعيه لصدره، وربت على كتفه بخفة يخفضها ويكمل سيره خارج الغرفة.

تنهد فيليب وابتعد عن الحائط كي يتبع إيفانو؛ فاليوم سيكون احتفالا بالذكرى السنوية الخامسة لتأسيس الشركة المشتركة بين كلاهما؛ فيليب وإيفانو، أكثر شابين اقتحما عالم الشهرة في وقت قصير. هذا ما تتداوله ألسنة الجميع، ولكن بالنسبة لهما الأمر كان قبل سنوات وأكثر صعوبة.

إيفانو لم يضع نقدا واحدا من مال المافيا بمشروعه، أراد أن تكون مهنته نظيفة. بعيدة عن كل ذلك العالم السفلي، كما أنها ستكون الشيء الوحيد الذي سيتفرغ له بعد القضاء على ريغنر.

صعد على متن السيارة من الخلف بينما فيليب فقد أخذ مكانا على مقعد السائق، ليشغل السيارة ويحرك المقود باتجاه الشركة. مسند ظهره على المقعد بينما يضع يده على باب السيارة والأخرى مستقرة على فخذه بهدوء، نظره كان موجها لما خارج زجاج النافذة يشاهد المارة.

ولوهلة شعر بحرقة غريبة في صدره حين اجتاح صوتها ذهنه؛ همس خافت كنسيم الرياح. تنهد قليلا يبعدها عن رأسه فلا وقت له ليغوص في أفكاره ويتصارع مع ذكراها، فلديه عمل كثير عليه انجازه. فترة مرت لتتوقف السيارة على عتبة باب عمله ليرتجل من السيارة ويلحق فيليب كي يتجها معا للداخل.

تقدم للأمام والمصورين انتهزوا كل فرصة بيده لتصوير هذا الاحتفال، وربما يحملون معهم بالأخير أخبارا يجعلهم يربحون شيئا من المقابلة.

كانت القاعة أشبه بلوحة فنية، حيث يلتقي الماضي بالحاضر.

الأعمدة الرخامية المزخرفة كانت تقف شامخة، لكن الإضاءة الخافتة والموزعة بعناية منحت المكان طابعًا عصريًا. امتدت السجادة الفاخرة باللون البيج على الأرض، بينما توزعت أرائك من الجلد البني الفاتح وطاولات بيضاء لامعة هنا وهناك.

كانت الوجوه المعروفة تضيء المكان، كأنها نجوم متجمعة في سماء واحدة، كل منهم يحمل ابتسامة مصطنعة أو نظرة تخفي وراءها الكثير.

وما إن دخل إيفانو مع فيليب حتى جاءهم رجال من شركات أخرى كان التعاون بينهم، فوجا، فوجا يباركون لهم.

" مبارك لك سيد إيفانو."

صافح إيفانو رجلا يبلغ من العمر الخمسينات ذو بنية صحية سليمة، ملامح وجهه البشوشة المصحوبة بالتجاعيد الطفيفة، وشعره الذي بدأ الشيب يغزوه لم يستطع إخفاء وسامته.

بادله إيفانو التحية وهو يبتسم فهذا الرجل حقا صالح، وإيفانو يعمل معه منذ ثلاث سنوات.

استمر إيفانو في تبادل الحديث مع الخمسيني بينما فيليب كان بجهة أخرى يتلقى التهاني، ووسط حديث الاثنين- إيفانو والرجل الكبير- التقطت أذناه صوت امرأة تنده عليه من بعيد.

توقف هو والمتحدث الآخر عن الكلام والتفت لصاحب الصوت، ولم يكن غير روساريو التي يمكنها أن تخاطبه بمثل هذه الأريحية.

احتضنته بخفة بينما البسمة تحتل ثغرها، أما إيفانو فقد مسح على شعرها بخفة. ومنظرهم هذا جذب أنظار من بالقاعة وشرارة من التوتر ملأت المكان.

إيفانو دامبيير وحفيدة ريغنر معا! هنالك خطأ ما. هذا ما يبدو بالنسبة لمن لا يعرف علاقتهما؛ جمعهما الحلو والمر منذ سنوات لا تحصى بعيدا عن العداوة التي بين دامبيير وريغنر.

"اشتقت لك أيها الأحمق، لك فترة لم تتصل بي وتسأل عن أخباري."

راحت روساريو تُبَادر ولكن بطريقة استفزازية، تعلم بأنه يكره تصنعها وصوتها حين تغير نبرته فلا تكون روساريو الشرسة. وكما ظنت هي قد حصل فعلا فحاجب إيفانو الأيسر ارتفع من مكانه ونبرة الدلع الواضحة من صوتها جعلت شعر رأسه يقف فهذا أكثر ما يكرهه ليرد عليها:

" أهذا جزائي بعد قبولي لطلبك؟ "

نظرات الاستنكار ظهرت على محيا إيفانو جعلتها تضحك بخفة، ولكن المعنى المقصود من كلامه وصلها مشفرًا. بأنه وجب عليهم بتر عشيرة ريغنر عن بكرة أبيها ذكرها وهي ستجعله يسحب قراره.

"حسنا، حسنا، أنا أسفة. فقط لا تقم بسحب كلامك."

فاهت ونظرة أقرب للتوسل لمعت بعينيها، لا تريد للحظات طيشها أن تكون سببا في تعكر مزاجه للأسوء، وينتهي بها المطاف إلى أن تصبر مرة أخرى وتنتظر أن يجد إيفانو فرصة أخرى لبدء الصراع بعد رفضه للخطبة.

ابتعدت روساريو بضع خطوات عن إيفانو لتستدير قليلا وتنتبه للرجل الذي كان هنا قبلها، فابتسمت له ببشاشة فهي تعرفه حق معرفة، كما أنها من عرّفت إيفانو عليه.

"أهلا أيها العم يوسف، كيف حالك!"

"بخير روساريو، وأنت."

" أنا بخير، وماذا عن ابنتك، سمعت بأنها كانت قادمة معك. أين هي؟ "

قالت وهي تُلقي ببصرها لخلف ظهر السيد يوسف علَّها ترى ابنته فتسرقها وتهرب بعيدا، ولكن كل آمالها تبخرت حين اقتحم تصريح العم التالي مسمعها:

" إنها بخير، وقد أرادت المجيء ورؤيتك، ولكنك تعرفين الامتحانات. "

وقد أدركت بأنها ستظل لوحدها طوال الحفلة بدون صديقتها وستعلق مع رجال الأعمال وثرثرتهم اللامتناهية.

أشاحت نظرها عن خلف ظهر العم لتبتسم بهدوء فالعلاقة التي بين العم وابنته لطالما كانت كالبلسم لها، ترسل الدفء والراحة، كما تشعل بداخلها روح الانتقام. تبتغي الثأر لأجل علاقة لم ولن تحصل عليها.

" لا بأس إذا، وشيء آخر. أوصل لها سلامي وأخبرها بمدى اشتياقي لها."

"ليكن ما تريدينه."

أومأت بخفة لتعيد خصلات شعرها خلف أذنها بهدوء وتستأذن للمغادرة، تاركة الاثنين يستمران في إكمال ما بدآه سابقا.

بينما تسير وصوت كعبها يملأ المكان كان ذهنها صاخبا كصخب القاعة حولها، فقد حاولت الحديث مع إيفانو في أمر مهم ولكنها لمحت كلاب جدها تتنصت عليها على مقربة أمتار، لذلك لجأت لحل بديل.

استمرت في اللف والدوران هنا وهناك، تتحدث مع من تعرفهم وتتعرف على بعض بشكل عشوائي، ولكن دون أن توضح ذلك. وفي الوهلة التي لاحظت فيها بأن المراقبة قد ارتخت خيوطها، تظاهرت بأنها لمحت فيليب من بعيد فاِبتسم له واتجهت نحوه بثقة.

" أهلا أيها الوسيم."

نبست بعدما التفّت يدها على ذراعه كثنائي، ليبتسم الآخر ويلعب بخصلة من شعرها الأسود التي فرت من خلف أذنها.

" مرحبا بالفاتنة. "

نبس والابتسامة زادت وسعا ليغمز لها بالأخير فترفع كف يدها الحرة بعفوية أمام شفاهها وتضحك بخفة.

سارت معه يتبادلان أطراف الحديث علنًا، وتحت الطاولة كانت روساريو تنقر بأناملها بخفة على ذراعها معزوفة كانت دوما الوسيلة التي تمكنها من التواصل مع حلفائها بصمت، ودون إحداث جلبة.

انتبه فيليب لذلك فبادلهَا الابتسامة وعيناه لم تتركَا أحدا من الحاضرين، يراقب خِفية كل شخص مشتبه به؛ المكان مليء بالعيون التابعة لريغنر، وهذا سيجعل منهم يتحركون بشكل رائع.

ألصقت كبسولة صغيرة في المكان الذي كانت تنقر عليه سابقا وذلك تحت انظار فيليب؛ يبدو بأنّها رسالة جديدة منه -حليف آخر- أعطى الاشعار لِروساريو وأمرها بتقديمه لِإيفانو.

سحبت روساريو يدها من ذراع فيليب بهدوء لتبتسم بخفة قائلة:

"جدي ينتظرني سيد فيليب، أرجو المعذرة"

استدارت بسلاسة تقابله بظهرها بينما تلوح له بيدها تعود أدراجها ناحية أفراد عشيرتها الذين قد حضروا الحفل أيضا.

وريثما روساريو تبتعد عنه، نزع الكبسولة من ذراع سترته ووضعها بجيبه بخفة دون أن يجذب انتباه أعين رِيغنر.

" سيد فيليب أَهنالك خطب؟"

تجمد بأرضه بسبب الصوت الذي فاجأه وجاء من خلفه. استدار بهدوء وابتسم بخفة كملاك على هيئة شيطان ولكن عيونها الزرقاء أخمدت شياطينه، فقد كانت الملاك الوحيد بينهم.

" نعم أنِسة أنجيلا؟!"

سأل بهدوء متخطيا سؤالها الأول ودقات قلبه تسارعت بمهل، برائتها وحسن أخلاقها لطالما ذكره بأنها قريبة وفي آن واحد بعيدة عن العالم الذي حَوصِر هو فيه، كانت هي وروساريو كالشمس والقمر. روساريو حيوية منعشة وحارقة، بينما هي هادئة وبلسم لطيف.

"هنالك بعض الأمور عليك تفقدها قبل بَدأ الحفل، وهل ستُلقي أنت الكلمة الأولى، أم السيد إيفانو؟"

نبست باحترافية وقد تشقق صوتها فبدا بشُرُوخه توتر وخوف، فالقَاعة تعج بالعديد من الوجوه المعروفة، وغلطة بسيطة منها قد تكون سببا في انتهاء مسيرتها المهنية، فعالم الشهرة والعمال لا يرحم.

"حسنا سأتولى الأمر، وأيضا... لا تتوتري، كل شيء سيكون على ما يرام. "

ربت على كتفها بخفة ورقّت عيونه محاولا التخفيف من حدة توترها، فلا حاجة حقا لكل هذا القلق. ارتخى كتفاها قليلا وبان عليها علامات الراحة الناتجة عن كلمات فيليب التشجيعية.

أومأت بخفة لتستدير هي الأخرى وتسير بخطى واثقة اتجاه سيد عملها، فقد كانت سكرتيرة إيفانو لا فيليب. شاهدها فيليب وهي تبتعد عنه وشعرها الأشقر منسدل على طول ظهرها كشلال من الخيوط الذهبية، وبذلتها الرمادية الرسمية جعلتها تبدو شخصية مختلفة عن عادتها.

تنهد بضجر ينفض الفكرة من رأسه ليمرر يده بخصلات شعره مفسدا بذلك تسريحته.

ريثما الحضور يتبادلون أطراف الحديث والبعض الآخر يعقد صفقات غير مشروعة من تحت الطاولة، كان فيليب يتفقد النواقص قبل بداية العرض المسرحي؛ العرض الذي سينتشر سيطه كالنار في الهشيم.

ها هي فترة مرت وفيليب قد وقف على منصة مرتفعة نسبيا تسمح له برؤية الجميع، كما تسمح للجميع بسماعه ورأيته من بعيد. وفي اللحظة التي انطفأت فيها الأنوار انقطعت أصوات المتحدثين كمثل رجلٍ قطع رأس فخَرَّ ساكنا.

أُنِيرَت المصابيح فسُلطت أضواءها تجاه المنصة التي يقف عليها فيليب بشموخ، ما جعل ذلك يشد انتباه الجميع. رفع المَصْدح -الميكروفون- مقربا إياه لأنفاسه ليبتسم بخفة يخاطب الضيوف الكرام.

" مرحبا بالسيدات والسادة الكرام، أهلاً وسهلاً بكم في هذا الحفل الذي نقيمه بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيس شركتنا Lark & Stone.

هذا النجاح الذي نحتفل به اليوم لم يكن ليتحقق لولا جهودكم المخلصة وتفانيكم الكبير. إن كل فرد منكم، من المسوقين والمصممين إلى المساهمين، كان له دور محوري في هذه المسيرة.

والآن، يأتي الجزء الأهم من احتفالنا، وهو تكريم شركاء النجاح. أدعو كل من يسمع اسمه أن يتفضل بالصعود إلى المنصة لاستلام جائزة شكر وتقدير على مساهماته القيمة."

صفق الحضور يقدمون التهاني لأصحاب الجوائز. كان إيفانو يقف بجانب فيليب يشارك أيضا في عملية تسليم الجوائز لأصحاب.

تيك.. توك.. العد التنازلي بدأ...

ثلاثة... فيليب يبتسم ويقدم جائزة أخرى لأحد المصممين، بالإضافة لأنجيلا التي ساهمت في مساعدتهم ونالت هي الأخرى تكريمها.

اثنان... الضيوف يصفقون بحرارة وريغنر جالس بهدوء على أحد الأرائك وأحفاده بجانبه وبعض الحراس يحيطونه..

واحد...

" حضورنا الكرام، يرجى الانتباه.."

توقف فيليب عن توزيع الجوائز كما توقف الجميع حوله عن التصوير والتصفيق، وكل ما بقي هو أنظار الكل موجهة نحو إيفانو كرصاص تنتظر شارة الإطلاق، كان واقفا على المنصة وبيده مكبر الصوت. ابتسم بخفة وملامحه اكتساها حدة وجاذبية، وجّه بصره ناحية الضيوف وفي الأخير وقع عندها.

" فلتتفضل الأنسة ريغنر للمنصة. "

ابتسمت الأخرى بسخرية خِفيةً لتستبدلها بأخرى واثقة وفخورة، فتقف من جانب جدها وتسير نحو الأمام بغرور. شعر أسود منسدل على طول ظهرها المغطى بفستان حريري بلون أزرق ليلي كعب أبيض كسر ظلمة الألوان الداكنة التي ترتديها.

وكحل أسود زين عينيها الزمردتين، جعلهما أخّاذتان. وقفت بهدوء بجانبه لترفع يمناها قليلا كي يمسك بها الآخر ويقبل ظهر يديها بلباقة.

كاد ثغر فيليب أن يقع من المشهد الذي يتكشّف أمامه، تقدم بسرعة نحو المنصة وفَاه على عجل:

"إيفانو! ماذا تفعل!؟"

حدق إيفانو بفيليب قليلا ليبتسم ويومئ له بهدوء فيعيد بصره نحو روساريو يقترب منها بضع خطوات ويهمس لها بشيء في أذنها، لتبتسم الأخرى بخفة.

رد الفعل الذي دار بين الثلاثة جعل الصمت ينكسر ويحل مكانه همسات الحضور المتبادلة، كان الأمر مربكا للجميع لاسيما لفيليب الذي تبدو على تقاسيم وجهه بأنه حقا لا يعرف شيئا عن الذي يقع أمامه.

لمحت عين لإيفانو ابتسامة ريغنر الساخرة، فابتسم هو الآخر بهدوء لِروساريو وتلك العيون بدا عليها انعكاس السرور.

"هنالك شيء نرجو من الجميع أن يعلم بأمره."

نبس بصوت ثابت بينما تشابكت أنامله بخاصة روساريو. كانت أنجيلا تقف بجانب فيليب بعدما ركضت بسرعة نحوه وغطت فمها بكف يدها بعدما فهمت ما الذي سيحصل…

" أنا وروساريو سنتزوج، بعد إذن جدها طبعا؛ كما أنني لا أظن بأنه سيقف أمام الحب. صحيح حبيبتي؟"

كان ريغنر لا يزال جالسا بمكانه وعصاة فخمة بيده إضافة لتعابير وجهه الهادئة. انخفض أحد الرجال لأذنه وهمس بكلمات جعلت من الجالس ترتسم على ثغره ابتسامة ساخرة، رفع كأس نبيذه قليلا موافقا على عرض الخطبة العلني هذا، وجرّاء ذلك انطلقت شهقات أخرى وزادت الهمسات لدرجة كاد أن يعُمّ الحفل الفوضى.

ابتسم إيفانو قليلا واستدار قليلا لروساريو، رفع يده قليلا وأبعد خصلات شعرها عن وجهها معيدا إياها خلف أذنها. ابتسمت روساريو برفق ونزلت معه من على المنصة بعدما عرض عليها النزول بلباقة.

التفّ الحضور حول الثنائي وقدموا مباركتهم، والصحافة لم تدع حدثا كهذا يمر مرور الكرام، فراحوا يجرون مقابلة سريعة مع الطرفين والتقاط صور لهما.

بعد مضي فترة من الزمن، استدار إيفانو لِروساريو التي كانت تتحدث وتضحك مع فيليب الذي لا زالت معالم الدهشة على وجهه.

" روساريو، أظن بأن قد حان الوقت لتعودي مع عشيرتك، لا تعودي لوحدك."

التفتت روساريو لإيفانُو لتعطيه ابتسامة جميلة وتخطو نحوهُ فَتقبل خده بعدما قالت:

"حسنا إذا، إعتني بنفسك خطيبي."

أومئ قليلا برأسه بينما يشاهدها تبتعد عنه وفيليب. اقتربت روساريو أنذاك من أحد رجال عشيرتها حيث وضع يده أسفل ظهرها بينما يتحدث معها بخفة، لتضحك روساريو بخفة مع الرجل.

وريثما تبادله الحديث كان بصره قد حطّ على إيفانو والآخر فعل المثل، ليقطع الرجل التواصل البصري بينهما مشيحا بذلك نظره عن إيفانو ويغادر بصحبة روساريو اتجاه سيارة مرسيدس سوداء فخمة.

" يبدو بأن الحرب قد بدأت. "

فاه فيليب بعدما وقف خلف إيقانو ونظر للمكان الذي اختفت منه روساريو بشرود، وقد وصل صوته لمسامع الأخير ليهمس هو أيضا بنفس النبرة:

" وستكون هي مصيرنا، إما الحياة فنحصل على الحرية، وإما التعفن حتى الرمق الأخير."

شارف اليوم على الانتهاء، كانت الساعة الحادية عشرة مساءا والمكان الذي بدَا مليئا بالحضور وصخبهم أضحى الآن خاليا منهم، وما تبقى سوى طاقم أتى لتنظيف ما خلفته هذه الأمسية.

كان إيفانو واقف ومسند ظهره على أحد أعمدة القاعة وضام ذراعيه على صدره. وبينما عيونه تحدق في الفراغ لوهلة، ابتعد عن العمود ووقف بهدوء مغادرا بلا سابق إنذار، ترك فيليب مع السكرتيرة يكملان ما تبقى، وراح يركب سيارته وينطلق نحو قصر المافيا.

كان يقود بسرعة وقد أخذت ذكريات سوداء تدور وتتضارب معه، لدرجة أنه لم يلحظ ساقه وهي تضغط على الفرامل فتزيد بذلك من سرعة السيارة.

صورة روساريو وهي تغادر مع ذلك الشاب علقت برأسه، تلاها ابتسامة دافئة من الشابة مستورة الثياب رافضة تركه هي الأخرى، بدا الأمر وكأنها تلف يديها حول عنقه فتشُدّ عليه الخناق، وتربط وثاقه بسلاسل متينة.

صرخ بقوة وضرب مقود السيارة بقبضة يد بيضاء وعروق بارزة محمرة، عقله مشوش، دقات قلبه غير مستقرة وجسده يرتجف بقوة. هنالك كابوس ظن ذات يوم بأنه قد غادر ولكنه عاد ليحرق حياته هذه المرة؛ جثة ملتفة حول جسد أصغر كان هو الآخر قد ذاب جلده والتصق بالجثمان الأكبر.

جمجمة لشخص آخر كانت محطمة عظامها والجسد بأكمله خامد بلا حراك، المشهد يتكرر بلا هوادة في أعماق ذكرياته ماجعل من إيفانو يضغط على مكابح السيارة بقوة ويوقفها بجانب الرصيف.

كان يتنفس بقوة ويتصبب عرقا باردا، فتح باب السيارة بعشوائية وخرج منها ليقع على ركبتيه أرضا، تلاها جولة حادة من الاستفراغ.

اتسخت سترته بالكامل وسرواله، بقي على حاله للحظات يستجمع شتات نفسه، ليقف بعدها بضعف ويعود نحو سيارته. فتح الباب الخلفي وأحضر قارورة ماء كان فيليب دائما ما يترك قارورة بالمقعد الخلفي، ومن حسن الحظ أن إيفانو قد وجدها نصف ممتلئة أحسن من لا شيء.

ثم التفت برأسه يمينا وشمالا يبحث عن علبة المناديل ليتذكر بأنها مخبأة في الدرج الموجودة بالمقعد المجاور للسائق، فأخذها وبلل بعضا منها بالماء ومسح سرواله، أما السترة فقد خلعها وبقي بقميصه ليغسل وجهه قليلا وينظف أثر القيء على الأرض.

جلس بمقعد السائق بجسد مرتخي وباب مفتوح وعيون شاردة تحدق في سماء الليل، منذ فترة طويلة لم يصب بنوبة قلق ولكن هذه المرة كانت أسوء من سابقاتها. تنهد بتعب إنه مرهق ولا يقوى على قيادة السيارة، لكنه طرد فكرة الاتصال بفيليب وإقلاقه أيضا، ليغلقَ بذلك باب السيارة ويشغلها يقود على مهله حتى يعود للقصر.

دقائق هي ووصل للقصر، ركن السيارة جانبا تاركا إيّاهَا للحَرس فَيتَكفّلون بِأمرِ ركْنهَا بالكَراج. سحب سترته المتسخة من المقعد الخلفي وغادر السيارة لِيَسير وسط حديقَة القصرِ المُزهِرة وَأَشجارها المُثمِرة؛ كَان المَكَان يعكِس رخَاءَ قاطِنِيه، ويخفي كذَلِك فَظَاعةَ مَا افتَعلُوه.

فَتحَ بَابَ القَصرِ الخَشَبيِّ الكبِير وَقَد قابلَه صُدفَة ابتِسَامة هَادئَة تعُود لكبيرَة الخَدم، كَانَت بنفسِ عمرِ إيفَانو تقرِيبًا أو رُبمَا اكبر. تقدّمتْ نحوَهُ بِهُدوءٍ وَقالَت:

"كَيف مرّتِ السّهرَة؟"

عَاجِزٌ عنِ الكلَام هوَ، بالكَاد يستَطيعُ فتحَ ثغرهِ والإجَابَة عنْ سُؤالِها، ما دَفعَ الأَنسَة أن تتقَدّم بِضعَ خطواتٍ بتَردُدٍ نَاحيَته. وَفِي اللحظَة التِي لمحَت فيهَا جسَدهُ يوشِكُ أنْ يتَهاوَى أَسرَعت فِي إمساكِه من مِعصَمه وإسنَادِه علَى الحَائِط.

"إيفَانُو!"

"أنَا بِخَير.."

فاه بصَوتِ خافِت، وحَاوَل اِبعادَها عَنهُ كَي يُثبِتَ صِحَة كِذبَته، لكِنَها اِعترَضَت ذلِك قَائلَةً:

"هِيَ السَببُ، صَحِيح؟.."

تَجمّدَ إيفانُو بِأرضِهِ لِوَهلَة، ثُمّ أخفَضَ رَأسَه قَليلًا وغَطّى شعرُه الدَاكِنُ مَلَامِحَ وَجهِه، وَلَم يبدُو مِنهُ سوَى ابتِسامَة منكَسِرة أكّدَت تَصريحَهَا.

"أتَتنِي صَبَاحًا والبَسمَةُ عَلى محيَاها، فَكيفَ لِي أَن أَنسَاهَا؟.."

"ذَاكَ قَدَرُهَا فَلِمَا لَا تتَقبّلُ الأَمر!.."

رَفَع رأسَه هُنَيهَة وحَدقَت سوْدَاويَتاه بِبُندُقِيّتيهَا، وَهَمس بنَبرةٍ مُظلِمَة اِقشَعرّ لَها بدَنُهَا:

" وَقَدَرُ جَمِعِ مَن هُنَا."

تَيَبّسَت أمَامَه عَلضى نَفسِ وَضعِيّتِهَا، ليَسَغِلّ الفُرصَة وَيُشِيحَ بِيَدِهَا عَن كَتِفِه وَيَستَقِيمَ مُغَادِرًا اِتُجَاه غُرفَتِه. تَنَهَدت قَلِيلًا لِتَلتَفِتَ نصفَ اِستِدَارَة لَهُ وهَمسَت:

"تَعلّقُكَ بِهَا لَن يُجدِيَكَ نفعًا لَا اليَوم، وَلَا غَدًا. فَعُد لِعَقلِكَ قَبلَ أَن تُهلِكَكَ ذِكرَاهَا."

كَان لإيفَانُو قَد دلَفَ لحُجرَتِهِ بالفِعل، فأَخَذَ حمامًا سَريعًا وَغَيّر ثيابَه لأخرَى مرِيحَة، أَمّا المُتسِخَة فَقَد وَضَعهَا بسَلة الغَسِيل. وَبِينَمَا يُجَفّفُ شَعرَه سَمَع حَفِيفَ نَجمٌ عَن رَفرَفةِ الَحمَامَةِ بِقَفَصِهَا، وضَعَ المِنشَفَةَ جانِبًا ثُمّ تَقدّمَ نَحوَهَا لِيُقرفِصَ أَمَامَهَا قَائِلًا:

"أُعذُرِنِي عَلَى إِهمَالكِ."

سَحَبَ عُلبَة طَعَام وَسَكبَ لَها القَلِيل بوِعائِهَا بَعدمَا فَتحَ بَابَ القفَصِ الصَغير ثُمّ أَعَاد إغلَاقه تَارِكًا إيّاهَا تتَنَاولُ وَجبَتهَا بِسَلَام دُونَ تَطفلٍ مِنه.

فِي تِلكَ اللَيلَة، لَم يَزُر النَومُ إِيفَانُو بَتَاتًا فَبَاتَ يتقَلبُ يَمينًا وَشِمَالًا بَحثًا عَن زَاويَة قَد تكُون بَابَهُ لِعَالَمِ الأَحلَام، ولَكِن يَبدُو بأنّ الأبوَابَ التِّي يَبحَثُ عنهَا مُغلقَة.

تَنهّدَ بإحبَاطٍ وَجَلَسَ عَلى سَريرِهِ بِضعَ دَقَائق؛ حيثُ رَاحَ يُحدّقُ فِي الشُرفَةِ المَفتُوحَة نوَافِذُهَا. دَارَت بِه الذِكرَيَات وأعَادتهُ لمَا قَبلَ 15 سنَة، وَمَا كَسَر وَاجهَة الذكرَيَات بِبَالِه لم يَكُن سِوَى هَمسُهَا:

"سَتَرَى الجَانِبَ الآخَر مِن الدُنيَا قرِيبًا بإذنٍ اللهِ، عَاجِلًا أَم آجِلًا فَقط مَا تحتَاجهُ هوَ الصَبر؛ فَلولَا الحُزن لَما شَعرْنَا بِلذّةِ السَعَادة."

اِبتَسَم قَلِيلًا وَانزَلقَت دَمعةٌ مِن عَينِه بِلَا سيطَرة، كَان كَلامُهَا حَقِيقَة مُؤلِمَةً بِالنِسبَة لَه، كَسرَت حَجِزًا لَطالمَا جَاهدَ فِي تحصِينه. اِبتِسَامتُها، حيَائُهَا وَأخلَاقُها تَركَت شرخَا بِجِدارِه وَظلّت تحُوم فِي عقلِه، إلَى أَن طَفَح كَيلُه وَهَمسَ بِقَسوَة وَأغمَض عينَاه بِقوَة كَأنّهُ يمنَعهَا مِن اللّحَاقِ بِه:

"تَوقّفي، أَرجُوكِ تَوقّفِي."

لَم يَستَطِع التَوقفَ عَن التفكِير بِهَا، كَانَت الشَيءَ الوَحِيدَ الذِي دَخَل حَياتَهُ بِلَا طَرقٍ وَلاَ اِستِئذَان. بَاتَ الأَمرُ مُرهِقًا لَه حقًا وَلكِن.. لَا يُمكِنُهُ إِنكأرَ بِأنّ اِنعِكَاس شُعَاعِ الشَمسِ عَلى عَسلِيّتيهَا كَان ساحِرًا، حَتّى كَلمَاتُهَا الأجنَبِيّة تتَردّدُ بِذِهنِه كَتهوِيدَة أطفَال دافِئة. مَسحَ وَجههُ بكفِ يَده ثُمّ قَام مِن مَضجَعِه مُغَادرًا الغُرفَة.

سَار حافِيَ القدميْن خُطَى تَكَاد تَكُون مَسمُوعَة وَسط سكِينَة القَصرِ المُوحِش، وَفِي نِهَايَة الرِوَاق غُرفَة صَغيرَة. فَتَح بَاب الغرفَة وَتَقدَم نضحوَ مَكتَبٍ صَغِير مُتمَركزٍ وَسَطَهَا، وَحولَهُ رُفوف اِحتَوت عَلى أَحجَارٍ كَرِيمَةٍ وُضعَت داخِلَ عُلَبٍ لِحفظِهَا.

جَلسَ عَلَى لِعبَة سَودَاء كَان قَد ابتَاعَ مُحتَواهَا مُؤَخرًا حَجَرًا كرِمِي اللَون أَقرَب لِلعَسلِي، كَانَ بِالفِعل غَارقًا بذِكرَاهَا وَهوَ يقتَنِيه أَنذَاك. فَتَح العُلبَة وَاَخَذَ يَنحتُهُ وَيَصنَعُ مِنهُ هيئَةً جَدِيدَة وَمُمَيّزَة تَلِيقُ بِهَا هِيَ فَقَط.

نَسَمَات الرِيح تَسَلّلت من النّافِذَة وَدغدَغت أطرَاف أنَامِله، وَشَاء القَدرُ أَن يَصنَعَ دَامبيِير دَبُوسًا نِسَائِي يَلٍيقُ بحِجَابِهَا الأَسوَد ذَاكَ الذِي رَآهَا بِه لِأوّلِ مرّة.

_______________________________

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي

المؤلف naiirouz_
2025/06/26 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة