فجر البوابات

فجر البوابات

10 0

مرت ساعات أو ربما أيام على اختفاء أريان داخل البوابة، لكن دارين ومارين لم يقدرا حتى أن يتذكرا بالضبط كم من الوقت مضى. البحيرة عادت إلى هدوئها المخادع، المياه تعكس القمر بطريقة طبيعية، وكأن كل ما حدث لم يكن إلا حلمًا بعيدًا.

دارين جلس على الحافة، رأسه بين يديه، وسيفه مائلًا بجانبه. قال بصوت مبحوح:

“مش قادر أفهم… اختفى قدام عيني… والبوابة… اختفت!”

مارين جلست بجانبه، تفتح كتابها القديم بارتباك، تحاول أن تبحث عن أي ذكر لأريان أو للبوابات، لكن صفحات الكتاب كانت فارغة تقريبًا، سوى رموز غريبة لم يرها أي منهم من قبل.

فجأة، شعرت مارين بوخزة غريبة في صدرها، شعور كأن شيئًا يحاول التحدث إليها مباشرة من العالم الآخر. رفعت يدها، وقالت بقلق:

“دارين… فيه… نداء. مش من هنا… من جواه… من البوابة…”

دارين نظر إليها بدهشة، لكنه شعر بنفس الشيء تقريبًا: طاقة خافتة تتردد في الهواء، تشبه الهمسات، وكأنها تردد اسم أريان بلا صوت حقيقي.

في تلك اللحظة، ارتجّت الأرض تحت أقدامهم، وموجة ضبابية زرقاء بدأت تتشكل على سطح البحيرة. لم تكن البوابة كما رأوها من قبل؛ هذه المرة كانت أشبه بعين ضخمة مفتوحة في الهواء، مركزها دوامة من الضوء الفضّي الذي يعرفونه جيدًا.

قالت مارين بصوت منخفض، وهي تراقب الدوامة:

“ده… ده مش مجرد بوابة… ده… عين العالم الآخر… جزء من بوابة أقدم من أي شيء عرفناه!”

دارين قبض على سيفه، وصرخ:

“إذا كانت عينه مفتوحة، يبقى الوحوش مش بعيدين… هنواجههم تاني!”

لكن قبل أن يظهر أي وحش، انطلقت من الدوامة سلسلة من الصور في الهواء: لقطات قصيرة لعالم مظلم مليء بالجبال العائمة، والنيران الزرقاء، والكائنات التي لم يعرفوها، وكلها محاصرة داخل ضباب كثيف. وسط هذه الصور، رأى دارين ومارين أريان. كان يقاتل كائنات غريبة، ضوء فضّي يتوهج من قلبه، لكنه بدا متعبًا ومرهقًا.

مارين التقطت أنفاسها، وقالت:

“لازم نروح نساعده… لو فضل هناك لوحده، البوابة هتبلع العالمين مع بعض.”

دارين هز رأسه، وعينه مصممة:

“ما نقدرش نروح بنفس الطريق… البوابة اختفت… لكن لازم نلاقي طريقة.”

بدأوا يبحثون في أطراف الغابة المحيطة بالبحيرة، يحفرون بين الأشجار والظلال، حتى وجدوا علامة قديمة محفورة على حجر ضخم، كانت نفس العلامة التي رأوها في كتاب مارين بجانب رسم ختم الـ سيلفارُن.

مارين همست:

“دي… دي المفتاح… كل بوابة لها ختم، واللي يفهمه يقدر يفتح بوابة ثانية.”

دارين اقترب، وقال:

“تمام… يلا نعمل اللي الكتاب بيقوله.”

بدأوا باتباع الرموز، مارين تقرأ الكلمات القديمة بصوت مرتفع، ودارين يحرك الحجر الضخم في اتجاه دوامة خفية تحت الأرض. فجأة، انبعث نور أخضر كثيف من الحجر، وارتجّت الأرض من جديد، ثم ظهرت بوابة صغيرة، لكنها ثابتة، تنبعث منها نفس الطاقة الفضّية التي يعرفونها.

مارين قالت بحذر:

“دي بوابة العالم الآخر… بس مختلفة… أقوى… وحوش كتير هناك أكيد.”

دارين شد سيفه، وقال:

“مش مهم… ما نقدرش نسيب أريان لوحده.”

أخذوا نفسًا عميقًا، واندفعوا معًا عبر البوابة.

في الجانب الآخر، كان أريان يقف على هضبة صخرية، يراقب أفقًا مليئًا بالجبال المعلقة، والنيران الزرقاء تتصاعد من الأرض، والكائنات الغريبة تتحرك بسرعة لا تُصدق. كانت الوحوش مشابهة لتلك التي واجهوها قبل قليل، لكن أكبر وأكثر رعبًا، بعضها له عيون متعددة، وأجنحة شفافة تتوهج كالسماء ليلاً.

أريان شعر بتعب شديد، لكن الضوء الفضّي بدا يهمس له: “اقتل… استعد… أنت الحامي.”

تقدم أريان خطوة، فجأة ظهرت مخلوقات جديدة: أفعوانية طويلة من الطين المشتعل، حيوانات شبّهت الإنسان لكنها بلا ملامح، وأخرى لها أرجل متعددة وجلود حجرية.

صرخ أريان، لكن صوته كان مختلفًا هذه المرة، أكثر قوة:

“مش هتقدروا تهزموني… أنا مش لوحدي!”

انطلقت موجة ضوء فضّي من قلبه، ضربت المخلوقات، وأحرقتها في لحظة. لكنه شعر بصدمة… كل ضربة تضعف جسده تدريجيًا.

وفجأة، ظهر أمامه مخلوق ضخم لم يرَ مثله، ضباب أزرق يغطي جسده كله، وعيونه نيران سوداء. قال بصوت يهز الأرض:

“أريان لوكستار… القوة دي ملكي… انت مش محارب بعد… لكنك هتبقى!”

أريان رفع يده، والضوء الفضّي يحيط بها، لكنه شعر بشيء جديد: هذا الوحش يبدو قادرًا على امتصاص القوة نفسها.

في هذه اللحظة، دخل دارين ومارين من البوابة، دارين يلوّح بسيفه، ومارين تقرأ تعاويذها، ونار بيضاء وأشعة فضّية تتصادم مع الوحوش من كل الاتجاهات.

أريان شعر بالراحة لوجودهم، لكنه عرف أن هذه المعركة مختلفة:

“لازم ننسق… كل واحد فينا لازم يركز… وإلا هنخسر.”

بدأت معركة ضخمة، أريان يطلق موجات ضوء فضّي، دارين يقطع الوحوش بسيفه، ومارين تطلق تعاويذها لتثبيت المخلوقات في مكانها.

لكن الوحش الضخم اقترب من أريان، وأمسك به بيديه الضخمتين، وحاول امتصاص ضوءه. أريان شعر بالذعر، لكنه تذكر صوت البوابة القديمة: “عد… لقد تأخرت… العالم ينهار…”

ركز أريان كل قوته، وأطلق صرخة من الضوء الفضّي المركّز، الموجة ضربت الوحش بالكامل، وانفجر في ضوء ساطع، لكن ذلك أضعف أريان كثيرًا.

دارين ركض نحوه، وقال:

“أريان… تمسك… احنا معاك!”

مارين مدت يدها، ووضعت كتابها على صدر أريان، الكلمات على الصفحات بدأت تتوهج، وتنسج درعًا جديدًا حوله، يمتص التعب ويزيد قوته.

بعد دقائق من المعركة، ظهر من بعيد وحش آخر، لكنه أضعف من السابق. هذا الوحش كان سريعًا جدًا، لكنه بلا قوة كبيرة، ويبدو أنه راقب المعركة من بعيد.

أريان قال:

“ممكن أستخدمه… ضد البوابة… لو قدرنا نسيطر عليه، نقدر نغلق العين دي.”

مارين دار حوله، وقالت:

“الفكرة خطيرة… بس ممكن تنجح… أنا هساعدك في التحكم فيه.”

بدأ أريان بتمرير الطاقة الفضّية للوحش، تدريجيًا أصبح يتحرك وفق أوامره، يهاجم الوحوش الأخرى ويبعدهم عن الفريق.

وفي لحظة حرجة، اقتربت من البوابة موجة ضخمة من الظلام، بدأت تبتلع كل شيء من حولها، مارين صاحت:

“البوابة… العين بدأت تغلق، بسرعة!”

أريان ركّز كل ضوءه على مركز البوابة، والوحش تحت سيطرته اندفع نحو الدوامة، محدثًا صدعًا ضخمًا في العين، والبوابة بدأت تنهار.

مع تصاعد الانفجار، دارين مسك أريان وسحبه بعيدًا عن مركز الطاقة، ومارين ركضت خلفهم، والوحش الذي حولوه إلى حليف، اندفع نحو الدوامة، فانغمست البوابة كلها، واختفت في ومضة ضوء.

سقطوا على الأرض، متعبين، لكن سالمين. أريان جلس، صدره يرتجف، الضوء الفضّي يتلاشى تدريجيًا من جسده.

دارين تنهد وقال:

“يا رجل… ده كان جنون… بس عملتها…”

مارين جلست بجانب أريان، وضعت يدها على كتفه:

“أريان… القوة دي… لازم تتعلم تتحكم فيها… العالم ده مليان مخاطر أكبر.”

أريان ابتسم، لأول مرة منذ دخوله البوابة:

“أنا… لسه مش فاهم كل حاجة… بس عارف حاجة واحدة… أي قوة جتلي… مش هضيعها… ومش هسيب العالمين يتحطموا.”

وفي الأفق، ضباب خفيف بدأ يلوح، وكأن البوابات الأخرى تستعد للفتح من جديد…

نهاية الموسم الثاني.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسطورة كاسري العوالم

المؤلف محمد يونس
2025/11/20 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة