⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
في قاعة القصر الكبيرة... حيث تُقام الحفلات ويُنفِّس الناس عن أنفسهم من ضغط الحرب.
وحيث كانوا يحتفلون بانتصارهم في المعركة السابقة، لينسوا جميع أحزانهم وهمومهم جانبًا، ويستمتعوا بوقتهم قليلًا قبل أن يعودوا لجديتهم.
وبينما كانت الفارسة لاكريسا تتكئ على إحدى الطاولات، تشاهد مجريات الحفل المملّة بالنسبة لها...
تزييع كؤوس، ضحكات مزيفة، نظرات تافهة، وكلام أتفه، والكثير من الأشياء التي تكرهها في كل حفل، وككل حفل.
كانت القاعة واسعة وذات سقف مرتفع، طاولات الطعام تنتشر على جوانبها، والعديد من الخدم والخادمات يوزّعون الشراب على الضيوف.
صحيح أن والدها أجبرها على المجيء إلى هذه الحفلة، لكن بالطبع لن يستطيع أن يُجبرها على ارتداء الفستان.
هذا مستحيل.
أقصد... على الأقل ليس من أجل حفل فقط...
هي لا تتذكر متى آخر مرة ارتدت فيها فستانًا، لكنها تتذكر حينها أن الجميع مدحها ومدح جمالها، ومن أسوأ الأمور التي حدثت أن الكثير من الرجال طلبوا الرقص معها، بينما كانت باقي الفتيات ينظرن إليها بحقد، وكيف أنها ترفض كل من طلب منها الرقص، وهنّ يتمنين أن ينظر إليهن أحد.
انتهى الأمر بها وهي تمزّق فستانها لتخرج مع أصدقائها لامتطاء الخيل بعد منتصف الليل، ولولا أصدقاؤها - الذين كلهم أولاد - لما استطاعت الهروب من ذلك الحفل ومن نظرات والدها لها.
ومن بعدها لم ترتدِ الفستين أبدًا، فقط تحتفظ به في خزانتها، ولا تعلم لماذا تفعل ذلك.
كانت ترتدي ملابس تشبه ملابس أمها؛ فأمها كانت قرصانة، وأحبّت ملابسها المريحة التي تسمح لها بفعل الكثير من الأشياء، الجيدة منها والسيئة.
لطالما أحبت أمها وأحبت تقليدها في كل شيء، فقط لو لازالت حية لكانت فخورة بنسختها المصغّرة الآن.
وقعت عيناها على آنستين من نبلاء المملكة، كانتا الاثنتان تنظران إليها باحتقار، وكأنها أفسدت لهما زرًا من أحد أزرار فساتينهما الفاخرة.
لكنها لم تهتم.
لأنهن يفعلن ذلك بسبب ملابسها، لا ملابسهن.
لقد تحصّلت على مناعة من تلك النظرات بالفعل،
حتى لو كانت الوحيدة.
قلبت لاكريسا عينيها عنهما.
فوقعت عيناها على والدها، والذي كان يحادث أحدًا لا تعرفه، ولا تعرف مكانته، ولا تريد أن تعرف، ولكن وقفته وملابسه تدل على أن له شأنًا بالأمور الحربية.
يبدو أنه أفضل شخص يحادثه والدها هذه الليلة بالنسبة لها؛
فهو على الأقل لا يمشّط شعره كل دقيقة، ولا يبتسم لكل فتاة تمر بجانبه، ولا يتغزّل في إحداهن، ولا يفعل العديد من الأشياء المقزّزة.
وهذا ما لاحظته في أغلب الموجودين هنا.
وبالطبع لن تتظاهر هذه المرة بأنها لا ترى والدها، كي لا يناديها ويعرّفها عليه.
فيبدو أنه يستحق فرصة لإلقاء نظرة قريبة أفضل.
×________×
كان يتحدث مع دوق من المملكة المجاورة لهم، وكانا يتحدثان عن صناعة السيوف من نوع جديد من المعدن؛ نوع يمكنه أن يكون أكثر صلابة وأشد حدّة.
لكنه لاحظ شيئًا مريبًا.
أن أغطية طاولات الطعام كانت حوافها من الأسفل محترقة، بالإضافة إلى أنه لاحظ قبل مدة أن حواف بعض الأواني محترقة بشكل غريب.
وبما أن الأمر متعلق بالاحتراق، فلن يتعب عقله بالتفكير في المسبّب.
فقط أعاد تركيزه مع الدوق نوفار الذي أمامه، والذي يتحدث عن شيء أهم من ذلك المزعج وصديقه، والذي سيتفرغ له بعد الحفلة.
فعاد للتحدث مع الدوق نوفار أمامه، قائلًا:
"أظن أنني أعرف شخصًا بارعًا في السيوف ويحب التعلّم عنها "
بدا على الدوق الاهتمام بذلك، فرد عليه وهو يضع يديه في جيوب سترته، ويرفع حاجبه باستفسار:
"حقًا؟ من هو؟ أقصد، سأسرّ كثيرًا بالتعرّف عليه".
ابتسم له الجنرال أستريان، ورفع يده يشير للدوق لينظر وراءه:
"ولي الشرف بأن أعرّفك على ابنتي لاكريسا إيلدار... أول فارسة في مملكتنا والوحيدة. لا يغرك أنها فتاة؛ فهي شاركت في العديد من المعارك".
عندما التفت الدوق نوفار لينظر إلى ما يشير إليه الجنرال، وجد فتاة تتكئ على طاولة، ترتدي ملابس مخالفة لباقي الفتيات هنا، ولها نظرة مميزة عن غيرها.
وجد فارسة.
في البداية اتسعت عيناه بمزيج من الصدمة والإعجاب، ثم ابتسم برضا؛ فمظهرها يوحي بما قاله الجنرال أستريان، وأنه يمكن الاعتماد على رأيها.
فأشار لها الجنرال أستريان لتقترب.
فعلت لاكريسا ذلك وهي تحاول أن تسيطر على ابتسامتها؛ لأن خطتها نجحت... نوعًا ما.
وعند وصولها بدأ والدها بتقديمها للدوق، قائلًا:
"الدوق نوفار، هذه ابنتي لاكريسا إيلدار... ابنتي، هذا الدوق نوفار".
كان الدوق أول من صدرت منه ردة فعل، فسحب يده من جيبه ومدّها أمامه قائلًا لها:
"مرحبًا آنسة إيلدار، سررت بالتعرّف عليك، أم أناديك أيتها الفارسة الجميلة؟"
كان يبتسم لها... هذه أول نقطة تم سحبها منه.
ولكنها سارعت بإمساك يده لمصافحته، ثم قالت - دون أن تبتسم له -:
"وأنا أيضًا سررت بلقائك أيها الدوق، ويفضّل مناداتي بالآنسة إيلدار طالما لسنا في ساحة المعركة".
هي لم تُسرّ بلقائه، لكن عليها مجاملته، لأنها هي من جلبت لنفسها هذا العناء.
لقد بدأت تندب سوء اختيارها؛ فهي لن تحاول الاختيار المرة القادمة.
فزادت ابتسامة ذلك الدوق، والتفت للجنرال أستريان قائلًا:
"يبدو أن ابنتك مميزة. فرغم أنني زرت العديد من الممالك وتعرّفت على العديد من الفتيات وعاشرتهن، إلا أنني لم أجد مثل ابنتك. إنها فريدة"
لقد تم سحب كل نقاطه.
تعرّف وعاشر العديد من الفتيات؟!
ما هذا؟
ظنت أنه يهتم بالقتال والمعارك أكثر من الفتيات.
لكن يبدو أنه كان مشغولًا بالفتيات ومعاشرتهن أكثر من اهتمامه بالقتال.
الأمر أصبح أسوأ.
نزعت لاكريسا يدها من يده عندما لاحظت أنه لا ينوي فعل ذلك.
وبدأت في البحث عن حل للهروب السريع من هذا المستنقع الذي يقف بجانب والدها.
حقًا، لا تعرف كيف لوالدها أن يجامل رجالًا كهؤلاء.
هذا مقزز.
لكن شدّ سمعها قول ذلك الدوق لوالدها:
"يسرني أن تسافر إلى بلدتنا، سأعرّفك على العديد من خبراء المعادن، وسأريك بعض القطع الفريدة من السيوف المتينة، ولنـ..."
وأخيرًا، هناك شيء جيد من هذا الرجل.
سفر...
وسيوف.
لم تعد نادمة الآن على اقترابها منه - جزئيًا - فعلى الأقل استفادت شيئًا منه.
فنقلت نظرها إلى والدها بابتسامة يعرف مغزاها.
و عندما تلاقت عينا والدها معها، تنهد و عرف أنه وقع في ورطة، فسارع بالإمساك بيد ذلك الدوق ويقوده ليعرّفه على شخص آخر هربًا منها.
تبًا... والدها يسيء الظن بها.
هي لم تكن لتفعل شيئًا جنونيًا لو رفض ما تخطط له... ربما ستفعل شيئًا، لكن نوعًا ما ليس جنونيًا جدًا.
وبعد رحيلهما، تنهدت لاكريسا وعادت لمللها في هذا الحفل الممل.
نقلت عينيها على الوجوه في القاعة؛ هناك من يضحك، وهناك من يغازل، وهناك من يبحث عن فتاة ليرافقها، وهناك من يحتاج مساعدتها!
وقعت عيناها على الأمير وهو يجامل ابنة أحد النبلاء ويحاول ألا يجرحها، وهي تحاول الاقتراب منه.
وعندما تلاقت أعينهما، علمت فورًا أنه عليها التدخل؛ فصديقها يحتاجها.
اقتربت منهم بابتسامة مستمتعة...
وأخيرًا وجدت شيئًا يسلّيها في هذا الحفل.
×_____×
دخلت ليثيا قاعة الحفل الكبيرة وهي تحمل صينية عليها كؤوس من الشراب.
كانت الصينية تهتز بهزات خفيفة، بينما هي تقف في مدخل القاعة متجمّدة في نفس المكان لثوانٍ.
لم تكن مهمتها توزيع الكؤوس على الضيوف؛ فهي تنظّف فقط، لكنها تجرّأت وأخذت صينية من خادمة التقتها في الممر صدفة، وأخبرتها أن السيدة فاليريا تنتظرها في المغسلة.
هي لم تخبرها السيدة فاليريا بذلك، ولا تعلم إن كانت حقًا في المغسلة أم لا، وتتمنى الآن أن تكون تلك الخادمة غبية بما يكفي لتنسى الأمر وتعود لعملها دون أسئلة.
رفعت عينيها ببطء إلى الساعة الكبيرة المعلّقة في منتصف الجدار.
تيك توك... تيك توك
الثواني تتحرك، وهي لا.
الوقت ليس في صالحها، لكن الأمر أصعب مما يمكن تخيّله.
تيك توك... تيك توك...
ضرب في عقلها الكلام الذي سمعته في المكتبة، والذي كان أسوأ من أسوأ شيء حصل لها في حياتها.
تيك... توك...
تيك... توك...
"على تمام الساعة الحادية عشرة وست ثوانٍ".
تيك... توك...
"سيتم إطلاق سهم ليصيب قلب الأمير مباشرة، وفي نفس اللحظة ستُطفأ جميع الأنوار في القاعة، لنمتلك الوقت الكافي لإخفاء الآثار".
تيك... توك...
تيك... توك...
بدأت تكره فضولها أكثر من قبل؛ فلو لم تدخل المكتبة، لما سمعت ذلك الكلام، ولما كانت الآن هنا.
تيك... توك...
تيك... توك...
لماذا من المفترض أن تُوضع هي في هذا الموقف البشع؟
قرار أصعب من مفارقة الحياة.
هذا إن عاشت بعد كل هذا، لماذا على ضميرها أن يستيقظ؟
لماذا عليها التضحية بنفسها من أجل أمير مملكتها؟
تيك... توك...
تيك... توك...
والآن هي أمام خيارين مصيريين:
إما حياتها، أو حياة أميرها.
وفي كل الخيارات، إن مرت تلك الثواني وانقضت، فلن يعود أي شيء إلى ما كان.
تيك... توك...
تيك... توك...
الصينية في يدها بدأت بالاهتزاز أكثر مع كل دقة لعقرب الثواني.
وكل خياراتها خاسرة؛ فقط عليها اختيار الخسارة الأفضل والأقل.
تيك... توك...
تيك... توك...
كل ثانية تمر كانت تنزف من عقلها أطنانًا من الإدراك، ومن شدة تصلّبها في مكانها لم تشعر بالتعرق النازل من يديها.
تيك... توك...
تيك... توك...
الأمير مستمتع بوقته وهو يتحدث مع النبيل إيلمار والفارسة لاكريسا، وانضمت لهم الأميرة نريسينا.
الكل يتحرك هنا ويتحدث هناك... إلا هي، متجمّدة في مكانها.
تيك... توك...
تيك... توك...
لا أحد لاحظ تصلّبها في مكانها؛ لأن الوقت لديها مغاير لوقتهم، فالوقت يتمطّط ببطء ويتمدد بسرعة في نفس اللحظة.
تيك... توك...
تيك... توك...
وعقلها، رغم كل الوقت الذي حصل عليه ليفكر، إلا أنه انسحب في هذه اللحظة الحرجة، تاركًا ليثيا واقفة وحدها تواجه هجوم الأقدار.
تيك... توك...
تيك... توك...
وما إن انسحب عقلها من ساحة الحرب، حتى استولى قلبها على القيادة.
وبدأ في تحريكها لا إراديًا، ناسية كل شيء، صمّاء لكل الأصوات، وعمياء لكل الأشياء... إلا شيئًا واحدًا:
الأمير ميغال مورفين.
تيك توكــــ...
وقعت تلك الخادمة على ذلك الأمير.
في الثانية الأخيرة.
قلبت كل الصينية التي تحتوي على الكؤوس الزجاجية الفاخرة على صدر الأمير.
فسقط الأمير إلى الخلف.
تيك توكــــ...
وأُطلق السهم.
تيك توكـــ...
وانطفأت الأنوار.
تيك توكـــ...
وانتشرت الدماء.
تيك توكـــ...
وعمّت الفوضى.
تيك توكــــ...
ليبقى آخر منظر رآه الناس...
خادمة أسقطت صينية كؤوس على أمير المملكة.
تـــيـــــك... انــتــهــت.
⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
Talynor