النافذة المكسورة

النافذة المكسورة

3 0

بينما كانت "فالنتينا" تبتعد عن ردهة القصر، كان الغضب يغلي في عروقها كحمم بركانٍ توسكاني. لم تكن ثائرةً لأنها واجهت سلاحاً، بل لأن ذلك المتطفل -حفيد روسيني- تجرأ على معاملتها كأنها صبيٌ ضال لا يملك حق الوقوف على تراب أرضه.

​توقفت فجأة، والتفتت إلى واجهة القصر المهيبة. كان الصمت الذي يلف المكان يشعرها بالاختناق، وكأن جدرانه تتواطأ مع صاحبه الجديد لإهانتها. لم تستطع المغادرة بهدوء كان عليها أن تترك بصمتها، أن تعلن أن هذه الأرض، رغم تاريخها المظلم، ليست مملكةً خاصة لأحد.

​رأت كومة من الحجارة المتناثرة عند قاعدة النافذة التي كانت تحاول فتحها منذ لحظات. التقطت حجراً بحجم قبضتها، كان ثقيلاً وذا حواف خشنة. لم تتردد... وبحركةٍ رشيقة تنم عن قوةٍ فطرية، ألقته بقوةٍ أصابت زجاج النافذة.

​انفجر الزجاج العتيق وتناثرت شظاياه في الداخل كأنها نجومٌ متكسرة، متبوعاً بصوت صدىً مرعب تردد في أرجاء الردهة الخالية. لم تنتظر "فالنتينا" لترى ردة فعل الرجل... بل أطلقت صفارةً حادة ومتقطعة، كانت إشارتها الخاصة التي لا يعرفها إلا "خوليو.

​في ثوانٍ معدودة، ظهر الحصان من بين أشجار السرو العتيقة، يصهل بقوة كأنه يشاركها غضبها. قفزت "فالنتينا" على صهوته ببراعة، وضربت بقدحيها خاصرتي الحصان، لتنطلق كالبرق عبر روابي توسكانا.

​بينما كانت تبتعد، سمعت صوتاً جهورياً يتردد خلفها، صوت الغريب الذي بدأ يصرخ بعبارات غاضبة، لكنها لم تكترث. ضاعفت من سرعتها، وعيناها تلمعان ببريق الانتصار.

​عندما وصلت إلى حدود مزرعتها، توقفت عند التلة التي تطل على الطريق المؤدي للقصر. نظرت إلى الوراء لترى خيال ذلك الضخم وهو يخرج من بوابة القصر، يراقب أثر حوافر "خوليو" بذهولٍ وغضبٍ عارم.

​-ظننتَ أنك ستخيفني؟

همست لنفسها بابتسامةٍ ساخرة وهي تمسح غبار الطريق عن قبعتها.

​تسللت بهدوء إلى منزلها، ودخلت المطبخ حيث كانت "تيريزا" مشغولة بإعداد الخبز، . خلعت "فالنتينا" قبعتها ووضعتها جانباً، ثم اقتربت من تيريزا وقبلت رأسها بهدوء، محتفظةً بسرّها لنفسها. لم تكن تريد أن تقلق قلب تيريزا الرقيق بما قد يترتب على "ترحيبها" العنيف بجيرانهم الجدد.

قالت تيريزا فور رؤيتها باستغراب

-اين كنت؟بحثت عنك في ارجاء الحضيرة.

عضت شفتاها بتوتر واجابتها بهدوء

-ليس في مكاناً مهم...

سرعان ماغيرتها حديثها وقالت

-هل جلب ماركو علف الحيوانات؟

-نعم ...لاداعي لذهابك لقد اعطيتهم وجبة العشاء.

-جيد

​استيقظت "فالنتينا" في صباح اليوم التالي ليس على سيمفونية حيواناتها المعتادة، بل على ضجيجٍ ميكانيكي غريب اخترق سكون مزرعتها. كان زئير محركات الجرارات الثقيلة وصرير الشاحنات المحملة بمواد البناء يتردد صداه في الأرجاء، ممزوجاً بأصوات عمالٍ يتبادلون النداءات بصخبٍ لا يعرف الرحمة.

​نهضت من فراشها بسرعة، وفتحت النافذة لتواجه المشهد؛ كان القصر الذي ظل صامتاً كالمقبرة لسنوات قد تحول فجأة إلى خلية نحل. عشرات العمال ينتشرون حوله، سقالاتٌ خشبية ترتفع بجانب الجدران الحجرية المتآكلة، وأكوام من الإسمنت والحديد تشوه جمال الروابي الخضراء التي تحيط به.

​كانت عيناها تبحثان بحدة عن "ذلك الرجل"، وبالفعل، لم يستغرق الأمر طويلاً؛ كان يقف في ساحة القصر، بقميصه الأسود المرفوع عن ساعديه، يوجه العمال بحركاتٍ حازمة. بدا كقائدٍ لجيشٍ في معركة، ولم يكن من الصعب عليها ملاحظة تلك النافذة التي حطمتها بالأمس؛ كانت لا تزال مكسورة، لكنها أصبحت الآن محاطةً بورشة عمل كاملة.

​ارتدت ملابسها بسرعة، وانطلقت نحو الخارج. وما إن خرجت حتى وجدت "تيريزا" تقف عند مدخل الحضيرة، تمسح يديها بالمئزر وملامحها تنطق بالقلق:

-يا إلهي يا فالنتينا، يبدو أنهم عازمون على استعادة أمجاد الماضي بأسرع مما تخيلنا! ضجيجهم لا يطاق.

​اقتربت فالنتينا من تيريزا، وقالت بابتسامة غامضة بينما كانت عيناها تراقبان حركة الغريب في الجانب الآخر:

-دعي الغربان تزعق يا تيريزا، فالقصر يحتاج إلى ترميماتٍ أكثر من مجرد زجاجٍ مكسور.

بعد ساعات طويله من اعطاء العلف للحيوانات والاعتناء بهم... اتخذت "فالنتينا" من ظلال شجرة سروٍ معمرة مخدعاً، جلست على العشب ومسندةً ظهرها إلى الجذع الخشن . أطبقت قبعتها على وجهها لتحجب وهج شمس توسكانا، وسمحت لنسيم الظهيرة الهادئ أن يأخذها في قيلولةٍ قصيرة. لم يدم السلام طويلاً، فقد قاطع خلوتها صوتٌ عميق، مألوف، يحمل في نبراته سلطةً لا تقبل التشكيك:

​-هل أنت صاحب هذه المزرعة؟

​انتفضت "فالنتينا" في جلستها، وأزاحت القبعة عن وجهها بحركةٍ حادة، لتكشف عن ملامحها التي كانت تختبئ خلف القناع الصبياني. لم ترتبك، بل رفعت بصرها ببطء، متفرسةً في الرجل الذي يقف أمامها.

​كانت المرة الأولى التي تراه فيها في ضوء النهار الكامل، بعيداً عن عتمة القصر. كان رجلاً يجسد معنى الهيبة بشرته برونزية وكأن الشمس لا تغيب عن وجهه، وشعره الأسود الكثيف كان ينسدل بتمردٍ فوق جبينه، يمتزج بحدة ملامحه. أما عيناه.. تلك العينان العسليتان المحاطتان برموشٍ طويلة وكثيفة، فكانت تمتلك بريقاً نافذاً يجعلك تشعر أنك مكشوفٌ تماماً.

​كان طوله الفارع وعرض منكبيه يضفيان عليه حضوراً طاغياً، يجمع بين الخوف والجاذبية في مزيجٍ مغناطيسي يصعب على أي امرأةٍ مقاومته.. لكن "فالنتينا" كانت استثناءً. لم يرفّ لها جفن، ولم ينبض قلبها ارتباكاً... بل ظلت نظراتها باردة، واثقة، ومحصنة خلف كبريائها.

​بمجرد أن رأى وجهها بوضوح، تجمعت غيوم الغضب في عينيه العسليتين. لم يرَ أمامه سوى "فتىً" بملامح حادة وعيونٍ تتحدى حضوره، فتىً يتجرأ على تحديه ببرود أعصابٍ غريب.

​زفر بضيقٍ واضح، وتقلصت عضلات فكه بقوة، ثم اندفع صوته بحدةٍ أكبر:

-أنت.. أنت الفتى الذي كان يحوم حول القصر بالأمس! ظننتك قد اختفيت، فإذا بك تظهر أمامي في عقر داري!

​وقفت "فالنتينا" بكل ثقة، ونفضت الغبار عن ملابسها، ولم تكترث لغضبه المتصاعد. ثبتت نظراتها في عينيه دون أن ترمش، ثم انطلق صوتها من حنجرتها، صوتاً عميق الطبقة، تغلفه بحّة طبيعية وخشنة، تلك البحة التي كانت ملازمةً لهويتها كصبي، وكأنها نبرة صقلتها رياح التلال القاسية. لم يكن صوتاً يحمل أي رنينٍ موسيقي أو تلوين أنثوي.

-يبدو أنك تعاني من مشكلةٍ في الرؤية، أو ربما في الذاكرة. أنا صاحب هذه الأرض، وأرضي ليست مقيدة بحدود قصرك المتهالك الذي تحاول ترميمه بضجيجك.

​ازداد لمعان الغضب في عينيه، وبدا وكأنه على وشك خسارة صبره تماماً. اقترب منها خطوةً واحدة، فارضاً طوله وهيبته عليها ثم مد يده إلى جيب معطفه، وأخرج قطعة من الزجاج المكسور التقطها من ساحة قصره بالأمس، ووضعها أمام عينيها ببطء.ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل نبرة تهديدٍ صريح:

-لا يهم من تكون، ولا يهم ما تعتقده عن ملكيتك. أحذرك..هذه النافذة التي تحطمت.. كانت جزءاً من تاريخ هذا القصر، وجزءاً من النظام الذي أحاول استعادته. أنت لا تكسر الزجاج يا فتى، أنتِ تكسر الحدود التي رسمتها...ولا تختبر صبري مرة أخرى، فكسر زجاجٍ واحد قد لا يكون العقاب الوحيد الذي سأفرضه على مَن يتجرأ على اقتحام خصوصيتي.

وقفت "فالنتينا" بكامل قامتها، وحدقت في عينيه العسليتين ببرودٍ جليدي، وكأنها لا ترى أمامه سوى مجرد عائقٍ في طريقها. رفعت رأسها بتحدٍّ جعلها تبدو أطول مما هي عليه، متجاهلةً تماماً ذلك الطول الفارع والضخامة التي يملكها، وكأنها تحاول تفتيت هيبته بنظرةٍ واحدة.

​قالت بنبرةٍ هادئة ومستفزة:

-بالنسبة للنافذة، فقد كانت مكسورةً بالفعل قبل أن ألمسها، لكن رغم ذلك سأدفع تعويضاً لزجاجها.. لا تقلق، إذا كان هذا كل ما جاء بك إلى هنا.

​لم يستطع الرجل أن يمنع نفسه من إطلاق ضحكةٍ قصيرة، كانت سخريةً صرفة تمتزج بغضبٍ مكتوم في صدره. اقترب منها أكثر، حتى شعرت بظله يغطيها بالكامل، وقال بنبرةٍ انخفضت لتصبح أخطر وأكثر تهديداً:

-التعويض؟ وهل أنا من اقترح نوع التعويض، أيها الفتى المشاكس؟

​مدّ يده وأمسك طرف قبعتها، ثم دفعها برفقٍ وقسوة إلى الوراء، لتظهر خصلات شعرها الناري بشكلٍ أوضح، لكنه لم يلاحظ دلالة ذلك... كان غضبه يعميه عن رؤية الحقيقة. تابع وهو يضيق عينيه بتركيزٍ حاد:

-أنت تتحدث بكبرياءٍ غريب بالنسبة لشخصٍ لا يملك سوى بضعة رؤوسٍ من الأغنام وأرضٍ لا تكاد تُرى من روابي قصري. لا أعرف من أين تستمد هذه الثقة، لكن اعلم أن العبث معي له ثمنٌ لا تدفعه بالعملات المعدنية.

​لم تتراجع "فالنتينا" قيد أنملة، بل ابتسمت بابتسامةٍ باهتة وساخرة، وأخرجت من جيبها بضع قطعٍ نقدية ألقتها ببطء على العشب بين قدميه، كأنها تلقي فتاتاً لحيوانٍ جائع.

​قالت بنبرةٍ قاسية ومباشرة:

-هذا ثمن زجاجك البائس. أما عن ثمن العبث، فربما عليك أن تسأل نفسك أولاً: مَن الذي يملك الأرض حقاً؟ أنا التي أعرف كل شبرٍ في هذه الروابي، أم أنت الذي جئتَ لتحبس نفسك خلف جدرانٍ متهالكة؟

​تصلبت ملامحه، وتوقف عن الضحك فجأة. بدا وكأن كلمات "الفتى" قد لمست وتراً حساساً في أعماقه، إذ لم يعتد أحداً على مخاطبته بهذا الشكل، خاصةً من قرويٍّ بسيط. ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت خوارٍ بعيد لأغنامها، وكأن المكان نفسه يحبس أنفاسه انتظاراً لخطوته القادمة.

انخفضت نظراته لتستقر على القطع النقدية التي تناثرت على العشب الأخضر، بقيت ملامحه جامدة لثوانٍ معدودة، وكأن بركاناً في داخله يحاول أن يجد مخرجاً. رفع يده ببطء ليمسح شفته السفلى بإبهامه، حركةٌ عصبية خفية كانت تعبر عن صراعٍ داخليّ عنيف؛ فبينما كانت يده الأخرى تتقلص بقوة كأنها تتوق لإمساكٍ عنيف، نجح في تمالك أعصابه ببراعة باردة.

​عندما رفع رأسه مجدداً، كان غضبه قد توارى خلف قناعٍ من التعالي والبرود المصطنع. خطى خطوةً إضافية نحوها، حتى بدت أنفاسه الممزوجة برائحة خشب الأرز والحمضيات قريبةً منها، وقال بصوتٍ أخفض، لكنه أكثر حدة من الصراخ:

​-بالنسبة للتعويض، لن أتحدث فيه الآن.. فالزجاج الذي حطمته لا يساوي شيئاً مقارنة بما أخطط له.

​ساد صمتٌ قصير، ألقى فيه بنظرة سريعة وممسوحة بالازدراء على بيتها البسيط وأرضها، ثم أكمل بلهجةٍ لا تترك مجالاً للنقاش، وبنبرةٍ مشبعة بالاستعلاء:

​-جئتُ لأمرٍ آخر. لقد سئمتُ من النظر إلى هذه الأرض المتهالكة التي تفسد واجهة قصري. أخبرني.. بكم تبيع هذه البقعة؟ سأدفع أي مبلغٍ تطلبه، بشرط أن تختفي أنت وما تملكه من هنا بحلول نهاية الأسبوع.

​لم يكتفِ بالعرض، بل أخرج سيجاراً من جيب معطفه، وأشعله ببطءٍ استفزازي، ونفث الدخان في الهواء وكأنه يمحو وجودها تماماً من المشهد، منتظراً ردها بتلك الثقة التي يمتلكها الرجال الذين يظنون أن كل شيء في هذا العالم له ثمن.

........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شمس توسكانا العنيدة

المؤلف Shymaa Sami
2026/09/01 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة