لم يكن القصرُ، في تلك الساعة الرصاصيّة من النهار، سوى كتلةٍ صمّاء تنبض بصمتٍ متوارث،
كأنّ الحجر فيه قد تعلّم الكتمان قبل البشر، جدرانه الشاهقة لم تُرفع لتُرى، بل لتحجب،
وتطمر الذكريات، وتواري كلّ ما يفضح هشاشة الإنسان حين يتوهّم السيادة على الأمكنة.
توقّفت السيدة قبالة الفتاة، وأطالَت التحديق فيها على نحوٍ يتجاوز مقتضى اللياقة،
لم يكن الاستغراب وحده ما استقرّ في عينيها، بل ارتدادُ أثرٍ قديم،
كأنّ الذاكرة انتفضت على حين غِرّة، تستعيد ما لم يُستدعَ.
-ما الذي تلتمسينه، أيتها الفتاة؟
قالتها بصوتٍ موزون، غير أنّ نبرة الارتياب انفلّتت من بين الكلمات.
-أأضعتِ شيئًا في هذا الموضع؟
رفعت الفتاة بصرها على مهل، كأنّها تُنتزع من شرودٍ داخليّ، لا من حضرة المكان.
-كلا، لم أفقد شيئًا.
ثم أردفت بصوتٍ خفيضٍ مشوبٍ بالتأمّل:
-إنّما كنتُ أتأمّل الجدار… له جمالٌ مُربك، لا يُدرَك من النظرة الأولى.
تصلّبت ملامح السيدة، فالجدار لم يكن جميلًا في عُرف القصر، بل مثقلًا بأزمنةٍ متراكبة،
وبآثار أيدٍ عبرت ثم انمحت. ومع ذلك، ها هي الغريبة تُبصر فيه ما لم يره أهله.
تقدّمت السيدة خطوةً، ونظرتها تزداد استقصاءً.
-أراكِ دخيلةً على هذا المكان…
ثم قالت، بنبرةٍ يكسوها التعالي:
-أأنتِ من الخادمات المستجدّات في القصر؟ أم أنّ مينا أدخلتكِ استتارًا دون إذني؟
لم ترتبك الفتاة، ولم تُخفض رأسها.
-حاشا. لا عهد لي بمينا، ولستُ خادمةً. أنا ضيفةٌ عابرة، حضرتُ لغرضٍ بعينه، لا لإقامةٍ ولا لانقياد.
انعقد حاجبا السيدة، وكأنّ لفظ «ضيفة» لم يُسكّن ريبتها، بل زادها رسوخًا.
-ضيفة؟
قالتها باقتضاب:
-ومن ذا الذي يتجرّأ على فتح أبواب القصر للغرباء دون مشورتي؟
أجابت الفتاة بهدوءٍ رزين، لا يخلو من اعتداد:
-هل بدر منّي ما أساء إليكِ، سيدتي؟
سكتت السيدة هنيهة، كأنّها تُعيد سبك الأسئلة في ذهنها، ثم قالت:
-كلا…
ثم أردفت:
-لكن من تكونين؟ وبأيّ إذنٍ وطئتِ هذا المكان؟
تنفّست الفتاة بعمق، كأنّها تستحضر شجاعةً كامنة.
-جئتُ أبتغي لقاء الرجل الذي خلّصني في الغابة.
ثم تابعت، وقد انكسر صوتها تحت وطأة الذكرى:
-كان ثمّة أفعى هائلة، خرجت كأنّها من صميم الرعب، حسبتُ أنّ الهلاك أدركني، فإذا به يظهر،
فيقتل الخوف قبل أن يقتل الوحش، ثم انصرف مسرعًا… دون أن يمنحني فرصةً للامتنان.
انقبض وجه السيدة، لا دهشةً هذه المرّة، بل تحفّزًا حذرًا.
-أيُّ رجلٍ تعنين؟
قالت ببرودٍ مصطنع.
-لا أعلم بوجود رجلٍ تنطبق عليه هذه الصفة، ولا أعرف اسمه، غير أنّ صديقتي أخبرتني أنّه يقيم هنا،
وحين تبيّن لي ذلك، جئتُ لا أطلب سوى أن أقول شكرًا، أفي هذا جُرم؟
هبط الصمتُ ثقيلًا، والقصر يعرف هذا الصمت؛ صمت ما قبل الانكشاف، أو ما بعد الطمس.
-وإن كنتِ تجهلينه…
قالت السيدة على مهل:
-فما الذي سوّغ لكِ المجيء إلى هذا الموضع؟
قالت الفتاة على عَجَل:
-لم أقدِم وحدي، كانت صديقتي معي. هي من تعرّفت إليه لاحقًا، وهي من حضّتني على المجيء.
عندها… تبدّل شيءٌ في الهواء.
رفعت السيدة رأسها فجأة، قائلة:
-ما اسمكِ؟
سألت، ولم يكن السؤال بريئًا.
أجابت الفتاة:
-إليزابيث.
لم تجب السيدة فورًا.
تراجعت خطوةً، وتمتمت، كأنّ الصوت أفلت منها قسرًا:
-إليزابيث…؟
لم يكن الاسم غريبًا، بل مألوفًا حدّ الألم، مألوفًا على نحوٍ لا يُحتمل.
-اسمٌ نادر.
قالتها بصوتٍ مسموع، غير أنّ نبرتها خانتها.
-هل قلتِ شيئًا؟
سألت الفتاة، وقد بدأت تستشعر أنّها لم تعد مجرّد ضيفة، بل علامة.
-كلا…
ثم ثبّتت نظرها فيها، نظرةَ من أيقن أنّ الأسماء لا تُمنَح اعتباطًا.
-لكن أخبريني…
تعثّر السؤال في حلقها لحظةً، قبل أن تتابع:
-من الذي وهبكِ هذا الاسم؟
لم يكن مجرّد سؤال، بل صدى سرٍّ قديمٍ أيقظته كلمةٌ واحدة.
تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎
zamani