الفصل الأول
الهمسة الأولى (2)
قبل يومين...
توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام بوابة المدرسة الثانوية الداخلية، في واحدة من أرقى مناطق المدينة.
جلست سلمى في المقعد الخلفي، تحدق في المبنى الضخم من خلف زجاج السيارة. كانت بوابته الحديدية شاهقة، يحيط بها سور مرتفع، بينما ارتفع المبنى خلفها بهدوء غريب، وكأنه يراقب كل من يقترب منه.
التفتت نحو والدها.
كان منشغلًا بهاتفه، يحرك أصابعه فوق الشاشة بسرعة، وكأن العالم كله اختفى من حوله.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، تخفي خلفها الكثير من القلق.
كانت تتمنى أن ينظر إليها... ولو مرة واحدة.
أن يبتسم.
أن يربت على كتفها.
أن ينزل معها حتى باب المدرسة.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
قال دون أن يرفع عينيه عن الهاتف:
باباها: معلش يا سلمى انزلي إنتي... عندي اجتماع مهم ومش هقدر أنزل معاكي.
ارتجف صوتها وهي تجيبه.
سلمى: بس إنت وعدتني... وأنا خايفة أدخل لوحدي.
تنهد بضيق، ثم رفع رأسه أخيرًا، لكن نظرته لم تحمل أي حنان.
باباها: قولت انزلي يا سلمى... هو ده وقت دلع؟ إنتي رايحة المدرسة مش سجن... مفيش داعي للخوف ده... يلا انزلي.
كانت كلماته قاسية...
قاسية لدرجة أنها شعرت بها وكأنها صفعة على وجهها.
أخفضت رأسها، وامتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط.
فتحت باب السيارة، وترجلت بصمت، ثم أغلقت الباب خلفها.
وقفت لحظة...
كانت تنتظر أن يناديها.
أن يقول لها: "استني."
أن يغير رأيه.
لكن السيارة تحركت فورًا، واختفت في نهاية الشارع، دون أن يلتفت إليها ولو مرة واحدة.
ظلت تنظر إليها حتى اختفت تمامًا.
ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
"حتى باي... مقولهاش."
مسحت دمعة تسللت إلى خدها، وأمسكت حقيبتها بقوة، قبل أن تتجه نحو البوابة.
كلما اقتربت، ازداد شعورها بالاختناق.
رفعت رأسها نحو السماء.
كانت الغيوم السوداء تحجب الشمس بالكامل، والهواء البارد يمر بين الأشجار المحيطة بالمدرسة، فيصدر صفيرًا خافتًا، جعل جسدها يقشعر.
لا تعرف لماذا...
لكن المكان كله كان يوحي بأن شيئًا ليس على ما يرام.
وكأن المدرسة تخفي سرًا لا يريد أحد أن يعرفه.
شدت على حقيبتها أكثر، حتى ابيضت أطراف أصابعها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وعبرت البوابة.
في الداخل...
كان عشرات الطلاب يتحدثون ويضحكون، وبعضهم يركض في الساحة الواسعة.
من المفترض أن تشعر بالاطمئنان.
لكنها لم تستطع.
رغم الضوضاء...
شعرت بصمت غريب يحيط بها وحدها.
وكأن كل الأصوات أصبحت بعيدة.
بعيدة جدًا...
وفجأة...
وصل إلى أذنها صوت هامس، رقيق، لكنه كان واضحًا للغاية.
الشبح: امشي يا سلمى... ده مش مكانك... امشي قبل ما تندمي... وقتها مش هتعرفي تمشي.
توقفت مكانها فجأة.
التفتت خلفها بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
نظرت يمينًا...
ثم يسارًا...
لا شيء.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
سلمى: مين هنا؟... انتي مين؟
لم يجبها أحد.
لكن الهمسة عادت مرة أخرى...
هذه المرة أقرب.
الشبح: اهربي...
وضعت يديها على أذنيها بقوة.
سلمى: إيه ده؟... أنا أكيد بهلوس من الخوف... مفيش حد هنا.
حاولت أن تقنع نفسها بذلك، لكنها لم تكن مقتنعة.
في تلك اللحظة مرت بجوارها فتاتان تضحكان بصوت مرتفع.
إحداهما نظرت إليها باستهزاء، ثم قالت لصديقتها، متعمدة أن تسمعها:
إحدى الفتيات: دي شكلها جديدة هنا... شايفة شكلها غريب قوي؟
ضحكت الأخرى، ثم ابتعدتا.
خفضت سلمى رأسها، وبدأت تسير بسرعة، وهي تتمنى فقط أن تصل إلى فصلها دون أن يلاحظها أحد.
لكن فجأة...
شعرت بيد تمسك معصمها.
انتفضت في مكانها.
استدارت بسرعة...
لتجد فتاة جميلة الملامح، ترتسم على شفتيها ابتسامة واسعة، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا مخيفًا.
ابتسمت الفتاة أكثر، ثم اقتربت من أذنها وهمست:
سندس: أهلًا بيكي في مدرستنا... إحنا لازم نرحب بيكي ونعرفك المدرسة هنا ماشية إزاي. هستناكي في فصل تانية تالت... الحفلة هتكون هناك... أوعي تتأخري... دي هتكون على شرفك.
ابتعدت عنها، ثم أكملت طريقها وكأن شيئًا لم يحدث.
وقفت سلمى تحدق في ظهرها، وقلبها ينبض بعنف.
في اللحظة نفسها...
عاد الصوت مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
لم يكن أمامها...
ولا خلفها...
بل بدا وكأنه خرج من داخل أذنها مباشرة.
الشبح: امشي يا سلمى...
شحب وجهها، وارتعش جسدها.
همست لنفسها وهي تنظر حولها في ذعر:
سلمى: أنا... أنا مش هقدر أكمل هنا... لازم أمشي... لازم أمشي من هنا بسرعة.
وبينما كانت تتراجع بخطوات بطيئة، شعرت فجأة بأنفاس باردة تلامس جانب وجهها.
تجمدت...
ولم تجرؤ حتى على الالتفات.
يتبع... 👻💙
الكاتبه مروه محمد عل