لم تكن زيارتي الأخيرة للدكتور أحمد زيارة مريض لطبيب،كانت جلسة وداع، لا لشفاء، بل لما تبقّى من وهم الأمل،الدكتور أحمد، لم يكن مجرد طبيب،كان جاري في صِباي. أبوابنا كانت متقابلة،كبرنا، وافترقنا. هو التحق بكلية الطب، وأنا ضللت الطريق ثم وجدته، في السينما،لكن القدر – كعادته – يُعيد الوجوه القديمة، لكن الحياة رسمت ندوبها علي وجوهنا،تغير أحمد كثير عن الماضي، لم تعطيني الحياة فرصة التعجب،عدتُ إليه بعدما أظلمت عيني اليسرى تمامًا،كنت أتحسس ظلي في الشوارع، لا أراه،استقبلني في عيادته كأنه يعرف أنني جئت أطلب المستحيل،قالها ببساطة مميتة:
"ماهر مفيش حل،القرنية انتهت،وكل يوم بيعدّي بيقرّبك من العمى الكامل،الحل الوحيد زراعة كاملة وسريعة."
لم أجادل لم أسأل عن التكلفة، ولا عن المتبرّع،شكرتُه فقط، وغادرت،وعند العتبة،تركت خلفي القدرة على الاحتمال،عدتُ إلى شقتي كمن يعود من جنازته.
أغلقت الأبواب، أسدلت الستائر، وانزويتُ في وحدة كثيفة،صار الضوء عدوًا، والمرآة تسخر من ملامحي كلما اقتربت منها،افقد بعض ملامحي بالتدريج.،كنت أريد أن أتذكر كل شيء بشكله الحالي قبل أن تأتي السُحب السوداء سجلت كل شيء صور الشقة و غرفتي، شارعنا العزيز الذي طبعت أقدامي علي طرقاته.
رغم حزني المميت لكن من هون علي كل هذا كان حمو الذي احتفظت بقسماته حتي لا انساها كما كنت أراها من قبل .
راودني شعور بالاشتياق لها و لكل لمحه كنت اشاهدها منها كانت هي نوري الفعلي لكن بعد ذهابها الظلمات كل شيء بدونها و الان أغرق في ظلام دامس أشد وطأة ، أخذت اشاهدها صورها ضحكاتها بريق الشمس النابع من وجهها
انسابت الدموع تحرق ما تمر به كالنيران.
أيام مرّت بلا صوت، بلا غد،ثم جاء اتصاله،كان صوته كما هو، كان احمد، لكن خلف كلماته استعجال غريب:
"ماهر. قوم، جهّز نفسك.فيه قرنية ظهرت، مناسبة لحالتك العملية لازم تتعمل بكرة... في مستشفى الحياة،بس لازم دلوقتي تجيب الفلوس. كلها. فورًا."
أنهى المكالمة، وتركني أغرق في عتمة أشدّ من فقدان البصر،لم أكن جاهزًا، الا ماديًا،رغم طلبه مبلغ اكبر بكثير من الطبيعي، لكن لا مشكلة فأنا املكه، و الحمد لله،حين وصلت المستشفى، توقفت للحظة في الردهة،وهناك حدث شيء لم أتوقعه.
رأيتها،واقفة بجوار الحائط، ترتجف في صمت،دموعها تنساب على وجهها، بلا مقاومة، كأنها ترى في الألم استحقاقًا،كانت مغمضة العينين،ومع ذلك، أجمل من أن تكون حقيقية، ملامحها اجمل من أن تكون بهذا الحزن،جمالها لم يكن يُرى فقط بل يُحسّ، كأن قلبها مكشوف تحت جلدها،شعرت برغبة عارمة في البكاء معها،لكنني كنت دخيلًا على لحظةٍ لم أُدعَ إليها، تحتاجني شعور بالاشتياق لها و تذكرت كل موقف و كل صورة كنا سويا أو كانت منفردة،لم تلاحظ وجودي بسبب ما كانت فيه،اردت الاقتراب أن تقطع كل ايام الفراق و نجتمع لم أرغب أن اتركها وحيدة لكن خرج الدكتور أحمد من مكتبه، رآني متجمّدًا:
واقف ليه؟ تعال بسرعة عايزك.
دخلتُ خلفه، وجلست.كنت أحاول أن أستعيد توازني،لكنه لم يمنحني وقتًا،قال مباشرة:
القرنية جاهزة،بس الوضع حساس،انا مش هكلمك في حالتك انت عارفها كويس نظرتُ إليه، فتهرّب من عينيّ،الست موجودة دلوقتي في المستشفى،اتوفت من ساعتين،مافيش ليها أهل،ولا حد هيسأل،فيه بس بنت كانت معاها بس مش موجودة دلوقتي إحنا هناخد العين بسرية،نكفّن، نسلّم، وخلاص و لا من شاف و لا من دري،بص انا عايزك اهدي من كده.
صمتُّ،شعرت أن الغرفة تضيق، أن الجدران تزحف نحوي، أن الهواء صار سميكًا لا يُستنشَق،قال بسرعة:
دي مش أول مرة،إحنا عارفين بنعمل إيه،وأنت عارف كويس إيه اللي هتخسره لو اتأخرت،الدنيا مش عادلة يا ماهر،دي فرصتك الوحيدة، احنا علي مستني نلاقي متبرع هتبقي حالتك منتهيه و ممكن كمان تتصاب في عينك التانيه و انك تبقي اعمي ده عمره ما هيبقي اختيار فقرر بسرعه.
كنت أريد أن أصرخ. أن أقول : "أنا مش كده!"لكن صوتي ضاع،كل ما بداخلي كان ينهار،إلا الرغبة في أن أرى،أن أبصر، بأي ثمن،همست:
أنا موافق.
ولم أجرؤ على النظر في عينيه،ولا في عينيّ نفسي،خرجت من مكتبه، يُرافقني ممرض يُدعى سيد،وأنا أشعر أنني فقدت شيئًا لا يُعوّض،لم أفقد بصري بعد، لكنني فقدت ماء وجهي أمام نفسي،ولأول مرة، شعرت أن الظلام في الداخل أعمق من الظلام في العين.
mohamed Hassan