نظرةٌ أولى

نظرةٌ أولى

7 0

الفصل الثالث: نظرةٌ أولى

انتهت المحاضرة وخرج الدكتور، وبعده بدأ الطلاب في مغادرة القاعة لتناول الإفطار، خاصة أن المحاضرة التالية والأخيرة لهذا اليوم ستبدأ بعد ساعة ونصف.

قالت لوسيندا وهي تضع يدها على بطنها:

الجوع يكاد يقطع أحشائي.

نظرت إليها ميلا وقالت:

دائمًا ما يشغلك أمر بطنك، ولا أعرف متى ستبدئين بالاهتمام بوزنك الزائد.

وكالعادة، وقعت كلمات ميلا على مسامع لوسيندا كالسم.

لكن لم ينتبه أحد إلى ما قيل، فقد كان الجميع منشغلين بالحديث عن اختيار مطعم قريب لتناول الإفطار.

لم تستطع لوسيندا الرد، فاكتفت بالصمت، وهي تحاول أن تخفي أثر الكلمات في ملامحها.

وفجأة، شعرت بيد تربت برفق على كتفها ، التفتت فوجدت ملك إلى جوارها.

قالت ملك بهدوء:

لا تصمتي لها مرة أخرى، بل ردي عليها ، إياكِ أن تسمحي لأي شخص بانتقادكِ.

هزت لوسيندا رأسها دون أن تقول شيئًا، ثم رسمت على وجهها ابتسامة صغيرة.

قاطع حديثهم صوت ريفان القائلة : في ماذا تتمتمين؟

لوسيندا: لا شيء أيتها الحشرية

ريفان: حسنًا حسنًا الآن أنا الطرف الحشري في القصة ؟

لوسيندا ضاحكة : توقفي عن حديثك المبتذل هذا

قالت ريفان وهي تحمل حقيبتها لتنهي الحديث:

هيا لنخرج ، ملك هيا بسرعة.

رفعت ملك عينيها عن دفترها، ثم ابتسمت لها باعتذار.

ملك : اذهبي أنتِ، لا أرغب في الخروج.

قطبت ريفان حاجبيها وقالت :

لماذا؟

ضحكت ملك بخفة، ثم أخرجت علبة الطعام الصغيرة من حقيبتها ورفعتها أمامها.

أنتِ تعرفين سمر، أليس كذلك؟ من المستحيل أن تسمح لي بالخروج من المنزل من دون أن تجعلني أتناول شيئًا.

نظرت ريفان إلى العلبة، ثم ضحكت.

ريفان: صحيح، لا أظن أن سمر ستسمح لكِ بالجوع حتى لو حاولتِ.

ملك : لهذا أنا بخير، لقد شبعت بالفعل.

تنهدت ريفان، ثم قالت:

حسنًا، لكن لا تشتكي لاحقًا عندما نعود بالطعام وأنتِ تشتهينه.

ملك : لن أفعل.

غادرت ريفان مع لوسيندا لكي يلحقوا بقية المجموعة، بينما فضّلت ملك البقاء في القاعة.

وبعد أن خفتت الأصوات من حولها، أخرجت الرواية التي اشترتها صباحًا من حقيبتها، وأسندت ظهرها إلى المقعد، ثم فتحت الصفحة التي توقفت عندها.

سرعان ما غاصت في عالم الرواية، حتى لم تعد تسمع سوى تقليب الصفحات من حولها.

كانت القاعة التي امتلأت بالضجيج قبل دقائق قد أصبحت هادئة على نحو مريح.

ملك قد اندمجت تمامًا في صفحات روايتها، حتى كادت تنسى أنها تجلس داخل قاعة جامعية .

لكن الهدوء لم يدم طويلًا.

انفتح باب القاعة، ودخل مهند يتبعه أيان، وكان صوت حديثهما أعلى بكثير من أن يناسب قاعة شبه خالية.

قال أيان وهو يفتش في جيوب سترته للمرة الثالثة:

أؤكد لك أنني وضعتها في جيبي قبل أن نغادر.

رمقه مهند بنظرة ساخرة وقال :

وهل اختفى تركيزك أيضًا

أيان : مهند، أنا جاد.

مهند : وأنا أيضًا ، كيف تمكنت من إضاعة بطاقة ائتمانية كاملة؟

أخرج أيان محتويات حقيبته ووضعها على أحد المقاعد، ثم بدأ يفتش بينها بعشوائية.

أيان : لا أعلم! كنت متأكدًا أنها معي.

هز مهند رأسه بيأس، ثم قال:

هذه حركات أطفال في المرحلة الابتدائية، وليست تصرفات شخص في الجامعة.

رفع أيان رأسه إليه بضيق.

أيان:بدلًا من السخرية مني، ساعدني في البحث عنها.

توقفت أصابع ملك عن تقليب صفحات الرواية.

رفعت عينيها ببطء نحو الصوتين، ثم تنهدت في صمت.

كان من الواضح أن هدوء القاعة لن يعود ما دام الاثنان بداخلها.

حاولت تجاهلهما والعودة إلى القراءة، لكن صوت أيان ظل يتردد في المكان.

أيان : ربما تركتها في السيارة أو وقعت عندما كنت احاسب صاحب المطبعة.

مهند : إذن اذهب وابحث عنها هناك

أيان: وهل تظن أنني سأجدها بعد أن غادرنا؟

مهند بسخرية واضحة: لا، لكنني متأكد أنك ستجد شيئًا آخر لتضيعه في الطريق.

رمقه أيان بنظرة ممتعضة وقال :

أنت مستفز.

ابتسم مهند بلا اكتراث، ثم جلس على أحد المقاعد.

أما ملك، فأغلقت روايتها للحظة، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد وهي تحاول التحلي بالصبر.

لم تكن ترغب في الدخول في حديث معهما، ولم يكن يعنيها أصلًا ما الذي أضاعه أيان أو أين وجده.

كل ما أرادته هو بعض الهدوء.

ولكن في نفس اللحظة أضاء هاتفها بإشعار مكالمة.

وما إن وقعت عيناها على الاسم حتى تبدلت ملامحها تمامًا.

أجابت الاتصال بابتسامة لم يرها أحد منها منذ دخولها القاعة.

ملك : أين أنت؟

جاءها صوت من الطرف الآخر، فابتسمت أكثر.

ملك : إشتقت إليك أيضًا.

رفع أيان عينيه عن حقيبته دون قصد.

أما مهند، فتوقف عن الحديث للحظة.

لم تكن تلك الفتاة نفسها التي جلست بينهم قبل قليل.

كانت أكثر دفئًا... وأكثر حياة.

ابتسم أيان ابتسامة ذات مغزى، وهمس لمهند:

أيان يبدو أن لدينا قصة أخرى هنا.

رمقه مهند بنظرة باردة.

مهند : وما شأنك؟

أيان: لا شيء، لكنني بدأت أشعر بالفضول.

أعاد مهند نظره إلى ملك.

لم تعجبه الطريقة التي كانت تبتسم بها لذلك الشخص.

ولم يفهم لماذا ، ربما بسبب تجاهلها له، بل وتجاهل الجيمع كأنه أشياء لا تهمها، لذلك شعر بنوع من الضيق ، فكيف لشخص تنجذب إليه الفتيات مثل حجر المغناطيس، يصبح مهمشًا من قبل إحداهن.

قطع أفكاره ملك التي اتجهت نحو باب القاعة وهي تستمع إلى المتصل وتقول : حسنًا حسنًا أنا قادمه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عِقد الكهرمان

المؤلف كهرمان محمد
2026/08/25 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة