الفصل الثامن والعشرون

الفصل الثامن والعشرون

17 0

ارتسمت البهجة على وجه المعلم حنفي كأنما ينتظر سماع خبر الموافقة منذ زمن مديد، فتألقت عيناه ببريق الفرح الذي لا يخفى، وارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه، وكأنها ترسم لوحة من السعادة العارمة التي طال انتظارها، فأبدى فرحته الغامرة قائلًا: _يا مانت كريم يارب. كانت أم الديب، مثل العقدة في المنشار، لا تسمح له أن يؤدي عمله بسلاسة ولا أن ينشر الخشب بسهولة، فكلامها كان حادًا كالسكين، يقطع الأمل ويفتت العزيمة، وكأنها تنثر المسامير في طريق سعادتهم، فتتعثر خطواتهم عند كل محاولة للتقدم، فقالت باعتراض قاطع، صوتها لا يعرف الرحمة، ولا يقبل التراجع: =وآني مش موافقة، وانسي يا بت إنك تتجوزي ابن عمك... ده لو آخر واحد في الدنيا عمري ماهرميكي له! حاول المعلم حنفي إقناعها، كمن يسير وراء رائحة البهجة محاولًا استنشاقها رغم سلة القمامة الضخمة التي تلتصق بقدميه وترافقه في كل مكان، كظل ثقيل يعيق حركته، ويعكر صفو سعيه، فقال بنبرة حنونة، وهو يتخلى عن ثياب التحكم: _يا ولية افهمي اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش، ولو أبوه اللي هو أخويا مزعلك اعتبري إن ده مش ابنه، بس الواد كويس وابن حلال! مهما حاول إقناعها، فقد كانت أم الديب تتميز بعقل حجري لا يؤثر فيه الدق بالشاكوش، كأنها صخرة صماء لا تلين، أو كأنها طفلة صغيرة تصر على رأيها بشتى الطرق، تلتف حول عنادها بكل ما أوتيت من قوة، وهي تنطق كلماتها بعناد: =برضة مش موافقة هو آني لاقية عيالي في الشارع لما أرميهم لكل من هب ودب؟ نطقت هايدي بدهشة: _كان فين الكلام ده لما كان بيتقدملي عرسان وكنتي بتتخانقي معايا علشان أوافق عليهم رغم أنهم لا تعليم ولا شكل ولا منظر؟ قالت أم الديب بعجيج، صوتها يرتفع كالعاصفة الهوجاء، يجلجل في الأجواء ويمزق السكون: =جرا ايه يا بت؟ انتي هتكسري كلمتي؟ آني مش موافقة على الجوازة دهي وطلعوا الحوار دهو من نفوخكم! رن الهاتف الأرضي في وقت غير متوقع، فاستعجبت أم الديب، إذ لم يكن في الحسبان أن يتلقى المنزل اتصالًا في تلك الساعة. شعرت بارتباك مفاجئ، فانتفض قلبها وكأنما يسبق خطواتها، وتملكها انفعال شديد. بينما تحاول جاهدة أن تستجمع قواها وتنهض لتجيب على الهاتف. تنفست بعمق، ثم زفرت بقوة، وقد بدا على وجهها مزيج من السخط، وهي تقول بصوت مشحون بالانفعال: _يادي الهباب مين اللي بيتصل دهو؟ هو آني لسه هقوم وأعمل؟ نهضت أم الديب بوجه ساخط، ملامحها ترتسم عليها تجاعيد الاستياء. بينما وقفت هايدي جانبًا، تتابع الأحداث القادمة بعيون ملؤها الفضول، وكانت نظراتها لوالدها تحمل حسرة عميقة تشرح الكثير من الآلام التي تعتصر قلبها. بعد أن جلست الوالدة فوق سريرها المتهالك، الذي يعكس سنينًا من العناء، تلمس بأصابعها المتعبة سماعة الهاتف، وردت بصوت قاسي، يخرج من بين شفتيها: _ألو... ألو. كان أحمد في تلك اللحظة جالسًا على مكتبه بالعمل، محاطًا بكومة من الأوراق والملفات التي تنم عن كثافة العمل. في آنٍ واحد، كان يتحدث مع والدته عبر الهاتف، محاولًا إقناعها بشدة بأمر زواج هايدي من زياد، بينما يواصل بأنامله السريعة الحركة على لوحة مفاتيح الحاسوب، حيث كان يكتب تقارير هامة، ويجيب على رسائل البريد الإلكتروني. كل حركة من يديه كانت مدروسة بعناية، تحاكي التنسيق بين الحوار الشخصي، والالتزامات المهنية. وقد بدا عليه التركيز العميق، وهو يقول: =ألو يا ماما. ردت أم الديب بابتسامة خافتة، كأنها تتسلل من بين طيات الترح: _ازيك يا ولا؟ أجاب أحمد بجدية: =الحمدلله، أنا سمعت إنك رافضة موضوع زياد وهايدي، انتي رافضاه ليه؟ قالت أم الديب بدهشة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب، وكأنما كانت تنتظر شيئًا آخر تمامًا: _ايهي هي الأخبار لحقت توصلك؟ ثم صوبت نظرها نحو هايدي بغل واضح، وكأنها تعاتبها بصمت على سرعة وصول الأخبار بشكل فوري إلى أخيها، مما زاد من توتر الجو الذي كان يحيط بالموقف. كانت عيناها تشعان بنار من الاستياء، ففهم أحمد الرسالة غير المعلنة. ثم رد بنبرة لا تحتمل سوى الحزم: =ايه انتي نسيتي إن أنا أخوها؟ ولا أنتوا معتبريني واحد غريب؟ كان اعتقاده يخيله أن أم الديب ستتخلى عن مبدأ التسلط الذي لطالما هيمنت به على كل تفاصيل حياتهم، وتفتح له بابًا يسمح له بالتدخل بآرائه، ومشاركته في اتخاذ القرارات. في الحقيقة، لم تكن تُعتبر أكثر من مجرد أصوات تُطوى تحت حذائها. لكن تفاجأ بشدة عندما قالت له بفظاظة شديدة، وقد بدت ملامح وجهها صلبة كالصخر، وصوتها يحمل شدة لا تترك مجالًا لأي نوع من النقاش: _وانت هتعملها ايه يعني؟ آني هنا أمكم والكلمة كلمتي، ومفيش حاجة اسمها أخوها وأختها كل دهو كلام فاضي، وآني قولت كلمتي وخلصت مش هنعيد ونزيد! قال أحمد بإلحاح، مرتديًا ثوب المقنع الذي يميز أفكاره الحصيفة، وكأنه يرتدي قناع الحكمة الذي يجعله يبدو أكثر جدية: =يا ماما انتي كده بتضيعي من عليها فرصة كويسة، زياد بصراحة ميترفضش أنا عارفه أكتر منك وعارف بقول ايه كويس، وصدقيني مش هتلاقي حد أحسن منه! لم يكن هناك طريقة جديدة لإقناع أم الديب أو كسر رأسها الصلبة التي لا تقبل أي جدال ، فهي كانت مصرّة على موقفها ولا تفتح مجالًا لتغيير أفكارها. كان زياد مجرد ثمرة فاسدة ساقطة من شجرة البغضاء، لا ترى فيها سوى تجسيد لشخص غير مرغوب فيه، وقالت بحزم، وكأنما تضع النقاط على الحروف: _هو مين دهو ياخويا اللي فرصة كويسة؟ زياد ابن عمك بقى فرصة كويسة؟ الواد دهو شكله لاعبلكم في دماغكم ولا ساقيكم مصيبة سودة عشان توافقوا عليه ومتسمعوش كلامي. تخلى أحمد عن تردده، ونطق بشجاعة لأول مرة، كمن يحرر نفسه من قيود الضعف. يحمل نبرة جديدة من الحسم، وهو يتحدث بوضوح: =سيبك من الكلام العبيط ده وخلي هايدي تختار بنفسها، هي مابقتش عيلة صغيرة ومن حقها تختار الشخص اللي هتكمل حياتها معاه! قالت أم الديب باعتراض، وكأنها تخرج كلماتها من بين أسنانها كالرصاص، بصوت مليء بالاستنكار: _أمال ياخويا؟ ما لازم يكون دهو كلامك، بدل ما تنشف وتبقى راجل وتقولها لأ مش هتتجوزيه لأ جاي في صفها. خرج أحمد عن شعوره، وارتسمت على وجهه ملامح الذهول، وكأنما تلقى ضربة مفاجئة. صوته ارتفع. بينما كانت عينيه تتسعان من الدهشة. كان كل شيء من حوله يبدو وكأنه يتلاشى، وهو ينطق بعبارات يملؤها الاستفهام: =وايه علاقة ده بأنها تختار شريك حياتها؟ صاحت أم الديب فيه، متجاهلة تمامًا كونه أبًا مسؤولًا لطفلتين، ولديه وجهة نظر في الحياة مشابهة لرؤيتها الخاصة، مما أظهر مدى إصرارها على موقفها. بدت صرخاتها كالعاصفة التي تهب في المكان، إذ امتد صوتها بسرعة حولها ليملأ الأجواء بنبرته الغليظة، حيث تجنب المعلم حنفي وهايدي، اللذين كانا يراقبان الموقف بقلق، تلك النبرة العالية التي عكست الحنق: _صوتك ميعلاش يا ولا!. متنسوش نفسكم، آني هناهو الراس الكبيرة واللي أقوله يتسمع... كنت فاكرة الجواز هيعقلكم لكن زي مانتوا متغيرتوش. ندم أحمد كونه تدخل في نقاش معها، فباعد يده عن الحاسوب ووقف ساخطًا. كان جسده مشدودًا كوتر مشدود، وصوته يخرج بحدة عارمة، فقال بلهجة قاطعة: =عمومًا أنا كلامي مع بابا، الكلام ده مش نافع، سلام. ردت أم الديب بخشونة، وكأنها تسكب صبغة من القسوة على كل كلمة تنطق بها. كان صوتها جافًا، يتسم بالتجاهل، وعدم الاهتمام: _سلام ياخويا. نهضت أم الديب، بينما كانت تثرثر بحديث أبله، يتخلله تجريح في حق أولادها، وزوجها، وكل كلمة تنطق بها تحمل سخرية مكتومة وتهكمًا دفينًا. كان صوتها يتردد في أرجاء الغرفة كصدىٍ مزعج، وهي تتوجه نحو الباب وتخرج منه، لتجد المعلم حنفي، وهايدي جالسين بهدوء، منصتين لحديثها بنظرات مترقبة وكأنهما في انتظار سماع شيء ما يتجاوز حدود الكلمات. عندما خرجت إلى الصالة، كان المعلم حنفي يراقبها بعينين مليئتين بالقلق، أما هايدي فكانت ملامحها تتراوح بين الاستغراب، وعندما التفت نحوهم، تلفظ المعلم حنفي بكلمات تنم عن الحيرة: =ايه يا ولية؟ طلع مين؟ وقفت أم الديب إزاء الأريكة التي يجلسون عليها، وكلما تذكرت أن زياد هو ابن عدوها حسين، ازداد الرفض يتأجج في قلبها كأنما غمرتها موجة شحناء دون استئذان. كانت تعبيرات وجهها تنطق بالاستياء، وعينيها تتقدان بنار الاحتدام الذي لا ينطفئ. وضعت يديها على خصرها، وبدا أنها تأخذ وضعًا يعبر عن استعدادها لمواجهة مشكلة جديدة. مع كل كلمة تخرج منها، كان صوتها يتصاعد بعجيج عالٍ، حيث نطقت: _دهو أحمد...شوف يا حنفي لو كلكم اتلميتوا حواليا والنعمة دهي مآني موافقة. وأردفت لابنتها بعناد: _وانتي يا بت بطلي تحكي لأخوكي كل حاجة أول بأول! لم تقتنع هايدي بفكرة رفض أم الديب سرد المشكلات لأخيها ومشاركته في اتخاذ القرارات، فكانت دهشتها واضحة، وكأنها تحاول استيعاب المنطق وراء هذا الرفض الذي يبدو غير مبرر بالنسبة لها. ثم قالت باستفهام: =وايه المشكلة لما أحكيله؟ هو مش أخويا الكبير برضة ولا ايه؟ ما زالت أم الديب قاسية في إخراج حروفها من جحر القسوة، فرفعت يديها لأعلى بحركة واسعة ومبالغ فيها، تعبر عن استهزائها بأرائهم، وتعكس رفضها الصريح لهم. ثم قالت بنبرة قاطعة، مليئة بالاستنكار، وكأن كل كلمة تُخرجها هي إعلان عن موقفها الثابت: _بلا أخوكي الكبير بلا أخوكي الصغير!. اركحي في أي زاوية آني صدعت منكم، أدعي عليكم بإيه؟ نطق المعلم حنفي بهدوء: =طب خشي جوا يا هايدي، وادعي لأمك ربنا يهديها! قالت أم الديب بصياح: _ايهي قصدك ايه يا راجل انت؟ قصدك إن آني عبيطة، ومخي ضارب؟ نطق المعلم حنفي بدهشة، وقد بدت على وجهه ملامح الاستغراب العميق، كأنما تلقى ضربة مفاجئة في قلبه: =وآني اتكلمت؟ انتي هتقوليني كلام مقولتوش؟ ردت أم الديب بصخب قوي، وهي لا تطيق وجوده معهم في المنزل، وكل حرف ينطق به يثير احتدامها، ويعكر صفوها. كانت نبرة صوتها متقطعة، تعبر عن غليان مشاعرها، وعدم قدرتها على تحمل الوضع: _روح دكانك ياخويا متصدعنيش! نهض المعلم حنفي بتأني، ووجهه يعكس روح الحكمة التي لطالما ميزته. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بعناية، وكأنه ينوي التوازن بين الهدوء. بينما وقف، سحب نفسًا عميقًا، مستجمعًا كل ما لديه من صبر، ثم تحدث بصوت مملوء بالتعقل: =آني كده كده قايم بس قبل ما أقوم يا ولية فكري كويس في حوار هايدي، متكسريش بخاطر البت، ده انتي مفيش جوازة واحدة لعيالك عدتيها على خير! لازم تحشري مناخيرك وتبوظي أمها! قالت أم الديب ببجاحة، وبطريقة استهزائية لمشاعره، كأنما تسخر من كل ما يحمله من محاولة للتفاهم. كانت نبرتها ملآنة بالتهكم، والابتسامة على شفتيها تعكس استهزاءً صارخًا: _غور من وشي يا حنفي! خشى المعلم حنفي صوتها، وشعر أنه إذا نطق بحرف زائد، ستهرول نحو المطبخ كالمجنونة، وتعود بالسكين لتنفذ تهديداتها بهجوم لا يرحم. أدرك أن سلامته تكمن في تجنب أي تصادم مباشر معها، فتوجه بسرعة إلى متجر المشروبات، حيث حاول أن يواصل عمله في بيئة أكثر هدوءًا بعيدًا عن احتدام الموقف. في الوقت نفسه، نزل جلال من شقته متوجهًا إلى شقتها، عازمًا على التحقق مما سمعه. كانت خطواته حذرة، وقد بدا على وجهه مزيج من الفضول، حيث قال بلهجة مشوبة بالتساؤل: =ايه ياما فطرتوا ولا لسه؟ ردت أم الديب بدون أهمية للرد، وكأنما تعتبر كل محاولة للنقاش معه مجرد مضيعة للوقت: _طفحنا. قال جلال بفضول: =أمال الواد زياد ابن عمي ده ايه دنيته؟ أجابت أم الديب بصياح، وقد ارتفعت نبرة صوتها بشكل ملحوظ، كأنها تسكب سخطها في كل كلمة تُخرجها. كان صياحها يملأ الأرجاء ويهز جدران المكان: _متجيبليش سيرته فاهم ولا لا؟ تساءل جلال عن سبب عصبيتها كلما نطق أحدهم اسمه، وهو يحاول فهم سبب هذا الغضب المستمر الذي يثور في كل مرة يُذكر فيها. كان عقله مليئًا بالتساؤلات، وأمامه تتناثر الأفكار حول الأسباب الكامنة وراء هذا الانفعال المتكرر: =مالك ياما متعصبة على آخرك كده ليه؟ ده أنا بسأل بس مش أكتر، وبعدين غريبة يعني إنكوا لسه بتتشاوروا في الحوار ده لحد دلوقتي، ده هايدي لما كان بيجيلها عريس كان بيترفض من قبل مايدخل عندنا اساسًا. أجابت أم الديب بعجيج: _قال ايه البت موافقة... بقى على آخر الزمن نحط ايدينا في ايد حسين المبقع؟ على الرغم من شكوك جلال بشأن فكرة أن زياد وهايدي قد يكونان على علاقة غرامية ببعضهما في الخفاء، إلا أنه كان يتمنى زواجها، مدفوعًا برغبته في أن يتفرغ الدار له ولعائلته الصغيرة، وليرتاح من الغزو المستمر لشجار أم الديب، وهايدي الذي كان يقض مضجعه كل صباح. كان متعجبًا من سلوك أم الديب الغريب، حيث كانت دائمًا تقف في طريق أي محاولة لتحقيق السعادة، معطيةً لكل قرار زواج يطرح إجابة مرفوضة بكل صرامة، وكأنها تصطاد كل فرصة للسعادة وتفشلها. كان يشعر أن سعادة أبنائها تُطيح براحتها كأنهم أبناء ضرتها وليس أبناؤها، مما يضيف عبئًا إضافيًا إلى حياته اليومية، ولذا، قال لها بذهول: =جرا ايه ياما؟ ده انتي مسيبتيش حد إلا وعدى عليكي وطلعتي سلسفين أبوه...ما تتهدي شوية وتكبريها! نطقت أم الديب بنبرة جلفة، تنم عن تجاهلها التام لمشاعر الآخرين، واستهانتها بالحديث: _هي ايه دهي يا ولا؟ أجاب جلال بخور، وملامح وجهه تعكس دهشةً عميقة من الموقف الذي يعيشه: _دماغك... يلا أنا ماشي، سلامو عليكو. تركها جلال تثرثر مع ذاتها، واستدار بخطوات سريعة نحو درج المنزل، حيث انحدر بسرعة إلى الأسفل. خرج من الدار بأكمله، مستخرجًا الجردل والماء والصابون من محلهم الصغير، وعزم على تنظيف التوكتوك الخاص به استعدادًا لبدء رحلة عمله في شوارع القرية. كانت خطواته متسارعة، وكأنه يسعى للهروب من ضجيج المشكلات ومشاحنات المنزل إلى عالم أكثر هدوءًا. في هذه الأثناء، جاءت نعمة، وهي ترتدي جلبابًا زاهي الألوان يعكس الحيوية، ومعها ابنها الذي يتبعها بخطوات طفولية متحمسة. دخلا شقة أم الديب، التي استقبلتهما بنظرة متوجسة، وقد ارتسم على وجهها مزيج من الريبة. قالت أم الديب بارتياب، وقد حاولت إخفاء شعورها بالحذر: =جرا ايه يا نعمة؟ هو انتي متفقة مع أبوكي وأخوكي تجولي ورا بعض؟ هو آني كل شوية هيستلمني حد فيكم؟ مآني قاعدة مورايش غير أختك ست هايدي! خلعت نعمة نعلها البرتقالي عند المدخل، وكأنها تتخلص من عبء خارجي قبل دخولها إلى عالم المنزل. جلست على كنف والدتها، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الراحة، ثم قالت بنبرة مفعمة بالحاجة للتواصل: _هو أنا لسه اتكلمت ياما؟ وأردفت لطفلها بحنان: _أقعد يا محمد جنب ستك! جلس محمد بجانب جدته، ووالدته، ووجهه يعبّر عن براءة الطفولة. مد يده لأم الديب، وابتسم ابتسامة بريئة تشع بالود، قائلًا بلهجة مغمورة بالتقدير: =ستي. بادلته أم الديب المصافحة، وقد تخلت عن بعض قسوتها لتظهر وجهًا آخر من الحنان. كانت نبرتها ناعمة، وقالت له بحدب، وعينيها تلمعان: _ازيك يا ولا يا حبيب ستك؟ ايهي ماله الواد خاسس كده ليه وحالته حالة؟ ضحكت نعمة، ورفعت نظرها نحو جسدها الهزيل بلمحة من السخرية. ثم قالت بابتسامة خفيفة، تعكس تفاعلها مع حالتها الشخصية بتفهم: =طالعلي ياما، انتي مش شايفة؟ قالت أم الديب باستهزاء: _مانتي العيب عليكي مكنتيش بتتغذي كويس وانتي حبلة فيه، أهو طالع شبه البرص الجعان. وواصلت حديثها إلى حفيدها بسخاء مفاجئ، كما لو أنها تفتح نافذة جديدة من العطاء. كان صوتها دافئًا، ومليئًا بالتقدير، وهي تقدم له كلمات مشجعة وتمنحها له بحب، قائلة: _خش يا ولا افتح التلاجة اعملك شاندوتش، ميغلاش عليك. تعجبت نعمة من هذا الكرم المفاجئ الذي هبط على أم الديب كهدية غير متوقعة من سماء الرزق، حيث بدا الأمر وكأنه تحول دراماتيكي في سلوكها. ارتسمت على وجهها ملامح الدهشة، وهي تعبر عن استغرابها من التغيير المفاجئ في التصرفات، ثم قالت بدهشة واضحة: =ايه الطيبة اللي حطت عليكي فجأه دي؟ ردت أم الديب بتدليس: _أعز الولد ولد الولد. تساءلت نعمة بعمق عن مدى غلاوتها في قلب والدتها، وهي تتفكر في مدى تأثير وجودها في حياة الأم، وتنتظر بلهفة لحظة تأكيد لتلك المشاعر التي لطالما تساءلت عنها: =طب وعيالك مالهمش غلاوة عندك؟ تفوهت أم الديب بكلمات تنم عن نية غير صافية وإفك خفي، وكأن لسانها كان ينطق بما يتناقض تمامًا مع ما يعتمل في أعماقها: _ليهم، أمال ملهمش؟ دخل محمد إلى المطبخ بصمت، وهو يحمل في ذهنه طلب الجدة التي أمرته بتحضير وجبة بسيطة. عندما مد يده إلى مقبض الثلاجة الصدئ الذي يذكّره بقبر مهمل، شعر وكأنما يفتح علبة ذكريات بائسة، وبما أن المطبخ كان ملبدًا برائحة قديمة، فتح الثلاجة ببطء، كما لو كانت مئات الأعوام قد تراكمت خلف أبوابها. داخل الثلاجة، اكتشف محمد مشهدًا يبعث على النفور: ثلاث جزرات يابسة، ومتشققة، وبيضتان تبدوان وكأن الزمن قد ترك عليهما بصماته الثقيلة، ورغيف خبز صلب كأنما تم نسيانه منذ أيام عديدة، رائحته تنبعث منها بشدة، وكأنها تحمل آثار الإهمال. بين هذه المكونات المتلاشية، وجد مجموعة من الأدوية التي تثير الاشمئزاز برائحتها المزعجة، وفي زاوية أخيرة، علبة جبن تبدو وكأنها نُسيت منذ زمن بعيد، تحوي داخلها كمية ضئيلة من الجبنة قد تُعتبر طعامًا مناسبًا لنملة تترنح على حافة النافذة. قالت نعمة بدهاء، وهي تحاول كسب ود أم الديب: =والنبي ياما أنا ماشوفت في حنيتك وطيبة قلبك، ده انتي غالية علينا بشكل، ده احنا منقدرش نبعد عنك يوم، ده انتي بركتنا وأمنا الغالية، ده احنا بنحبك حب ربنا العالم. لم تقتنع أم الديب بمدح نعمة المبالغ فيه والذي بدا غير معتاد منها، مما جعلها تشعر بشيء من التوجس. فبوجه عابس يعكس استياءً خفيًّا، قالت بخلق ضيق: _اخلصي يا بت! عاملة الحوار ده كله ليه؟ ابتلعت نعمة ريقها، وهي تشعر بالتردد يعتريها كما لو كانت تعبر سلكًا مشدودًا، ثم قالت بحديث متقطع، كما لو كانت تحاول جمع شتات أفكارها بينما تتلمس طريقها عبر كلماتها: =بصراحة عاوزينك توافقي وتفرحينا، هايدي ملهاش غيرك، دي آخر فرحتك، عيالك كلهم اتجوزوا وملولك البيت عيال بدل ماكنتي هتبقي وحيدة بطولك أهو اللي نازل واللي طالع يعدي عليكي وعاملينلك حِس في البيت، أديكي شبعتي منهم عايزة ايه تاني؟ طب لو كان عندك بت واحدة كنا قولنا ماشي، إنما ياما انتي عندك أربعة وكلهم اتجوزوا. أفحمها رد أم الديب كأنها التصقت في جدار دون أي سبيل للفرار، مما جعلها تشعر بالعجز. في تلك اللحظة، كانت تتمنى بشدة أن تجد في عيون والدتها لمحة من الأمل تفتح أمامها أبواب الرجاء، لكن الواقع كان مريرًا. رغم محاولاتها لإشعال شعلة من الأمل في قلبها، لم يكن هناك ما يشير إلى تغيير في موقف أم الديب. ولذا، تفوهت بوضوح: _ومين قالك إن آني راضية عن جوازة جلال؟ ردت نعمة بثقة، وكأنها محامية تدافع بكل إخلاص عن موكلتها، ليالي. كانت كلماتها مدروسة، تجسد إصرارها على تقديم الدفاع القوي: =ليالي بتحبك ومفيش قاعدة نقعدها غير لما تحكيلي عنك. قالت أم الديب بسخرية: _يا سلام يا بت؟ أجابت نعمة ببشاشة واضحة، وهي مصممة على تحقيق هدفها، حيث لم يفارقها الإصرار ولو للحظة. برغم التحديات التي واجهتها، حافظت على ابتسامتها التي تجسد صمودها: =أمال ايه؟ انتي بس علشان مبتحبيهاش فحاسة إنها هي كمان مش بتحبك، لكن ده ربنا العالم باللي في قلبها... وافقي على عريس هايدي متكسريش بخاطرها، انتي ايه ضمنك إن لو الجوازة دي باظت هايدي ممكن توافق على أي حد يجي بعد منه؟ مانتي عارفاها وهايدي دماغها ناشفة، دي ورتنا الويل في كل مرة جالها عريس... وافقي وفرحيها! قالت أم الديب بغلاظة، وكأنها تقطع حديثًا طالما استمر في إزعاجها: _انشالله عنها ما وافقت، آني لما يجي عريس على مزاجي هنكتب الكتاب قوام قوام مش هنطول، البت بتكبر وهتعنس ومش هتلاقي حد يبص في خلقتها! خرجت هايدي من الغرفة وهي تبكي بمرارة، بعد أن استمعت لحديث أم الديب، ونعمة، وهو حديث أثار في قلبها جرحًا عميقًا. منذ صغرها، كانت تشعر أن والدتها تقبض على هواء الفرح وتبعده عنها، وكأنها تحرمها من طعم الحياة المليء بالبهجة التي ينعم بها الآخرون. كم مرة رأت والدتها بشوشة الملامح، فقط لتكتشف لاحقًا أن حديثها الجارح كان يخفف من بريق تلك الابتسامة؟ وكم مرة سلبت منها فرص الصداقة، بحجة أنها تخشى من آراء الناس وكلامهم الجارح؟. كانت هايدي تتحمل كل هذا بمرارة، تسكت وتكظم غيظها في صمت مطبق، حتى فاض بها الكيل، وأصبحت تجد من الصعب للغاية أن تستمر في التحمل. خطواتها كانت بطيئة وكأنها خرجت من مستشفى، تتنقل بين الأروقة وهي تشعر بثقل الأعباء. كل خطوة كانت تتخذها كانت تصدر كأنها تستمد قوتها من جراحها العميقة. عندما توقفت أخيرًا، قالت بعتاب مملوء بالشجن، وكلماتها تخرج بصعوبة وكأنها تدفع الثمن غاليًا: =ايه الجديد عليكي؟ مانتي طول عمرك عدوة الفرحة! بتشوفي ايه اللي ممكن يفرحنا وبتقفيلنا فيه! كأنك مستخسرة فينا نفرح! هو أنا ليه مش من حقي أفرح؟ لغاية امتى طيب؟ بتعملي معانا كده ليه يا ماما؟ هو حرام؟ كل ده لمجرد إنه تبع بابا؟ وانتي علشان بتكرهيه فبتكرهي اي حد تبعه! أنا مش عايزة أعيش تاني! وواصلت لأختها بانتحاب: =مش عايزة أعيش يا نعمة! وقفت نعمة مكانها، واحتضنت أختها بكل حب، متجسدة في ذلك لحظة من التضامن العميق الذي يعكس قمة الإنسانية. كانت كل ضمة منها كالجناح الذي يحجب أعاصير القهر ويخفف من شدة الألم، وكأنها تلوذ بها من كل المحن التي تعصف بحياتها. في ذلك العناق الدافئ، استطاعت نعمة أن تزيل شيئًا من ثقل الأيام الثقيلة التي عاشتها هايدي، وتغمرها بالطمأنينة التي تشتد حاجتها إليها. ثم نطقت بحنو يجلأ من بين ضلوعها المحبة: _اهدي يا هايدي متعمليش في نفسك كده! أمك بتحبك ومش هتحرمك من اللي انتي عايزاه، شوفي انتي عايزة ايه وهي هتعملهولك! حينما شعرت أم الديب أن ابنتها قد تكون على وشك إلقاء نفسها من النافذة، أو الوقوع تحت عجلات سيارة مُسرعة، أو حتى إقدامها على قطع شريانها في لحظة يأس، بدأت تجتاحها مشاعر متناقضة بين الخوف، والحب الأمومي. تخلت عن جبروتها، ولكنها لم تفعل ذلك بدون وضع شروط صارمة. فقالت بلهجة مشددة: =خلاص آني موافقة بس بشروطي! سألت نعمة بفضول يعكس رغبتها العميقة في معرفة الحقيقة، وعيناها تلمعان بشوق لتفاصيل مخفية: _شروط ايه دي؟ قالت أم الديب بفظاظة: =الاتفاق كله هيبقى معايا آني! كيف يمكن لسيدة واحدة أن تلغي وجود ثلاثة رجال لتبرز دورها؟ هذا ما دار في ذهن نعمة، وهي تفكر بعمق في مدى صعوبة تحقيق هذا التوازن. لم تستطع قبول الشرط القاسي الذي فرضته والدتها، فاعترضت بقوة، قائلة برفض: _ازاي بس ياما؟ يعني هيسيب أبويا، وجلال، وأحمد وهيتفق معاكي انتي؟ كأنها تتحجج بأي شكل من الأشكال لإنهاء الزيجة قبل بدايتها، تلقي بالكرة في ملعبهم ليبدو العيب قادمًا منهم وليس منها. فقالت أم الديب بعناد، وتصميم لا يقبل المساومة: =هو كده، يا إما الجوازة دهي تطلعوها من دماغكم! لا حل آخر سوى الموافقة على مطلبها، وإلا ستتمزق القلوب العاشقة إثر عنفها، وتصرفاتها القاسية. هنا، وجدت نعمة نفسها مضطرة للقبول بما فرضته والدتها، حتى يتمكنوا من عبور أول معضلة في طريقهم. فقالت بصوت مليء بالاستسلام، والأمل في تجاوز هذه العقبة: _ماشي ياما اللي تشوفيه. أم الديب ليس لها أمان، فهي كالطفل الصغير تتراجع عن قرارها في ثانية، مما جعل هايدي تشعر بالقلق، وعدم الاستقرار. أرادت التأكد من أن هذا القرار سيكون نهائيًا، فسألتها برهبة في صوتها: =يعني انتي موافقة ولا هتغيري كلامك تاني؟ قالت أم الديب بحدة: _ليه هو كلام عيال يا بت؟ آني قولت كلمة ومش هرجع فيها إلا لو أنتوا مسمعتوش الكلام! ارتسمت الابتسامة على وجه نعمة، مشيرة إلى فرحتها العارمة. فقالت بسرور يعكس حماسها: =لا ياما متخافيش هنسمع كلامك. تحدثت أم الديب بوجه عابس، تعبيراتها الجادة تشي بعمق تفكيرها، وثقل ما تحمله في قلبها، فقالت بلهجة حازمة، وملامح لا تعرف الابتسام: _وماله أبقوا نضفوا الصالة، ولا أقولكم نضفوا الشقة كلها علشان المحروس لما يشرف عندنا يلاقي حتة يترزع فيها. ضحكت نعمة، وضحكتها تملأ المكان بروح المرح، وقالت بصوت مبتهج: =ماشي ياما. وأردفت لأختها بمحبة: =خشي يا هايدي امسحي دموعك يا هبلة، وأنا هبلغ أبوكي في التلافون. ردت هايدي بقلق واضح في نبرتها: _ماشي. دخلت هايدي الغرفة بخطوات متعثرة، وكأن كل خطوة كانت تتطلب جهدًا مضاعفًا. مسحت دموعها بمنشفة ورقية، محاولةً أن تلتقط أنفاسها، ثم مدت يدها تحت السرير وسحبت زجاجة المياه التي كانت بحاجة إليها بشدة. بللت ريقها بعدما جف تمامًا من كثرة الانتحاب، وشربت منها قليلًا، ثم أغلقت الزجاجة، وأعادتها إلى مكانها بدقة. رفعت هاتفها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتصل بمحبوبها لتبلغه بالخبر السعيد، وملامح وجهها تتألق بفرح مخفي خلف سحابة من القلق. في الوقت نفسه، دخلت نعمة إلى البلكونة بسرعة، محملةً بطاقة مشبوهة من الحماس، وأخرجت هاتفها واتصلت بوالدها، محاولًة أن تنقل له الخبر بذات الأهمية التي حملتها إلى قلبها. قالت لهم بكل حبور: =أيوه زي مابقولك كده أمي وافقت. قال المعلم حنفي باستغراب: _ده اللي هو ازاي يعني؟ ده آني نازل من البيت وهي رافضة وعاملالنا موال، هي لحقت؟ سحبت نعمة الكرسي وجلست عليه بارتياح، ثم تنهدت بعمق وكأنها تطلق زفرات التوتر المتراكم. بدأت في رحلة سرد التفاصيل، وحيالها المنظر الريفي الجميل، والهواء المنعش الذي كانت تتنفسه: =أيوه مانا هقولك اللي حصل ايه! سعد زياد بعدما علم بخبر موافقة أم الديب، كأن حديث هايدي قد زرع البهجة في قلبه، وأشعل فيه شعلة من الفرح النقي. نطق بحبور عميق، وكأن كلماته تملأ الفضاء الحزين بألوان السعادة المتألقة: _أنا هكلم عمي وآخد منه ميعاد النهارده بالليل. مررت هايدي يديها برفق فوق رأسها، وكأنها تحاول تهدئة نفسها من توتر اللحظة. ثم قالت بهدوء يعكس سكينة داخلها، وراحة قلبها: =ماشي يا زياد. قال زياد بدهشة، معبرًا عن تعجبه من موافقة أم الديب في فترة وجيزة: _لا بس أنا بصراحة مش مصدق أنها وافقت! مررت هايدي يديها برفق على خديها، وكأنها تحاول أن تستجمع أفكارها، وتعيد ترتيب مشاعرها. ثم قالت بتفكير: =موافقتش غير لما كلمتها كلمتين جامدين، موافقتش كده وخلاص! لا دي وافقت بشروط! قال زياد بسعادة: _مش مهم، المهم أنها وافقت... يلا يا عروسة اجهزي عقبال ما أكلم عمي! كأن الفرحة ممتنعة عن الظهور على وجنتي هايدي، حيث نطقت ببسمة مكتومة تنم عن مشاعرها المعقدة، وتكافح لتظهر عكس ما يجول في قلبها من قهر: =تمام يا زياد، سلام. تلفظ زياد بحبور: _سلام يا عروسة. في الأعلى، كانت ليالي جالسة مع أطفالها، غارقة في أفكارها حول تصرفات جلال الأخيرة، وقد بدت عليها علامات الحيرة. فجأة، نطقت بذهول، حيث كانت كلماتها تعبر عن اندهاشها من التطورات الأخيرة: =يا خبر أسود بقى ده جلال اللي كان بيقولي انتي نقطة ضعفي؟ ده مقلوب عليا ولا عاجبه العجب ولا الصيام في رجب! يا دي الحوسة، هتفضلي كده لحد امتى يا ليالي؟ قال حمود بضيق: _أبويا مخدنيش معاه. أجابت ليالي بانزعاج: =اسكت انت كمان! تروح معاه فين؟ عشان تتعلم القرف اللي هو بيعمله؟ بعد كل التغيرات السلبية، تغيّرت فكرة تقى تُجاه والدها بشكل جذري، فصار في نظرها كالوحش الكاسر، أو الجني المُرعب الذي يظهر في روايات الرعب. قالت برهبة، وقد اتسم صوتها بالخوف: _بابا وحش. قالت ليالي بخوف من أن يسمعها زوجها، وهي تهمس بنبرة مقلقة تحمل في طياتها الرهبة: =لا يا تقى متقوليش كده على أبوكي ألا يرننا العلقة التمام، ده الأيام دي مبقاش في وعيه، وعقله فلت... مش فاهمة ايه اللي جراله بس! سمعت ليالي زغاريد تصدح من الأسفل، ففوجئت بالتحول الكبير في الأجواء. فقالت بدهشة، وقد ارتسمت علامات الاستفهام على وجهها: _بس يبقى وافقوا على العريس! ثم أمسكت ليالي مفتاح الشقة، ونزلت هي وأطفالها إلى الأسفل، حيث بدا عليها الفضول المتقد لاستكشاف سبب الفرح المفاجئ. قالت باهتمام، وهي تسأل بلهفة: =في ايه يا نعمة؟ أطلقت نعمة الزغاريد بفرح عارم، ووقفت حيالها بابتسامة مشرقة تنبض بالبهجة. ثم قالت بسعادة: _أمي وافقت الحمدلله. ضحكت ليالي بمجرد سماع الخبر، وكأنها لم تتمكن من كبح مشاعر الانشراح التي انفجرت في قلبها. نطقت بفرحة عارمة، حيث تجلى في صوتها كل الإشراق: =طب الحمدلله...مبروك يا هايدي. قالت هايدي بدموع محبوسة تكاد تنفجر في وجوههم، حيث كان صوتها يرتجف تحت وطأة المشاعر الجياشة: _الله يبارك فيكي. سألت ليالي باهتمام بالغ عن موعد حضور العريس، ووالده، وقد برز في صوتها حرصها على الترتيبات وتوقها لمعرفة التفاصيل: =طب هيجوا امتى؟ أجابت نعمة بابتسامة: _هيجوا النهارده بالليل ان شاء الله. قالت ليالي بتفكير عميق: =هيجوا عندنا ولا في شقة أمك؟ ردت نعمة بانشغال، وهي تلجأ بعينيها نحو ليالي، مشيرة إلى المظهر السيء لصالة منزلهم. كانت الألعاب مبعثرة هنا وهناك، والأتربة ملتصقة بالنافذة، مما جعل المكان يبدو في حالة فوضى واضحة: _لا هنا، ايه اللي هيطلعهم فوق؟ بس عايزين ندى الشقة ترويقة على السريع أصل هيقعدوا في الصالة هنا. سألت ليالي مجددًا بفضول غامر، وقد بدا في عينيها اهتمام عميق، ورغبة في معرفة المزيد: =أيوه يا نعمة، طب العروسة مش هتروح الكوافير؟ أجابت هايدي ببساطة: _لا أنا مش رايحة، هحط ميك أب بسيط. احتضنت ليالي هايدي بكل حب، مظهرة لها مشاعر الإخوة العميقة والفرحة العارمة بمناسبة الأحداث السعيدة التي تطرأ عليها. فقالت بحبور كبير: =مبروك ياختي، عيشنا وشوفناكي عروسة أخيرًا. ردت هايدي بابتسامة خافتة: _الله يبارك فيكي وعقبال تقى. ضمت تقى ذراعيها لبعض، وتغيرت ملامح وجهها في الحال، إذ برزت عليها معالم الرفض التام للزواج في المستقبل، تمامًا كما فعلت عمتها هايدي. قالت بنبرة حاسمة، تعكس تمسكها بموقفها: =مش عاوزة أتجوز! انصدمت ليالي من رد ابنتها الصغيرة، وسألتها بأحاسيس كارثية تدور في صدرها، وقد تجلى في نبرتها الاستفهام المحير. قالت، وهي تحاول فهم مصدر هذا الموقف غير المتوقع: _يخيبك انتي هتعملي زي عمتك؟ أجابت تقى بخوف: =لا. ضحكت نعمة بفرحة عارمة، وقالت بسرور: _ربنا يمد في عمرنا ونشوف كل عيالنا متسترين في بيوتهم مع اللي يستاهلهم. ردت ليالي بابتسامة: =يارب ياختي، بس ده لسه بدري أوي أوي. قالت نعمة بقلب صافٍ، لا يغمره ذرة كراهية، وبنبرة تنبض بالصفاء: _ولا بدري ولا حاجة، الأيام بتعدي هوا. ردت ليالي باقتناع: =على رأيك. خرجت أم الديب من الغرفة بوجه عابس، بخطوات ملكية مهيبة، كأنها ملكة تسير في قصر يكتنفه الزهور الوردية. كان المشهد يكتمل بتصورها وهي تتقدم بثقة، والخدم يحيطون بها متراصين، منتظرين سماع أوامرها لتنفيذها في لمح البصر، وكأنهم جن يسهرون على راحتها. بدأت بإصدار الأحكام، مستعرضةً شخصيتها المتسلطة بكل وضوح، وعينيها تلمعان بالقوة. قالت بحدة، وهي تستعرض سلطتها، وتضع الجميع في مكانهم: _اسمعي يا بت منك ليها! ليالي تعمل الأوض، ونعمة عليها الصالة، والحمام، وهايدي عليها المطبخ. ردت ليالي بسخرية: =وانتي هتعملي ايه يا حماتي؟ قررت أم الديب التخلي عن صلابتها، وأعلنت أنها ستصنع مشروب السعادة تعبيرًا عن فرحتهم بخطبة هايدي، كرمز للاحتفال في هذه اللحظة المبهجة. فقالت بحماس: _هبل الشربات يا بت. قالت هايدي باعتراض، مستنكرةً كيف لعروس في مثل حالتها أن تنسى أمور العناية بنفسها وتوجه اهتمامها نحو تنظيف المطبخ؟. كانت نبرتها تعكس عدم التصديق: =لا طبعًا انتي هتخليني أعمل وأنا العروسة؟ وأنا هلحق أجهز امتى؟ ردت أم الديب بكراهية عارمة نحو زياد، وبدت مشاعر الاحتقار تتدفق من كلماتها: _ايهي تجهزي لمين يا بت؟ لزياد ابن عمك؟ هو دهو منظر؟ تفوهت نعمة بحنكة: =الحق عليكي ياما، الواد حلو وتحسيه ابن ناس أكابر، متحسيش خالص إنه متربي وسطنا. تلفظت أم الديب باستهزاء، كأن حروفها تسقط من منبع السخرية، حيث كان كل حرف ينطق به يحمل معه نبرة التهكم، مما جعل كلماتها تبدو كطعنات تنبع من عمق الاستهانة: _هو عشان عاشله في البندر كام سنة يقوم ينسى أصله وفصله؟ ده الله يرحم أمه كانت ست فلاحة على أصولها. أرادت أم الديب تشويه صورة زياد، لكن الرد جاء سريعًا من ليالي، وكأنه ضربة بسرعة الضوء. تصاعدت كلمات ليالي بشكل متهكم، حيث كان استهزاؤها واضحًا وموجهًا بدقة: =ماهو نفس الحوار معاكي انتي وابنك أحمد يا حماتي! تلفظت أم الديب بعجيج حار: _ايهي تقصدي ايه يا بت؟ قالت ليالي بنبرة هادئة كالجبال المثلجة في روسيا، حيث كانت كلماتها تنساب ببرود وثقة، تعكس استقرارها الداخلي وعدم تأثرها بالموقف: =أقصد إن ابنك مش شبهك واللي يشوفه يقول إنك الدادة بتاعته مش أمه، هو لو كان شبهك كانت ست جميلة بصتله ولا رضت بيه؟ وطأت أم الديب يدها على صدرها، وبؤبؤا عينيها يتسعان بشكل لا يصدق، تعبيرًا عن صدمتها من كون زوجة ابنها تقلل من شأنها إلى هذا الحد. فقالت بصياح، وقد تجلت في نبرتها مشاعر الحنق العارم: _يا خراب بيتك يا أم الديب! يا مصيبتك السودة! آني الدادة بتاعته يا بت الـ***؟ بمجرد سماع ليالي مسبة أم الديب لوالدها سلامة، تحولت في التو والحال كالوحش الكاسر، وكأن غضبها يجسد القوة المدمرة. تلفظت بصخب عارم، وأخذ صوتها يتردد في أرجاء المنزل، محطمًا هدوءه، ومستنفرًا الجميع بارتجاجات سخطها: =كله إلا أبويا، أبويا خط أحمر ولا أنا جيتلك على الجرح؟ مادي الحقيقة! وأردفت لهايدي بمكر: =ماتقولي حاجة يا هايدي! كادت هايدي أن تعول، وعينيها تملؤهما الدموع، وهي تقول بفزع: _أبوس أيديكم عدوها على خير، أهو ده اللي أنا كنت خايفة منه، علشان خاطري بلاش مشاكل! تدخلت نعمة في المشكلة كمصلح اجتماعي حصيف، مستندة إلى روحها النقية التي لا تسعى وراء المعضلات. قالت بلهجة مواتية، محاوِلةً أن تهدئ الأوضاع، وتعيد الأمور إلى نصابها، وبأسلوب يعكس حرصها على إيجاد حلول سلمية قالت: =ميصحش الكلام ده يا جماعة! كل واحد يشوف أشغاله قبل ما العريس يجي ويطب على فجأه. خبطت أم الديب فمها بيدها بقسوة، وكأنها تعبر عن احتجاجها العميق. ثم تفوهت بعجيج: _آني هحط في حنكي فردة بُلغة قديمة علشان لا تقولوا بسمة عملت ولا اتنيلت... آني كدهو عداني العيب وأزح، الدور والباقي على الناس التانية. قالت نعمه برهبة: =طيب ياما روحي عقبال ماحنا نروق! أجابت أم الديب بصياح منين: _آني أروح بمزاجي مش بمزاجك انتي يا بت! ردت نعمة بترقب: =طيب ياما زي ما تحبي. غادرت أم الديب إلى الحظيرة الموجودة في منزلها، تاركةً وراءها جوًا من التوتر. في هذه الأثناء، بدأ الجميع في تنظيف المكان بجدية، حيث كانت هايدي واقفة أمام المرآة، تعمل بجد على تنظيف شعر وجهها، وترطيب يديها استعدادًا لوصول زياد لطلب يدها من العائلة. بينما كان الجميع ينشغل بجهد في الترتيبات، كانت ليالي تراقب الموقف بعينين مليئتين بالاستياء. فمها كان ملتويًا بشكل يعكس عدم رضاها عن تصرفات أم الديب، التي اعتبرتها خسيسة. قالت بمرارة، وهي تعبر عن خيبة أملها وتنديدها بأسلوبها: _عاجبك اللي أمك عملته ده يا نعمة؟ نظفت نعمة الأريكة بقماشة، وهي تتخبطها فيها بحركة حازمة لتخرج كل الأتربة المتجمعة بين ثناياها. بينما كانت تعمل على تنظيف الأريكة، حاولت جاهدًة أن تصلح ما يمكن إصلاحه. توجهت إلى ليالي، وعلامات الإحراج تلوح على وجهها، وبدأت تطلب العفو منها نيابة عن والدتها. قالت بإحراج، وهي تبتسم بصدق، وتحاول أن تعكس نواياها الطيبة: =معلش يا ليالي هاتيها فيا... مانتي برضة قولتيلها كلام مينفعش يتقال. قالت ليالي بنبرة جلفة: _ماهي دي الحقيقة، ده اللي بيته من إزاز ميحدفش الناس بالطوب، وانتي أمك ناسية أصلها. ردت نعمة بحيادية: =خلاص يا ليالي متنسيش إن دي أمي برضة! تفوهت ليالي بندم، متأسفةً عما فعلته، وهي تدرك أن نعمة، صديقتها المقربة، كانت تهدف فقط لإزالة همومها، ومساعدتها في الخروج من فوضى الحياة التي تعاني منها: _معلش يا نعمة حقك عليا بس أمك لسانها زفر. قالت نعمة ببشاشة وجه: =سيبك منها خلينا في اللي احنا فيه! ردت ليالي بسكينة في حديثها، وقد تجلت في نبرتها هالة من الهدوء: _أنا هسكت علشانك انتي بس. تلفظت نعمة بمحبة: =حبيبتي يا ليالي. في الليل، بعدما انتهوا من تنظيف المنزل واتسخت ثيابهم إثر معركة تنظيف حادة، شعروا وكأن شقة أم الديب كانت مفتوحة النوافذ منذ أعوام، وذلك بسبب الفوضى التي كانت سائدة. لم تكتف النساء بذلك، بل صعدت كل واحدة منهن إلى شقتها لتستحم وتعقم جسدها، ثم ارتدين العباءات الجميلة، ورششن العطر الزكي في محاولة لإضفاء لمسة من الرقي على الأجواء. على جهة أخرى، انتهت هايدي من تجهيزاتها، حيث وضعت مكياجًا خفيفًا أنار وجهها بالعذوبة. حضر أحمد خصيصًا من أجل أخته الحبيبة ليشاركهم في هذا الحدث المهم. حينما نزلت النساء، استقروا في غرفة هايدي، بينما الرجال كانوا في الخارج ينتظرون وصول العريس. وصل العريس، زياد، ووالده حسين، حيث كان الشاب يرتدي بنطالًا أسود، وقميصًا أبيض، وفي يديه باقة من الورود. أما الوالد حسين، فقد ارتدى جلبابًا أزرق وحمل في يديه علبة حلوى تحتوي على قطع الجاتوة الشهية. بعدما صافح الجميع بعضهم، جلس زياد وحسين على الأريكة بجانب أحمد، بينما في الجهة المقابلة على كراسي بلاستيكية، جلس جلال، والمعلم حنفي. أعرب المعلم حنفي عن سعادته بلقاء أخيه، وقال بوجه بشوش: _منور يا حسين ياخويا يا غالي. وجه حسين نظره نحو الأرض، خجولًا على الرغم من صلة الدم التي تربطه بالجميع. توردت وجنتاه بالحمرة، بينما نطق بسكينة، تعكس تواضعه: =الله يخليك يا حنفي ياخويا. قال جلال بابتسامة: _البيت منور يا عمي. رد حسين بمحبة: =منور بيك يا جلال. خرجت أم الديب من غرفتها، ودون أي مقدمات، قالت بغلاظة، تعبر عن استيائها وصوتها يحمل نبرة حادة: _بص ياخويا منك له آني شروطي وحطيتها، لو عاوزين هايدي بتي لابنك يبقى تحطوا الكلام دهو حلقة في ودنكم، هايدي ميجيلهاش أقل من بنات خالتها! خرجت نعمة من الغرفة، وقالت بدهشة: =وهي خالتي عندها بنات اتجوزوا أصلًا ياما؟ تفوهت أم الديب بصياح: _اسكتي انتي يا بت، خليني أكمل كلامي! تحدث حسين بانزعاج واضح من تدخل السيدات في حديث الرجال، وقد تجلت في نبرته مشاعر الضيق: =الكلام ده ميصحش، أنا اتفاقي مع الرجالة مش مع الحريم. وأردف للمعلم حنفي بحنق: =ماتقول حاجة يا حنفي! قال جلال بصوت جلف: _اطلعي منها انتي ياما وكبري نفوخك! تلفظت أم الديب بعجيج: =بقولك ايه! دهي شروطي وإلا ما هيهمني حد، وهقولكم السكة اللي تودي، فاهم ولا لا؟ نطق حسين برفض لهذا التصرف، وبدت على ملامحه علامات الحزم: _وأنا مش راضي باللي بيحصل ده. قال أحمد بإحراج: =معلش يا عمي سيبك منها وخلي كلامك معانا احنا! وقفت نعمة إزاء والدتها، وقالت بعصبية: _ما تدخلي جوا ياما! انتي ايه حشرك ما بينهم؟ رفعت أم الديب صوتها، وتلفظت بصياح، تعبيرًا عن غضبها: =مش دهو كان اتفاقي معاكم يا بت ولا لا؟ قالت نعمة بإحراج: _حصل ياما، بس بلاش تزوديها متخليش عمي يزعل مننا. تلفظ جلال بضيق: =أدخلي ياما، احنا عاوزين نفرح مش ناقصين وجع دماغ! وبعد إلحاح طويل، خرجت أم الديب من بينهم وعادت إلى غرفتها برفقة نعمة، التي حاولت إشغالها بكل الطرق الممكنة. قال جلال بدور المسيطر، وهو يعبر عن توجيهاته: _بص يا عمي احنا مش غُرب، احنا أهل وعيلة واحدة، أختي هايدي يجيلها شبكة بعشرين ألف. نطق أحمد باعتراض على هذا المبلغ الضئيل، وبدت على ملامحه علامات عدم الرضا: =لأ طبعًا، هايدي يجيلها بمية وخمسين ألف! قال المعلم حنفي ببساطة: _هايدي يجيلها شبكة بأربعين ألف وكده تمام أوي. كأنهم في مزاد، حيث أصبح التنافس على تقديم أرقام أكبر أشبه بمباراة حامية، فكل طرف يحاول أن يبرز بأعلى عرض ممكن ليفوز في هذه المسابقة، وفي هذا السياق، قالت أم الديب بصياح، وهي تبسط ذراعيها الاثنين في الهواء إلى الأعلى، كما لو كانت تدعو الجميع للتقدم والزيادة في عروضهم، بينما تعكس حركتها المشهد المشحون بالتحدي: =بس! بتي هايدي يجيلها بـ٥٠٠ ألف شبكة وإلا كدهو الجوازة دهي متلزمناش! وقف حسين معترضًا على هذه الطلبات العسيرة، مبديًا رفضه للزيجة التي رأى أنها ستكون فاشلة. بدا كأنه يسير وراء مثل "الكتاب يُعرف من عنوانه"، حيث تجسدت لديه النتيجة سلفًا قبل أن يبدأ في خوض ملحمة المشاكل التي أثارتها أم الديب. كانت ملامح وجهه تعبر عن الاستياء، بينما كان يستعد للتعبير عن رأيه بوضوح قال بنبرة حادة، تفيض بالتصميم على موقفه: _يلا يا زياد قدامي، البيت ده ملناش نصيب فيه. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة