ضربة قاضية

ضربة قاضية

10 0

{ 2 }

《 الضربة القاضية 》

في سن السابعة عشرة بدأت أتحرر قليلًا من بعض القيود، لكن ذلك لم يكن مطلقًا، بل مشروطًا بأن أظل دائمًا تحت ولاية وإشراف ياسر. كان هذا شرط مرتضى ليجعلني أخرج، وأكوّن علاقات وصداقات، وأرى الدنيا، وأرى العالم، وأرى الناس. كان ياسر صديقي الوحيد، لم أختره بإرادتي الكاملة، بل فرضته عليّ الظروف واختاره لي مرتضى، ومع ذلك كان نعمة حقيقية في حياتي. كان شابًا وسيمًا، حسن المظهر، طويل القامة، مهذب الطباع، ملامحه جميلة، عيناه خضراوان، جسده رياضي، أنيق في ملابسه، وشعره مهندم مصفف إلى الجانب، وكأنه خُلق ليكون مثاليًا في كل شيء.

في ذلك العمر تعرّفت على الجلوس في قهوة الحرافيش، برفقة حسام النجار طويل القامة رفيع الجسد، وأحمد شبل ضخم الجسد قصير القامة. كان ياسر يتولى تفسير كلامي لهم، فقد تعلّم لغة الإشارة خصيصًا من أجلي، ليمنحني القدرة على التواصل مع الناس دون أن أشعر بالعجز أو النقص. وعندما التحقت بالمدرسة الثانوية في مدرسة منيل هوشات المشتركة، التقيت بأول حب في حياتي… منار الشافعي.

لم تكن منار فتاة عادية، بل كانت أشبه بملاك لا يحتاج إلى جناحين، تطير وحدها وهي تمشي. إن مرّت أمامك، خطفت أنظارك لا بجسدها ولا بملابسها، بل بجمالها الهادئ وأدبها وأخلاقها. كانت عيناها زرقاوين كعيون الحور، وملامح وجهها تحمل بريقًا خاصًا، وبشرتها فاتحة، وخدّاها مورّدتان بنعومة، وكل شيء فيها كان جميلًا إلى حد يجعل القلب يطمئن قبل أن ينبض. تمنيت كثيرًا أن أحدّثها، وظللت ليالي طويلة أتخيل تلك اللحظة.

وجاءت الصدفة أخيرًا. في أحد الأيام قامت المدرسة نجلاء السعدي، أستاذة اللغة الإنجليزية، بتأخيرنا لاختيار المشاركين في الحفل القادم. وعندما خرجنا من المدرسة كان الجميع قد غادر، وكانت منار تمشي أمامي بخطوات سريعة حتى توقفت فجأة حين رأت مجموعة من الكلاب الضالة تقطع الطريق. تراجعت بخوف، ورأيت في عينيها ترددًا وقلقًا. شعرت أن هذه فرصتي، رغم خوفي الشديد من الكلاب، لكنني قلت لنفسي إنهم لن يكونوا أكثر شراسة من مرتضى عاشور، الذئب الأكبر.

اقتربت منها، وأشرت بيدي، ثم مددت كفي لها. ترددت قليلًا، ثم أمسكت بيدي بقوة. سرنا معًا بين الكلاب التي بدأت تفسح لنا الطريق بشكل غريب، تنبح وكأنها تبارك تلك اللحظة. وبعد أن تجاوزناهم، سحبت يدها سريعًا وضمّتها إلى صدرها، واحمرّت وجنتاها بخجل واضح. أخرجت كراستي بسرعة لأكتب لها، لكنها أشارت لي مبتسمة أنها تجيد لغة الإشارة، لأنها اضطرت لتعلمها بسبب شقيقها الصغير الأخرس. في تلك اللحظة شعرت أن الله يعوضني عن كل ما فقدته.

أشرت لها وأنا أبتسم ابتسامة صادقة :

- بأنني كنت أحلم كثيرًا بهذه المحادثة، وأنني سعيد ومحظوظ لأنني أتحدث وأتمشى مع أجمل ما رأت عيني يومًا.

ابتسمت بخجل وقالت :

- إنها منذ سباق الخيل وما فعلته يومها، وما ظهر من أخلاقي، وهي تتطلع للحظة التي تتعرف فيها عليّ، وها قد جاءت.

- أخبرتها بصدق أنني لا أبالغ حين أقول إنها أجمل فتيات القرية، فحاولت نفي ذلك بخجل قائلة إنها مجرد فتاة عادية، لكنني أكدت لها أنها تشبه الشمس في الصباح والقمر في الليل، وأنني أشعر وكأنني أتمشى مع حور عين في روضة من رياض الجنة. ازداد خجلها، فابتعدت مسرعة، وتركت قلبي خلفها.

منذ تلك اللحظة بدأت لقاءاتنا تكثر سرًا أسفل شجرة التوت في جنينة النشردي، خوفًا من مجتمع جاهل لا يرحم، ومن ألسنة لا تكف عن النميمة، حتى عن من لا يغادر بيته. مع منار بدأت حياتي تتغير تدريجيًا نحو الأفضل، كنت أشعر أنني شخص آخر، شخص لم أعهده من قبل. معها وجدت النور، وكأن يديها تحملان ضوءًا يبدد الظلام داخلي شيئًا فشيئًا. رأيت الدنيا بلون آخر غير الأحمر لون الدم، وغير الأسود لون حياتي السابقة، ومعها بدأت حياتي تتجمل.

لكن الأمور لم تسر طويلًا على هذا النحو. في أحد الأيام عدت إلى المنزل فوجدت أمي جالسة بلا ابتسامتها المعتادة، ويجلس بجوارها مرتضى يعقد يديه ووجهه عابس بشكل مخيف. أدركت أن شيئًا ليس بخير. سألني بهدوء غير معتاد :

- عما بيني وبين بنت الشافعي،

- فكتبت مرتبكًا أننا مجرد أصدقاء، لكنه طالبني بالحقيقة.

كتبت له وأنا أرتجف :

- أنني أحبها. ضحك ضحكة مستفزة وقال لأمي إن ابنها كبر وأحب، ولم يجد إلا بنت منصور الشافعي، ثم عرض عليّ شرطه القاسي :

-أن أكون الأول على مستوى محافظة الغربية، وأن أدخل كلية الطب البشري، وحينها سيزوجها لي. كنت أعلم مدى صعوبة التحدي، لكنني وجدت نفسي أبتسم وأهز رأسي موافقًا.

في غرفتي كان سؤالان يمزقان تفكيري:

- كيف عرف مرتضى بأمري، وهل كان ياسر السبب؟ واجهت ياسر، فأنكر الأمر بشدة وأقسم أنه لم يفعل، وأخبرني أنه لو أراد إيذائي لقال لمرتضى أشياء كثيرة يخفيها عنه. بدت كلماته منطقية، فاعتذرت له، فقال لي إنه الأخ الذي لم تلده أمي. وفي اليوم نفسه أخبرت منار بكل شيء، فانزعجت في البداية لأنها أصبحت رهينة تحدٍ قاسٍ، لكنها فهمت أن الأمر ليس رهانًا بل اختبارًا مستحيلًا. حذرتني من إرهاق نفسي، لكنني أكدت لها أنني مستعد للتضحية بأي شيء من أجلها. احتضنتني يومها وهي تبكي، وشعرت أن ذلك الحضن وحده كفيل بأن يجعلني أواجه العالم بأكمله.

●●●●●

وقد مرّت الأيام وأتت السنة القادمة، ومع مطلع الصف الثالث الثانوي تفاجأ الجميع، فقد تغيّر مستواي الدراسي بشكل مرعب ومخيف. نعم، كنت في السابق شاطرًا، ولكنني أصبحت الآن من المتفوقين والمتميزين للغاية في جميع المواد، وكان هذا بشهادة جميع المدرسين والمدرسات، فلم يكن يُجرى أي امتحان أو اختبار إلا وكنت أحصد العلامة النهائية. وقد صاحبني في تلك الفترة الأرق والقهوة، فقد كنت أنام ساعات قليلة للغاية خلال اليوم، وأحيانًا كنت أتخلى عن النوم وأشرب الكثير من فناجين القهوة حتى أظل يقظًا أدرس وأُنهك وأُرهق نفسي ليلًا ونهارًا بين الدروس والكتب والملزمات والاختبارات. وبين كل هذا الضغط والإرهاق كنت أخصص كل يوم وقتًا لمقابلة منار، وفي ذلك الوقت أشعر بالسعادة وراحة كبيرة، وأنني أتحرر من كل شيء بمجرد الجلوس معها. وكانت تحفزني معنويًا كثيرًا بالكلمات وبالأفعال، حتى إن كل ذلك كان يعطيني دفعة كبيرة ويزيد من عزيمتي ونشاطي لأعود لالتهام الكتب. وقد شهدت الأيام تطورًا كبيرًا في علاقتي أنا ومنار، وزمنها تطورًا كبيرًا في التفوق الدراسي الذي يزداد نجاحًا وتفوقًا.

ثم أتى اليوم الذي كنا نجلس فيه في مطعم بعد خروجنا من أحد الدروس في طنطا، وفي وسط حديثنا الذي بلغة الإشارة كما المعتاد…

- بحبك… قلتها ليست مكتوبة ولا بلغة الإشارة، بل بصوتي، ولكنه كان متقطعًا.

- اهدي بس… قلتها عندما قامت منار من على كرسيها لتحتضنني، وعيونها تلمع وتدمع.

- وأنا كمان بحبك… قالتها وعيونها تدمع وهي تبتسم بخجل.

- أوعدك في مثل هذا الوقت في السنة القادمة أننا نكون معًا في منزلنا وأنتِ بين أحضاني… قلتها وأنا أمسك بيديها بكل حب ورومانسية.

- وأنا أثق بك وأنتظر ذلك اليوم بشوق كبير…

- لا أريدك أن تخبري أحدًا بأنني استعدت صوتي واستعدت مرة أخرى قدرتي على الكلام.

- ولكن لماذا… قالتها منار وهي ترفع حاجبها بتعجب.

- ليس لدي سبب محدد، لكنها مجموعة من الأسباب سوف أفصح بها لك في الوقت المناسب، أما الآن فليكن ذلك سرًا من ضمن أسراري… قلتها بجدية، فهزّت هي رأسها بالإيجاب.

وقد كان ذلك لقاؤنا الأخير قبل بدء فترة الامتحانات، واتفقنا أن لا نلتقي ببعضنا خلال تلك الفترة، وأن نضع تركيزنا على تحقيق هدفنا، وعلى أن يكون اللقاء القادم بلهفة وشوق كبير. وقد زاد في تلك الفترة الخاصة بالامتحانات ليس فقط تفوقي والتهمي للكتب والمراجع، بل تقربي من الله، ذلك الشيء الذي كان ينقصني، وازدادت دعواتي بأن أحقق كل ما طلبه مرتضى، وأن أفوز بمنار.

وبعد آخر يوم في الامتحانات خرجت ولم أنتظر أحدًا من أصدقائي، حتى ياسر. ذهبت إلى المدرسة التي تمتحن فيها الفتيات، ثم خرجت منار، وما إن رأتني حتى ركضت نحوي، كانت تريد أن تحتضنني لكنها تذكرت أننا بين الناس.

- لقد أبليت بلاءً حسنًا… قالتها منار بابتسامة رائعة ووجهها مشرق.

- وأنا قد فزت بكِ… قلتها وأنا أهمس في أذنها، ليحمر وجنتاها.

- دعنا نجلب الطعام ونذهب إلى أول مكان جمع بيننا ليكون آخر مكان يجمع بيننا… ثم صمتت وقالت وهي تهمس لي بخجل: قبل زواجنا…

فمسكت بيديها، ثم ذهبنا إلى أحد مطاعم البيتزا وأخذنا الطعام، ثم عدنا إلى القرية حيث جنينة النرشدي وشجرة التوت التي شهدت وجمعت أول لقاء بيننا. جلسنا أسفلها وأخذنا نضحك ونتسامر ونقهقه كثيرًا ونحن نأكل، وكانت تطعمني بيدها. وفي إحدى المرات توقف الكون كله من حولي، وأخذت أنظر إلى عينيها التي أنا غريق فيهما، ووجهها اللامع، وشفتيها اللامعتين والمثيرتين رغم أنها لا تضع الكثير من أحمر الشفاه، وأخذ صوت واحد فقط يتردد في أذني بقوة:

- قبلها… قبلها… قبلها…

فازداد تقاربنا، مدت يدي لأسقط طرحتها عن رأسها، ليظهر شعرها الأسود الناعم لأول مرة، والذي فاض بالجمال. ثم ازداد تقاربنا والتحمت شفاهنا بكل الحب والشوق، لتلتحم بعدها أجسادنا، ولم نستطع التوقف، فقد تملكتنا شهواتنا وتملكنا الحب.

- إيه اللي أنت عملته ده… قالتها منار حين استفاقت، وأخذت تستر نفسها بملابسها ويديها، وهي ترتجف وتصرخ وتلطم وجهها.

- لقد خدعتني، لقد سلبت مني أعز ما أمتلكه، ماذا سيفعل والدي عندما يعرف بذلك؟ حتمًا سيقتلني، ماذا سيقول عني الناس؟ ماذا فعلت؟ ماذا فعلت؟… قالتها وهي تبكي بحرقة وتلطم وجهها بكفيها بقوة.

بينما أنا لم أكن أستوعب بعد ما الذي حدث، وكيف سمحت للشيطان أن يغويني ويسحبني إلى تلك المنطقة المحرمة، وكيف سمحت لشهوتي أن تمتلكني، تلك التي كنت أتحكم فيها دائمًا. حتمًا كانت هفوة دمّرت كل شيء.

- اسكتي قليلًا… قلتها بغضب، فصمتت منار وكفّت عن الولولة والبكاء والنحيب الذي لن يفيدنا بشيء.

سوف أصلح كل هذا، سوف نتزوج بعد بضعة أيام، سوف تظهر النتيجة وسوف أتزوجك، لا تخافي، أنا معك ولن أتركك أبدًا… قلتها وأنا أستدير لها وأمسك بيديها محاولًا تهدئتها.

- ابعد عني… قالتها وهي تنتفض وتدفعني وتصفعني على وجهي وترحل وهي تبكي.

بينما أنا عدت إلى المنزل منكسرًا مهزومًا، ينهشني الندم والذنب على تلك الخطيئة التي لا تشبهني ولا تشبه أفعالي.

- ماذا بك؟ ألم تؤدِّ جيدًا في الامتحان؟… قالتها أمي بوجه قلق عندما رأت وجهي العكر المحمّل بالغيوم.

لكنني لم أجبها، توجهت إلى غرفتي وأغلقت على نفسي، ورميت بجسدي على السرير وبكيت بشدة حتى غفوت.

في اليوم التالي حاولت الوصول والتواصل مع منار، لكنها لم تكن ترد على اتصالاتي ورسائلي، بينما ظللت مكتئبًا حزينًا في البيت، لم أخرج مع أحد، بل ظللت جليس غرفتي، أصلي كثيرًا وأدعو الله أن يغفر لي ذلك الذنب الكبير. وكانت الأيام التالية حالكة، والندم والحزن والألم يزدادون يومًا تلو الآخر وينهشونني بقوة. وأثناء قراءتي في القرآن وجدت أن الله يقول في سورة النور:

- {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}

فوجدتني ليلًا أذهب وأدخل إلى مكتب مرتضى وأنا أمسك الكرباج، فأخذ ينظر إليّ بنظرات غير مفهومة.

- اجلدني… كتبتها على ورقة وأنا أعطيه الكرباج.

- ما الخطأ الذي ارتكبته حتى تأتي بقدمك إليّ لكي أجلدك؟… قالها وهو يقف ويمسك بالكرباج.

- لن أقوم بذلك إلا إذا أخبرتني ما الخطأ الذي اقترفته.

- إنني أشرب وأدخن السجائر… كتبتها له بعدما ظل يُلح لمعرفة السبب، وكنت أعلم أنه لن يقوم بذلك حتى أخبره بسبب مقنع، وكان ذلك سببًا مقنعًا بالنسبة له. فأخذ يضربني بقوة، لكنني تحملت ولم أصرخ، واكتفيت بالبكاء حتى تعب هو وألقى بالكرباج على الأرض وخرج. بينما كان ظهري ينزف بالدماء والاحمرار يملؤه، لكنني لأول مرة شعرت أنني أستحق ذلك. فارتديت ملابسي وغادرت إلى غرفتي لأكمل صلاتي واستغفاري حتى أنام.

وقد مرت الأيام التالية حالكة وثقيلة للغاية، فالندم والقهر والحزن والاكتئاب يأكلون فيَّ، وأنا أزداد تعذيبًا لنفسي، ومنار لا تجيب وترفض التواصل معي بأي طريقة أو بأي شكل ممكن. حتى البكاء والنوم لم يكونا قادرين على تسهيل الأمر، فكل الأمور حولي كانت تزداد سوءًا.

حتى جاء يوم إعلان نتيجة الثانوية، جلست على اللابتوب أترقب وأتصفح كل دقيقة، وفي يدي الأخرى أمسك بالمصحف وأردد الكثير من الآيات والعديد من الأدعية. حتى ظهرت النتيجة، ظللت أنظر إلى شاشة اللابتوب وأدعك عيني وأعيد ذلك مرارًا وتكرارًا غير مصدق لما أرى. لقد حصلت على 99.9%. وعندما أدركت أنها حقيقة قفزت من الفرحة وأخذت أجري هنا وهناك في غرفتي، ثم حملت اللابتوب وخرجت إلى الخارج كالمجنون. التقيت بأمي، والتي عندما رأت النتيجة احتضنتني بقوة وأخذت تقبلني وتطلق الزغاريد، ليأتي حينها مرتضى ويقول بوجه بشوش:

- استعد يا بطل، فرحك غدًا.

ابتسمت له وهززت رأسي وعدت إلى غرفتي سريعًا، وكانت الفرحة تغمرني كثيرًا، ليس فقط لأنني سأتزوج منار غدًا، بل لأنني وللمرة الأولى انتصرت على مرتضى وأحكمت قواعد اللعبة. ثم أخرجت الهاتف وأخذت أتصل بمنار كثيرًا، وبعد محاولات عديدة أجابت. أخبرتها بحماس ولهفة بما حققت، وأنني فزت بها، وأنها ستكون لي، وأنني سأصلح كل شيء. لكنها لم تجب، وسمعت فقط صوت بكائها قبل أن تغلق الهاتف. يبدو أنها ما زالت غاضبة مني، لكنني سأعيد كل شيء إلى نصابه الطبيعي غدًا.

- أريد منك ألا تخرج للخارج حتى الغد… قالها مرتضى والبشاشة على وجهه على غير المعتاد.

- ليه؟… كتبتها له وأنا أرفع حاجبي في تعجب ووجهي يطرح الكثير من علامات الاستفهام.

حتى لا تخرب وتفسد المفاجأة التي أحضرتها لك.

-ولكن…

- لا تقلق من شيء، لقد اهتممت بكل شيء منذ فترة، فقد كنت أعلم أنك ستفعلها، وكل شيء أصبح جاهزًا لاستقبال العروسين. أريد منك فقط أن تعدني ألا تخرج من المنزل حتى يأتي السائق ليأخذك غدًا إلى العرس.

ثم قال وهو يمد يده لي:

- أعدني بذلك وعد رجال... فوعدته رغم أنني لست مقتنعًا تمامًا، لكنني سأعرف كل شيء غدًا، وربما يريد أن يصلح ويعتذر عما فعله معي في الماضي. كل شيء سيتضح غدًا، والآن سأحاول أخذ قسط من الراحة، رغم إدراكي أن الانتظار والفرحة لن يجعلانني أنام، لكنني سأجرب، فالغد سيكون يومًا طويلًا.

في اليوم التالي استيقظت على الظهيرة، وكان المنزل يعج بالنساء والكثير من الضوضاء، ولأنني لا أحب ذلك الزحام لم أخرج، وأخذت أهاتف وأرسل لمنار كثيرًا لكنها لم تجب. أيعقل ما زالت غاضبة مني؟ واليوم عرسنا، هذا لا ينفع، وهذه بداية غير مريحة دفعت الأفكار والشكوك إلى عقلي كثيرًا، لكنها اختفت حين جاء الحلاق وجاءت بدلة العرس.

- حقًا ليس هناك أحد أجمل مني اليوم… قلتها بغرور وتباهٍ بعدما ارتديت بدلة العرس السوداء التي يوجد بها بعض اللمعان، وأخذت أنظر في المرآة إلى وجهي الهادئ وملامحي الجذابة وبشرتي الفاتحة وعينيّ البنيتين وشعري الكثيف المصفف على الجانب الأيسر وجسدي النحيف. وقد قطع تأملي ذلك صوت طرقات الباب، لأفتح وأجد أمي بفستان فضي متلألئ تبدو جميلة للغاية. وعندما رأتني احتضنتني وظلت تبكي، فأخبرتها وأنا أشير لها وأمسح دموعها :

- بأنها هكذا ستنزع مكياجها، وهي أم العريس يجب أن تصبح أجمل من في العرس.

- سأذهب أنا مع والدك، وسيأتي السائق بعد قليل ليأخذك… ثم احتضنتني مرة أخرى ورحلت، وظللت أنا جالسًا أنتظر السائق لفترة حتى جاء بعربية بيضاء نيسان مزينة بالورود والنجوم، فصعدت وانطلقنا على الفور.

وأخذت خلال الطريق أتخيل كيف سيكون شكل منار بالفستان، طبعًا ستكون تقف تنتظرني بداخل أحد البيوت، ترتدي فستانًا أبيض يجعلها شبيهة بالملائكة، ترتدي طرحة أو بندانة بيضاء يوجد بها الكثير من النجوم اللامعة، وتضع القليل من مساحيق التجميل لتزداد فوق جمالها جمالًا.

- ألن نذهب لنجلب العروسة؟… قلتها بصوتي، فقد نسيت أنني لا أتحدث…

- إنت بتتكلم؟… قالها السائق وهو يلتفت لي بدهشة وتعجب، ثم عاد ليكمل طريقه وكأنني لم أقل شيئًا. أردت أن أقوم وألكمه وأجعله يتحدث، ولكنني فضلت الصمت، خصوصًا بعدما لاحت أمام ناظري قاعة (ليزا لاند) والتي من المفترض أن يُقام فيها العرس.

توقفت السيارة أمام باب القاعة، نزلت ولم يكن أحد ينتظرني. تقدمت بخطوات بدأت تبدو لي ثقيلة للغاية، سمعت صوت ضوضاء وأغاني تأتي من داخل القاعة المغطاة، شعرت بغصة في قلبي تنذر بشيء سيئ، وبرغم ذلك تابعت السير حتى دخلت من باب القاعة، حتى التقت عيناي بأعين الجميع.

- فلنرحب بالمفاجأة الكبرى، الأول على الجمهورية، صديق العروسين جاء في كامل أناقته ليبارك للعروسين ويشاركهم فرحتهم… قالها مرتضى، الذي كان يقف على الاستيج بجوار الدي جي، وهو ممسك بالميك وابتسامته تملأ وجهه.

لينظر لي الجميع بعدها، بينما أنا تعلقت أنظاري في الأعلى عند الاستيج، تعلقت أنظاري بين ياسر عاشور صديقي الوحيد وهو يرقص ويمسك بيد منار حبيبتي، والتي كان وجهها مطفأ وعيونها ترغرغ بالدموع، وبين أمي التي كانت تبكي بحرقة، وبين مرتضى عاشور الذي أخذ يتراقص مثل القردة. كان المشهد بالنسبة لي مشهدًا عبثيًا، أو مسرحية حزينة، أو كابوسًا لم ينتهِ، وكأن وجهي تحول إلى بركان ثأر، وبداخلي حفلة من الشواء والنار تحرق وتعصف بكل شيء. لم أشعر بحرارة دموعي على وجهي إلا عندما تساقطت على يدي. فلم أتحمل البقاء في ذلك المكان أكثر من ذلك، لم أتحمل نظرات الجميع لي والتي ينتظرون مني شيئًا لا أعرفه. فوجدت قدمي تقودني إلى الخارج، أخذت المفاتيح من السائق بقوة ودفعته، وصعدت السيارة وانطلقت بسرعة إلى أين لا أعلم، كل ما أعلمه أنه يجب عليّ الهرب.

بعد مدة لا أعرف إن كانت طويلة أم قصيرة من القيادة على الطريق بسرعة مفرطة، وكأنني أريد الموت، وجدتني أوقف السيارة على جانب الطريق وأنزل منها، أقتحم تلك المساحة الزراعية التي أمامي، ثم أقف في منتصفها أصرخ وأبكي بقوة وبجنون.

وبعد قليل عدت إلى السيارة بعدما حاولت لمّ شتات نفسي، ووجدتني أذهب إلى حقيبة السيارة لأفتحها لجلب زجاجة ماء لتهدئة ردياتير السيارة، ولكن اصطدمت عيناي وأخذ عقلي يسأل ويجيب عندما رأيت جركنين من البنزين. ظلت عيناي معلقتين بهما، وبداخلي يتردد صوت واحد بقوة يقول:

احرقهم بنيرانك كما أحرقوك، اجعل كل شيء يشتعل كما بداخلك.

لأجدني أغلق الحقيبة وأعود إلى مقود السيارة، أنتشل سيجارة من علبة سجائري، أشعلها وأطلق دخانها في الهواء، ثم أدير السيارة وأعود بأقصى سرعة لأحرق كل شيء…

وعندما وصلت كان ما زال الصخب والفرح قائمين، والجميع منشغل بالداخل. فحملت الجركنين وقمت بتغريق القاعة بالبنزين، ووقفت في الجانب آخذ آخر أنفاس سيجارتي قبل أن أسقطها أرضًا ليشتعل كل شيء.

- فليكن فرحًا ورقصًا ملتهبًا مختلطًا بالكثير من الصراخ والألم والنحيب… قلتها وأنا أنظر إلى القاعة وهي تشتعل، قبل أن أصعد إلى السيارة عائدًا إلى المنزل.

- إيه اللي أنت عملته ده وإيه اللي بتعمله دلوقتي ده

... قالها مرتضى بعدما عاد إلى المنزل واقتحم غرفتي بغضب وعنف وهو عاصف وخلفه أمي تحاول تهدئته ولكنه صمت وتبدادت ملامح وجهه عندما وجدني أمسك في يد ساطور وفي اليد الآخر كرباج فبتلع ريقه ووقف ينتظر تفسير على ذلك...

- أي ده المزيد من الجنون ... قلتها وأنا أبتسم بستفزاز وبصوتي لم يعد يهمني شيء .

- بصي يا زنيب ابنك بقى بلطجي ومريض نفسي كمان الناس معها حق لزم يروح مستشفي الأمراض العقلية ... قالها مرتضى في غضب وزمجره وتذمر.

- على أساس أنا عايش في دريم بارك وبعدين لم أنا أخش مستشفي المجانين أنت تخش الدرك الأسفل من النار .

- حسابك معايا هيكون كبير افتكر الكلمتين دول كويس

... قالها مرتضى في غيظ وغضب وهو يلوح ويهدد باصبعه .

- سوف تتمني الموت ولن تحصل عليه .... قلتها بجدية وصارمة لتتغير ملامح وجه مرتضى ويبتلع ريقه ويرحل على الفور ، حاولت أمي أن تهدئني ولكنني قلت بصوت عالي وغاضب :

- ارحلي الآن ... لتغادر وهي تبكي لأغلق الباب خلفها ثم سقطت خلف الباب أبكي بشدة واخذت ترتعش يدي ويرتجف جسدي ومهما حاولت أن أظهر من قوة وثبات فأنا ضعيف للغاية ثم اصبتني حالة من الجنون الهستيري فضربة المرأه بالساطور لتتهشم وقمت بضرب الجدار بيدي وأخذت الكمه حتى نزفت دماءً وظللت في تلك الحالة من الهستري وأقوم بتخريب كل شيء حولي حتى سقط جسدي على السرير وكنت أريد أن أقوم لأكمل ولكن قد نفذت طاقتي ففردت يدي ولم أعباء بدمائها واستسلمت لعيني التي تعبت من فرط البكاء للنوم .

وقد كلنت الأيام التالية هكذا سيطر عليها اكتئابي كما خيما على البيت الحزن وكانا هناك عزا أو هناك حداد ولم أخرج من غرفتي ابدا ، أظل جليس وطريح الفراش أبكي كثيرًا واتالم أكثر وأفكر أكثر ولكن في صمت تام وحين تصيبني تلك الحالة من الهسترية والجنون المفرط فاقوم واخرب واضرب كل شيء في غرفتي حتى تنفذ طاقتي فأنم في صمت وقد كنت أعيد تلك الكرا كل يوم بتلك الأفعال السيئة والمؤذية مع الاضراب عن الطعام في كثير من الأوقات بينما ظلت أمي تبكي كل يوم بحرقه وتدعي أن ينصلح حالي وقد ظللت في تلك الحالة المزرية والسيئة حتى جفت عيني من البكاء واخمدت النار التي بداخلي وتحول إلى رماد وتعهدت إلا أصبح ضعيف مرة أخري وأن أصبح شخصا سيئا للغاية وخرجت من المنزل بعد شهر من العزلة والاكتئاب خرجت لاقبل اصدقائي على القهوة تفجاء كل من حسام النجار وأحمد سلامة عندما رأوني لا أعلم إذا كان يعلمون بالموضوع باكمله ام ماذا .

- اقعدو فل نستمتع باللعب دون التطرق لي أي احاديث آخره ... قلتها عندما وقفا كلهما في ارتباك لايعرفون ماذا يقولون فذهبت وجلبت الدمنة للعب واشارة لهم بالجلوس ، حاول حسام أن يتطرق إلى موضوع منار وياسر ويخبرني بشيء عنهم ولكنني منتعه وقلت له :

- فل نلعب في صمت لا أريد معرفة شيء عن أحد .

بعدما انتهيت من الجلوس على القهوة وعدت إلى المنزل بوجهًأ آخر غير وجه الكئبة والحزن الذي كنت ارتديه لمدة شهر عندما دخلت وجدت أمي تجلس في الصالة على الكنبة ترتدي الجلباب الاسود وتبكي بشدة فذهبت بتجهها حاولت موستها وطمئنتها ومسح دموعها .

- أعدني أنك سوف توافق على الطلب الذي سوف أطلبه منك… قالتها أمي وهي ما زالت تبكي، وهي تمسك بيدي وتضعها على رأسها.

- أعدك… قلتها وأنا أهز رأسي لها بالإيجاب، رغم شعوري بأن طلبها لن يروق لي.

- أعدني أنك سوف تذهب إلى والدك اليوم بعد أن يأتي من العمل وتعتذر له وتنهي ذلك الخلاف.

- لقد وعدتني وغلاوتي عندك لتعمل كده… قالتها أمي وهي تعود لتمسك بيدي بعدما انتزعتها، وهي تبكي. لأجد نفسي أقبل رأسها وأمسح دموعها بيدي، وأعدها بالقيام بذلك، ثم توجهت إلى غرفتي على مضض وفي ضيق من أمري. لا أعلم لما وافقت، ولكن دموع أمي وحالتها السيئة تلك جعلتني أوافق، فخلعت ملابسي وضبطت منبه الهاتف على الواحدة بعد منتصف الليل لأستيقظ لأعتذر منه، ثم خلَدت إلى النوم.

الواحدة بعد منتصف الليل…

استيقظت على رنين منبه الهاتف، أطفأته، ثم تجرعت كوبًا من الماء وقررت أن أصعد إلى الطابق الثاني سريعًا حيث يجب أن يكون مرتضى هناك ينهي بعض أعماله. صعدت دون أن أغسل وجهي حتى لا يتطاير النوم من عيني. في الطابق الثاني، وقبل أن أطرق على الباب وجدته مواربًا، فدفعته بهدوء ودخلت. كانت الشقة تعبق بالهدوء والسكون، ولكن كان هناك صوت غريب يتردد إلى مسامعي يأتي من المكتب. أخذت أقترب بهدوء وبخطوات بطيئة نحو المكتب، وأخذ الصوت يتضح شيئًا فشيئًا؛ صوت أنين ألم، صوت ضحكة، صوت امرأة!!!

وقفت أمام باب المكتب وأنا أدعك عيني وأنظف أذني غير مصدق لما يؤول إلى مسامعي، ثم وجدتني أمسك أوكرة الباب وأفتحها بهدوء وقلبي ينتفض، ثم وقفت أحدق بشدة وقد اتسعت بؤرة عيني لما رأيت. رأيت مرتضى يجلس على كرسي المكتب وقميصه مفتوحًا بالكامل، وهناك امرأة ترتدي قميص نوم أحمر تجلس فوقه، تهتز بقوة وتتألم وتلتهم شفتيها بين الحين والآخر. امرأة جسدها ممشوق، قامتها طويلة، شعرها قصير، أظنني أعرفها.

ثم سقطت الفازة التي بجوار الباب لينتبها لوجودي، ليلتفت لي، لأتفاجأ بالمرأة أنها…

- نجلاء السعدي!!!

مدرسة اللغة الإنجليزية.

أخذت تستر نفسها بيديها وتجمع ملابسها، بينما وقف مرتضى مذعورًا يحاول أن يزرر قميصه وهو يرتجف، بينما أنا وقفت مصدومًا. وبرغم كل ما أعرفه عن مرتضى عاشور، وبرغم كل ما به من صفات سيئة، ولكنني لم أتوقع أن يكون خائنًا ونجسًا لهذه الدرجة، خائنًا لأمي، تلك المرأة التي أفنت حياتها معه رغم كل ما به من سوء. ها هو الآن يخونها.

فوجدتني أبصق عليهما وأغادر سريعًا لأوقظ أمي وأوقظ جميع أهل القرية ليعرف الجميع حقيقة ذلك المزيف. وأثناء نزولي من على الدرج لحق بي مرتضى بحالته المزرية تلك، وحاول أن يخترع كذبة ليوقفني عن فضحه، حاول أن يمسكني في الكثير من المرات، ولكنني كنت أتركه وأرحل. وفي إحدى المرات دفعني لأسقط من فوق الدرج، يتدحرج جسدي ويصطدم بالدرج حتى ثبت واصطدمت رأسي بالجدار لأغيب عن الوعي بعدها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية لن أبكي وحدي

المؤلف Ahmed Mahros
2025/12/24 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة