حِينَ خَانَ النِّسْيَانُ عَهْدَهُ

حِينَ خَانَ النِّسْيَانُ عَهْدَهُ

2 0

ارتسمت على محيّا إليزابيث ابتسامةٌ وادعة، وأشرقت عيناها بوميضٍ من الاعتزاز،

قبل أن تنساب كلماتها في رقةٍ آسرة:

-أمي هي من أطلقت عليَّ هذا الاسم، وأهدتني إياه مع أول أنفاس الحياة،

فكيف لا أعتزُّ بما خطَّه حبُّها؟ أترين في اسمي ما يدعو إلى الاستغراب؟

استقرَّ في عيني السيدة بريقُ استحسان، وارتسم على ثغرها طيفُ ابتسامةٍ شفيفة،

وأومأت برأسها في تؤدة، ثم أردفت بنبرةٍ يفيض منها دفءٌ خفيّ:

-كلا يا صغيرتي... بل هو اسمٌ تتهادى في حروفه الرقة، ويكتنفه الوقار،

وما كان اختيار والدتكِ له إلا شاهدًا على ذائقةٍ سامية،

وبصيرةٍ تُحسن انتقاء ما يخلِّد أثره في الأرواح قبل الأسماع.

أشرقت ملامح إليزابيث، وأطرقت برأسها امتنانًا،

قبل أن تستأنف حديثها بنبرةٍ يغلب عليها الفضول:

-أمتنُّ لكِ، أيتها السيدة... أأنتِ سيدة هذا القصر؟

أومأت إيزابيلا برفق، بينما انسابت خصلات شعرها مع حركتها الهادئة.

-أجل... أنا سيدته.

خبا دفء الابتسامة عن محياها رويدًا رويدًا، واستحال وجهها صفحةً أثقلتها الدهشة،

وكأن تلك العلامة لم تكن وحمةً عابرة، بل مفتاحًا أدار قفل ذكرى ظلَّ موصدًا أعوامًا طويلة،

ظلَّ الصمتُ يلفُّ المكانَ برهةً، حتى خُيِّل إلى إليزابيث أنَّ المرأة قد آثرت الصمت وأحجمت عن الحديث،

غير أنَّ إيزابيلا استجمعت شتاتَ جأشها بعد هنيهة، ثم رفعت بصرها إليها، وقد انساب صوتُها هادئًا،

تتخلّله مسحةٌ من فضولٍ مكتوم:

-أيسعني أن أستأذنكِ بسؤال؟

ارتسمت على شفتي إليزابيث ابتسامةٌ مطمئنة، وأومأت برأسها في هدوء.

-بكل سرور...

لكن إيزابيلا لم تنظر إلى عينيها، بل بقيت أسيرة تلك العلامة الصغيرة،

وكأنها تخشى أن تصرف بصرها عنها، فيخبو معها ما استيقظ في ذاكرتها،

وبعد لحظاتٍ أثقلها الصمت، خرج السؤال أخيرًا بصوتٍ خفيض:

-ما قصة هذه الوحمة التي تستقر على كفِّك؟

ألقت إليزابيث بصرها إلى راحة يدها، فسكنت عيناها فوقها طويلًا، حتى بدا وكأن العالم من حولها قد انكمش،

ولم يبقَ أمامها سوى تلك العلامة الصامتة، وفي أعماقها أخذت الذكريات تنبعث وئيدًا،

كخيطٍ من نورٍ ينبثق من رحم الدُّجى، حتى غدت غارقةً في شرودٍ لم تشعر معه بما يحيط بها...

وفي تلك اللحظة، وفي تلك اللحظة، انبعث في أرجاءِ القاعة وقعُ خطواتٍ راسخة...

تتردد بإيقاعٍ هادئٍ يشي بقدوم رجلٍ اعتاد أن يحمل الوقار حيثما حل،

وما هي إلا هنيهة حتى أقبل الحارس يعقوب، فوقف قبالة إيزابيلا في هيئةٍ يجللها الثبات....

لم يكن يعقوب مجرد حارسٍ يذود عن أسوار القصر، بل كان رجلًا إذا ذُكر الوفاء تقدَّم اسمه،

وإذا استُنطقت المروءة كانت أخلاقه أبلغ جواب، لازم الحاكم قسيم في أفراحه، وثبت إلى جواره في نوائبه،

حتى غدا موضع ثقته، وحاملًا لكثيرٍ من همومه.....

أما زوجة الحاكم، فقد آثر أن يراها أختًا صغرى وهبها القلب مكانته قبل أن يمنحها الاسم،

يحيطها بعطفٍ صادق، ويبدد عن روحها أثقال الأيام بابتسامةٍ لا تعرف التكلُّف،وكانت تبادله الشعور ذاته؛

إذ لم تعرف في حياتها أخًا أكبر يملأ فراغ وحدتها، ويشاركها ضحكاتها الصغيرة، ويخفف عنها ما تعجز الكلمات عن حمله،

ومنذ أن جمعهما القدر تحت سقفٍ واحد، غدت أحاديثهما تنساب بعفوية، وتتردد ضحكاتهما بين أروقة القصر،

حتى ليخال السامع أن الأخوَّة قد نسجت بين روحيهما بخيوط المودة، لا بروابط الدم.

تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حِينَ بَزَغَ النَّسَبُ

المؤلف zamani
2026/01/25 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة