البدايه

البدايه

11 0

أسطورة كاسري العوالم

في ليلة اختفى فيها القمر خلف سحب داكنة تشبه الحبر، كان الشاب أريان لوكستار يسير وحيدًا على الطريق المؤدي إلى بحيرة “ميرافون”. منذ دخوله سن السابعة عشرة بدأ يشعر بأن شيئًا غريبًا يراقبه… كأن الهواء نفسه يحمل عيونًا تتابعه من كل اتجاه. كل خطوة كان يسمع بعدها صدًى مكتومًا لا يعرف إن كان قادمًا من الأرض… أم من داخله.

عندما وصل إلى حافة البحيرة لاحظ أن الماء لم يعد يعكس السماء، بل يعكس ضوءًا فضيًا يتوهّج من الأعماق، وكأن البحيرة تخفي تحتها سماء أخرى. وفجأة بدأ السطح يدوّي بفقاعات تضرب بقوة، ثم انفتح الماء على شكل دوامة ضخمة تشبه فمًا يريد ابتلاعه.

تجمّد أريان، لكن الضوء الفضّي انطلق مثل شعاع وأصابه في صدره، فشعر بقوة هائلة تخترق جسده، كأن قلبه يشتعل بنار باردة.

ظهر خلفه صوت مألوف:

“أريان! إنت بتعمل إيه؟!”

التفت ليجد صديقه دارين فاستر يركض نحوه، وشعره الأسود يرفرف مع الرياح، وخلفه صديقتهم الحكيمة مارين إيلاس التي تحمل كتابًا قديمًا دائمًا لا تتركه.

قالت مارين وهي تلهث:

“دا مش ضوء طبيعي… البحيرة دي مختومة من مئات السنين!”

لكن قبل أن تكمل كلامها، ارتفع عمود من الماء وتحول إلى بوابة دوّارة، تدور فيها رموز غريبة وأصوات هامسة بلغة لا تشبه أي لغة عرفوها.

همس دارين:

“بوابة… بوابة حقيقية!”

ارتجّت الأرض وخرج منها أول وحش. كان جسده مكوّنًا من طين أسود ونار زرقاء تختلط ببعضها، وله رأس يشبه خوذة مكسورة تخرج منها أعين كثيرة تتحرك باستمرار.

قالت مارين بصوت مرتعش:

“ده واحد من مخلوقات الـ غورمالين… وحوش ظهرت في الأساطير القديمة قبل ما يُغلق العالم القديم!”

اندفع الوحش نحوهم بقوة، فرفع أريان يده بلا وعي. انفجر الضوء الفضّي من جسده، وصنع حاجزًا زجاجيًا لامعًا صدّ هجوم الوحش وجعله يقفز للخلف صارخًا.

نظر دارين إليه مصدومًا:

“إنت… معاك قوة؟! من إمتى؟!”

أريان لم يعرف الإجابة، لكنه شعر بأن الضوء داخله ليس مجرد طاقة… بل “نداء”.

نداء من العالم الموجود خلف البوابة.

اقتربت مارين منه بسرعة وفتحت كتابها المتهالك، وقلبت الصفحات بعصبية حتى وجدت رسمًا مطابقًا للضوء:

“ده ختم الـ سيلفارُن… قوة ما تظهرش إلا لواحد من سلالة المحاربين الحكام… اللي كانوا بيحموا العوالم قبل انهيار الجسر.”

قال أريان:

“أنا… مش من أي سلالة. وأنا حتى مش محارب.”

لكن الأرض اهتزت بقوة، وخرجت خمسة وحوش أخرى من البوابة:

غورمالين ثانٍ بجسد أطول ومخالب دخانية.

كراستيل: وحش له أجنحة حجرية ووجه بلا ملامح.

أمفالون: مخلوق مائي له يدان طويلتان تتدليان مثل الطين.

فيروكس الظلال: كائن يتحرك بسرعة لا تُرى.

سيرافا العمياء: وحش له ستة رؤوس بلا أعين، يصرخ بصوت يفتت الهواء.

قال دارين وهو يسحب سيفه:

“حلو! جيش كامل… ومفيش حد غيرنا هنا!”

ابتسمت مارين بخوف:

“على الأقل هنموت سوا…”

لكن أريان وقف أمامهم، والضوء الفضّي يشتعل من حوله كأنه درع حيّ.

قال بهدوء غريب لم يعرفه من نفسه:

“مش هم اللي هيحددوا نهايتنا.”

اندفع أول غورمالين نحوه، فقفز أريان عاليًا كأنه خفيف الوزن، وضرب بقبضته الوحش. انفجرت موجة فضية دفعته عدة أمتار للخلف حتى ارتطم بشجرة وانفجر إلى رماد أزرق.

صرخ دارين مندهشًا:

“هوا ده بقى اللي اسمه مش محارب؟!”

لكن الوحوش الأخرى هجمت في لحظة واحدة. تصدى دارين لأحدها بسيفه وقطع جزءًا من ذراعه، بينما مارين فتحت كتابها وصاحت بكلمات بلغة قديمة، فاشتعلت نار بيضاء حول قدمي فيروكس الظلال وجعلته يتلوى.

أما أريان فقد شعر بالضوء داخله يكبر ويزداد قوة كلما اقترب من البوابة.

كأن البوابة تريد “إيقاظه”.

وقف أمامه أكبر الوحوش، سيرافا العمياء، وصرخ برؤوسه الستة في صوت يجعل الصخور تتشقق. لكن أريان رفع يده، فانطلقت دائرة فضّية ضخمة ابتلعت الوحش بالكامل، وتحولت رؤوسه إلى رماد في الهواء.

عمّ الصمت.

ثم بدأت البوابة تضطرب، وكأنها تغضب من هزيمتهم.

قالت مارين بصوت منخفض:

“البوابة… بتفتح أكتر! العالم اللي وراها مش مستقر!”

اقترب أريان منها خطوة… ثم أخرى… الضوء يجذبه نحو الداخل.

صرخ دارين:

“أريان!! ارجع!”

لكن أريان لم يستطع. كان يسمع أصواتًا من داخل البوابة، أصواتًا تشبه الهمسات القديمة:

“عد… لقد تأخرت… العالم ينهار…”

قال أريان وهو ينظر لأصدقائه:

“أنا… لازم أعرف أنا مين… والقوة دي منين.”

تمسكت مارين بذراعه:

“لو دخلت… مش هنعرف نرجّعك.”

ابتسم أريان ابتسامة مطمئنة لأول مرة في حياته:

“لو ما دخلتش… العالمين هيضيعوا.”

ثم قفز داخل البوابة، تاركًا خلفه صدى صوته وضوءه يتلاشى.

انغلقت البوابة فجأة، واختفى معها أريان، كأن وجوده مُسح من الهواء.

بقي دارين ومارين واقفين أمام البحيرة الهادئة التي عادت كما كانت… كأن شيئًا لم يحدث.

لكن الحقيقة كانت واضحة:

محارب جديد دخل عالمًا لا يعرفه…

والبوابات لن تبقى مغلقة طويلًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسطورة كاسري العوالم

المؤلف محمد يونس
2025/11/20 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة