كانت الشمس تغطس في أفق توسكانا، تاركةً خلفها خيوطاً أرجوانية تنسجُ عباءة الليل فوق تلال "بوجيو سوليتاريو". فوق التلة العالية، بينما كانت فالنتينا تقف بوقارٍ يضاهي صمود الأشجار العتيقة...تمتطي جوادها بثباتٍ يُشعر الناظر اليها بأنها جزء من كائنٍ واحد.
في لحظة الغروب، حيث يتحول لون سهول توسكانا من الأخضر الزمردي إلى نحاسٍ محترق، كانت فالنتينا تشبه خيالاً منسياً وسط الفراغ. لم تكن تبالي بأنوثتها..
فالقميص القطني الواسع كان يتدلى على كتفيها كدرعٍ خشن، يخفي تفاصيل جسدها تماماً كما يخفي الليل أسرار الغابات، وسروالها الفضفاض لم يكن يمنحها سوى حرية الحركة فوق ظهر جوادها خوليو.
وتحت حافة قبعتها المهترئة التي لا تفارقها، كانت تحبسُ خصلات شعرها الناري، وكأنها تخشى أن يشي ذلك اللون المشتعل بهويتها التي اختارت أن تذيبها في روتين الرعي والعمل الشاق. كانت تبدو للناظر كفتىً يافعٍ، صلب الملامح، لا يملك من الدلال شيئاً.
بينما كانت أغنامها تنساب كقطيعٍ من الغيوم البيضاء نحو الحظيرة الخشبية، وسط خوارٍ متقطع وصوت الأجراس النحاسية، كان بصر فالنتينا معلقاً بـ "القصر المهجور" القابع على التلة المقابلة. كان البناء يبدو ككائنٍ محتضر... جدرانه الحجرية العتيقة بدت مشروخة كأنها تحمل ثقلاً لا تطيقه،نوافذه المظلمة كأنها ثقوبٌ في جدار الزمن، تراقبها وتراقبُ عالمها. لم يكن الفضول الذي يعتريها مجرد استطلاع، بل كان انجذاباً خفياً لهذا المكان الذي يشاركها العزلة.
اشاحت ببصرها عن القصر وضربت بقدمها الحصان ليتحرك خلف القطيع تاركة خلفها دخان من الغبار ...
ما إن خطت فالنتينا إلى داخل المنزل حتى استقبلتها حرارة الموقد الدافئة ورائحة الخبز الطازج التي تغلغلت في ثنايا ملابسها، لكن حديث "تيريزا" وزوجها "ماركو" كان أكثر حرارة من رائحة الخبز.
توقفت فالنتينا عند عتبة الباب، وأزاحت قبعتها التي كانت تضغط على شعرها الناري ليتحرر ويتردد على كتفيها بتمرد، بينما كانت عيناها تتنقلان بين تيريزا التي كانت تقطع الجبن، وماركو الذي كان يفرك يديه باهتمام غير معهود.
-حفيد عائلة روسيني؟!
سألت فالنتينا بصوتها المبحوح قليلاً من أثر يوم طويل، وهي تلقي بمقود حصانها على الطاولة الخشبية العتيقة.
-ألم يرحل آخر روسيني عن هذه البلاد منذ عقود؟ لقد ظننت أن القصر قد نُسي في طيات الزمن.
توقفت تيريزا عن التقطيع، وتبادلت نظرة حذرة مع زوجها قبل أن تلتفت لفالنتينا وتقول بصوت خفيض، كأنها تخشى أن تسمعها الجدران الصامتة للقصر المجاور:
-لقد عادوا يا ابنتي.. أو عاد أحدهم. يقال إن الحفيد قد وصل اليوم، وأن عربة سوداء مظللة قد شوهدت وهي تشق طريقها نحو البوابة الحديدية الصدئة للقصر.
تدخل ماركو بجديةٍ وهو ينظر نحو نافذةٍ تطل باتجاه القصر:
-أهالي القرية يتناقلون أقاويل لا تبعث على الارتياح يا ابنتي. يقولون إن حفيد عائلة روسيني قد قرر العودة، وأنه سيستقر في القصر مع عائلته.
توقفت فالنتينا عن خلع حذاءها، وعقدت حاجبيها بفضول ممزوج بالحذر. تابع ماركو بصوتٍ انخفض أكثر، كأنه يتحدث عن أسطورة شريرة:
-يقولون إنه نسخةٌ مكررة من جده... شخصيةٌ مخيفة وقاسية، ذكراه لا تزال تنبض بالرهبة في قلوب كبار القرية. عودتهم إلى ذلك القصر ليست مجرد سكنٍ عابر، فالنتينا.. إنهم يحملون معهم ظلال الماضي.
استمعت "فالنتينا" لكلمات "ماركو" بملامح جامدة، لم يهتز فيها جفن. لم تكن في مزاج يسمح لها بصبغ القصر المهجور بصبغة الرعب التي يعشقها القرويون، ولم تشأ أن ترى الخوف يتسرب إلى عينيّ "تيريزا" اللتين تعتبرهما ملاذها الآمن.
قبل أن يغرق ماركو في المزيد من تفاصيل أساطير عائلة "روسيني"، قاطعته فالنتينا بلهجة حازمة غلفتها نبرة ساخرة، وألقت بقبعتها على أقرب مقعد:
-توقف يا ماركو! لا ينقصنا سوى أن تُكمل حديثك بالقول إنهم عائلة من الأشباح، وإن حفيدهم ليس سوى دراكولا مصاص دماء يخرج في غسق الليل .
أطلقت تنهيدة عميقة، ثم أضافت وهي تتجه نحو الطاولة بخطوات واثقة:
-كفى، أرجوك. القصر مجرد حجارة ميتة، وعودتهم إن صدقت ليست إلا مسألة عقارات لا أكثر. أنا متعبة، وعمل اليوم في المزرعة استنزف كل ذرة طاقة في جسدي، ولا أملك ذرة صبر واحدة لمثل هذه الأقاويل المزعجة.
اقتربت من تيريزا، وبلمسة حنون على يدها، خففت من حدة نبرتها وقالت بابتسامة باهتة:
-أحتاج إلى طبقٍ دافئ، ومكانٍ هادئ بعيداً عن أشباح القرية.. هل الخبز الذي أشم رائحته هو عشائي أم أنه لزوارنا المزعومين؟
ضحكت تيريزا بخفة، وتلاشت ملامح القلق عن وجهها قليلاً، فاقتربت لتضم فالنتينا بحنان الأم التي لم تلدها، وكأنها تحاول حمايتها من عالمٍ بدأ يضيق عليها. بينما وقف ماركو متمتماً ببعض الكلمات غير المفهومة، مكتفياً بهز رأسه، لكن نظراته القلقة ظلت معلقة باتجاه النافذة.. باتجاه القصر .
تسللت "فالنتينا" إلى حمامها، حيث أزالت بماءٍ باردٍ غبار يومٍ طويل، ثم ألقت بجسدها على سريرها الخشبي. حاولت أن تبعد أصداء كلمات "ماركو" عن ذهنها، كانت تحاول إقناع نفسها بأنها مجرد خرافاتٍ فارغة، لكن فضولها كان يتسلل كظلالٍ في الغرفة. وبّخت نفسها بصوتٍ خافت، وأغمضت عينيها بقوة، لتغرق أخيراً في نومٍ عميق، مثقلٍ بهدوء المزرعة التي ترفض أن تدعها بسلام.
في الصباح، لم تكن بحاجة لمنبه؛ استيقظت على سمفونية حيواناتها-صهيل "خوليو" المعتاد، ونداءات الأغنام الجائعة التي بدت وكأنها تطالبها بالخروج. نهضت بنشاط، اغتسلت، وارتدت ثيابها الفضفاضة المعتادة التي تمنحها حرية الحركة، ثم اتجهت نحو المطبخ.
كانت "تيريزا" منهمكة في إعداد الإفطار، وبمجرد أن رأت فالنتينا بدأت بسيلٍ من النصائح الدافئة والثرثرة الخائفة عما قد يحمله هذا اليوم، لكن فالنتينا لم تكن تملك وقتاً للحديث. التقطت شطيرةً سريعة ووضعتها في فمها، وبينما كانت تيريزا تحاول أن تقول شيئاً إضافياً، اقتربت فالنتينا منها وقبلت رأسها بحنان، ثم خرجت مسرعةً نحو فضاء المزرعة الواسع.
ما إن دفعت باب الحضيرة الخشبي، حتى تلاشى كل توجسها. لم تكن الصباحات في مزرعتها مجرد عملٍ روتيني، بل كانت مليئة بالمفاجآت التي تضخ الحياة في عروقها. في زاوية دافئة من القش، كانت هناك حركتان متواضعتان؛ اثنتان من أغنامها قد وضعتا مولودين جديدين خلال الليل.
تلاشت كل الأفكار التي كانت تشغل ذهنها عن "القصر" و"آل روسيني" في لحظة واحدة. جثت "فالنتينا" على ركبتيها في القش، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تمد يديها الملطختين بعبق الأرض لتحتضن الصغيرين برفقٍ بالغ. كانت تشعر بدفئهما، بضربات قلوبهما الصغيرة
المتسارعة، وبخوار أمهاتهما الذي يملأ المكان بحسٍ غريزي من الأمان.
ارتسمت على وجهها ابتسامة نادرة، صافية، لم تكن تظهرها إلا لمخلوقاتها، ناسيةً تماماً صخب العالم خارج أسوار حظيرتها. في تلك اللحظة، لم تعد تلك الصبية المتمردة التي يخشاها القرويون، بل صارت أماً تحتضن الحياة في أبهى صورها.
امتطت صهوة جوادها "خوليو"، الذي يبدو أنه استشعر حزمها، فصهل بخفة كأنه يستعد لمغامرة. حصرت فالنتينا بصرها في ذلك الهيكل الحجري الضخم الذي كان يمتد مثل وحشٍ نائم بجوار حدودها. كان الفضول يغلي في عروقها، وقررت في تلك اللحظة:
-سأدخل القصر الآن.. قبل أن تطأه أقدام عائلة روسيني، وقبل أن يُغلقوا أبوابه من جديد ويصبح دخوله مستحيلاً.
لم تكن تخشى الأشباح، بل كانت تخشى أن تفقد فرصتها في اكتشاف سرّ الجيران الجدد. دعت خوليو للركض، وانطلقت باتجاه بوابة القصر الحديدية الضخمة التي كان الصدأ قد أكل أطرافها. وبينما كانت تقترب، توقفت فجأة، وعيناها تتفحصان المكان.كأن هناك شيءٌ ما تغير.
لم يكن القصر كما عهدته. لم يعد ذلك البناء الميت، بل بدت أجزاء منه وكأنها استيقظت؛ نافذةٌ في الطابق العلوي كانت مفتوحة، ودخانٌ خفيف يتصاعد من مدخنة القصر الرئيسية.
بمجرد أن خطت فوق درجات المدخل الرخامية التي غطاها الطحلب، شعرت ببرودةٍ غريبة تنبعث من جدران القصر. دفعت الباب الخشبي الضخم الذي أن أطلق صريراً طويلاً، كأنه صرخة اعتراضٍ من مبنىً لم يزره أحد منذ عقود.
في الداخل، توقف الزمن. كانت الردهة واسعة، يتوسطها درجٌ رخامي مزدوج يلتف كأنه ذيل أفعى عملاقة، يعلوه ثريا كريستالية ضخمة تدلت منها خيوط العنكبوت وكأنها ستائر دقيقة الصنع. الهواء كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الغبار، الخشب القديم، وورق الجدران الذي بدأ يتقشر ليكشف عن طلاءٍ باهتٍ كان يوماً ما بلون الذهب.
سارت فالنتينا على رؤوس أصابعها، وأصوات خطواتها ترتد في الأرجاء كأنها نبضات قلبٍ زائدة. كانت الجدران مزينة بلوحات زيتية لأشخاصٍ ذوي ملامح صارمة، عيونهم المرسومة تبدو وكأنها تتابع تحركاتها في كل زاوية. مرت بصالة الاستقبال، حيث كانت الأثاث المغطى بملاءات بيضاء يبدو في الضوء الخافت كأشباحٍ ساكنة.
لمست بإصبعها سطح طاولةٍ مذهبة، تاركةً أثراً واضحاً في طبقة الغبار الكثيفة. كان كل ركنٍ في هذا القصر يحكي قصة فخامةٍ سحقتها السنون. في الممر المؤدي إلى المكتبة، كانت النوافذ الطويلة المغطاة بستائر مخملية ثقيلة تترك شقوقاً صغيرة للضوء، مما خلق خطوطاً من الغبار المتراقص في الهواء، وكأنها جسورٌ واهية بين الماضي والحاضر.
كانت فالنتينا تشعر بضآلة حجمها أمام تلك العظمة الصامتة. ورغم أن القصر بدا مهجوراً، إلا أن هناك شيئاً في أجوائه - ربما رائحة شمعٍ لم يذُب بالكامل، أو صوت ريحٍ تصفر في المداخن - كان يوحي بأن هذا القصر ليس مجرد بناء، بل هو كيانٌ حي، ينتظر عودة أصحابه ليفتح عينيه من جديد.
توقفت فجأة أمام بابٍ مطعّم بالنحاس، كانت الأسرار تهمس من خلفه، وشعرت أن قلبها يخفق بقوةٍ تفضح توترها.
وضعت "فالنتينا" كفّها على مقبض الباب النحاسي البارد، وبدأت بتدويره ببطءٍ شديد، متجاهلةً ضربات قلبها التي أصبحت أعلى من صرير الخشب. وفجأة، تجمدت في مكانها؛ لم يكن الصوت قادماً من الخارج، بل من خلفها مباشرة.
-لا تتحرك.
اصداء صوته قد ملئ اركان القصر، عميق، وقويّ لدرجة أنه جعل الهواء في الردهة يبدو متجمداً. قبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت ببرودة معدن سلاحٍ ضُغط بقوة نحو كتفها.
استدارت "فالنتينا" ببطءٍ قاتل، رافعةً يديها إلى مستوى كتفيها، بينما كانت عيناها تحاولان اختراق عتمة الممر.
كانت تراه ككتلةٍ ضخمة من الظلال، رجلاً طويل القامة، عريض المنكبين، يغطي ملامحه ظلام الغرفة، لكن عينيه كانتا تشعان ببريقٍ حادٍ ومريب...لم يلاحظ بسبب ثيابها الفضفاضة وقبعتها المائلة وشعرها المربوط بإحكام تحتها أنها فتاة..كان يظنها صبياً
من صبية القرية الفضوليين.
صاح بصوته الذي يضاهي صدى القصر:
-ما الذي يفعله صبيٌّ مثلك في هذا المكان؟ هل أرسلك القرويون لتتجسسوا؟ انطق!
تراجعت فالنتينا خطوةً للخلف، محاولةً استجماع قوتها، فصوتها الذي كان دائماً قوياً خانها للحظات أمام هيبة هذا الغريب.
نظرت إليه بتحدٍ رغم ، رغم شعورها بالرهبة أمام ضخامته.ثم قالت بتحدٍّ وهي تثبت نظراتها في عينيه:
-أنا لا أعمل لحساب أحد. هذا القصر مهجور، ومن حق أي عابر سبيل أن يطأ أرضه.
ضاقت عينيه أكثر، وبدا أن هذا الرد لم يعجبه، فقد ضغط بالسلاح أكثر باتجاهها، وقال بنبرةٍ تقطر خطورة:
-عابر سبيل؟! لا أحد يعبر هنا إلا بإذني. القصر ليس مهجوراً كما تظن، والآن.. ارحل من حيث أتيت قبل أن أغير رأيي بشأن السماح لك بالمغادرة على قدميك.
........
Shymaa Sami