{ 3 }
《 شياطين بأوجه ملائكة. 》
هناك ألم ما يجري في جسدي بقوة، خصوصًا في رأسي ويداي والجزء السفلي من جسدي. فحاولت أن أفتح مقلة عيني، ولكنها أبت، فحاولت مرارًا وتكرارًا حتى انفتحت بصعوبة. فتفحصت الغرفة، والتي هي باللون الأزرق، وأظنها غرفة في مستشفى، وهذا ما أكدته لي الأجهزة والمحاليل الكثيرة المتصلة بجسدي. فحاولت أن أُصدر صوتًا أو أقول شيئًا، ولكن يبدو أن صوتي قبع وعاد مرة أخرى بداخلي وعاد للاختفاء. فحاولت أن أحرّك يدي أو قدمي، ولكن لم يكن شيءٌ بهما يستجيب أو يتحرك…
- المريض فاق، المريض فاق… قالتها الممرضة وهي تقتحم غرفتي، وعندما رأتني خرجت للخارج سريعًا.
- حمد الله على سلامتك يا بطل… قالها دكتور مروان الشناوي، كما هو مكتوب على بطاقة التعريف المعلقة على بالطو الأبيض الخاص به. قالها بوجه بشوش، ذلك الذي في العقد الرابع أو الخامس من الثلاثينات، طويل القامة، وجسده نحيف، وجهه مستدير، ملامحه هادئة، لديه عينان سوداوان وشعره ناعم كثيف، ولديه لحية خفيفة تعطي له منظرًا مميزًا.
- لا ترهق نفسك بالتفكير كثيرًا، فما زالت صحتك لم تتحسن بشكل تام، وأنا سأخبرك بكل شيء، قالها ثم تنهد وقال:
أخبرني والدك بأنك أثناء نزولك من على الدرج تصادمت قدماك ببعضهما ووقعت، ليأتي بك في هلع إلى هنا على الفور…
وعندما انتهى من كلمته، أخذت أنظر إلى مرتضى عاشور الذي كان يقف بثقة، وكأنه لم يرتكب شيئًا، ذلك الشيطان الذي قام بتزييف الحقيقة وهو يرتدي وجه ملائكة.
- لا تُجهد نفسك في التفكير، ما زلنا نجري التحاليل والفحوصات، ولا تقلق ستكون بخير… قالها مروان الشناوي عندما وجدني أنظر إلى يدي وقدمي التي لا تتحرك، قبل أن يغادر ويغادر معه مرتضى، الذي رمقني بنظرة لم أفهمها، أكانت نظرة انتصار أم نظرة شماتة؟ على كل حال هي نظرة حقيرة.
ثم أتت بعدها أمي، التي دخلت من الباب مهرولة إليّ لكي تحتضنني وهي تبكي بغزارة، بينما أنا تعلقت أنظاري عند نجلاء السعدي التي كانت تبكي بحرقة، لا أعرف عليّ أم خوفًا مني بعد الجُرم التي ارتكبته. حتمًا هي الآن من أخبرت مرتضى بعلاقتي بمنار، تلك الحية المخادعة المتزوجة والتي تخون زوجها عبد المنعم فؤاد الذي يعمل بالخارج مع مرتضى. يا لها من حقيرة وضيعة.
- كتر خيرها مدرستك نجلاء السعدي كانت بتمشي بالصدفة في الشارع، ولما شافتك وشافت حالتك أصرت إنها تيجي معانا… قالتها أمي الطيبة النية المخدوعة من الجميع.
حمد الله على سلامتك يا ثائر… قالها عمي مصطفى عاشور، ذلك الرجل الذي يختلف عن مرتضى في كل شيء، وإذا كنت لا تعرفهما حتمًا ستقول إنهما ليسا أخوين. وكان عمي مصطفى يصغر مرتضى بعامين، ولكنه طيب القلب وحنون، وجهه سمح، ذو جسد عريض وطويل القامة، وجهه ممتلئ، لديه كرش صغير، عيناه خضراوان، وشعره الذي اختلط به الأبيض مع الأسود، وفوق كل هذا لم أره يومًا يضرب ياسر أو يعاقبه أو يهينه بأي شكل من الأشكال.
أتذكر أنه أخبرني مرة عندما سألته في أحد التجمعات العائلية:
- ليه أنت ومرتضى مختلفين كل هذا الاختلاف عن بعضكم رغم أنكم ترعرعتم في نفس الأسرة؟
تنهد ثم قال:
- لقد كان والدنا عاشور عنيفًا للغاية، عصبيًا وشديدًا، وطبائعه لا يمكنك التعايش معها. كان يقسو كثيرًا على مرتضى في صغره ويضربه على الكبيرة والصغيرة، وكان يهينه ويعذبه لكي يصبح رجلًا، وقد كانت مفاهيمه عن الرجولة والمسؤولية خاطئة. وقد شعر مرتضى بفارق في المعاملة التي يعاملني بها والدنا عن تلك المعاملة القاسية التي يتعامل بها معه، وقد صارحني مرتضى بذلك. وكانت ستصبح تلك شرارة عداوة وغل وغيرة بيننا سوف تستمر مدى الحياة، لذلك قررت التخلص منها، فبدأت في ارتكاب الكثير من الأخطاء عمدًا ودون عمد حتى انضممت إليه في حصص الضرب والإهانة والتعذيب، ولكنني أخذت عهدًا على نفسي ألا أصبح مثل والدي مهما حدث، وهذا ما لم يستطع مرتضى تفاديه، فقد أصبح شخصًا أسوأ من والدي، وأتمنى حقًا أن تتفادى ذلك عندما تكبر، ولا تعيد زرع شخصية عاشور الكبير مرة أخرى.
أعادني من شرودي دخول دكتور مروان الشناوي في ذعر، وهو ممسك بعدد من الأوراق وخلفه مرتضى، ووجوههم لا تبشر بخير…
- حاسس بحاجة هنا؟… قالها مروان الشناوي وهو يطرق بشاكوش صغير على قدمي، ولكنني لم أتألم ولم أشعر بشيء. ثم أخذ يعيد الكرة مرة أخرى، ولكن قدمي ما زالت لا تستجيب. وأخذ يعيد الكرة مرارًا وتكرارًا، وذلك مع يدي أيضًا التي رفضت أن تستجيب مثل قدمي.
- أنا عارف إنك بطل ولسه صغير، وده قضاء ربنا… قالها مروان بعدما أخبر مرتضى بشيء لم أسمعه، ثم عاد ليحدثني:
- لقد أُصبت بشلل كلي…
قالها بعدما أخذت أنظر له في جمود للحظات مطولة، ليتبعها صرخات والدتي المدوية، والتي أخذت تبكي بشدة، واعتلى وجه الجميع الحزن والصدمة.
- بمكانك مع العلاج والتأهيل أن تعود أحسن من الأول، ولكن يجب أن تكون لديك ثقة في الله وثقة في نفسك إنك قادر على فعل ذلك… قالها مروان بأسى وحزن قبل أن يغادر، ليتركني في دوامة لا أستطيع الخروج منها. ما زلت لا أفهم شيئًا، كيف ولماذا؟ ما زلت في ريعان شبابي، سوف أصبح الآن جثة هامدة على قيد الحياة…
- سوف تتمنى الموت ولن تحصل عليه… قالها مرتضى وهو يهمس في أذني بعدما غادرت أمي مع عمي ونجلاء بعدما أصابتها حالة من الانهيار. ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامة مستفزة وينظر لي بغل:
- سوف تتمنى أن أقتلك ولن أقتلك، لكي تظل تتعذب بذلك العذاب وذلك الألم الذي لن تستطيع التخلص منه أبدًا. وأما بخصوص نجلاء، فهي سوف تصبح زوجة والدك عما قريب، وأعدك أن أجعلها قاسية عليك…
أنهى كلماته وسمومه ثم غادر، لتسيل من عيني دمعة تبعها سيل من الدموع لقسوة ما يحدث معي وما آلت إليه الظروف.
وصلتُ إلى المنزل وأمي تدفع الكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، والذي سوف يلزمني لفترة طويلة أو لمدى الحياة، وكأن الجميع وجوههم مقتضبة وعكرة وحزينة، حتى مرتضى الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته.عندما دخلنا إلى المنزل حملني عمي وأدخلني إلى غرفتي، قام بوضع جسدي على السرير وغطّاني باللحاف، وقبّل رأسي وغادر، وقد سمعتُ مرتضى يسأله بصوته الجهوري:
- متى سيعود العرسان من شهر العسل؟.
- سيعودون بعد بضعة أيام... قالها عمي قبل أن يغادر.
بينما أنا أخذت أفكر بهم، وأنا طريح الفراش عاجز عن الحركة، وحيد مكتئب، يملؤني الحزن، هناك ياسر يلهو ويداعب حبيبتي منار، يا لَني من تعيس. فأغلقتُ عيني وتمنيتُ ألّا أستيقظ من نومي مجددًا.
وقد كانت الأيام التالية سيئة ومزرية للغاية، بحدٍّ لا يمكن وصفه، فليس هناك أسوأ من شعور العجز؛ بأنك لا تستطيع الحركة لشرب الماء أو لقضاء الحاجة أو لفعل أي شيء مهما كان بسيطًا بمفردك. وقد كانت أمي تأتي لتساعدني في كل ذلك، وخلال تلك الأيام ازداد اكتئابي وحزني وألمي وكرهي للحياة، وخصوصًا عندما حاولت الانتحار ولم أنجح في ذلك، لأن العجز قيّدني ومنعني من فعل أي شيء، حتى الانتحار منعني عنه. أصبحتُ أشبه بشجرة مقطوعة الجذوع والأطراف.
- جِتّلك عشان أخرجك، أكيد يعني مش محبة، إحنا دلوقتي ما بينا مصانع الحداد ، أمك اللي طلبت مني ده... قالها ياسر بعدما عاد من شهر العسل، وهو يحملني ليضعني على الكرسي المتحرك ويُلبسني سترتي استعدادًا للخروج.
كان وجهه ينير ومشرقًا وممتلئًا بالحيوية، وكأنه يمتلك جناحين سيطير بهما من فرط السعادة، والابتسامة تملأ وجهه ببشاشة. أخذني لنذهب للقاء الأصدقاء على القهوة من قبيل تغيير الجو، ولكن لم يكن الأمر سوى أنه ازداد سوءًا بسبب نظرات الشفقة التي كان ينظرها لي الجميع، بقصدهم أو غير قصدهم، وبين أحاديث ياسر عن شهر العسل مع الكثير من الضحكات والغمزات التي كانت تستفزني كثيرًا. وكان ينتهي بي المطاف أن أعود إلى غرفتي، أجلس على سريري، أحتضن آلامي وأحزاني، وأبكي بشدة حتى تنتفخ عيناي وتتعبان من فرط البكاء، وأنام بشكل تلقائي.
- دعني أزيل عنك عناء التفكير كثيرًا دون أن تُلقي إجابة... قالها ياسر بعدما ذهبنا إلى القهوة في أحد الأيام، ولم يأتِ كلٌّ من حسام وأحمد شبل، ليجلس هو أمامي، وأظل أرمقه بالكثير من النظرات، وعيناي تطرحان الكثير من التساؤلات.
- بالنسبة لي، أنت لا تستحق منار بكل جمالها وروعتها ورونقها بكل ما بها. وقل لي، لمَ تتزوج منار، أجمل فتيات القرية، أو أجملهن، من شخص مثلك وتعيش معه في الكثير من العناء والبؤس والشقاء بسبب الصراعات الطاحنة بينك وبين والدك؟ ولكنني لم أُفصح بكل ذلك، ولم أفضح بأنني أستحقها، حتى عرض عمي مرتضى عليَّ الأمر، وكنت سأصبح ساذجًا إن رفضت عرضه ذاك، وأنا تلك الفرصة كنت أتمناها. وعندما أتت اقتنصتها أشد اقتناص.
وأما بخصوص منار، ورغم أنني أعلم أنها تحبك، ولكنني سأجعلها تنسى ذلك الأمر، وسأجعلها تحبني أنا، ومن يستطيع ألّا يحبني وأنا خالٍ من العيوب، وليس مثلك... قالها ياسر بسخرية وهو يشرب فنجان قهوته.
هون على نفسك، لن يفيدك الغليان الذي يظهر على وجهك هذا، والبركان الذي بداخلك، شيء سوى أنه سيزيدك مرضًا وألمًا. ألا يكفيك أنك عاجز؟... قالها ياسر مرة أخرى بسخرية، وأخذ يقهقه.
بينما أنا ظللت أغلي وأفور، وعروق جسدي مشدودة من كثرة الغضب، ولكنني لم أستطع فعل شيء.
وبعد تلك الليلة رفضت الخروج مرة أخرى مع ياسر، أو الخروج من المنزل بشكل عام. وقد كانت الأيام المتتالية مزرية للغاية، فأحزاني تتزايد، وآلامي تتزايد، وكذلك اكتئابي ودموعي، وحالتي تزداد من سيئ إلى أسوأ.
- لو فضلت كده، عمرك ما هتتحسن أبدًا... قالها مروان الشناوي عندما وجد نفسيتي في الحضيض، وجسدي يرفض التأهيل، والأمور كلها سيئة.
ومع مرور ما يقرب من سنة، وأنا ما زلت كما أنا، جليس الكرسي المتحرك، طريح الفراش، لا يوجد أي تقدم في أي شيء. وأمي قد أصابها التعب والإجهاد الشديد، خصوصًا مع تقدمها في العمر، لم تعد تستطيع مساعدتي بشكل كافٍ.
إيه رأيك إننا نجوزه لواحدة تراعيه، زوجته تهتم بأمره؟ فأنا لم تعد تسعفني صحتي على مساعدته... قالتها أمي بحزن وأسى شديد، ونحن جالسون على السفرة، وهي تجلس بجواري تطعمني مثل الأطفال.
- ومين دي اللي هترضى بحالته دي؟ ابنك عاجز يا زينب، لا ينفع في طبلة ولا زمار... قالها مرتضى بقسوته المعتادة، غير مهتم بأنني أجلس أمامهم.
- منة عبد التواب... قالتها أمي.
- عبد التواب الفوعلي؟ عاوزاني أجوز ابني لبنت فوعلي؟ مش البنت دي برده بتشتغل خادمة في البيوت؟... قالها مرتضى بتهكم وسخرية وانزعاج.
- ماشي يا زينب، عشان خطرك، هبقى أشوف الموضوع ده... قالها مرتضى بزهق، بعدما أخذت أمي تنظر إليه مطولًا، وعيناها تقولان:
- هل لديك حل آخر؟
بينما أنا قد صعبت عليَّ نفسي، لكنني أخفيت ذلك أمامهم. صعبت عليَّ نفسي لأنني أصبحت عبئًا وحِملًا على الجميع، حتى عائلتي.
Ahmed Mahros