قال الطبيب بذهول: _ليه هي المستشفى عندنا سايبة؟ عمومًا زي ماتحبوا. في منزل أم الديب، هبطت نعمة، وابنها، وهايدي، بينما كانت أم الديب لا تزال منهمكة في تناول الطعام بنهم لا يوصف، وكأنها ترغب في جذب كل طعام العالم بمغناطيس سحري لتضعه في ثلاجتها العتيقة، المتهالكة. حينئذٍ، شعرت نعمة بفضول لا يقاوم لمعرفة حقيقة ما يجري، فتقدمت بخطوات واثقة نحو أم الديب، وقالت باستغراب: =اللي انتي عملتيه ده بجد ياما؟ أم الديب، بنبرة تفيض عنفًا واضحًا، قالت: _اللي يقرب من أم الديب يستحمل... بقى حماتك باعتالي شوية النسوان دول علشان يضربوني وفاكرة إنهم هيعدوا كده بالساهل من تحت إيدي؟ وقفت نعمة حيال والدتها بثبات لا يتزعزع، وتفوهت بحدة: =مانتي لو مكنتيش روحتي وضربتيهم مكنش كل ده حصل. نطقت أم الديب بجلبة عارمة، يملأها الحنق، حيث اندفعت الكلمات من فمها كالسيل الجارف، تنبض بمشاعر متدفقة لا يمكن كبحها، وكأنما كانت تلك الكلمات تعبيرًا عن غلها المدفون في أعماق قلبها منذ زمن بعيد: _بقى آني يا بت الكلب عاملة ده كله عشانك وفي الآخر ميتقاليش كلمة شكر؟ ردت نعمة بانفعال: =الحق مبيتاخدش بالطريقة دي ياما، ولو اتاخد بالطريقه دي بيضيع، انتي بقيتي غلطانة من ساسك لراسك، خليتي كل الناس تتكلم علينا وسُمعتنا بقيت في الأرض من عمايلك. قالت أم الديب بضجيج عارم: _غوري يا بت اركنيلك في أي زاوية، آني مش ناقصاكي ولا مستنية منك كلمة...آني اللي غلطانة إني تعبت نفسي عشانك وفي الآخر ايه؟ ولا أي حاجة. تلفظت نعمة، بضيق يعتري نبرتها: =ماشي ياما اعملي اللي تعمليه أنا مش هفتح بوقي بكلمة بس لما نغرق في الآخر متبقيش تتكلمي... بس بتك هايدي ملهاش ذنب إن يوم مايجيلها عريس ويسأل أهل الحتة فيقولوله أهلها بيهم وعليهم، انتي مفكرتيش في حاجه زي دي. ردت أم الديب بسخرية: _هي حد معبرها يا بت؟ اقعدي على جنب جاتك نيلة انتي وأختك محسساني إن العرسان واقفين طوابير. أجابت هايدي، وقد اجتاحتها الصدمة: =انتي بتقللي مني يا ماما؟ هو علشان أنا مش عايزة أتجوز يبقي أنا وحشة وعيوب الدنيا كلها فيا لمجرد إن أنا مش مستعدة لحاجة زي دي دلوقتي؟ قالت أم الديب باستنكار: =هو آني اتكلمت يا بت ولا فتحت بؤي؟ نطقت هايدي، وقد غمرها حزن عميق: _أه اتكلمتي، أنا مجيبتش كلام من عندي. رغبت نعمة في تهدئة المعضلة قبل أن تتفاقم بين والدتها، وأختها، فاقتربت من أختها بحنان ووضعت يدها برفق فوق كتفها، مؤكدةً خوفها على مشاعرها، وقالت بصوت يفيض عطفًا: =خلاص يا هايدي أمك متقصدش، هي قصدها يعني إن نفسها تفرح بيكي. ردت هايدي بألم يغمر روحها: _هي مقالتش كده وكلامها واضح. تركتهم هايدي وغادرت المكان، متوجهة إلى غرفتها بخطوات مثقلة بالحزن، ثم أغلقت الباب خلفها بقوة بعدما آلمتها كلمات أم الديب القاسية، التي لم يكن لها هدف سوى جرح القلوب وكسرها. حينئذٍ، شعرت نعمة بضيق جسيم يغمر صدرها، فقالت بنبرة يملؤها الاستياء: =عاجبك كده ياما؟ قالت أم الديب بلا مبالاة: _أه عاجبني. بعد لحظات قليلة، سمعوا حركة غريبة في مدخل المنزل، تزايدت تدريجيًا حتى بدت وكأن شيئًا مريبًا يتسلل على السلالم ببطء، مشحونًا بالغموض والرهبة. وبينما تصاعدت دقات قلوبهم، علت صرخة قوية من أم الديب، وهي تعول بصوت مقترن بالفزع: =يالهوي! دخل ثعبان ضخم بحجم مخيف داخل البيت، ولم تستطع نعمة، وأم الديب إخفاء صرخات الرعب. بينما كانوا يحاولون التصدي لهذا الوضع المرعب، وفي لحظة من الهلع، خرجت هايدي بسرعة وعلى وجهها بادرة الذعر الواضحة، حيث لم تستطع إخفاء تعبيرها الصادم من الدهشة، وسألت بتعجب واضح: _في ايه؟ أشارت نعمة على الباب وهي ترتجف من شدة الخَوَر، وفي تلك اللحظة، لم تستطع هايدي إلا أن تلقي نظرة عابرة نحو الاتجاه الذي أشارت إليه نعمة، لترى ثعبانًا ضخمًا يزحف ببطء، فصرخت بإعوال حار يمزق السكون، معبرة عن الفزع الذي اعتراها فجأة، وكأن قلبها قد توقف عن النبض من شدة الرعب: =لا، ده تِعبان! نطقت ام الديب بنواح: _يا جلال... يا جلال. كان جلال في شقته العليا عندما التقطت أذناه الصوت المفزع، فما إن سمع الصرخة، حتى اندفع مسرعًا هو، وزوجته، متجاوزين الدرجات بخطوات متعثرة تملؤها العجلة، والقلق، وحين وصل إلى مصدر الصوت، نطق جلال بذعر، وصوته يرتجف من شدة الهلع، وكأن الكلمات خرجت من فمه بصعوبة بالغة: =في ايه ياما؟ نظر جلال بين ساقيه فوجد ثعبانًا يتلوى بخبث على الأرض، مما جعل الدم يتجمد في عروقه للحظة، وفي تلك الأثناء، صاحت ليالي بفزع لا يوصف، متشبثة بأطفالها وهي تركض بهم عائدة إلى شقتها بسرعة جنونية، تصيح قائلة بأعلى صوتها، وكأنها تحاول دفع المخاطر بعيدًا عن أحبابها بتلك الكلمات المفجوعة: _يا نهار أسود ده تعبان... ولا يا حمود على الله تنزل تحت انت وأختك فاهم ولا لا؟ رد حمود بعناد: =لا هنزل. وطأت ليالي طفلها دون أن تقصد، مما جعلها تتوقف فجأة، وتحتضنه بحنان ممزوج بالقلق. كانت الدموع تتدفق من عينيها بينما نظرت إليه بحب عميق، تحاول تهدئته واستعادة أنفاسها بعد لحظات من الهلع: _اسمع الكلام، متبقاش عيل متعب، متغلبنيش معاك، أنا تعبت منكوا. وجدت جلال صاعدًا بسرعة يحضر الهاتف من الشقة العليا، وعيناه تشتعلان بلهفة، وقلق بالغين. كان وجهه شاحبًا، وكأنه يحمل ثقل العالم على كتفيه، وقد نطق بكلمات مرتعشة تفضح خشيته من العواقب المجهولة التي تنتظره: =هاتي موبايلك يا ليالي نعمل فيديو، ده هيبقى فيديو ضرب نار. نطقت ليالي بصياح: _هو احنا في ايه ولا ايه؟ قال جلال بانفعال، وعيناه تقدحان شررًا من شدة الاحتدام، وقد تجمعت العروق في جبينه بشكل ملحوظ: =هنتغني يا بت، هاتي موبايلك خلصي! نزع جلال هاتف ليالي من يدها بخفة، واندفع نازلًا نحو أم الديب، مستعدًا لتوثيق الحدث بكاميرته، وعندما بدأ بتصوير الفيديو، استقام واقفًا وتحدث بصوت واضح وتحية ملؤها العزم، قائلًا: =السلامو عليكو يا جدعان...النهارده في فيديو ضرب نار، أمي دخلها ثعبان كبير. قالت أم الديب بنواح: _يا لهوي انت بتعمل ايه؟ تلفظ جلال بتركيز شديد، وهو يوجه كاميرته نحو الحدث، فكان صوته متزنًا رغم التوتر الذي يشوبه: =استني بس ياما، فأنا هوريكم لو دخل بيتكم تعبان تعملوا ايه... امسكي يا هايدي. قالت هايدي بصراخ: _امسك ايه؟ التعبان هيموتنا. تفوهت أم الديب بصياح جسيم، يملؤه الاضطراب، وصرخاتها تعبر عن حجم المعاناة التي تعيشها في تلك اللحظة: =يا لهوي انت بتصور ايه يابن الخايبة؟ هو ده وقته؟ قال جلال بلا مبالاة: _لا بس تعبان كبير معرفش جالنا منين... امسكي يا بت عاوز أوريهم! استلمت هايدي الهاتف منه وصعدت فوق الأريكة برفقة نعمة، حيث كانتا تصرخان بوضوح. في هذه الأثناء، كان جلال يوجههما حول ما يجب فعله، حتى وصل المعلم حنفي وهو في حالة من الصدمة، وتفوه قائلًا: =في ايه؟ نظر المعلم حنفي فوجد ثعبانًا ضخمًا بينما كان جلال يصوره، وكانت نعمة، وهايدي فوق الأريكة تصرخان بارتفاع، في حين كانت أم الديب على السرير في الغرفة، ففزع المعلم حنفي وصرخ هو الآخر بلهجة مليئة بالذهول: _يا خبر أسود، ده حنش ياض! تحدث جلال بقلب جلف لا يتأثر: =امسكه معايا يابا... اتفرجوا يا جدعان، ده حنش إنما ايه ملظلظ. قال المعلم حنفي بجلبة: _عاوز تخلص مني يابن الكلب؟ رد جلال بقهقهة مكتومة، كأنما يحاول التخفيف من حدة التوتر الذي يحيط بهم، ولكن ضحكته حملت في طياتها خليطًا من الارتياح، والتوتر: =ولا هيعملك حاجه اسمع مني بس. اقترب المعلم حنفي بكل حرصٍ، وحذرٍ شديدين، وأطبق بيده على رأس الثعبان الملتف، وفي تلك الأثناء جاء جلال يحمل قالب طوب ثقيل، وأخذ يضرب به الثعبان بقوة حتى أزهق روحه، ثم تحدث جلال بصوت هادئ لكنه حازم: =اللهم صلي على النبي، قتلته...الله عليا...متخافيش يا نعمة انتي وهايدي، انزلوا! نزلت هايدي، ونعمة وهما ترتجفان خوفًا منه، ثم نزلت أم الديب من على السرير واقتربت منه بخطواتٍ مترددة، فأردف باهتمامٍ شديد: =عايزين ناخده يابا نرميه في أي حتة. قال المعلم حنفي برهبة: _يلا ياض. تلفظت أم الديب بمكر، وعينيها تلتمعان بخبث، قائلة كلمات تحمل في طياتها نبرة من التلاعب، وكأنها تدبر شيئًا ما خلف الستار، معبرة عن حيلة مدروسة بذكاء: =لا متاخدوهوش آني هاخده أرميه بطريقتي. نطق جلال بتساؤل: _ليه ياما؟ أجابت أم الديب بخديعة: =الجيران هيشوفوك وانت بترميه هيقولك بيتاجروا في الحِنشة، اصبر لنص الليل وهبقى آخده آني أصرفه بطريقتي. قال جلال باستغراب، وعلامات الدهشة بادية على وجهه، وكأنه لم يستطع تصديق ما يجري حوله: _انتي ناوية على ايه ياما؟ نطقت ام الديب بدهاء: =وآني هعمل ايه يعني؟ يلا اطلع لمراتك فوق وآني هشيله في أي شكارة لحد بالليل، وهبقى وآني معدية على بيت ستك هطوحه في أي ناحية. رد جلال بشك، وقد غلفت ملامح وجهه مسحة من الاستفهام: _مش عارف بس مش مرتاحلك. قالت ام الديب بصياح: =انشالله عنك ما ارتاحتلي، يلا اتكل على الله! تفوه جلال بوعيد، وصوته يحمل نبرة حازمة، وكأنما يهدد بشدة: _ماشي ياما، بس لو لعبتي بديلك أنا هعرف! قالت أم الديب بخديعة، وعينيها تلمعان بذكاء مريب، وهي تحاول أن تضع الأمور في نصابها بما يضمن تحقيق أهدافها الخفية. كان حديثها يحمل بين طياته سحرًا هادئًا، ومكرًا خفيًا، يعكس قدرة بارعة على التلاعب بالأحداث والناس من حولها: =وماله ياخويا يلا اطلع. أزاحت أم الديب جلال من أمامها بحزمٍ، وإصرارٍ لا يلين، حتى خرج من باب الشقة مُكرَهًا، وأغلقت الباب خلفه بعنايةٍ، ثم التفتت نحو المعلم حنفي، الذي كان يراقب المشهد بعينين متقدتين بالترقب، فسأل ابنته بنبرةٍ مفعمةٍ بالاهتمام: _انتي بتباتي لواحدك يا نعمة؟ أجابت نعمة باستياء، وعلامات الانزعاج بادية على وجهها: =أه يابا مانت عارف إن جوزي سايب البيت. نطق المعلم حنفي: _طيب أنا هطلع أبات عندك. ردت أم الديب بجلبة: =يلا الداهية اللي تودي. تلفظ المعلم حنفي بضجيج، وصوته يملأ المكان بالاضطراب: _احترمي نفسك يا ولية! قالت ام الديب بسخرية: =ما ده آخرك، يلا ياخويا اطلع! صعد المعلم مع نعمة إلى شقتها، فيما دخلت هايدي إلى غرفتها وصكت الباب وراءها بإحكام، بينما أخذت أم الديب الثعبان إلى المطبخ، وفي الأعلى، وقف جلال متأملًا، ثم قال بصوت يملؤه التفكير العميق: _خدي التلافون يا بت، نزلي الفيديوهين اللي عملناهم. قالت ليالي بسكينة، وصوتها يفيض بالهدوء، وكأنها تسعى لتهدئة الأجواء: =ماشي ياخويا، بس تصدق البرنامج ده مُتعة... راحة نفسية كده وأنا بنزل الفيديو وبيجيب مشاهدات. رفعت ليالي الفيديوهين على اليوتيوب، وكتبت على أول فيديو "طريقة عمل المسقعة مع ليالي"، أما الفيديو الثاني فدونته بعنوان "جلال مسك حنش، يا ترى عمل معاه ايه؟". ثم نظرت إلى الفيديوهات القديمة، فوجدتها قد حققت مشاهدات كثيرة، فغمرتها الفرحة، وقفز الفرح في أعماقها كما تقفز العصافير في الحقول، وقالت بسعادة غامرة: _يا خبر أبيض ده احنا كان حظنا في السما من البرنامج ده... شوفلنا الكارت ده هيطلع امتى يا جلال. نطق جلال بهدوء، وقد بدت ملامح وجهه مطمئنة: =الراجل اللي هناك قالي تعالى بكرا، هبقى أروحله، وربك يسهل. تفوهت ليالي بسعادة: _ماشي. نطق جلال بشك، وقد ارتسمت على وجهه تجاعيد الاستفهام، وكأنما يواجه شيئًا يصعب تصديقه: =أنا مش عارف أمي ناوية على ايه! دي مسكت الحنش وقالتلي مترميهوش أنا اللي هرميه... حاسس إنها وراها حاجة. ردت ليالي باحتراس: _أنا حالفة مانا واكلة حاجة من ايديها، أنا ايه ضمني إنها مش هتقطعه وتطبخهولنا؟ تلفظ جلال بارتياب: =مانا مستبعدهاش عن أمي، دي بتاكل أي حاجة تيجي قدامها. خافت ليالي من تناول الطعام الذي أعدته أم الديب، فهي تعلم جيدًا أن أم الديب ليست بالشخص السهل، وتدرك أن المكر، والخداع يتسللان في طيات خططها كما تتسلل الأفاعي في الظلام، لذا قالت بتوجس: _ده احنا نخلي عنينا في وسط راسنا، بدل ماتعمل مصيبه وأنا بصراحة مش مرتحالها، ومن كلامك اللي قولته حسيت كده إنها مرقدالنا مصيبة. نطق جلال بحيرة: =الله أعلم اللي في دماغها ايه... هي ونيتها بقى. في اليوم الثاني، عند الساعة التاسعة صباحًا، استيقظت أم الديب من نومها مفعمة بالنشاط، واتجهت بخطواتها الوتيدة نحو الأريكة المتهالكة، وجلست عليها كأنها تستعد لتنفيذ خطتها المحكمة بعد عرضها على ابنتها. رفعت الهاتف واتصلت بنعمة بصوت مفعم بالجدية، وقالت وكأن هناك موضوعًا جللًا يستوجب الاهتمام: _ألو يا بت انزليلي عاوزاكي في موضوع. في هذا الوقت، كانت نعمة جالسة على أريكتها المريحة أمام التلفاز، وهي تتناول شرائح الطماطم الممزوجة بالملح والكمون، مرتدية ثيابها القصيرة التي تكشف عن جمال قوامها، وشعرها المجعد يلتقط نسيم الصباح العليل من خلال النافذة المفتوحة، مما يضفي على مظهرها روح من الأناقة البسيطة. وفجأة، سألت بفضول ممتزج بالدهشة: =موضوع ايه ده؟ أجابت أم الديب بإلحاح: _انزلي بس. قالت نعمة بدهشة: =انتي هتنزليني مخصوص علشان تقوليلي؟ طب ماتقولي في التلافون وخلاص. نطقت أم الديب بضجيج: _انزلي يا بت خلصي! أجابت نعمة بذعر: =ماشي ياما. خرج المعلم حنفي من الغرفة بخطوات ثقيلة، وفي عينيه بريق من الدهشة الملحوظة: _في ايه يا نعمة؟ وقفت نعمة مترددة في مكانها، ووضعت الطبق بحذر على الطاولة التي تقابلها، ثم دخلت الغرفة بخطوات مُتسارعة، وفضولها الشديد يدفعها لمعرفة الحقيقة المستورة. نطقت محاولة استقاء تفاصيل الموقف الغامض الذي يخيم في الجو: =أمي عاوزاني تحت. ونادت طفلها بصوت عالٍ: =بقولك ايه يا محمد انزل العب عند ولاد خالك تحت! أجاب محمد باستجابة، وردوده جاءت مدفوعة بدافع التفاعل: _ماشي. نطق المعلم حنفي: =طب آني هروح الدكان بقى أشوف أشغالي. ارتدت نعمة جلبابها الطويل الذي يلامس الأرض بنعومة، وسترت شعرها الخشن بالحجاب، ثم خرجت من غرفتها بخطوات مُتسرعة تكاد تطير فوق الأرض، وهي تهمس بين شفتيها بلهجة تنم عن الحماس: _ماشي يابا. نزلت نعمة إلى حيث كانت والدتها، وفي الوقت نفسه، نزل محمد، ابنها، ليلعب مع أولاد خاله. بينما كانوا معًا، سألت نعمة بفضول متزايد: =ايه ياما بقى في ايه؟ ثم جلست على الأريكة، وفي تعبير من الترح العميق، قالت أم الديب بتأنيب ضمير ينطفئ فيه الدمع ببطء من عينيها، كأنها تشارك التماسيح في خاصية تلاعبها، وهي تقول بندم: _آني فكرت بيني وبين نفسي يا نعمة لقيت إن أم أشرف طيبة بس احنا اللي مش فاهمينها. نطقت نعمة بدهشة: =ومن امتى الكلام ده؟ ده انتي مبتحبيهاش. تفوهت أم الديب بعيون متلألئة من الاستياء، وكأن لها مرآة تعكس انعكاسات الحسرة في الأفق البعيد: _أصل آني مكنتش فاهماها يا بت، وبعدين جوزك قعدته بعيد عنك حاجة توجع القلب... عايزين نصلح الدنيا بينكم ويرجع وأم أشرف تصفى مننا. قالت نعمة بذهول: =وانتي عاوزة أم أشرف تصفى مننا ليه؟ ده انتي ذات نفسك طول الوقت بتقولي حبها ولا كرهها لينا مش هيزودنا حاجة! حاولت أم الديب بكل ثبات أن تُقنع ابنتها بحقيقة الأمر المحتال، فخرجت الكلمات من شفتيها كالصخر المنحوت، وعينيها تلمعان بحنكة، وهي تقول بصوت يتردد في أركان الصالة: _يا بت يا غبية مصلحتك أهم من أي حاجة وآني ميرضنيش إن حماة بتي تبقى شايلة منها، مش عاوزين محمد لما يكبر يلاقي ستو أم أمه وستو أم أبوه بيكرهوا بعض وشايلين من بعض. تفوهت نعمة بذهول: =انتي بتلفي وتدوري كتير ليه ياما؟ عايزة توصلي لإيه؟ أجابت أم الديب بنبرة خافتة تكاد تكون مهزومة: _آني بفكر أعملهم عزومة، أصل بعد اللي حصل وآني ضميري واجعني وبقول ميستاهلوش مني ده كله. قالت نعمه بشك صريح: =مش قادرة أقتنع ياما باللي في دماغك وقلبي مش مرتاح. أجابت أم الديب بمكر لا يوصف، كأنها تتقن فنون الحيلة بدرجة لا تُصدق: _لا يا بت خليه يرتاح عشان أمك مابتكدبش... أمك رايدالك الخير وعاوزة علاقتك انتي وجوزك تبقى زي السمنة على العسل. ردت نعمة بابتسامة هادئة: =كتر خيرك ياما وانتي فكرك يعني إن أنا مبسوطة وحمو بعيد عننا؟ دخلته علينا كانت بالدنيا... ده الواد محمد كل يوم لازم يسأل على أبوه، مببقاش عارفة أقوله ايه بس. قالت أم الديب ببهجة: _أهو شوفتي يا بت؟ آدي رجوعه فيه مصلحة ليكي وللواد... هاتيلي رقم أم أشرف...يلا يا بت متتنحيش! نطقت نعمة بتفكير: =طيب ياما استني. استخرجت نعمة الهاتف المحمول بهدف الحصول على رقم حماتها، التي عاشت معها في صراعات متكررة بسبب والدتها، وكأنها استفادت من هذه الفرصة لإصلاح العلاقات المتضررة، فاتصلت بأم أشرف، حيث غمر الندم روحها، وأعربت عن رغبتها الشديدة في عودة زوجها ليعود الهدوء إلى حياتهم. في الوقت نفسه، خرج جلال من منزله بخطى ثابتة في الشارع، بكل كبرياء كالأسد، وصعد إلى التوكتوك الخاص به بأسلوب ينم عن وقوة الشخصية، متوجهًا نحو البنك لاستلام بطاقة الائتمان، حيث دخل بثبات، وأطلق بنبرة صوته العالية: _سلامو عليكو يابا. أجاب الموظف باحترام: =اتفضل. تساءل جلال بفضول، وعيناه تتسعان بلهفة، وهو يبحث عن إجابات تقطع حبال الفقر: _كنت جيتلك أعمل كارت وقولتلي هتاخده النهارده، ايه الكلام يا معلم؟ تلفظ الموظف باهتمام: =الاسم ايه؟ وضع جلال يديه الاثنتين على حافة نافذة الموظف، وأجاب بلهجة جريئة: _جلال حنفي الديب. نظر الموظف في الأوراق بانشغال واضح يعكسه وجهه، فكانت أصابعه تتوغل بدقة في كل ورقة، وتمرس بتمعن شديد، مستفيدًا من كل معلومة، حيث بادر بالقول بنبرة متمحورة: =أصبر! وبعد لحظات، سلم له الموظف بطاقة الائتمان، فعبر جلال بامتنان: _تسلم يا باشا، يلا سلامو عليكو. عاد جلال إلى المنزل، تتراقص السعادة في عينيه كأنها أمواج بحر لا تهدأ، يحمل بين يديه بطاقة الائتمان التي كانت السبب في فرحته العارمة، وكأنه قد حقق إنجازًا عظيمًا لا يُضاهى، وهناك كانت زوجته تنتظره بفارغ الصبر، وعندما ولج إلى الشقة، مد يده نحوها، وقال بفخر: =خدي يا بت الكارت أهو. مدت ليالي يدها بسرعة، وأخذت تحدق في البطاقة التي أمامها بعينين تملؤهما اللهفة، كأنها لا تصدق ما تراه عيناها، فارتعشت شفتيها قليلًا قبل أن تقول بصوت يختلط فيه الفرح، والتساؤل: _الله يا جلال ده شكله حلو اوي... وايه الأرقام دي؟ أجاب جلال بوضوح: =وأنا عارف حاجة؟ أبقي اسألي هايدي تقولك. قالت ليالي ببهجة: _هو ده اللي هنستلم بيه الفلوس؟ رد جلال بتأكيد: =أيوه هو ده. ضحكت ليالي، وقالت بلهفة: _بقولك ايه يا جلال أنا مش قادرة أصبر، أنا هنزل أنده هايدي وبالمرة تبصلنا على القناة. نطق جلال بصعوبة، بينما كان يعاني من التصاق العرق بجلده، وملابسه، فقد تسللت رائحته الوضيعة بفعل حرارة الجو الخانقة، قائلًا بصوت منهك: =انزلي عبال ماخد دش، ده الجو نار. دخل جلال المرحاض استعدادًا للاستحمام، فقد أمسك بالمنشفة بإحكام، وفتح صنبور المياه، ثم اقتلع ملابسه بسرعة ووقف تحت الماء الجاري، مستمتعًا بانتعاشه، في حين كانت ليالي تنزل إلى الطابق السفلي بعجلة، بينما كانت أم الديب تجلس على الأريكة، تتحدث في الهاتف بنبرة حنونة، وهي تقول بكلمات عذبة: _اسمعي يا أم اشرف الدم عمره مايبقى مايه! استمعت ليالي إلى هذه الكلمات وكأن عقلها حاسوب أصيب بخطأ ربعمائة وأربعة، فتوقفت للحظة تستوعب ما سمعته، ثم ازداد إنصاتها محاولة أن تربط خيوط الحديث بحصافة، وعلى الرغم من فضولها الشديد لمعرفة التفاصيل، إلا أنها مرت بجانب أم الديب بتجاهل واضح على وجهها، متجهة مباشرة إلى غرفة نعمة، وعندما وصلت إليها، فتحت الباب بسرعة، وأشارت لنعمة بأن تتبعها، ثم خرجتا معًا إلى البلكونة بخطوات سريعة كأن هناك شيئًا ملحًا يستدعي الحديث فورًا. وبينما كانتا تسيران نحو البلكونة، نطقت ليالي بصوت خافت: =تعالي يا نعمة! بعدما دخلتا البلكونة وسط الأجواء الريفية الساحرة، حيث الشرفة المطلة على الحقول الزراعية الخضراء تمتد كالبساط السحري، وسير الأبقار على الطريق مع الراعي يشكل لوحة حيّة تنبض بالحياة، استنشقتا الهواء العليل الممتزج برائحة الطبيعة العذبة كأنها أنغام رقيقة تعزفها نسمات الرياح. نطقت ليالي بفضول متزايد، مظهرة رغبتها الملحة في التسلل إلى أسرارهم المخفية: =أم أشرف مين دي؟ أوعي تكون اللي في بالي! حركت نعمة رأسها بمعنى الموافقة دون أن تنطق بكلمة، وكأنها تمثال يجسد الإجابة بصمت مهيب، فواصلت ليالي حديثها بصدمة جسيمة: _يا نهار منيل، أمك بتكلم أم أشرف؟ ده اللي هو ازاي يعني؟ دول عاملين في بعض عمايل سودة. أجابت نعمة بطيبة، وصوتها يحمل دفءًا: =أمي حست بغلطها وضميرها بيأنبها وقالتلي إن مش عاجبها بُعد حامد عني أنا والواد، ويعني كانت عاوزة تصلح علاقتنا ببعض. قالت ليالي بصدمة: _مش قادرة أفهم يا نعمة، أمك وأم أشرف؟ ده اللي هو ازاي ده؟ ردت نعمة بابتسامة: =ربنا قادر على كل شئ. تفوهت ليالي بشك: _ماشي يا نعمة بس انتي عارفة كويس إن أمك يستحيل تعترف بغلطها. ليالي تعلم جيدًا شخصية حماتها المستبدة، تلك المرأة التي تتمتع بنرجسية عالية، فلا يمكن لها أن تعترف بخطأها حتى لو كان الثمن بتر عنقها. كان الشك يتخلل صميم قلب ليالي وهي تحاول فك لغز أم الديب الغامض، وعلى الأريكة في الصالة، كانت أم الديب ما زالت تتحدث في الهاتف مع أم أشرف، عدوتها الكبرى بعد عم سلامة الذي احتل المرتبة الأولى بجدارة في قائمة خصومها، والعجيب في الأمر هو صوتها الهادئ الذي يحمل في طياته إحسانًا زائفًا، وهي تقول بلين مصطنع: =وايه يعني؟ ما كل البيوت بيحصل فيها مشاكل بس في الآخر بيبقوا كويسين. تلفظت أم أشرف بمكر: _أنا ابني كانت البنات بتجري وراه جري، بنت خاله كانت هتموت عليه وكنت هروح أتفق معاهم بس قال ايه نعمة بتك هي اللي عجبته، مش فاهمة على ايه. نطقت ام الديب بهدوء: =نعمه بتي طيبة وبتحبك انتي بس ليني شوية من ناحيتها واعتبريها بتك زي مابتعملي مع هبة، ولا هبة بت البطة البيضة ونعمة بت البطة السودة؟ أجابت أم أشرف بكذب: _ومين قال إن أنا مش بعتبرها زي بتي؟ هي بس اللي قافلة من ناحيتي وبتلعب في دماغ ابني. ردت ام الديب بلين: =ولا بتلعب ولا بتعمل حاجة دي حنية الدنيا في قلبها جربي انتي تقربي منها. أجابت ام أشرف بوضوح: _أنا وانتي عمرنا ما هيبقى في بينا عشم! تغير صوت أم الديب إلى درجة أكثر ضعفًا، تصف رغبتها العميقة في إصلاح ما حدث، مخططة لنيل قلب أم أشرف العطوف كأنها تشحذ شفقة تنقذها من موقفها الحرج، فقالت بصوت يرتجف بلطف مصطنع، محاولة إخفاء نواياها الحقيقية: =آني بتصل عشان أعزمكم عزومة حلوة نتصالح بيها، ده انتي عمرك ما دخلتي بيتنا، خشي المرة دي وانتي جاية مع ابنك بمزاجك. تحدثت ام أشرف باعتراض: _مش هيحصل يا بسمة، رجلي مش هتعتب عتبة بيتك بعد اللي عملتيه. نطقت ام الديب بلين: =الشيطان شاطر وضحك علينا كلنا، وأهو حصل اللي حصل...نعمة شارية ابنك، وتلاقي الواد حامد هو كمان شاريها... متخليش الواد محمد يتربى بعيد عن أبوه وأمه! تفوهت أم أشرف بصوت حاد: _عادي محمد يجي ينور بيت سته، هو حد هيقوله لا؟ تحدثت أم الديب بنبرة ودودة: =طيب آني عزماكم بكرا، هنقعد قعدة صلح وهاتي هبة، وأشرف، والحاج وتعالوا. ده احنا هنفرح بيكم أوي. تلفظت أم أشرف بجلبة: _مانا قولتلك رجلي مش هتعتب عتبة بيتك! قالت أم الديب بإصرار: =تعالي على نفسك مرة خلي بتي وابنك يفرحوا، ياختي خليكي أحسن مني ومتكسفنيش! على الرغم من أن أم أشرف هي السيدة الأولى في المنزل، وأنها صاحبة النفوذ، والقرار النهائي، إلا أنها اخترعت حجة عن زوجها المعترض لتفادي حضور وليمة أم الديب، خوفًا من الوقوع في معضلة جديدة. فقالت بصوت ينقلب بين الحذر، والرهبة: _الحاج مش هيرضى! نطقت ام الديب بإلحاح: =لا قوليله وهيرضى، تعالوا آني مستنياكم ونعمة بتي مستنياكم، دي بتحبكم أوي! أجابت ام أشرف بصوت حاد: _ربنا يسهل، سلام. تلفظت أم الديب بحنو: =مع السلامة. دخلت ليالي إلى غرفة هايدي بخطوات متدلية، حيث تتأرجح عباءتها الرقيقة على خصرها المشدود، والنجوم المتلألئة ترقص في خصلات شعرها المنسدلة خارج الحجاب. فانعكست البهجة في عينيها وهي تتحدث بصوت معبر: _بقولك يا هايدي شوفي كده ايه آخر الاخبار. ردت هايدي باهتمام: =وريني. نشبت هايدي الهاتف من ليالي، وهي تستعرض معرفتها القوية في برامج التواصل الاجتماعي، حيث اكتشفت فيديوهين آخرين قد حصدا مشاهدات عالية، ونالا إعجاب المشاهدين، وفي لحظة من التحفيز، بدت ابتسامة مشرقة تتناغم مع تعبيرات وجهها المشرقة، وهي تعبر بيقين: _خلاص هانت نزلي كام فيديو كمان وساعتها أقدر اقولك هتاخدي فلوس. انسكب الفرح من شلال سعادة ليالي، كما لو كانت تتلوح في سحابات الأماني المتجددة، فكانت تطمح إلى الثراء، لتتساوى بعدوتها الخفية جميلة. تسعى لشراء أفخم المنازل وأجملها، وتصبو إلى العيش بمستوى رفاهية يليق بطموحاتها. وهكذا، بينما تفصح عن أحلامها الكبيرة، وطموحاتها العالية، أعلنت بتطلع واضح: =ربنا يرزقنا، أديني أي حاجة قدامي بصورها وأديها بتعجب الناس. ردت هايدي: _طب كويس. خرجت ليالي من الغرفة، تاركة هايدي تتفرد مجددًا فوق سريرها، حيث استلقت براحة على فراشها، ونشب هاتفها في قبضتها، تتابع المسلسلات من الباقة التي اقتنتها بالخفاء، دون علم أم الديب بالحقيقة. وفي ذلك الوقت الحاسم، تفاجأت ليالي بوجود نعمة على سيف أم الديب، كأنها تكشف عن الكثير من المواضيع المستورة، وعندما لاحظتها حماتها، أطلقت نبرة هادئة، تختلف عن العادة: =أختك هبة وحماتها جايين بكرا معزومين عندي. نطقت ليالي بدهشة: _أختي هبة وحماتها مرة واحدة؟ ردت أم الديب بخديعة: =أمال ايه؟ ده احنا اتصاحبنا وبقينا حلوين مع بعض. تحدثت ليالي بتعجب: _لا إله إلا الله، هو في ايه بس؟ ثم تركتهم وصعدت إلى شقتها كأنها في فيلم غير واقعي، حيث تداعبت الأضواء والظلال حولها كمشاهد من سيناريو خيالي قصته تصف رحمة أم الديب، وفي تلك اللحظة الفارقة بين الحقيقة، والخيال، بعد أن تأكدت أم الديب من مغادرتها، حاورت ابنتها بإحسان: =قومي يا بت ظبطي نفسك عشان جوزك لما يجي بكرا. تلفظت نعمة بتساؤل: _انتي هتعمليلهم أكل ايه ياما؟ أجابت أم الديب بتفكير: =خالك أبو محمد كان باعت اتنين كيلو لحمة، هبقى أعملهم فتة باللحمة، وانتي وليالي زودوا من عندكم. ردت نعمة بقلق، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاضطراب: _طيب ياما ظبطي الله يكرمك دي أول مرة تدخل بيتنا. أجابت أم الديب بابتسامة: =متخافيش يا منيلة، قومي انتي بس. قالت نعمة بحذر: _طيب. صعدت نعمة إلى شقتها استعدادًا لزيارة عائلة زوجها لهم غدًا، وكانت تتمنى عودة المياه إلى مجراها بفارغ الصبر. دخلت منزلها بخطوات متحمسة، وعقلها كان يتراقص بين مائة فكرة، محاولًا الرسو على خط البداية لتنفيذ تلك الأفكار التجميلية، التي تتمتع ببساطة فائقة، ولكنها اتخذت أول خطوة بتحضير قناع ماء الورد، والليمون لوجهها، وقلبها كان مستعدًا تمامًا للبدء. في الوقت نفسه، صعدت أم أشرف إلى شقة هبة، زوجة ابنها، وطرقت الباب بحرص شديد، تخاف على حفيدتها من أي حدث غير متوقع، إلا أنها تفاجأت بسرعة استجابة هبة. استقبلتها بكل إحسان، وهي تعبر عن سعادتها برؤيتها في هذا السياق: =تعالي يا ماما خشي. دخلت أم أشرف بالداخل، دون أن تلتفت حولها كبقية الحموات المتسلطات، فكأنها تجسد الهدوء الذي لا يُعبأ بالتفاصيل السطحية. لا يهمها إذا كانت هبة قد نظفت منزلها بإتقان، أو قد طهت طعامًا شهيًا بمهارة فائقة. إنما تُرتدي ثوب الأم المخلصة، الذي يبرز أمام العيون بمحبته، وهكذا، جلست على الأريكة أمام زوجة ابنها، وقالت بترقب: _تخيلي كده مين اللي اتصل بيا! ردت هبه بفضول: =مين؟ أجابت أم أشرف بتعجب: _أم الديب بشحمها ولحمها اتصلت بيا واعتذرتلي لأ وقال ايه، عاملالنا عزومة ومصممة إننا كلنا نروح نقعد قاعدة صلح. نطقت هبة بحذر: =لا أنا مش رايحة في حتة اعفيني من المرواحة دي! تحدثت أم أشرف بوضوح: _أنا رفضت رفض شديد وهي مصممة، ونازلة اعتذارات عمال على بطال، أنا شكيت في أمرها. تفوهت هبه بشك: =أم الديب مبتعترفش بغلطها ولو على جثتها. ردت أم أشرف بتفكير: _بس الغريب إنها اعتذرت ومش مرة واحدة!. دي كل شويه تعتذر ومصممة تعزمنا عندها بكرا... عايزة حامد يرجع لنعمة بتها. نطقت هبة بحصافة، وكأنها تقيم الأمور بوعي، حيث كانت كلماتها تعكس فهمًا عميقًا للموقف: =ماتقول كده بقى، يعني هي عاملة الحوار ده كله علشان يرجعوا لبعض؟ أجابت أم أشرف بشك: _شكلها كده... ايه رأيك يا هبة في الموضوع ده؟ تحدثت هبه بحيرة: =بصراحة مش عارفة. قالت أم اشرف بقلق: _اللي ربنا كاتبه هو اللي هيحصل. تاني يوم في تمام الساعة الحادية عشر قبل الظهيرة، كانت أم الديب في المطبخ، تسلق اللحم بعناية شديدة، وهايدي تقطع البصل بمهارة في جو من الهدوء، حيث يغمره صدى غليان الماء. بينما نعمة تنظف الصالة بعناية متناهية، تستعد لاستقبال الضيوف القادمين بأرضية براقة. فجأة، خرجت أم الديب من مطبخها الصغير بخطوات ثابتة، وبينما لمعت عيناها بالمكر، قالت بصوت متأنٍ: =دول الحبايب الغاليين... متعرفيش هيجوا امتى يا نعمة؟ نزعت نعمة مفرش الأريكة بلُطف، وهي تقول بصوتها الهادئ، بانشغال ينبع من قلبها، ودقة يعجز الزمن عن قياسها في العمل: _زمانهم على وصول ياما. نطقت ام الديب بشوق: =وماله أدينا مستنينهم. عادت أم الديب إلى المطبخ، تتأكد من أن عمل هايدي يسير وفق الخطة المدروسة. نزعت الغطاء من فوق القدر بلُطف، وبدأت في اختبار اللحم بإصبعها، رغم حرارته العالية التي لم تثنها عن الاهتمام الدقيق. ثم أردفت لابنتها الصغرى بصوتٍ حنونٍ: =ده اللحمه زبدة... شوفي يا بت يا هايدي دايبة ازاي؟ وضعت هايدي اصبعها الرقيق لتختبر ذوبان اللحم، ثم أبدت رأيها المؤيد بقولها بثقة: _أه طرية أوي فعلًا. نطقت أم الديب بابتسامة ماكرة: =بألف هنا وشفا على قلبك يا أم أشرف انتي وهبة يا غاليين، هو آني لو معملش لنسايب بتي هعمل لمين؟ كانت تبالغ في قولها اللين بشكل واضح، فنطقت هايدي متعجبة من حنان والدتها الذي سقط فجأة كالمطر من سماء صافية. الرحمة أبدت اندهاشها، فصوتها الخافت ترنم في الهواء المشبع برائحة الطهي: _يا ترى ايه اللي هيحصل؟ أنا مش متطمنة! تساءلت أم الديب بفضول: =بتقولي ايه؟ نطقت هايدي بفزع، وصوتها يملؤه الذعر: _لا ده أنا بقول خلصت تقطيع البصل. تحدثت ام الديب بابتسامة فخر: =جدعة يا بت. بعد قليل من الوقت، حضرت عائلة حامد إلى منزل أم الديب كأنما يخطون إلى فخ واضح دون وعي، حاملين في يديهم أحاسيس مختلطة من الترقب. في يد أشرف، كيس يحتوي على زجاجة من مشروب البرتقال المنعش يعكس كرمهم. وجدوا أم الديب في انتظارهم، تنبض بالشوق، حيث امتلأت عيناها بالاحترام المخلص، والودية الجذابة، وبما يعكس تقديرها لضيوفها، نطقت بإحسان: =يا ألف مرحب... منورين الدنيا واللي فيها يا حبايبي يا غاليين. ابتسمت لهم ابتسامة خفيفة، وأردفت بمكر بصوت مليء بالدفء: =منورين. خرجت نعمه من الغرفة بخجل، والزينة على وجهها تبدو كإشارة مرور لامعة تُرسل إشارة من بعيد. تقدمت ببطء، كما لو كانت في بداية فترة خطبتها وليس بعد الزواج وإنجاب طفل، ومع ذلك، كانت توضح حبها العميق لحماتها، وتعبيرها الصادق عن رغبتها في المصالحة. أقبلت عليها بعناق دافئ يعكس الحنان، وتبادلت معها قبلات ودية تنم عن الحب الحقيقي، وهي تقول: _ازيك يا حماتي؟ وحشاني! بادلتها أم أشرف العناق بنفس غير راضية، كأنها مجبرة على هذا اللقاء بفعل الظروف التي غرزهم فيها حامد. فقالت بصوت غير مبالي: =بخير. حضر الدور على عناق نعمة لهبة بشوق، واشتياق واضحين، حيث كانت نظراتها تعكس دلالة صفاء قلبها، وعمق حبها للخير. وهي تنطلق بحديثها المهتم: _ازيك يا هبة ياختي؟ أجابت هبة ببشاشة: =الحمدلله. تحدثت ام الديب بحُب: _خُش يا حامد يا جوز بتي يا غالي. وأردفت لأشرف بابتسامة ماكرة: _خُش يا أشرف. وواصلت لعبد الغني بخديعة: _ازيك يا حاج عامل ايه؟ أجاب عبد الغني بترقب، يخشى الابتسامة التي قد تفتح أبوابًا للمشاكل، فيعود منزله وهو ملتفٌّ في ذاته، متشاجرًا مع زوجته المعادية، التي لا تقبل أم الديب، وأسرتها مهما كانت الظروف. فاكتفى بنظرة ثابتة: =الحمدلله. دخلت العائلة عقب نعمة ووالدتها، فأبدت نعمة بشوق، وسرور، حيث انبثقت البهجة على وجهها، وخاطبتهم بصوت ينبض بالود: _أنتوا متتصوروش أنا فرحانة قد ايه! تحدثت أم الديب بفرحة: =منورين الدنيا يا أم أشرف. جلس بعض العائلة على الأريكة، بما فيهم أم أشرف، بينما جلس البعض الآخر على الحصير. فقالت أم أشرف بوجه حاد، كأنها تطلق الكلمات كنيران متقاطعة: _الله يخليكي. خرجت هايدي من غرفتها، واكتفت بالسلام من بعيد، وهي تنطق كلماتها كأنها تنثر بذور الاحترام في الهواء: =ازيك يا طنط؟ ردت أم أشرف: _بخير. تحدثت أم الديب بحبور: =حالًا هيكون الأكل جاهز. تركت أم الديب عائلة حامد تنظر بدهشة إلى بعضهم في صمت غامض، ثم اتجهت إلى المطبخ بخطى ثابتة، لتنسق الطعام في الأطباق بأناقة تناسب ذوقهم المتفرد، وبعد لحظات، نزلت ليالي، وجلال مع أطفالهم، يملؤهم الشوق، ليستقبلوهم بترحيب حار. عانقت ليالي أختها بشوق شديد، وعبرت عن مدى فرحها برؤية أسرتها، وهي تقبل خديها بحنان، وتقول: _وحشتيني يا هبة! بادلتها هبة نفس العناق، وقالت بابتسامة ودية: =وانتي كمان يا ليالي. عانقت ليالي أم أشرف بكل تقدير، وتلفظت باهتمام ملحوظ في صوتها، وهي تعبر عن احترامها العميق: _ازيك يا أم أشرف؟ في حين الرجال يتبادلون التحيات، ردت أم أشرف بابتسامة خافتة: =يا أهلًا وسهلًا يا ليالي يا حبيبتي، عاملة ايه انتي والعيال؟ أجابت ليالي بإعزاز: _الحمدلله كله تمام. وقفت نعمه إزاء زوجها وسط الحضور، وقالت بنبرة تحمل العتاب، معبرة عن مشاعرها بشكل واضح: =كده يا حمو تغيب عليا كل ده؟ رد حامد بدهشة: _وأنا غيبت كل ده فين؟ ده أول امبارح المشاكل نزلت خبط رزع، ده أنا مكملتش كام يوم على بعض يا نعمة. نطقت نعمه بندم: =حقكم على راسي أنا وأمي، ده ربنا العالم بحبكم قد ايه! تحدثت ليالي بابتسامة: _ربنا مايجيب مشاكل بينكم. بينما أنتهت أم الديب من تنسيق الطعام داخل الأطباق بطريقة بارعة، نادت ابنتها نعمة بصوت ينطلق في الهواء بوضوح: =يا نعمة تعالي! أجابت نعمة: _حاضر ياما. دخلت نعمة إلى المطبخ حيث كانت والدتها تعمل، والسعادة تتوالى في قلبها. بادرت نعمة بمساعدتها، تحمل الأطباق المليئة بالخيرات بين يديها ببهجة، َوخرجت من المطبخ لتضع الفن الذي صنعته والدتها بيديها بعناية فوق الطاولة، بينما لم تشارك ليالي بنفس النشاط، بل اكتفت بمراقبة الأحداث من بعيد كمشاهد، وبعد الانتهاء من تنسيق الأطباق، وقفت نعمة حيالهم بتواضع، ونطقت بخجل: =أقعدوا الأكل جاهز. ردت أم أشرف بصوت حاد: _احنا مش جايين ناكل! نطقت نعمة بإصرار، وصوتها مشبع بالعزيمة: =عيب الكلام ده يا حماتي، هو انتي غريبة؟ طب ده أمي عاملة الأكل ده مخصوص علشانكم. تحدثت ليالي بتبجيل: _أقعدي يا أم أشرف، هو انتي غريبة؟ نظرت أم أشرف لعائلتها في صمت، كأن عينيها تحكيان الكثير دون أن تنطق بكلمة. ثم جلسوا حول الطاولة بقلق يعتري روحهم، وسط أجواء مليئة بالترقب. في هذه الأثناء، خصصت أم الديب طبقًا بخفة دم، ليكون خديعة ممتعة لأسرة حامد، ثم جلست آخر واحدة بجانب طبق اللحمة المريب، وهي تنطق بابتسامة ذكية: =طبق اللحمة دهو شايلاه مخصوص علشانكم، أبو محمد كان دابح في رمضان وبعتلي اتنين كيلو بس زي الزبدة. تلفظ جلال بشك: _أبو محمد بينقي قطعية حلوة في اللحمة. تحدثت أم الديب بسخاء عجيب، وكلماتها تتدفق كالنهر الوفير، مليئة بالكرم: =أمال ايه؟ دي دايبة دوبان... كلوا بسم الله. شعرت أم أشرف بلحظة ندم عميق تُجاه أم الديب، كأن قلبها يخبرها أنها أخطأت في تفسير تصرفاتها بشكل غير صحيح، ومع ذلك، تغلبت على هذا الشعور بكبريائها، وفجأة، امتلأ جوفها بمشاعر الامتنان، وتحدثت بكلمات تعبر عن شكرها: _شكرًا يا أم الديب على العزومة ولو إني يعني كنت رافضة آجي. نطقت ام الديب بمكر: =ده احنا عيلة ونسايب، بقى ده اسمه كلام برضة؟ تحدث عبد الغني بفضول: _أمال الحاج حنفي فين؟ ردت أم الديب بابتسامة خافتة: =في الدكان زمانه جاي، كلوا أنتوا بس. بدأت العائلة في استمتاعها بوجبة الطعام، وروحهم مسلمة إلى قبضة يد أم الديب القاسية، حيث كانت مسغبتهم كفيلة بغمرهم بشعور الريبة، وبعد نصف ساعة، انتهوا من تناول الطعام دون أدنى شعور بالغموض، حيث جلس بعضهم على الأريكة للاسترخاء، ودخل آخرون المرحاض ليزيلوا بقايا الطعام من أيديهم. في تلك الأثناء، حضر المعلم حنفي بحنانه الطيب ورفع يديه لأعلى بتحية ترحيبية كرئيس موقر بينهم، وقال بصوت وديّ: _السلامو عليكو. ثم توجه إلى عبد الغني، وعانقه بمشاعره الصادقة، وهو يردف بكلمات تفسر مدى سعادته بلقائه: _ازيك يا حاج؟ لكن جلال مشاهد من بعيد يتابع بحماس سلامات والده مع أسرة حامد، وحينما حان لقاء المعلم حنفي مع زوج ابنته، تشبث به بحب شديد، وقال له بعتاب مليء بالود: _كده ياض غايب عن مراتك؟ أجاب حامد بخجل: =ربنا يهدي الأمور يا حمايا، أهو شيطان ودخل بينا. نصحهم المعلم حنفي بناءً على خبراته السابقة، ورفع يديه بحكمة، وقال بهدوء متمرس: _كبروا دماغكم علشان الواد محمد! ردت نعمة، وهي مستجيبة لنصائحه: =حاضر يابا. تحدث المعلم حنفي باهتمام: _أنتوا كلتوا؟ أجابت ليالي بابتسامة: =سبقناك يا حمايا. نطقت أم الديب بابتسامة: _أقعد ياخويا هجيبلك نايبك من جوا. رد المعلم حنفي باشتياق، وصوته يحمل لمسة من الحنين: =ياريت ده آني مقتول من الجوع. دخلت أم الديب المطبخ بخطوات انتقامية، حيث بدأت بتنفيذ خطتها الدقيقة على أرض الواقع، ثم خرجت بثبات لا يتزحزح، وفي قبضتها طبق اللحم المُريب الذي أعدته بعناية شديدة. اندهش المعلم حنفي لسخاءها، وعبر عن دهشته بابتسامة فضولية، قائلًا: _هو ايه ده يا ولية؟ أجابت ام الديب بنبرة انتقامية: =هو آني مقولتلكش ياخويا؟ رد المعلم حنفي بترقب: _لا مقولتيش. تحدثت أم الديب بشر عارم، وصوتها يفيض بالخطط الشيطانية: =ده الحنش اللي أم أشرف وهبة زقوه على بيتي ليلة امبارح علشان يلدعني ويموتني آني وعيالي. وقفت العائلة متجمدة في المكان، كأنهم أصبحوا تماثيلًا في لحظة واحدة، وحالهم كحال من سكب ماء حار فوق رؤوسهم، فكانوا لا يصدقون حديثها، وعقولهم لا تستطيع استيعاب ما يحدث. نظروا إلى بعضهم بنظرات قاتلة توضح الكثير من الكارثة القادمة! يتبع...
الكاتبة رانيا عمارة