في البداية، لم أكن أهرب من واقعي.
لم أكن أكرهه، ولم أكن أبحث عن مكانٍ أختبئ فيه. كنت فقط أملك عالمًا آخر… عالمًا لا يعرفه أحد سواي.
كنت أعيش حياةً ثانية في خيالي، حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي أعيشها كل يوم. هناك، كنت أملك بيتًا آخر، وأصدقاء آخرين، وأيامًا لم أعشها قط.
كنت أستطيع أن أستلقي على سريري وأحدق في السقف، وفجأة أجد نفسي في مكان آخر.
أتحدث مع أشخاص أعرفهم جيدًا، رغم أنهم لم يكونوا موجودين أصلًا. أعيش معهم مواقف كاملة، أضحك، أغضب، أحزن، وأحيانًا أتخيل حوارات طويلة بيننا.
ثم أعود إلى الواقع وكأن شيئًا لم يحدث.
لم أكن أرى في ذلك مشكلة.
بالنسبة لي، كان الأمر مجرد جزء من يومي… مثل قراءة كتاب، أو مشاهدة فيلم، لكن الفرق أنني لم أكن أشاهد القصة.
كنت أعيشها.
ومع مرور الوقت، بدأت تلك الحياة تكبر.
لم تعد مجرد لحظات قصيرة أعيشها في رأسي، بل أصبحت لها تفاصيل وأحداث وشخصيات وذكريات.
كنت أتذكر ما حدث فيها بالأمس، وأكمل قصتها في اليوم التالي.
شيئًا فشيئًا، أصبح لعالمي الخيالي ماضٍ وحاضر ومستقبل.
ولم أكن أعرف حينها أنني كنت أبني عالمًا سأقضي فيه ساعات طويلة من حياتي…
وأن الحدود بين الحياة التي أعيشها فعلًا، والحياة التي أعيشها في خيالي، ستبدأ بالاختفاء ببطء.