★
.
.
★
المدخل الأول: انزلاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٢٠٢٦/١/١٢، الثانية عشر بعد منتصف الليل.
في هذا التاريخ لربما ولد طفلٌ جديد وربما فارقت روح الحياة، وربما وجدت روح فرصة جديدة للبقاء، من بين هذه الأفكار صوت مُلّح، يتكرر باستمرار ليخرجها من بين هذه الفجوة العميقة.
"مدام ليلى، مدام ليلى!"
"مدام ليلى حضرتك سمعاني، ممكن تحركي إيديكِ؟"
وكأنَّ ليس جسدها فقط المتعب بل روحها، فتحت عيناها بعد مراتٍ من المحاولات، ببطئ شديد بناءً على هذا الصوت الذي ما زال يعطيها التعليمات.
"حضرتك سمعاني؟"
أومأت بوهن شديد، وحاولت التحرك ولكن خانها جسدها ولم تستطع.
"نورا كلمي دكتورة هنا وبلغيها إن مدام ليلى فاقت."
أردفها الطبيب وعاد للداخل مرة أخرى ليجدها تحاول النهوض ولكنَّها لا تستطيع، لا تستطيع سوى أن تغمض عيناها.
"متبذليش أي مجهود، جسم حضرتك مش متعود على الحركة من فترة."
وقبل أن تسأله أو تحاول المقاومة مرة أخرى، بدأت الذكريات تدفق إلى وعيها دون انتظار.
٢٠٢٥/٢/١٩، الرابعة فجرًا حيث بدأ وانتهى كل شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أعماق الليل حيث يسكن الظلام رفيقه الهدوء، يلمس بيده التراب، التراب التى كانت تنظفه، والهدوء التى كانت تكسيه دفئًا، الخوف الذي كانت بجلسة تجعله أمانًا، رحلت وتركت خلفها منزلًا باهتًا.
تحسس ابنته النائمة.
"وعدتك إني مش هزورك كتير، بس مقدرتش، كانت عايزة تحس إنها قريبة منك، تعرفي إن رقية مكنتش بتنام في الفترة الأخيرة، بس هي دلوقتي نايمة عشان حست إنها قريبة منك."
"تعرفي إن هيا اللي قالتلي أكيد ماما في مكان حلو أوي، ودلوقتي بقت هي اللي بتسمع سورة مريم كتير، ودايمًا بتشغلها في الببت وبتردد معاها زي ما كنتِ بتعملي."
"ممكن تكوني مشيتِ بس أثرك هيفضل في قلوبنا أنا ورقية."
حملها بين ذراعيه، بعدما أخذ منها الورود؛ ليضعهم بجانب القبر، ذهب تاركًا خلفه دفئًا ولكنَّه وعدها أن يمنح هذا الدفء لابنته، ويتمنى أن يحالفه الحظ ويفعل.
صعد إلى سيارته متجهًا إلى الإسكندرية حيث يمكث، وبمعنى أخر حيث قرر الفرار.
بينما في مكانٍ أخر بنفس التوقيت.
الكثير من الفوضى، الأغراض، حقائب، جميعها على الأرض، هنا حيث حاولت جاهدة أن تبنى هذا البيت، أن تجعله لا مثيل له، ولكن لا يُبنى المنزل بيد واحدة والآن هُدم هذا المنزل وأصبحت تحمل على عاتقها الاستمرار لأنها ليست بمفردها.
جلست باكية، متعبة، تود لو لم ترهقها هذه الحياة هكذا، ولكن...
"ماما!؟"
"تعالى يا زين."
دلف لها من بين الأغراض وجلس أرضًا ليكون وجهه أمام وجهها.
"هنروح لجدو؟"
"أيوا، حضرت حاجتك ولميت هدومك؟"
"أيوا كلها، أنتِ زعلانة عشان هنسيب البيت؟"
"أنت عارف بقا ماما بتحب البيت هنا."
"بيت جدو أحلى وفي بحر وآيس كريم، متزعليش."
ابتسمت وقد عادت لها الحياة، عانقته من بين دموعها بقوة، وساعدها في ترتيب الأغراض وانتظرت أن يأتِ ليودع ابنه ولكنَّها أدركت متأخرًا أنه لا يشعر.
"شكرًا يعم عيد، هنا هتيجي بكرة تاخد بقيت الحاجة، لما تخلص سلمها النسخة الإحتياطية."
"حاضر يا مدام ليلى، بس حضرتك هتسوقي دلوقتي؟"
"الطريق مش طويل، مع السلامة."
صعدت للسيارة وصعد زين بالخلف بجانب الحقائب، واتجهت إلى المكان الذي نشأت فيه، عسى أن تجد ملامحها القديمة مرة أخرى.
مؤمنة أننا جميعًا نمر بفتراتٍ ليست هينة، في هذا الإزدحام ليس الجميع بخير ولكن من رحمة الله بنا أنه يرزقنا الإعانة.
المطر يتساقط ليمحو حزن وهذه نظرة فلسفية ولكن من منطقٍ أخر هو يمنح للقلب سكينة وهدوء وهذا ما كانت تراقبه من نافذة سيارتها.
"إِنِّي لأَنْظُرُ للأَيَّامِ أَرْقُبُهَا
فَأَلْمَحُ اليُسْرَ يَأْتِي مِنْ لَظَى الكُرَبِ."
ولكن فجأة لم تسمع شيئًا سوى محرك السيارة وهو يحتك بالأرض بقوة، لحظة من الخوف واختلاط الضجيج داخلها جعلتها تشعر أنها لا تشعر، تكاد تجزم أنها دون صوت طفلها لـ كانت تُوفيت دون إدراك، وهكذا توقف كل شيء من حولها، وهذا أخر ما تدفق إلى وعيها.
بالعودة للحاضر، الآن أيضًا يهطل المطر،
ولكن هذه المرة هي لا تُدرك الوقت، اليوم، التاريخ، لا تُدرك سوى أنه الشتاء...الشتاء فقط.
بينما على بعدٍ أخر،
اقتحم هذا الضجيج نومها القَلق ليوقظها من سباتٍ ليس بعميق.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيوا أنا هنا!"
"بجد ليلى فاقت، طب حالتها عاملة إيه؟"
ركضت سريعًا لتجد والدها يستعد لأداء صلاة الفجر.
"كويس إنك صحيتِ، كنت لسه هقول لأمك تصحيكِ."
"ليلى فاقت يا بابا، حالتها مستقرة."
لم تسع الفرحة صدره فسجد باكيًا، داعيًا، يستحق الحمد دائمًا.
"بس الزيارة دلوقتِ ممنوعة يا حاج، متزعلش صلي الفجر وبكرة من النجمة هنكون عندها."
"طب كلمي المدرسة لازم تشوف زين بكرة."
أومأت لوالدها وذهبت لكي تتوضأ وهي تفكر كيف ستحضر زين خلال ساعات قليلة، ومع أذان الفجر هدأ كل شيء وبدأ كل قلب يلوذ بالدعاء، فـ متى أطلقت سهم الدعاء يصل، وانقضت هذه الليلة والجميع مترقب طلوع الشمس لتحيا قلوبهم بعد عامٍ من الخوف.
التاسعة صباحًا.
بينما هى مازالت لا تدرك شيئًا، تنتظر أن يأتِ أحدًا ليخبرها بما حدث، تنتظر عناق طفلها، وحنين والدها عليها، تنتظر عناق والدتها، تنتظر الكثير وتشعر أنها فارغة، فارغة تمامًا، وتفكر أولًا ودائمًا بطفلها.
المدرسة، التاسعة والنصف صباحًا.
في غرفةٍ صغيرة استيقظ زين وذهب سريعًا ليتوضأ للضحى وجهز ملابسه المدرسية لبداية يومه، بالرغم من كونه في مدرسة داخليه إلى أنه لا يشعر دائمًا بالأُلفة، ولكنَّه أيضًا لا يشعر بالوحدة، مشاعر لا يستحق طفل صغير أن يمر بها، ولكنَّه يدعو في داخله أن يلقاها قريبًا.
عند الإستقبال في العاشرة صباحًا.
ذهبت هنا للغرفة الجديدة وما إن فتحت الباب حتى انبعث الأمل في قلبها وقلب عائلتها التى انتظرتها طويلًا.
"بابا!"
"حبيبة بابا، متتحركيش يعيوني."
"أنتِ كويسة، حاسة بتعب أو إرهاق، كل هيبقى تمام يعيوني."
"أنا كويسة."
عانقت الجميع وبكت والدتها ليس إلاّ ضعفًا أمام رحمة الله، تحدثوا كثيرًا وحاولت أن تستوعب جميع الأحداث التى لم تنتهي هنا من سردها، بينما في أثناء ذلك دلف الطبيب وطلب الأنسة هنا.
"دكتورة هنا، مدام ليلى كويسة وضغط الدم والسكر، وكل المؤشرات مستقرة، ولكن الحادثة سببت ليها شلل مؤقت."
"مدام ليلى صدقيني كويسة ولكن أعصابها وقت الحادثة كانت منهارة وحضرتك شوفتي ده، هيا مش هتقدر تتحرك لفترة بسيطة ولكن العلاج الطبيعي هيساعدها كتير الفترة الجاية، هيا ممكن تخرج بليل ولكن لازم تبدأ علاج طبيعي بعد أسبوع، ولازم تبعد عن أي ضغط الفترة دي."
ذهب الطبيب وخانتها قدميها وانزلقت رغمًا عنها، كيف ستخبرهم، وكيف وهم وجدوا الأمل أخيرًا.
حاولت أن تتماسك، هي تعلم أن ليلى لن تحزن لأنها مؤمنة بالإبتلاء، وتعلم إن كان اليمين حادثًا فاليسار كان الموت الحتميّ، ولكن عائلتها!
دلفت مرة أخرى وكان السؤال الأول.
"هو زين مجاش معاكم ليه؟"
"زين في المدرسة، الدكتور قال إنك ممكن تطلعي النهاردة لحد م توصلي البيت هيكون مستنيكِ."
"طب هو كويس، حصله حاجة في الحادثة، وكان في إصابات؟"
"زين الشنط اللي كانت معاه كانت حماية، الحادثة حصلت مع أب وبنته، البنوتة كويسة حصل معاها خدوش بسيطة، والأب حصله خد كسر في دراعه، اليوم ده كان مطر والدنيا كانت ضلمة عشان كده الطريق مكانش واضح."
وكأنها تذكرت السؤال الأهم.
"هو تاريخ النهاردة إيه؟"
نظر جميعهم لبعض ليمسك والدها يداها قائلًا:"٢٠٢٦/١/١٣."
صُعقت وكأنها لم تتوقع هذه الإجابة، هي بالفعل تتذكر تاريخ الحادثة، ولكنَّها لم تُدرك مرور هذا الوقت.
"ليلى، ده ابتلاء يبنتي اوعك تقولي غير الحمدلله، نجاتك تستحق الحمد."
ذهبت هنا بعدما أخبرت والدها بصعوبة حركة ليلى هذه الفترة ووعدها أن يتصرف وذهبت هي لتأتِ بزين من مدرسته.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أستاذ آدم أسفة على إزعاج حضرتك ولكن كنت حابة أخرج آدم النهاردة وأحول ورقه من المدرسة."
"تمام، بس هو اشتكى من حاجه؟"
"لا خالص، لكن والدته فاقت من الغيبوبة النهاردة ومحتاجاه جنبها، وأنا بشكر حضرتك جدًا على مساعدتك الفترة الأخيرة."
أغلق الخط ومر يوم الحادث أمام عيناه، لا يستطيع نسيانه، لأول مرة يرى أحدًا يصارع الموت كما فعلت هي.
تحرك إلى الصف وطلب من معلم الصف أن يأخذ زين.
"بس الدرس لسه مش هيخلص دلوقتي!"
"لا يا سيدي كده يومك الدراسي خلص، خالتك جاية تاخدك من المدرسة."
"هيا ليه دايمًا خالتو بتيجي في حصة العلوم، طب تيجي في حصة الدراسات."
ابتسم آدم وذهب ليحضر حقيبته وبالطبع لم يخبره عن والدته.
بعد ساعة حضرت هنا إلى المدرسة ووجدت بالفعل آدم ينتظرها رفقة زين، ركض نحوها وعانقها وقدمت هنا امتنانها لأستاذ آدم خاصةً بعدما تكفل بتجهيز ورق زين بأكمله ونقله لمدرسة أخرى.
"هنتغدى وأرجع المدرسة تاني؟"
"لا، هتقعد معانت علطووول وهترجع مدرستك."
"بجد، طب كده مش هتعبك أنتِ وجدو؟"
"أنت عمرك ما كنت متعب، إحنا بس اللي خوفنا نقصر معاك ولكن خلاص كله تحت السيطرة."
ابتسمت ونظرت للأمام بينما هو متحمس أكثر للوصول، ما إن توقفت السيارة حتى ركض سريعًا للداخل.
"طب استنى اطلع في الأسانسير."
ركض على الدرج غير واعيًا حتى شعر بمن يحمله عنوة.
"مالك يعم بتجري كده ليه، ومحدش عارف يمسكك؟"
"مش هروح المدرسة دي تاني وهنزل العب معاك."
"بجد، طيب هستناك بقا متتأخرش، اطلع وانا رايح الشغل لو جيت بدري هبعتلك نلعب سوا، بس أنت جاي لوحدك ولا إيه؟"
"لأ مع خالتو هنا بس تقريبًا هتطلع في الأسانسير."
"طب كويس إنك قلت عشان منزلش فيه، يلا اجري."
نزل سريعًا بينما توقف زين أمام بيت جده يلهث منتظرًا أن يفتح الباب، ليدخل صارخًا: "أنا جيت."
ولكن هذه المرة وجدها، وجدها تنتظره كما كانت تفعله، لقد عاد درعه الأمن مرة أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَا شَيءٌ قَد يَفوقُ الأُم.
|مَـلَك الـوَرْدَانِـي.
ملك الورداني.