اسمي ماهر زيدان، شاب في الخامسة والعشرين من عمري. أدرس سينما، لكن الحقيقة أنني لا أدرس بقدر ما أُراقب. أُراقب العالم كأنه مشهد بلا نهاية، أو ربما كابوس طويل لم يُقطَع بـصراخ المخرج قطع، أعيشه
منذ سنوات.
أنا وحيد، رحل والداي مبكرًا، وخلّفا وراءهما إرثًا من المال، وبعض الأوراق القديمة التي لا أجرؤ على قراءتها، فالذكريات عذاب مرير ، لا نهاية له.
المال وفر لي حياة مريحة، قد يُسميها البعض مثالية، لكنها في حقيقتها راحةٌ من نوعٍ خانق؛ ملل كريه يغلف كل لحظة.
أعيش وسط رتابةٍ متقنة، وكأن حياتي مونتاجٌ معطّل لفيلمٍ لا يعرف كيف يُختم، أو باي مشهد سينتهي.
أحلم بصناعة فيلمي الأول.
أريد أن أقول شيئًا حقيقيًا، مؤلمًا، عميقًا،لا يهم ما اقول، لكن اريد ان اصرخ بما يعتمر بداخلي.
كان كل شيء بدا طبيعيًا،حتى سقط الستار فجأة.
أخبرني الطبيب أنني أعاني من مرض يُدعى "القرنية المخروطية"؛ اسمه بدا لي كأنه اختُلق لاختصار المأساة في جملة واحدة.
عيناي ،عدستا العالم في نظري، واحدة منهما تحتضر. لا علاج، لا تأجيل،إما زراعة قرنية، أو الظلام،الغريب أنني لم أبكِ، لم أصرخ،فقط شعرت بشيءٍ يُطفأ داخلي ببطء.
كشمعةٍ تُطفئها يد غير مرئية،بهدوء، بإصرار،كان اخر من تبقي لي في هذه حياه،محمد حامد، أو كما يُصر الجميع على مناداته: حمو الرايق.
حمو صديق قديم ،او بالأحرى نقيضي الحي، يسخر من كل شيء، حتى من أمراض الآخرين. حين أخبرته بإصابتي، ضحك حتى كاد يبكي، ثم قال:
يعني خلاص هتبقى نص أعمى؟ طب حلو ده كده تبقى مخرج رسمي مش دايمًا المخرجين بيشوفوا العالم بشكل مختلف و لو فشلت ممكن تشتغل قرصان
طريقته في السخرية لا تنبع من قسوة، بل من فهمٍ عميقٍ أنه الحياة بلا فائدة. يعيش يومه كأنه آخر يوم، لا لأنه رومانسي، بل لأنه فقد إيمانه بالغد منذ زمن.
هو متسكع ، نعم. لكنه ذكي جدًا،إلى حد أنه اختار ألّا يفعل شيئًا بذكائه،درس الهندسة، لكنه لم يعمل يومًا بها. يعمل في كل شيء، ولا شيء. فذ، يعرف ألف باب، لكنه لا يفتح واحدًا.
وفي الوقت الذي كنت أُصارع فيه فكرة العمى، كان هو يضحك، يتهكم، يدخن، ويهمس لي بجملة لا أنساها:
"إنت بتفكّر كتير في الضلمة اللي جاية؟ ده إحنا محتاجين كشاف لللي إحنا فيه!"
وقتها لم أفهم،أما الآن، وأنا غارق في الظلام افهم.
اسمي مريم،هكذا، بلا مقدمة، بلا نسب، بلا جذور، لا أعرف لي أبًا ولا أمًا،مريم الاسم الذي منحته لي ماما فاطمة، حين وجدتني ملفوفة في قطعة قماش رخيصة على عتبةٍ باردة، خارج أسوار دار الأيتام. قالوا إن الدولة استكملت أوراقي. اسمي الثلاثي، رقمي القومي، شهادة ميلادي . أوراق تُثبت وجودي، لكنها لا تُثبت من أنا.
أما أنا، فلا أؤمن إلا بالاسم الأول؛ الاسم الذي نطقت به ماما فاطمة هي لم ترَ فيّ مجهولة، بل رأت طفلة تستحق اسمًا يُنادى به بحنان،ماما فاطمة هي من سمّتني. وأنا مدينة لها، لا فقط بالاسم، بل بالمعنى الذي سكبتْه فيه،لم أرَ فيها يومًا موظفةً تؤدي عملًا. منذ اللحظة الأولى، كانت أمّي.
نظراتها، يدها التي امتدت إليّ، صوتها حين نادتني بـ"يا بنتي"... كل شيء فيها أخبرني أنني وصلت، أنني لست وحدي بعد الآن، احتضنتني الحياة من خلالها، ثم امتد ذلك الحضن الدافئ إلى زوجها، عم مصطفى؛ الرجل الطيب الذي لم ينادِني يومًا إلا بـ"يا بنتي".
تبنٍّ؟ لا. لم أشعر قطّ أنني دخيلة،كأنني ابنتهم التي تأخرت قليلًا عن القدَر... فقط تأخرت،درستُ الفنون الجميلة. كنت أرسم كثيرًا... لا لأُعبّر عن شيء، بل لأنني شعرت دومًا أن الألوان تفهمني حين يعجز البشر عن ذلك،كان بيتنا صغيرًا، لكنه ممتلئ بما هو أندر من المساحات: الدفء،كل زاوية فيه كانت ذكرى، كل تفصيلة بسيطة فيه تحكي حكاية، بصوت ماما فاطمة أو ضحكة عم مصطفى.
ثم رحل مصطفى،الموت حين يأخذ الطيبين، لا يقرع الأبواب، ولا يُحدث ضجيجًا. فقط يترك وراءه سكونًا غريبًا، كأن شيئًا كبيرًا انكسر، دون أن يسمعه أحد،بكينا كثيرًا، انا وهي بمفردنا، بعدها، بدأت ماما فاطمة تتعب. قلبها... ذلك القلب الذي أحبّني بلا شرط، صار أضعف من أن يحتمل قسوة الحياة.
الطبيب قال إن لديها مشاكل في الصمّامات، وإن العلاج طويل، والمراقبة دقيقة.
لكنني كنت أعرف الحقيقة، حتى دون سماعها: قلبها لم يُنهكه المرض، بل أنهكته الطيبة،رقة قلبها هي ما قصمته، لا شيء آخر،كانت ماما فاطمة دليل أن هناك بشر أرق من تلك الحياة.
صرنا نزور المستشفى كثيرًا. كانت اسمها "مستشفى الحياة"
كنا نتمسك ببعضنا كما يتمسّك الغريق بالغريق، نعلم أن اليابسة لن تأتي، لكن لا نملك إلا أن نحتضن بعضنا حتى النهاية.
mohamed Hassan