كذبة مبنية عن حقيقة

كذبة مبنية عن حقيقة

4 0

بعد أن أصبحت براء صديقتي، بدأت تُعرّفني على فتاتين أخريين.

في أحد الأيام، جلسنا معًا، وبدأتا تتحدثان عن عائلتيهما.

كانت إحداهما تحكي عن أمها، عن احتضانها لها عندما تبكي، وعن خوفها عليها عندما تمرض.

أما الأخرى، فكانت تتحدث عن أبيها، عن كلماته اللطيفة، وعن الطريقة التي كان يطمئن بها عليها كل ليلة.

كنت أستمع إليهما بصمت.

كنت أبتسم عندما تضحكان، وأهز رأسي وكأنني أفهم كل ما تتحدثان عنه.

لكنني في الحقيقة كنت أشعر بشيء يؤلمني في داخلي.

لم أعرف ذلك الشعور الذي تتحدثان عنه.

لم أعرف كيف يكون أن تجد شخصًا ينتظرك عندما تعود إلى المنزل، أو شخصًا يضمك عندما تشعر بالخوف.

لم أحصل على الحنان طوال حياتي.

كنت أستمع إلى قصصهما، وأتخيل للحظات كيف سيكون شعوري لو عشت مثل تلك الحياة.

ثم جاء السؤال الذي كنت أخشاه.

سألتني إحداهما عن عائلتي.كان بإمكاني أن أقول الحقيقة.

كان بإمكاني أن أخبرهما أنني لم أعش ما عاشتهما، وأن علاقتي بعائلتي لم تكن كما يتخيلان.

لكنني خفت.

خفت أن ينظرن إليّ بشفقة.

وخفت أكثر أن أبدو مختلفة عنهما.

لذلك…

كذبت.

اخترعت قصة عن عائلة لم تكن موجودة بالشكل الذي وصفته.

تحدثت عن أم حنونة، وعن أب يهتم بي، وعن لحظات عائلية لم أعشها قط.

كنت أروي التفاصيل بثقة، وكأنني أتحدث عن ذكريات حقيقية.

وكانتا تستمعان إليّ وتبتسمان.

في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب.

لأول مرة، لم أشعر أنني أقل منهما.

لأول مرة، استطعت أن أمتلك في عيون الآخرين الشيء الذي حُرمت منه في حياتي.

الحنان.

حتى لو كان مجرد كذبة.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد كذبتي مجرد جملة قلتها في لحظة خوف…

بل أصبحت حياةً جديدة بدأت أبنيها أمامهن، كلمةً بعد كلمة.بعد أن انتهيت من الحديث، شعرت للحظة بأن شيئًا دافئًا يملأ صدري.

كانتا تنظران إليّ بنظرة مختلفة، وكأنني أصبحت واحدةً منهما، وكأن لديّ أخيرًا عائلة تحبني وتخاف عليّ كما في قصصهما.

ابتسمت.

لكن ابتسامتي لم تدم طويلًا.

فجأة، شعرت بثقلٍ في صدري.

لقد كنت أكذب.

كل كلمة قلتها كانت شيئًا تمنّيته، لا شيئًا عشته.

كنت أتحدث عن أم لم تحتضنني، وأب لم يقل لي تلك الكلمات، وذكريات لم تكن موجودة إلا في رأسي.

نظرت إليهما وهما تواصلان الحديث، وشعرت للحظة أنني سرقت شيئًا لا يحق لي.

ومع ذلك…

لم أستطع التراجع.

لأنني للمرة الأولى شعرت بأن أحدًا ينظر إليّ بحنان.

ولهذا، أقنعت نفسي أن كذبتي صغيرة، وأنها لن تؤذي أحدًا.

لكنني كنت أعرف في أعماقي أنني لم أكذب عليهما فقط…

كنت أكذب على نفسي أيضًا.

كنت أحاول أن أعيش، ولو بالكلمات، حياةً حُرمت منها منذ طفولتي.

وفي تلك الليلة، عندما عدت إلى عالمي الخيالي، تذكرت كل كلمة قلتها.

ولأول مرة، لم يكن خيالي مجرد عالم أعيش فيه…

بل أصبح المكان الذي أستطيع فيه أن أجعل كذبتي حقيقة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ممر سمر

المؤلف Lost between the wor
2026/09/02 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة