صديق راحل

صديق راحل

14 0

مرت خمسة أشهر على تلك الحادثة، فيها بنى زين مع رؤى حياة هادئة كما حلم بها، بعيدًا عن الجميع.

أما عن سالم فقد التأم جرحه منذ بضعة أسابيع و عاد ليتابع عمله، لكنه لاحظ في تلك المدة كثرة انعزال الزعيم راشد عنهم، لا يدري إن كان حزينًا على موت زين أو يشعر بالندم حيال أمره بقتله و عدم اعطائه فرصة أخرى،

بينما البقية، فقد سالم صداقة معظمهم، البعض حزنًا على زين، و البعض الآخر خائفًا منه بعدما تأكدوا أنه لا يشعر بالانتماء لشيء و أنه بالفعل أداة قتل بلا رحمة، خاصةً أن القليل يخفي بضعة أسرار عن راشد و إن علمها سالم عنهم لن يتردد في إخباره، بل و قتلهم إن أمر راشد بذلك.

لم ينشغل سالم كثيرًا بابتعادهم عنه، فهو لا يهتم سوى برفيقه الوحيد " ماجد "، أول رفيق تعرف عليه هنا و يبدو أنه الأخير فهو وحده مَن ظل معه و رافقه طوال فترة تعافيه و لم يتركه لحظة فضلًا عن أنه لم يعاتبه على قتله لزين.

قرر سالم أنه لن يخبر أحدًا عما دار بينه و بين زين، حتى لصديقه، يريد أن يتعامل هو أيضًا على أن رفيقه زين قد مات.

أعطى الزعيم لسالم و ماجد مهمة صغيرة، سرقة ملفات تخصه من قصر أحد أعدائه.

الساعة الحادية عشر مساءً:

الطريق فارغ و البيوت على جانبيه أغلبها خاوٍ، اصطفت سيارة على بعد مسافة من قصر  "  همام " يجلس ماجد في كرسي السائق و بجانبه سالم الذي يدخن سيجارته الثالثة الليلة و هو يراوده إحساس غير مريح لا يدري سببه، هو لم يقلق في أخطر مهامه و اليوم يملأه القلق في مهمة بسيطة كهذه،

أخرجه ماجد من شروده بقوله: سالم، كما اتفقنا.. ستبقى هنا في انتظاري و لن تدخل تحت أي ظرف

قال سالم و هو ينظر لخارج نافذة السيارة : هذه ثالث مرة تقولها يا ماجد فهمت

وضع ماجد كف يده على كتفه و هو يقول: هل أنت بخير يا صديقي؟

نظر سالم ناحيته ثم قال: لا أدري، لكن لا تحمل همـًا سيكون كل شيء على مايرام

حينها سمعا صوت محرك سيارة فنظرا ناحية القصر وجدا سيارة همام تغادر مبتعدة عن القصر،

قال ماجد بينما يفتح باب السيارة: جاء دوري.

التف ماجد حول القصر حتى وصل للباب الخلفي الذي كان خاليًا من أي حرس كما خُطط، دخل و اتجه لباب المطبخ الذي كذلك تُرك مفتوحًا.

خرج من المطبخ و كان ينوي الاتجاه لغرفة المكتب لكنه سمع أقدام شخص بالخارج لذا رجع خلف حائط يخفي جسده حتى مرَّ ذلك الحارس و عاد ماجد يكمل طريقه، وصل أخيرًا للمكتب و أغلق الباب خلفه، لم يحتج جهدًا كبيرًا للحصول عليها، حيث كانت لديه كل التفاصيل عن مظهر الملفات و الدرج الذي يحتويها، تفقدها سريعًا ثم تحرك ليخرج.

أغلق ماجد باب المكتب برفق بعد خروجه و التفت ليكمل طريقه لكنه تفاجأ بهم يقفون في طريقه.

في الخارج، كان ينظر سالم لساعة يده بنفاذ صبر، صديقه تأخر أكثر مما خُطط له و مع ذلك لا يستطيع الدخول لأنه وعده بالبقاء بالخارج، في ظل شروده سمع طرقًا على زجاج النافذة، نظر و وجد أسامة - الابن الأصغر لهمام- يقف بالخارج يصوب سلاحه ناحيته و اليد الأخرى يشير له بأن ينزل.

فتح سالم الباب بهدوء و خرج ليقف قبالة الأخر الذي يبتسم له و في عينيه انتصار: مرّ وقت طويل يا سالم

أجابه سالم: بالفعل؛ مر الكثير حتى أصبح والدك يرسلك بمفردك و أعطاكَ سلاحًا أيضًا يا صغير.

ابتلع أسامة سخريته و قال: في النهاية أصبح الصغير هو مَن يثبتك الآن، هيا تحرك معي للداخل

ابتسم سالم للحظة ثم باغته حين اقترب سريعًا من أسامة الذي توتر و أطلق النار لكن الطلقة مرت من جانب رأس سالم و لم تخفه بل أكمل اقترابه و ضرب برأسه رأس أسامة فسقط الأخر على الأرض يتأوه من الألم.

أمسك سالم سلاحه و صوبه عليه بينما يقول: مهما كبرت لن تكون مؤهلًا لتثبيتي، إن أمسكت السلاح بيد مرتجفة فسيكون سبب هزيمتك.

تحدث أسامة سريعـًا عندما رأى الشر بداخل أعين سالم: انتظر! رفيقك تحت أيدينا.

في الداخل، كان يجلس همام على كرسي في ردهة القصر، خلفه يقف ابنه الكبير هيثم و بقية الرجال ينتشرون في كل زاوية، لقد كان يعلم بخطة راشد في سرقة ملفاته لذا خدعهما بخروجه من القصر و أرسل رجلًا يقود السيارة بعيدًا و سهّل دخول ماجد للقصر.

قال همام غاضبًا لأحد الرجال: لا أفهم كيف تسمح له بالذهاب بمفرده لعند سالم؟

أجاب الرجل و هو يخفض رأسه: لقد أصر يا سيدي، و رفض أن يصطحب أحدنا معه.

تحدث وقتها هيثم بهدوء: لا تقلق يا أبي، سالم لن يؤذيه قبل أن يطمئن على رفيقه.

قالها و نظر للوراء حيث ماجد الذي يجلس على ركبتيه و يديه مقيدتان وراء ظهره، لم يكن ماجد يهتم بحاله بقدر ما كان يفكر بسالم و يتمنى ألا يجازف هذه المرة و يذهب من هنا.

خاب أمل ماجد حين رأى سالم يدخل لعندهم و هو يثبت أمامه أسامة حيث يضع السلاح على جانب رأسه.

تحرك رجال همام سريعًا يحاوطونه يصوبون أسلحتهم ناحيته لكن صرخ فيهم همام بعدما انتصب واقفًا: توقفوا!

تراجع الرجال قليلًا للخلف ليتركوا مجال للرؤية بين همام و سالم.

وجه همام حديثه إليه قائلًا: انزل سلاحك يا سالم، ليس ابن همام مَن يُرفع عليه السلاح و في وسط بيتي.

أجاب سالم: كان يجب أن تفكر مليًا قبل أن ترسل جَروك الصغير ليحضرني..  إن كنت تريده اترك صديقي و دعنا نرحل من هنا.

قال همام: فقط لأنني أعلم أهميتك لدى راشد سأتركك تغادر من هنا على قدميك، لكن رفيقك يجب أن يدفع ثمن تسلله لقصري و محاولته سرقتي، و مرة أخرى لا تساوي بين رأس كلب راشد و رأس ابن همام.

فور سماع ماجد لحديثه صرخ قائلًا: استمع لحديثه يا سالم و ارحل من هنا!

تجاهل سالم حديث صديقه بل و حديث همام و قال: أمر الملفات بينك و بين الزعيم لا يخصنا، الآن سأخرج رفقة صديقي أو مع جثة ابنك.

صمت همام لا يدري ما يفعله.. لا يريد أن ينصاع لأوامر سالم فهذا سيقلل من شأنه أمام أولاده بل و كل رجاله، في ظل حيرته اقترب منه هيثم و همس بشيء بجانب أذنه.

نظر همام له برضى عن فكرته و قال: موافق يا سالم، خذ صديقك و ارحلا من هنا.

قال جملته ثم أشار لابنه لكي يفق وثاق ماجد الذي وقف على قدميه و بدأ يقترب ناحية سالم، و كذلك الآخر حرر أسامة و تركه يذهب عند والده.

عندما التقى أسامة مع ماجد عند نفس النقطة مع اختلاف اتجاههما.. رفع هيثم سلاحه على حين غفلة من سالم و أطلق على ظهر ماجد.

اتسعت عينا سالم بصدمة و هو يرى صديقه يسقط أرضًا أمام عينيه، و لكن صدمته لم تعجزه على أن يرفع سلاحه و يستهدف رأس أسامة من بين كل الرجال الذين احتمى فيهم، سقط أسامة ميتًا على الأرض و هرول ناحيته أخيه و أبيه يصرخون باسمه.

من الناحية الأخرى حاول سالم أن يقترب لصديقه لكن أحد الحرس جاء من خلفه و ضرب مؤخرة رأسه بسلاحه.

خر سالم على ركبتيه و هو يشعر برأسه يدوي و كأن صوت الضربة اخترقها و بدأ يتردد بداخلها، بدأت رؤيته تتشوش بينما كان ينظر ناحية صديقه الملقى على الأرض بين دمائه، لكن مازال يستطيع أن يفتح عينيه، لم يكن  أحدهما قادرًا على أن يتفوه بكلمة لكن عينا ماجد كانت تنطق بالوداع، وداع لصديق ظلمته.. صديق المعاناة.

في مقابلتها كانت عينا سالم بدأت تمتليء بالدموع حزنًا عليه و هو يبدو مستسلمًا للرحيل، تردد سؤال بداخله " أسئمت السير على الوحل يا رفيقي؟ كنت أعتقد أن صُحبتي تهوّن  سوء الطريق ".

أغمض ماجد عيونه و في ذات اللحظة سقط كامل جسد سالم على الأرض و قد زادت رؤيته سوءًا و بدأ عقله يغيب عن الوعي بعد استرجاع لحظات من ذكرياته:

" لا أحد منا ينير هذه الظلمة يا رفيق، لكنني أعدك بأنني لن أتركك بمفردك بها ".

أشعة الشمس اخترقت النافذة ثم نفذت إلى ظلمة عقله و بدأ يستعيد وعيه، عينيه كانت ترتجف.. ثانية يفتحها و أخرى يعيد غلقها، بعد لحظات استطاع أخيرًا أن يبقي جفنيه مفتوحين،

دار ببصره في أرجاء الغرفة ليتعرف عليها، كانت أحد الغرف في قصر راشد، فجأة توالت على عقله آخر لحظات عاشها قبل سقوطه: مهمة.. أسامة.. طلقة.. ماجد!!

عند اسم صديقه انتفض من سريره، إثر ذلك داهمه دوار شديد أجبره أن يجلس على طرف السرير يضغط بكف يده على رأسه لعلّه يخفف من شدة الألم بداخله،

عندما شعر ببعض التحسن عاد يقف على قدميه لكن بحذر هذه المرة و بدأ يتحرك ببطء مغادرًا الغرفة.

عندما نزل للأسفل وجد راشد يجلس في الردهة مع بعض رجاله و يبدو عليهم التخطيط لشيء،

انتبه له راشد فقام من كرسيه يقترب منه: لمَ غادرت الفراش يا سالم لازلت تحتاج للراحة؟

سأل سالم مباشرة: أين ماجد؟

ربت راشد على كتفه و قال متجاهلًا سؤاله: عد للغرفة الآن و سنتحدث لاحقـًا.

أبعد سالم كف يده برفق عن كتفه و ابتعد خطوة عنه و قال بصوت أكثر حدة هذه المرة: لقد سألت أين ماجد يا زعيم، أجبني!

في ظل ترقب سالم و تردد زعيمه من الناحية الأخرى جاء صوت لطالما أغاظ سالم: أخبره يا زعيم، رمز الصداقة يريد أن يطمئن على رفيقه .

نظر سالم وراء راشد ليجد صاحب الصوت هو " تامر " أكثر مَن يمقت مِن بين كل الرجال هنا، لم تكن علاقتهما ودودة في أي فترة سابقة، و اليوم كذلك.

استقام تامر من كرسيه و اقترب منهما بضع خطوات و خاطب راشد لكن مازالت عينيه معلقتان على سالم الذي بدا عليه الحيرة و التخبط: على أية حال هو سيعرف في النهاية.

مال راشد جانب وجهه ناحية تامر دون أن يلتفت و قال بتحذير : اصمت أنت يا تامر!

وقتها لم يتحمل سالم الوضع و صرخ قائلًا: ليخبرني أحدكم أين ماجد!

أنكس راشد رأسه للأرض ثم قال بحزن: لم نستطع انقاذه يا سالم، حين وصلنا كان قد فارق الحياة بالفعل.

و مع كلمات راشد تبدد آخر أمل لدى سالم في أن يكون ماجد على قيد الحياة، عبس وجهه بعض الشيء و نظر لوجوه الزعيم و بقية الرجال بضياع، فقدان ماجد كان أكثر من قدرة احتماله، كان مشتتًا بين ذكرياته معه و بين آخر حالة رآه بها،

لقد كان يجلس معه منذ يوم فقط في السيارة يتحدثان بأريحية عما سيقومان بفعله بعد الانتهاء من المهمة، لا يدري كيف في لحظة يفقد المرء جزءًا منه، جزءًا لم يتخيل يومـًا أن يسير بدونه.

في ظل ضياعه كان راشد و رجاله يشفقون عليه و قبل أن يتحدث أحد؛ تركهم سالم و عاد لغرفته في وجوم.

عاد تامر يجلس على كرسيه بلامبالاة بينما راشد فتنهد حزينـًا مما يلقاه في رجاله الواحد تلو الآخر.

بعد أيام تجاوز سالم حالة الحزن نوعًا ما لكن في المقابل دخل بهيجان شديد، لم يستطع أحد أن يهدأه، كل ما كان يحاول فعله أن يخرج لكي يقتل عائلة همام، و بالأخص هيثم، و بكل مرة يأمر راشد رجاله بأن يعيدوه لغرفته فَتزداد ثورته و غضبه.

سمع راشد صوت تحطم شيء فنظر ناحية السلم ليجد أحد رجاله ينزل بصينية الطعام الفارغة، كان ليعتقد أن سالم أخذ طعامه هذه المرة لكن ملامح الرجل اليائسة لا تقول ذلك، تنهد راشد قبل أن يستقيم من كرسيه و يتجه ناحية غرفة سالم لينهي ذلك الأمر بنفسه.

دخل للغرفة و وجد ما توقعه، حطام في كل زاوية، بقايا أطباق الطعام كذلك، أكمل راشد ناحية الذي يجلس على كرسي في جانب الغرفة ينظر أمامه للمرآة و عينيه مظلمة بدرجة أكثر من المعتاد.

جلس راشد على كرسي بجانبه و قال: ما الذي سيريحك يا سالم؟

أجاب سالم دون تفكير: تتركني أقتلهم، أو على الأقل ذلك الوغد هيثم

قال راشد: إن افترضنا أنك فعلت.. ماذا بعد؟ هل ستعود إليّ سالمًا؟

أجاب سالم بثقة: ليست أول مرة أتخلص من عائلة يا زعيم، و بمفردي!

قال راشد ببعض الحدة: ليست ككل مرة يا سالم، إنهم يتأهبون لك بالفعل و ينتظرون أن يمسكوا بك ليثأروا لابنهم، هل ستضع قدمك في المصيدة بنفسك!

قام سالم من كرسيه و قال بحدة أكبر: و ما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ أترك دماء صديقي تذهب هدرًا!

قام راشد هو الآخر و قال: ألم تقتل أسامة في لحظتها؟! لقد أخذت حقه بالفعل، دعنا الآن نفكر في حل ينقذك منهم

أعاد سالم خصلات شعره للوراء بعنف ثم قال ساخرًا و هو ينظر ناحية النافذة: رائع جاء اليوم الذي سأختبأ فيه من همام و كلابه!

تجاهل راشد سخريته و اقترب يضغط بكلا كفيه على كتفيه يجبره أن ينظر إليه: سالم، لقد خسرت الكثير من رجالي الفترة الماضية، لكنني لن أسمح بخسارتك أنت بالأخص ورقتي الرابحة.

نظر سالم داخل عينا زعيمه الصادقة و تنهد دون أن يجيب بشيء، أبعد راشد كفيه و التفت يخرج من الغرفة بينما يقول: حضر ثيابك و أنا سأهتم بالباقي.

بعد بضعة ساعات نزل سالم من غرفته و هو يحمل حقيبته بين يديه، تقدم راشد و سلّمه أوراق السفر و هو يودعه، في وسط ذلك ألقى تامر- كعادته- كلامه الذي يثير غيظ سالم: لا تطل غيبتك يا سالم، صحيح لقد نسيت.. أنت بالفعل لا تطيل لكي تتجاوز أمرًا ما.

نظر سالم ناحيته بضيق و قال: ما الذي ترمي إليه يا هذا؟

استقام تامر من على الأريكة و قال: قصدت أن لا داعي لتلعب دور الصديق الذي لا يستطيع تحمل فراق صديقه، لا يليق بك، جميعـًا نرى كيف قتلت زين بدم بارد.

حسنـًا هو بالفعل كان ينتظر فرصة لينفس عن القليل من غضبه، ترك الحقيبة من يده و اقترب من تامر يلكمه بقوة،

سقط تامر على الأريكة إثر لكمته و مع ذلك سرعان ما استقام ناويًا أن يرد الضربة و لكن رجلين جاءا من خلفه و أمسكا به،

قال سالم و هو يراه يحاول أن يتملص من الرجلين: سأقتلك يومًا أيها الوغد!

صرخ راشد بهما: يكفي!

ناول الحقيبة لسالم و أكمل: سالم هيا ستتأخر.

بعد مرور ساعة، كان يجلس سالم في كرسيه بجانب النافذة ينظر إلى خارجها شاردًا بكم هائل من الذكريات حتى أنها جعلت صوت المضيفة بعيدًا و هي تقول " نرجو من السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا للاقلاع، و التأكد من أن المقاعد في وضعها العمودي و الطاولات مطوية.. مع تمنينا لكم رحلة آمنة "

الجميع يعود لوطنه مرتاحًا، تغمره الطمأنينة، يفكر فيما سيراه من تجديد طرأ على بلده و على أهله و أقربائه، حتى في عالمه المظلم كان يلاحظ كيف يحكي رفاقه عن حنينهم لبلادهم.. و لكنه لم يختبر تلك المشاعر من قبل، ربما الجميع محقين فيما يعتقدونه عنه، هو بالفعل أداة قتل لا ينتمي لأي شيء.

و لكن رغمًا عنه لم يقدر أن يحب الموطن الجديد الذي شهد تحوله لتلك الأداة الوحشية، كل ذكراه هنا بين الدماء و الفقد،

بينما موطنه الأصلي الذي يفصله عنه بضعة ساعات.. فكذلك لا يشعر بأنه ينتمي له، هو عاش فيه سنواته الأولى حين كان مجرد طفل بريء، طفل قُتل على تلك الأرض منذ زمن،

لم يعد يرى طيفه حين يطالع المرآة و لا يزوره في أحلامه، ذلك الموطن هاديء بكل ذكرياته لن يتقبل وحشـًا مثله، هو يدرك أنه لن يرغب أن يطيل فيه و سيعود قريبًا لهنا، لموطنٍ اعتاده و إن كان يمقته أحيانٍ كثيرة.

بدأت الطائرة تقلع في الهواء، أراح سالم رأسه على الكرسي لحظات و أغمض عينيه ثم عاد يفتحهما سريعـًا، للحظة نسى مَن يكون، الخطر يحاوطه من كل اتجاه، لو خانته عينيه فستكون عندها النهاية.

مرت خمسة أشهر على تلك الحادثة، فيها بنى زين مع رؤى حياة هادئة كما حلم بها، بعيدًا عن الجميع.

أما عن سالم فقد التأم جرحه منذ بضعة أسابيع و عاد ليتابع عمله، لكنه لاحظ في تلك المدة كثرة انعزال الزعيم راشد عنهم، لا يدري إن كان حزينًا على موت زين أو يشعر بالندم حيال أمره بقتله و عدم اعطائه فرصة أخرى،

بينما البقية، فقد سالم صداقة معظمهم، البعض حزنًا على زين، و البعض الآخر خائفًا منه بعدما تأكدوا أنه لا يشعر بالانتماء لشيء و أنه بالفعل أداة قتل بلا رحمة، خاصةً أن القليل يخفي بضعة أسرار عن راشد و إن علمها سالم عنهم لن يتردد في إخباره، بل و قتلهم إن أمر راشد بذلك.

لم ينشغل سالم كثيرًا بابتعادهم عنه، فهو لا يهتم سوى برفيقه الوحيد " ماجد "، أول رفيق تعرف عليه هنا و يبدو أنه الأخير فهو وحده مَن ظل معه و رافقه طوال فترة تعافيه و لم يتركه لحظة فضلًا عن أنه لم يعاتبه على قتله لزين.

قرر سالم أنه لن يخبر أحدًا عما دار بينه و بين زين، حتى لصديقه، يريد أن يتعامل هو أيضًا على أن رفيقه زين قد مات.

أعطى الزعيم لسالم و ماجد مهمة صغيرة، سرقة ملفات تخصه من قصر أحد أعدائه.

الساعة الحادية عشر مساءً:

الطريق فارغ و البيوت على جانبيه أغلبها خاوٍ، اصطفت سيارة على بعد مسافة من قصر  "  همام " يجلس ماجد في كرسي السائق و بجانبه سالم الذي يدخن سيجارته الثالثة الليلة و هو يراوده إحساس غير مريح لا يدري سببه، هو لم يقلق في أخطر مهامه و اليوم يملأه القلق في مهمة بسيطة كهذه،

أخرجه ماجد من شروده بقوله: سالم، كما اتفقنا.. ستبقى هنا في انتظاري و لن تدخل تحت أي ظرف

قال سالم و هو ينظر لخارج نافذة السيارة : هذه ثالث مرة تقولها يا ماجد فهمت

وضع ماجد كف يده على كتفه و هو يقول: هل أنت بخير يا صديقي؟

نظر سالم ناحيته ثم قال: لا أدري، لكن لا تحمل همـًا سيكون كل شيء على مايرام

حينها سمعا صوت محرك سيارة فنظرا ناحية القصر وجدا سيارة همام تغادر مبتعدة عن القصر،

قال ماجد بينما يفتح باب السيارة: جاء دوري.

التف ماجد حول القصر حتى وصل للباب الخلفي الذي كان خاليًا من أي حرس كما خُطط، دخل و اتجه لباب المطبخ الذي كذلك تُرك مفتوحًا.

خرج من المطبخ و كان ينوي الاتجاه لغرفة المكتب لكنه سمع أقدام شخص بالخارج لذا رجع خلف حائط يخفي جسده حتى مرَّ ذلك الحارس و عاد ماجد يكمل طريقه، وصل أخيرًا للمكتب و أغلق الباب خلفه، لم يحتج جهدًا كبيرًا للحصول عليها، حيث كانت لديه كل التفاصيل عن مظهر الملفات و الدرج الذي يحتويها، تفقدها سريعًا ثم تحرك ليخرج.

أغلق ماجد باب المكتب برفق بعد خروجه و التفت ليكمل طريقه لكنه تفاجأ بهم يقفون في طريقه.

في الخارج، كان ينظر سالم لساعة يده بنفاذ صبر، صديقه تأخر أكثر مما خُطط له و مع ذلك لا يستطيع الدخول لأنه وعده بالبقاء بالخارج، في ظل شروده سمع طرقًا على زجاج النافذة، نظر و وجد أسامة - الابن الأصغر لهمام- يقف بالخارج يصوب سلاحه ناحيته و اليد الأخرى يشير له بأن ينزل.

فتح سالم الباب بهدوء و خرج ليقف قبالة الأخر الذي يبتسم له و في عينيه انتصار: مرّ وقت طويل يا سالم

أجابه سالم: بالفعل؛ مر الكثير حتى أصبح والدك يرسلك بمفردك و أعطاكَ سلاحًا أيضًا يا صغير.

ابتلع أسامة سخريته و قال: في النهاية أصبح الصغير هو مَن يثبتك الآن، هيا تحرك معي للداخل

ابتسم سالم للحظة ثم باغته حين اقترب سريعًا من أسامة الذي توتر و أطلق النار لكن الطلقة مرت من جانب رأس سالم و لم تخفه بل أكمل اقترابه و ضرب برأسه رأس أسامة فسقط الأخر على الأرض يتأوه من الألم.

أمسك سالم سلاحه و صوبه عليه بينما يقول: مهما كبرت لن تكون مؤهلًا لتثبيتي، إن أمسكت السلاح بيد مرتجفة فسيكون سبب هزيمتك.

تحدث أسامة سريعـًا عندما رأى الشر بداخل أعين سالم: انتظر! رفيقك تحت أيدينا.

في الداخل، كان يجلس همام على كرسي في ردهة القصر، خلفه يقف ابنه الكبير هيثم و بقية الرجال ينتشرون في كل زاوية، لقد كان يعلم بخطة راشد في سرقة ملفاته لذا خدعهما بخروجه من القصر و أرسل رجلًا يقود السيارة بعيدًا و سهّل دخول ماجد للقصر.

قال همام غاضبًا لأحد الرجال: لا أفهم كيف تسمح له بالذهاب بمفرده لعند سالم؟

أجاب الرجل و هو يخفض رأسه: لقد أصر يا سيدي، و رفض أن يصطحب أحدنا معه.

تحدث وقتها هيثم بهدوء: لا تقلق يا أبي، سالم لن يؤذيه قبل أن يطمئن على رفيقه.

قالها و نظر للوراء حيث ماجد الذي يجلس على ركبتيه و يديه مقيدتان وراء ظهره، لم يكن ماجد يهتم بحاله بقدر ما كان يفكر بسالم و يتمنى ألا يجازف هذه المرة و يذهب من هنا.

خاب أمل ماجد حين رأى سالم يدخل لعندهم و هو يثبت أمامه أسامة حيث يضع السلاح على جانب رأسه.

تحرك رجال همام سريعًا يحاوطونه يصوبون أسلحتهم ناحيته لكن صرخ فيهم همام بعدما انتصب واقفًا: توقفوا!

تراجع الرجال قليلًا للخلف ليتركوا مجال للرؤية بين همام و سالم.

وجه همام حديثه إليه قائلًا: انزل سلاحك يا سالم، ليس ابن همام مَن يُرفع عليه السلاح و في وسط بيتي.

أجاب سالم: كان يجب أن تفكر مليًا قبل أن ترسل جَروك الصغير ليحضرني..  إن كنت تريده اترك صديقي و دعنا نرحل من هنا.

قال همام: فقط لأنني أعلم أهميتك لدى راشد سأتركك تغادر من هنا على قدميك، لكن رفيقك يجب أن يدفع ثمن تسلله لقصري و محاولته سرقتي، و مرة أخرى لا تساوي بين رأس كلب راشد و رأس ابن همام.

فور سماع ماجد لحديثه صرخ قائلًا: استمع لحديثه يا سالم و ارحل من هنا!

تجاهل سالم حديث صديقه بل و حديث همام و قال: أمر الملفات بينك و بين الزعيم لا يخصنا، الآن سأخرج رفقة صديقي أو مع جثة ابنك.

صمت همام لا يدري ما يفعله.. لا يريد أن ينصاع لأوامر سالم فهذا سيقلل من شأنه أمام أولاده بل و كل رجاله، في ظل حيرته اقترب منه هيثم و همس بشيء بجانب أذنه.

نظر همام له برضى عن فكرته و قال: موافق يا سالم، خذ صديقك و ارحلا من هنا.

قال جملته ثم أشار لابنه لكي يفق وثاق ماجد الذي وقف على قدميه و بدأ يقترب ناحية سالم، و كذلك الآخر حرر أسامة و تركه يذهب عند والده.

عندما التقى أسامة مع ماجد عند نفس النقطة مع اختلاف اتجاههما.. رفع هيثم سلاحه على حين غفلة من سالم و أطلق على ظهر ماجد.

اتسعت عينا سالم بصدمة و هو يرى صديقه يسقط أرضًا أمام عينيه، و لكن صدمته لم تعجزه على أن يرفع سلاحه و يستهدف رأس أسامة من بين كل الرجال الذين احتمى فيهم، سقط أسامة ميتًا على الأرض و هرول ناحيته أخيه و أبيه يصرخون باسمه.

من الناحية الأخرى حاول سالم أن يقترب لصديقه لكن أحد الحرس جاء من خلفه و ضرب مؤخرة رأسه بسلاحه.

خر سالم على ركبتيه و هو يشعر برأسه يدوي و كأن صوت الضربة اخترقها و بدأ يتردد بداخلها، بدأت رؤيته تتشوش بينما كان ينظر ناحية صديقه الملقى على الأرض بين دمائه، لكن مازال يستطيع أن يفتح عينيه، لم يكن  أحدهما قادرًا على أن يتفوه بكلمة لكن عينا ماجد كانت تنطق بالوداع، وداع لصديق ظلمته.. صديق المعاناة.

في مقابلتها كانت عينا سالم بدأت تمتليء بالدموع حزنًا عليه و هو يبدو مستسلمًا للرحيل، تردد سؤال بداخله " أسئمت السير على الوحل يا رفيقي؟ كنت أعتقد أن صُحبتي تهوّن  سوء الطريق ".

أغمض ماجد عيونه و في ذات اللحظة سقط كامل جسد سالم على الأرض و قد زادت رؤيته سوءًا و بدأ عقله يغيب عن الوعي بعد استرجاع لحظات من ذكرياته:

" لا أحد منا ينير هذه الظلمة يا رفيق، لكنني أعدك بأنني لن أتركك بمفردك بها ".

أشعة الشمس اخترقت النافذة ثم نفذت إلى ظلمة عقله و بدأ يستعيد وعيه، عينيه كانت ترتجف.. ثانية يفتحها و أخرى يعيد غلقها، بعد لحظات استطاع أخيرًا أن يبقي جفنيه مفتوحين،

دار ببصره في أرجاء الغرفة ليتعرف عليها، كانت أحد الغرف في قصر راشد، فجأة توالت على عقله آخر لحظات عاشها قبل سقوطه: مهمة.. أسامة.. طلقة.. ماجد!!

عند اسم صديقه انتفض من سريره، إثر ذلك داهمه دوار شديد أجبره أن يجلس على طرف السرير يضغط بكف يده على رأسه لعلّه يخفف من شدة الألم بداخله،

عندما شعر ببعض التحسن عاد يقف على قدميه لكن بحذر هذه المرة و بدأ يتحرك ببطء مغادرًا الغرفة.

عندما نزل للأسفل وجد راشد يجلس في الردهة مع بعض رجاله و يبدو عليهم التخطيط لشيء،

انتبه له راشد فقام من كرسيه يقترب منه: لمَ غادرت الفراش يا سالم لازلت تحتاج للراحة؟

سأل سالم مباشرة: أين ماجد؟

ربت راشد على كتفه و قال متجاهلًا سؤاله: عد للغرفة الآن و سنتحدث لاحقـًا.

أبعد سالم كف يده برفق عن كتفه و ابتعد خطوة عنه و قال بصوت أكثر حدة هذه المرة: لقد سألت أين ماجد يا زعيم، أجبني!

في ظل ترقب سالم و تردد زعيمه من الناحية الأخرى جاء صوت لطالما أغاظ سالم: أخبره يا زعيم، رمز الصداقة يريد أن يطمئن على رفيقه .

نظر سالم وراء راشد ليجد صاحب الصوت هو " تامر " أكثر مَن يمقت مِن بين كل الرجال هنا، لم تكن علاقتهما ودودة في أي فترة سابقة، و اليوم كذلك.

استقام تامر من كرسيه و اقترب منهما بضع خطوات و خاطب راشد لكن مازالت عينيه معلقتان على سالم الذي بدا عليه الحيرة و التخبط: على أية حال هو سيعرف في النهاية.

مال راشد جانب وجهه ناحية تامر دون أن يلتفت و قال بتحذير : اصمت أنت يا تامر!

وقتها لم يتحمل سالم الوضع و صرخ قائلًا: ليخبرني أحدكم أين ماجد!

أنكس راشد رأسه للأرض ثم قال بحزن: لم نستطع انقاذه يا سالم، حين وصلنا كان قد فارق الحياة بالفعل.

و مع كلمات راشد تبدد آخر أمل لدى سالم في أن يكون ماجد على قيد الحياة، عبس وجهه بعض الشيء و نظر لوجوه الزعيم و بقية الرجال بضياع، فقدان ماجد كان أكثر من قدرة احتماله، كان مشتتًا بين ذكرياته معه و بين آخر حالة رآه بها،

لقد كان يجلس معه منذ يوم فقط في السيارة يتحدثان بأريحية عما سيقومان بفعله بعد الانتهاء من المهمة، لا يدري كيف في لحظة يفقد المرء جزءًا منه، جزءًا لم يتخيل يومـًا أن يسير بدونه.

في ظل ضياعه كان راشد و رجاله يشفقون عليه و قبل أن يتحدث أحد؛ تركهم سالم و عاد لغرفته في وجوم.

عاد تامر يجلس على كرسيه بلامبالاة بينما راشد فتنهد حزينـًا مما يلقاه في رجاله الواحد تلو الآخر.

بعد أيام تجاوز سالم حالة الحزن نوعًا ما لكن في المقابل دخل بهيجان شديد، لم يستطع أحد أن يهدأه، كل ما كان يحاول فعله أن يخرج لكي يقتل عائلة همام، و بالأخص هيثم، و بكل مرة يأمر راشد رجاله بأن يعيدوه لغرفته فَتزداد ثورته و غضبه.

سمع راشد صوت تحطم شيء فنظر ناحية السلم ليجد أحد رجاله ينزل بصينية الطعام الفارغة، كان ليعتقد أن سالم أخذ طعامه هذه المرة لكن ملامح الرجل اليائسة لا تقول ذلك، تنهد راشد قبل أن يستقيم من كرسيه و يتجه ناحية غرفة سالم لينهي ذلك الأمر بنفسه.

دخل للغرفة و وجد ما توقعه، حطام في كل زاوية، بقايا أطباق الطعام كذلك، أكمل راشد ناحية الذي يجلس على كرسي في جانب الغرفة ينظر أمامه للمرآة و عينيه مظلمة بدرجة أكثر من المعتاد.

جلس راشد على كرسي بجانبه و قال: ما الذي سيريحك يا سالم؟

أجاب سالم دون تفكير: تتركني أقتلهم، أو على الأقل ذلك الوغد هيثم

قال راشد: إن افترضنا أنك فعلت.. ماذا بعد؟ هل ستعود إليّ سالمًا؟

أجاب سالم بثقة: ليست أول مرة أتخلص من عائلة يا زعيم، و بمفردي!

قال راشد ببعض الحدة: ليست ككل مرة يا سالم، إنهم يتأهبون لك بالفعل و ينتظرون أن يمسكوا بك ليثأروا لابنهم، هل ستضع قدمك في المصيدة بنفسك!

قام سالم من كرسيه و قال بحدة أكبر: و ما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ أترك دماء صديقي تذهب هدرًا!

قام راشد هو الآخر و قال: ألم تقتل أسامة في لحظتها؟! لقد أخذت حقه بالفعل، دعنا الآن نفكر في حل ينقذك منهم

أعاد سالم خصلات شعره للوراء بعنف ثم قال ساخرًا و هو ينظر ناحية النافذة: رائع جاء اليوم الذي سأختبأ فيه من همام و كلابه!

تجاهل راشد سخريته و اقترب يضغط بكلا كفيه على كتفيه يجبره أن ينظر إليه: سالم، لقد خسرت الكثير من رجالي الفترة الماضية، لكنني لن أسمح بخسارتك أنت بالأخص ورقتي الرابحة.

نظر سالم داخل عينا زعيمه الصادقة و تنهد دون أن يجيب بشيء، أبعد راشد كفيه و التفت يخرج من الغرفة بينما يقول: حضر ثيابك و أنا سأهتم بالباقي.

بعد بضعة ساعات نزل سالم من غرفته و هو يحمل حقيبته بين يديه، تقدم راشد و سلّمه أوراق السفر و هو يودعه، في وسط ذلك ألقى تامر- كعادته- كلامه الذي يثير غيظ سالم: لا تطل غيبتك يا سالم، صحيح لقد نسيت.. أنت بالفعل لا تطيل لكي تتجاوز أمرًا ما.

نظر سالم ناحيته بضيق و قال: ما الذي ترمي إليه يا هذا؟

استقام تامر من على الأريكة و قال: قصدت أن لا داعي لتلعب دور الصديق الذي لا يستطيع تحمل فراق صديقه، لا يليق بك، جميعـًا نرى كيف قتلت زين بدم بارد.

حسنـًا هو بالفعل كان ينتظر فرصة لينفس عن القليل من غضبه، ترك الحقيبة من يده و اقترب من تامر يلكمه بقوة،

سقط تامر على الأريكة إثر لكمته و مع ذلك سرعان ما استقام ناويًا أن يرد الضربة و لكن رجلين جاءا من خلفه و أمسكا به،

قال سالم و هو يراه يحاول أن يتملص من الرجلين: سأقتلك يومًا أيها الوغد!

صرخ راشد بهما: يكفي!

ناول الحقيبة لسالم و أكمل: سالم هيا ستتأخر.

بعد مرور ساعة، كان يجلس سالم في كرسيه بجانب النافذة ينظر إلى خارجها شاردًا بكم هائل من الذكريات حتى أنها جعلت صوت المضيفة بعيدًا و هي تقول " نرجو من السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا للاقلاع، و التأكد من أن المقاعد في وضعها العمودي و الطاولات مطوية.. مع تمنينا لكم رحلة آمنة "

الجميع يعود لوطنه مرتاحًا، تغمره الطمأنينة، يفكر فيما سيراه من تجديد طرأ على بلده و على أهله و أقربائه، حتى في عالمه المظلم كان يلاحظ كيف يحكي رفاقه عن حنينهم لبلادهم.. و لكنه لم يختبر تلك المشاعر من قبل، ربما الجميع محقين فيما يعتقدونه عنه، هو بالفعل أداة قتل لا ينتمي لأي شيء.

و لكن رغمًا عنه لم يقدر أن يحب الموطن الجديد الذي شهد تحوله لتلك الأداة الوحشية، كل ذكراه هنا بين الدماء و الفقد،

بينما موطنه الأصلي الذي يفصله عنه بضعة ساعات.. فكذلك لا يشعر بأنه ينتمي له، هو عاش فيه سنواته الأولى حين كان مجرد طفل بريء، طفل قُتل على تلك الأرض منذ زمن،

لم يعد يرى طيفه حين يطالع المرآة و لا يزوره في أحلامه، ذلك الموطن هاديء بكل ذكرياته لن يتقبل وحشـًا مثله، هو يدرك أنه لن يرغب أن يطيل فيه و سيعود قريبًا لهنا، لموطنٍ اعتاده و إن كان يمقته أحيانٍ كثيرة.

بدأت الطائرة تقلع في الهواء، أراح سالم رأسه على الكرسي لحظات و أغمض عينيه ثم عاد يفتحهما سريعـًا، للحظة نسى مَن يكون، الخطر يحاوطه من كل اتجاه، لو خانته عينيه فستكون عندها النهاية.

مرت خمسة أشهر على تلك الحادثة، فيها بنى زين مع رؤى حياة هادئة كما حلم بها، بعيدًا عن الجميع.

أما عن سالم فقد التأم جرحه منذ بضعة أسابيع و عاد ليتابع عمله، لكنه لاحظ في تلك المدة كثرة انعزال الزعيم راشد عنهم، لا يدري إن كان حزينًا على موت زين أو يشعر بالندم حيال أمره بقتله و عدم اعطائه فرصة أخرى،

بينما البقية، فقد سالم صداقة معظمهم، البعض حزنًا على زين، و البعض الآخر خائفًا منه بعدما تأكدوا أنه لا يشعر بالانتماء لشيء و أنه بالفعل أداة قتل بلا رحمة، خاصةً أن القليل يخفي بضعة أسرار عن راشد و إن علمها سالم عنهم لن يتردد في إخباره، بل و قتلهم إن أمر راشد بذلك.

لم ينشغل سالم كثيرًا بابتعادهم عنه، فهو لا يهتم سوى برفيقه الوحيد " ماجد "، أول رفيق تعرف عليه هنا و يبدو أنه الأخير فهو وحده مَن ظل معه و رافقه طوال فترة تعافيه و لم يتركه لحظة فضلًا عن أنه لم يعاتبه على قتله لزين.

قرر سالم أنه لن يخبر أحدًا عما دار بينه و بين زين، حتى لصديقه، يريد أن يتعامل هو أيضًا على أن رفيقه زين قد مات.

أعطى الزعيم لسالم و ماجد مهمة صغيرة، سرقة ملفات تخصه من قصر أحد أعدائه.

الساعة الحادية عشر مساءً:

الطريق فارغ و البيوت على جانبيه أغلبها خاوٍ، اصطفت سيارة على بعد مسافة من قصر  "  همام " يجلس ماجد في كرسي السائق و بجانبه سالم الذي يدخن سيجارته الثالثة الليلة و هو يراوده إحساس غير مريح لا يدري سببه، هو لم يقلق في أخطر مهامه و اليوم يملأه القلق في مهمة بسيطة كهذه،

أخرجه ماجد من شروده بقوله: سالم، كما اتفقنا.. ستبقى هنا في انتظاري و لن تدخل تحت أي ظرف

قال سالم و هو ينظر لخارج نافذة السيارة : هذه ثالث مرة تقولها يا ماجد فهمت

وضع ماجد كف يده على كتفه و هو يقول: هل أنت بخير يا صديقي؟

نظر سالم ناحيته ثم قال: لا أدري، لكن لا تحمل همـًا سيكون كل شيء على مايرام

حينها سمعا صوت محرك سيارة فنظرا ناحية القصر وجدا سيارة همام تغادر مبتعدة عن القصر،

قال ماجد بينما يفتح باب السيارة: جاء دوري.

التف ماجد حول القصر حتى وصل للباب الخلفي الذي كان خاليًا من أي حرس كما خُطط، دخل و اتجه لباب المطبخ الذي كذلك تُرك مفتوحًا.

خرج من المطبخ و كان ينوي الاتجاه لغرفة المكتب لكنه سمع أقدام شخص بالخارج لذا رجع خلف حائط يخفي جسده حتى مرَّ ذلك الحارس و عاد ماجد يكمل طريقه، وصل أخيرًا للمكتب و أغلق الباب خلفه، لم يحتج جهدًا كبيرًا للحصول عليها، حيث كانت لديه كل التفاصيل عن مظهر الملفات و الدرج الذي يحتويها، تفقدها سريعًا ثم تحرك ليخرج.

أغلق ماجد باب المكتب برفق بعد خروجه و التفت ليكمل طريقه لكنه تفاجأ بهم يقفون في طريقه.

في الخارج، كان ينظر سالم لساعة يده بنفاذ صبر، صديقه تأخر أكثر مما خُطط له و مع ذلك لا يستطيع الدخول لأنه وعده بالبقاء بالخارج، في ظل شروده سمع طرقًا على زجاج النافذة، نظر و وجد أسامة - الابن الأصغر لهمام- يقف بالخارج يصوب سلاحه ناحيته و اليد الأخرى يشير له بأن ينزل.

فتح سالم الباب بهدوء و خرج ليقف قبالة الأخر الذي يبتسم له و في عينيه انتصار: مرّ وقت طويل يا سالم

أجابه سالم: بالفعل؛ مر الكثير حتى أصبح والدك يرسلك بمفردك و أعطاكَ سلاحًا أيضًا يا صغير.

ابتلع أسامة سخريته و قال: في النهاية أصبح الصغير هو مَن يثبتك الآن، هيا تحرك معي للداخل

ابتسم سالم للحظة ثم باغته حين اقترب سريعًا من أسامة الذي توتر و أطلق النار لكن الطلقة مرت من جانب رأس سالم و لم تخفه بل أكمل اقترابه و ضرب برأسه رأس أسامة فسقط الأخر على الأرض يتأوه من الألم.

أمسك سالم سلاحه و صوبه عليه بينما يقول: مهما كبرت لن تكون مؤهلًا لتثبيتي، إن أمسكت السلاح بيد مرتجفة فسيكون سبب هزيمتك.

تحدث أسامة سريعـًا عندما رأى الشر بداخل أعين سالم: انتظر! رفيقك تحت أيدينا.

في الداخل، كان يجلس همام على كرسي في ردهة القصر، خلفه يقف ابنه الكبير هيثم و بقية الرجال ينتشرون في كل زاوية، لقد كان يعلم بخطة راشد في سرقة ملفاته لذا خدعهما بخروجه من القصر و أرسل رجلًا يقود السيارة بعيدًا و سهّل دخول ماجد للقصر.

قال همام غاضبًا لأحد الرجال: لا أفهم كيف تسمح له بالذهاب بمفرده لعند سالم؟

أجاب الرجل و هو يخفض رأسه: لقد أصر يا سيدي، و رفض أن يصطحب أحدنا معه.

تحدث وقتها هيثم بهدوء: لا تقلق يا أبي، سالم لن يؤذيه قبل أن يطمئن على رفيقه.

قالها و نظر للوراء حيث ماجد الذي يجلس على ركبتيه و يديه مقيدتان وراء ظهره، لم يكن ماجد يهتم بحاله بقدر ما كان يفكر بسالم و يتمنى ألا يجازف هذه المرة و يذهب من هنا.

خاب أمل ماجد حين رأى سالم يدخل لعندهم و هو يثبت أمامه أسامة حيث يضع السلاح على جانب رأسه.

تحرك رجال همام سريعًا يحاوطونه يصوبون أسلحتهم ناحيته لكن صرخ فيهم همام بعدما انتصب واقفًا: توقفوا!

تراجع الرجال قليلًا للخلف ليتركوا مجال للرؤية بين همام و سالم.

وجه همام حديثه إليه قائلًا: انزل سلاحك يا سالم، ليس ابن همام مَن يُرفع عليه السلاح و في وسط بيتي.

أجاب سالم: كان يجب أن تفكر مليًا قبل أن ترسل جَروك الصغير ليحضرني..  إن كنت تريده اترك صديقي و دعنا نرحل من هنا.

قال همام: فقط لأنني أعلم أهميتك لدى راشد سأتركك تغادر من هنا على قدميك، لكن رفيقك يجب أن يدفع ثمن تسلله لقصري و محاولته سرقتي، و مرة أخرى لا تساوي بين رأس كلب راشد و رأس ابن همام.

فور سماع ماجد لحديثه صرخ قائلًا: استمع لحديثه يا سالم و ارحل من هنا!

تجاهل سالم حديث صديقه بل و حديث همام و قال: أمر الملفات بينك و بين الزعيم لا يخصنا، الآن سأخرج رفقة صديقي أو مع جثة ابنك.

صمت همام لا يدري ما يفعله.. لا يريد أن ينصاع لأوامر سالم فهذا سيقلل من شأنه أمام أولاده بل و كل رجاله، في ظل حيرته اقترب منه هيثم و همس بشيء بجانب أذنه.

نظر همام له برضى عن فكرته و قال: موافق يا سالم، خذ صديقك و ارحلا من هنا.

قال جملته ثم أشار لابنه لكي يفق وثاق ماجد الذي وقف على قدميه و بدأ يقترب ناحية سالم، و كذلك الآخر حرر أسامة و تركه يذهب عند والده.

عندما التقى أسامة مع ماجد عند نفس النقطة مع اختلاف اتجاههما.. رفع هيثم سلاحه على حين غفلة من سالم و أطلق على ظهر ماجد.

اتسعت عينا سالم بصدمة و هو يرى صديقه يسقط أرضًا أمام عينيه، و لكن صدمته لم تعجزه على أن يرفع سلاحه و يستهدف رأس أسامة من بين كل الرجال الذين احتمى فيهم، سقط أسامة ميتًا على الأرض و هرول ناحيته أخيه و أبيه يصرخون باسمه.

من الناحية الأخرى حاول سالم أن يقترب لصديقه لكن أحد الحرس جاء من خلفه و ضرب مؤخرة رأسه بسلاحه.

خر سالم على ركبتيه و هو يشعر برأسه يدوي و كأن صوت الضربة اخترقها و بدأ يتردد بداخلها، بدأت رؤيته تتشوش بينما كان ينظر ناحية صديقه الملقى على الأرض بين دمائه، لكن مازال يستطيع أن يفتح عينيه، لم يكن  أحدهما قادرًا على أن يتفوه بكلمة لكن عينا ماجد كانت تنطق بالوداع، وداع لصديق ظلمته.. صديق المعاناة.

في مقابلتها كانت عينا سالم بدأت تمتليء بالدموع حزنًا عليه و هو يبدو مستسلمًا للرحيل، تردد سؤال بداخله " أسئمت السير على الوحل يا رفيقي؟ كنت أعتقد أن صُحبتي تهوّن  سوء الطريق ".

أغمض ماجد عيونه و في ذات اللحظة سقط كامل جسد سالم على الأرض و قد زادت رؤيته سوءًا و بدأ عقله يغيب عن الوعي بعد استرجاع لحظات من ذكرياته:

" لا أحد منا ينير هذه الظلمة يا رفيق، لكنني أعدك بأنني لن أتركك بمفردك بها ".

أشعة الشمس اخترقت النافذة ثم نفذت إلى ظلمة عقله و بدأ يستعيد وعيه، عينيه كانت ترتجف.. ثانية يفتحها و أخرى يعيد غلقها، بعد لحظات استطاع أخيرًا أن يبقي جفنيه مفتوحين،

دار ببصره في أرجاء الغرفة ليتعرف عليها، كانت أحد الغرف في قصر راشد، فجأة توالت على عقله آخر لحظات عاشها قبل سقوطه: مهمة.. أسامة.. طلقة.. ماجد!!

عند اسم صديقه انتفض من سريره، إثر ذلك داهمه دوار شديد أجبره أن يجلس على طرف السرير يضغط بكف يده على رأسه لعلّه يخفف من شدة الألم بداخله،

عندما شعر ببعض التحسن عاد يقف على قدميه لكن بحذر هذه المرة و بدأ يتحرك ببطء مغادرًا الغرفة.

عندما نزل للأسفل وجد راشد يجلس في الردهة مع بعض رجاله و يبدو عليهم التخطيط لشيء،

انتبه له راشد فقام من كرسيه يقترب منه: لمَ غادرت الفراش يا سالم لازلت تحتاج للراحة؟

سأل سالم مباشرة: أين ماجد؟

ربت راشد على كتفه و قال متجاهلًا سؤاله: عد للغرفة الآن و سنتحدث لاحقـًا.

أبعد سالم كف يده برفق عن كتفه و ابتعد خطوة عنه و قال بصوت أكثر حدة هذه المرة: لقد سألت أين ماجد يا زعيم، أجبني!

في ظل ترقب سالم و تردد زعيمه من الناحية الأخرى جاء صوت لطالما أغاظ سالم: أخبره يا زعيم، رمز الصداقة يريد أن يطمئن على رفيقه .

نظر سالم وراء راشد ليجد صاحب الصوت هو " تامر " أكثر مَن يمقت مِن بين كل الرجال هنا، لم تكن علاقتهما ودودة في أي فترة سابقة، و اليوم كذلك.

استقام تامر من كرسيه و اقترب منهما بضع خطوات و خاطب راشد لكن مازالت عينيه معلقتان على سالم الذي بدا عليه الحيرة و التخبط: على أية حال هو سيعرف في النهاية.

مال راشد جانب وجهه ناحية تامر دون أن يلتفت و قال بتحذير : اصمت أنت يا تامر!

وقتها لم يتحمل سالم الوضع و صرخ قائلًا: ليخبرني أحدكم أين ماجد!

أنكس راشد رأسه للأرض ثم قال بحزن: لم نستطع انقاذه يا سالم، حين وصلنا كان قد فارق الحياة بالفعل.

و مع كلمات راشد تبدد آخر أمل لدى سالم في أن يكون ماجد على قيد الحياة، عبس وجهه بعض الشيء و نظر لوجوه الزعيم و بقية الرجال بضياع، فقدان ماجد كان أكثر من قدرة احتماله، كان مشتتًا بين ذكرياته معه و بين آخر حالة رآه بها،

لقد كان يجلس معه منذ يوم فقط في السيارة يتحدثان بأريحية عما سيقومان بفعله بعد الانتهاء من المهمة، لا يدري كيف في لحظة يفقد المرء جزءًا منه، جزءًا لم يتخيل يومـًا أن يسير بدونه.

في ظل ضياعه كان راشد و رجاله يشفقون عليه و قبل أن يتحدث أحد؛ تركهم سالم و عاد لغرفته في وجوم.

عاد تامر يجلس على كرسيه بلامبالاة بينما راشد فتنهد حزينـًا مما يلقاه في رجاله الواحد تلو الآخر.

بعد أيام تجاوز سالم حالة الحزن نوعًا ما لكن في المقابل دخل بهيجان شديد، لم يستطع أحد أن يهدأه، كل ما كان يحاول فعله أن يخرج لكي يقتل عائلة همام، و بالأخص هيثم، و بكل مرة يأمر راشد رجاله بأن يعيدوه لغرفته فَتزداد ثورته و غضبه.

سمع راشد صوت تحطم شيء فنظر ناحية السلم ليجد أحد رجاله ينزل بصينية الطعام الفارغة، كان ليعتقد أن سالم أخذ طعامه هذه المرة لكن ملامح الرجل اليائسة لا تقول ذلك، تنهد راشد قبل أن يستقيم من كرسيه و يتجه ناحية غرفة سالم لينهي ذلك الأمر بنفسه.

دخل للغرفة و وجد ما توقعه، حطام في كل زاوية، بقايا أطباق الطعام كذلك، أكمل راشد ناحية الذي يجلس على كرسي في جانب الغرفة ينظر أمامه للمرآة و عينيه مظلمة بدرجة أكثر من المعتاد.

جلس راشد على كرسي بجانبه و قال: ما الذي سيريحك يا سالم؟

أجاب سالم دون تفكير: تتركني أقتلهم، أو على الأقل ذلك الوغد هيثم

قال راشد: إن افترضنا أنك فعلت.. ماذا بعد؟ هل ستعود إليّ سالمًا؟

أجاب سالم بثقة: ليست أول مرة أتخلص من عائلة يا زعيم، و بمفردي!

قال راشد ببعض الحدة: ليست ككل مرة يا سالم، إنهم يتأهبون لك بالفعل و ينتظرون أن يمسكوا بك ليثأروا لابنهم، هل ستضع قدمك في المصيدة بنفسك!

قام سالم من كرسيه و قال بحدة أكبر: و ما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ أترك دماء صديقي تذهب هدرًا!

قام راشد هو الآخر و قال: ألم تقتل أسامة في لحظتها؟! لقد أخذت حقه بالفعل، دعنا الآن نفكر في حل ينقذك منهم

أعاد سالم خصلات شعره للوراء بعنف ثم قال ساخرًا و هو ينظر ناحية النافذة: رائع جاء اليوم الذي سأختبأ فيه من همام و كلابه!

تجاهل راشد سخريته و اقترب يضغط بكلا كفيه على كتفيه يجبره أن ينظر إليه: سالم، لقد خسرت الكثير من رجالي الفترة الماضية، لكنني لن أسمح بخسارتك أنت بالأخص ورقتي الرابحة.

نظر سالم داخل عينا زعيمه الصادقة و تنهد دون أن يجيب بشيء، أبعد راشد كفيه و التفت يخرج من الغرفة بينما يقول: حضر ثيابك و أنا سأهتم بالباقي.

بعد بضعة ساعات نزل سالم من غرفته و هو يحمل حقيبته بين يديه، تقدم راشد و سلّمه أوراق السفر و هو يودعه، في وسط ذلك ألقى تامر- كعادته- كلامه الذي يثير غيظ سالم: لا تطل غيبتك يا سالم، صحيح لقد نسيت.. أنت بالفعل لا تطيل لكي تتجاوز أمرًا ما.

نظر سالم ناحيته بضيق و قال: ما الذي ترمي إليه يا هذا؟

استقام تامر من على الأريكة و قال: قصدت أن لا داعي لتلعب دور الصديق الذي لا يستطيع تحمل فراق صديقه، لا يليق بك، جميعـًا نرى كيف قتلت زين بدم بارد.

حسنـًا هو بالفعل كان ينتظر فرصة لينفس عن القليل من غضبه، ترك الحقيبة من يده و اقترب من تامر يلكمه بقوة،

سقط تامر على الأريكة إثر لكمته و مع ذلك سرعان ما استقام ناويًا أن يرد الضربة و لكن رجلين جاءا من خلفه و أمسكا به،

قال سالم و هو يراه يحاول أن يتملص من الرجلين: سأقتلك يومًا أيها الوغد!

صرخ راشد بهما: يكفي!

ناول الحقيبة لسالم و أكمل: سالم هيا ستتأخر.

بعد مرور ساعة، كان يجلس سالم في كرسيه بجانب النافذة ينظر إلى خارجها شاردًا بكم هائل من الذكريات حتى أنها جعلت صوت المضيفة بعيدًا و هي تقول " نرجو من السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا للاقلاع، و التأكد من أن المقاعد في وضعها العمودي و الطاولات مطوية.. مع تمنينا لكم رحلة آمنة "

الجميع يعود لوطنه مرتاحًا، تغمره الطمأنينة، يفكر فيما سيراه من تجديد طرأ على بلده و على أهله و أقربائه، حتى في عالمه المظلم كان يلاحظ كيف يحكي رفاقه عن حنينهم لبلادهم.. و لكنه لم يختبر تلك المشاعر من قبل، ربما الجميع محقين فيما يعتقدونه عنه، هو بالفعل أداة قتل لا ينتمي لأي شيء.

و لكن رغمًا عنه لم يقدر أن يحب الموطن الجديد الذي شهد تحوله لتلك الأداة الوحشية، كل ذكراه هنا بين الدماء و الفقد،

بينما موطنه الأصلي الذي يفصله عنه بضعة ساعات.. فكذلك لا يشعر بأنه ينتمي له، هو عاش فيه سنواته الأولى حين كان مجرد طفل بريء، طفل قُتل على تلك الأرض منذ زمن،

لم يعد يرى طيفه حين يطالع المرآة و لا يزوره في أحلامه، ذلك الموطن هاديء بكل ذكرياته لن يتقبل وحشـًا مثله، هو يدرك أنه لن يرغب أن يطيل فيه و سيعود قريبًا لهنا، لموطنٍ اعتاده و إن كان يمقته أحيانٍ كثيرة.

بدأت الطائرة تقلع في الهواء، أراح سالم رأسه على الكرسي لحظات و أغمض عينيه ثم عاد يفتحهما سريعـًا، للحظة نسى مَن يكون، الخطر يحاوطه من كل اتجاه، لو خانته عينيه فستكون عندها النهاية.

مرت خمسة أشهر على تلك الحادثة، فيها بنى زين مع رؤى حياة هادئة كما حلم بها، بعيدًا عن الجميع.

أما عن سالم فقد التأم جرحه منذ بضعة أسابيع و عاد ليتابع عمله، لكنه لاحظ في تلك المدة كثرة انعزال الزعيم راشد عنهم، لا يدري إن كان حزينًا على موت زين أو يشعر بالندم حيال أمره بقتله و عدم اعطائه فرصة أخرى،

بينما البقية، فقد سالم صداقة معظمهم، البعض حزنًا على زين، و البعض الآخر خائفًا منه بعدما تأكدوا أنه لا يشعر بالانتماء لشيء و أنه بالفعل أداة قتل بلا رحمة، خاصةً أن القليل يخفي بضعة أسرار عن راشد و إن علمها سالم عنهم لن يتردد في إخباره، بل و قتلهم إن أمر راشد بذلك.

لم ينشغل سالم كثيرًا بابتعادهم عنه، فهو لا يهتم سوى برفيقه الوحيد " ماجد "، أول رفيق تعرف عليه هنا و يبدو أنه الأخير فهو وحده مَن ظل معه و رافقه طوال فترة تعافيه و لم يتركه لحظة فضلًا عن أنه لم يعاتبه على قتله لزين.

قرر سالم أنه لن يخبر أحدًا عما دار بينه و بين زين، حتى لصديقه، يريد أن يتعامل هو أيضًا على أن رفيقه زين قد مات.

أعطى الزعيم لسالم و ماجد مهمة صغيرة، سرقة ملفات تخصه من قصر أحد أعدائه.

الساعة الحادية عشر مساءً:

الطريق فارغ و البيوت على جانبيه أغلبها خاوٍ، اصطفت سيارة على بعد مسافة من قصر  "  همام " يجلس ماجد في كرسي السائق و بجانبه سالم الذي يدخن سيجارته الثالثة الليلة و هو يراوده إحساس غير مريح لا يدري سببه، هو لم يقلق في أخطر مهامه و اليوم يملأه القلق في مهمة بسيطة كهذه،

أخرجه ماجد من شروده بقوله: سالم، كما اتفقنا.. ستبقى هنا في انتظاري و لن تدخل تحت أي ظرف

قال سالم و هو ينظر لخارج نافذة السيارة : هذه ثالث مرة تقولها يا ماجد فهمت

وضع ماجد كف يده على كتفه و هو يقول: هل أنت بخير يا صديقي؟

نظر سالم ناحيته ثم قال: لا أدري، لكن لا تحمل همـًا سيكون كل شيء على مايرام

حينها سمعا صوت محرك سيارة فنظرا ناحية القصر وجدا سيارة همام تغادر مبتعدة عن القصر،

قال ماجد بينما يفتح باب السيارة: جاء دوري.

التف ماجد حول القصر حتى وصل للباب الخلفي الذي كان خاليًا من أي حرس كما خُطط، دخل و اتجه لباب المطبخ الذي كذلك تُرك مفتوحًا.

خرج من المطبخ و كان ينوي الاتجاه لغرفة المكتب لكنه سمع أقدام شخص بالخارج لذا رجع خلف حائط يخفي جسده حتى مرَّ ذلك الحارس و عاد ماجد يكمل طريقه، وصل أخيرًا للمكتب و أغلق الباب خلفه، لم يحتج جهدًا كبيرًا للحصول عليها، حيث كانت لديه كل التفاصيل عن مظهر الملفات و الدرج الذي يحتويها، تفقدها سريعًا ثم تحرك ليخرج.

أغلق ماجد باب المكتب برفق بعد خروجه و التفت ليكمل طريقه لكنه تفاجأ بهم يقفون في طريقه.

في الخارج، كان ينظر سالم لساعة يده بنفاذ صبر، صديقه تأخر أكثر مما خُطط له و مع ذلك لا يستطيع الدخول لأنه وعده بالبقاء بالخارج، في ظل شروده سمع طرقًا على زجاج النافذة، نظر و وجد أسامة - الابن الأصغر لهمام- يقف بالخارج يصوب سلاحه ناحيته و اليد الأخرى يشير له بأن ينزل.

فتح سالم الباب بهدوء و خرج ليقف قبالة الأخر الذي يبتسم له و في عينيه انتصار: مرّ وقت طويل يا سالم

أجابه سالم: بالفعل؛ مر الكثير حتى أصبح والدك يرسلك بمفردك و أعطاكَ سلاحًا أيضًا يا صغير.

ابتلع أسامة سخريته و قال: في النهاية أصبح الصغير هو مَن يثبتك الآن، هيا تحرك معي للداخل

ابتسم سالم للحظة ثم باغته حين اقترب سريعًا من أسامة الذي توتر و أطلق النار لكن الطلقة مرت من جانب رأس سالم و لم تخفه بل أكمل اقترابه و ضرب برأسه رأس أسامة فسقط الأخر على الأرض يتأوه من الألم.

أمسك سالم سلاحه و صوبه عليه بينما يقول: مهما كبرت لن تكون مؤهلًا لتثبيتي، إن أمسكت السلاح بيد مرتجفة فسيكون سبب هزيمتك.

تحدث أسامة سريعـًا عندما رأى الشر بداخل أعين سالم: انتظر! رفيقك تحت أيدينا.

في الداخل، كان يجلس همام على كرسي في ردهة القصر، خلفه يقف ابنه الكبير هيثم و بقية الرجال ينتشرون في كل زاوية، لقد كان يعلم بخطة راشد في سرقة ملفاته لذا خدعهما بخروجه من القصر و أرسل رجلًا يقود السيارة بعيدًا و سهّل دخول ماجد للقصر.

قال همام غاضبًا لأحد الرجال: لا أفهم كيف تسمح له بالذهاب بمفرده لعند سالم؟

أجاب الرجل و هو يخفض رأسه: لقد أصر يا سيدي، و رفض أن يصطحب أحدنا معه.

تحدث وقتها هيثم بهدوء: لا تقلق يا أبي، سالم لن يؤذيه قبل أن يطمئن على رفيقه.

قالها و نظر للوراء حيث ماجد الذي يجلس على ركبتيه و يديه مقيدتان وراء ظهره، لم يكن ماجد يهتم بحاله بقدر ما كان يفكر بسالم و يتمنى ألا يجازف هذه المرة و يذهب من هنا.

خاب أمل ماجد حين رأى سالم يدخل لعندهم و هو يثبت أمامه أسامة حيث يضع السلاح على جانب رأسه.

تحرك رجال همام سريعًا يحاوطونه يصوبون أسلحتهم ناحيته لكن صرخ فيهم همام بعدما انتصب واقفًا: توقفوا!

تراجع الرجال قليلًا للخلف ليتركوا مجال للرؤية بين همام و سالم.

وجه همام حديثه إليه قائلًا: انزل سلاحك يا سالم، ليس ابن همام مَن يُرفع عليه السلاح و في وسط بيتي.

أجاب سالم: كان يجب أن تفكر مليًا قبل أن ترسل جَروك الصغير ليحضرني..  إن كنت تريده اترك صديقي و دعنا نرحل من هنا.

قال همام: فقط لأنني أعلم أهميتك لدى راشد سأتركك تغادر من هنا على قدميك، لكن رفيقك يجب أن يدفع ثمن تسلله لقصري و محاولته سرقتي، و مرة أخرى لا تساوي بين رأس كلب راشد و رأس ابن همام.

فور سماع ماجد لحديثه صرخ قائلًا: استمع لحديثه يا سالم و ارحل من هنا!

تجاهل سالم حديث صديقه بل و حديث همام و قال: أمر الملفات بينك و بين الزعيم لا يخصنا، الآن سأخرج رفقة صديقي أو مع جثة ابنك.

صمت همام لا يدري ما يفعله.. لا يريد أن ينصاع لأوامر سالم فهذا سيقلل من شأنه أمام أولاده بل و كل رجاله، في ظل حيرته اقترب منه هيثم و همس بشيء بجانب أذنه.

نظر همام له برضى عن فكرته و قال: موافق يا سالم، خذ صديقك و ارحلا من هنا.

قال جملته ثم أشار لابنه لكي يفق وثاق ماجد الذي وقف على قدميه و بدأ يقترب ناحية سالم، و كذلك الآخر حرر أسامة و تركه يذهب عند والده.

عندما التقى أسامة مع ماجد عند نفس النقطة مع اختلاف اتجاههما.. رفع هيثم سلاحه على حين غفلة من سالم و أطلق على ظهر ماجد.

اتسعت عينا سالم بصدمة و هو يرى صديقه يسقط أرضًا أمام عينيه، و لكن صدمته لم تعجزه على أن يرفع سلاحه و يستهدف رأس أسامة من بين كل الرجال الذين احتمى فيهم، سقط أسامة ميتًا على الأرض و هرول ناحيته أخيه و أبيه يصرخون باسمه.

من الناحية الأخرى حاول سالم أن يقترب لصديقه لكن أحد الحرس جاء من خلفه و ضرب مؤخرة رأسه بسلاحه.

خر سالم على ركبتيه و هو يشعر برأسه يدوي و كأن صوت الضربة اخترقها و بدأ يتردد بداخلها، بدأت رؤيته تتشوش بينما كان ينظر ناحية صديقه الملقى على الأرض بين دمائه، لكن مازال يستطيع أن يفتح عينيه، لم يكن  أحدهما قادرًا على أن يتفوه بكلمة لكن عينا ماجد كانت تنطق بالوداع، وداع لصديق ظلمته.. صديق المعاناة.

في مقابلتها كانت عينا سالم بدأت تمتليء بالدموع حزنًا عليه و هو يبدو مستسلمًا للرحيل، تردد سؤال بداخله " أسئمت السير على الوحل يا رفيقي؟ كنت أعتقد أن صُحبتي تهوّن  سوء الطريق ".

أغمض ماجد عيونه و في ذات اللحظة سقط كامل جسد سالم على الأرض و قد زادت رؤيته سوءًا و بدأ عقله يغيب عن الوعي بعد استرجاع لحظات من ذكرياته:

" لا أحد منا ينير هذه الظلمة يا رفيق، لكنني أعدك بأنني لن أتركك بمفردك بها ".

أشعة الشمس اخترقت النافذة ثم نفذت إلى ظلمة عقله و بدأ يستعيد وعيه، عينيه كانت ترتجف.. ثانية يفتحها و أخرى يعيد غلقها، بعد لحظات استطاع أخيرًا أن يبقي جفنيه مفتوحين،

دار ببصره في أرجاء الغرفة ليتعرف عليها، كانت أحد الغرف في قصر راشد، فجأة توالت على عقله آخر لحظات عاشها قبل سقوطه: مهمة.. أسامة.. طلقة.. ماجد!!

عند اسم صديقه انتفض من سريره، إثر ذلك داهمه دوار شديد أجبره أن يجلس على طرف السرير يضغط بكف يده على رأسه لعلّه يخفف من شدة الألم بداخله،

عندما شعر ببعض التحسن عاد يقف على قدميه لكن بحذر هذه المرة و بدأ يتحرك ببطء مغادرًا الغرفة.

عندما نزل للأسفل وجد راشد يجلس في الردهة مع بعض رجاله و يبدو عليهم التخطيط لشيء،

انتبه له راشد فقام من كرسيه يقترب منه: لمَ غادرت الفراش يا سالم لازلت تحتاج للراحة؟

سأل سالم مباشرة: أين ماجد؟

ربت راشد على كتفه و قال متجاهلًا سؤاله: عد للغرفة الآن و سنتحدث لاحقـًا.

أبعد سالم كف يده برفق عن كتفه و ابتعد خطوة عنه و قال بصوت أكثر حدة هذه المرة: لقد سألت أين ماجد يا زعيم، أجبني!

في ظل ترقب سالم و تردد زعيمه من الناحية الأخرى جاء صوت لطالما أغاظ سالم: أخبره يا زعيم، رمز الصداقة يريد أن يطمئن على رفيقه .

نظر سالم وراء راشد ليجد صاحب الصوت هو " تامر " أكثر مَن يمقت مِن بين كل الرجال هنا، لم تكن علاقتهما ودودة في أي فترة سابقة، و اليوم كذلك.

استقام تامر من كرسيه و اقترب منهما بضع خطوات و خاطب راشد لكن مازالت عينيه معلقتان على سالم الذي بدا عليه الحيرة و التخبط: على أية حال هو سيعرف في النهاية.

مال راشد جانب وجهه ناحية تامر دون أن يلتفت و قال بتحذير : اصمت أنت يا تامر!

وقتها لم يتحمل سالم الوضع و صرخ قائلًا: ليخبرني أحدكم أين ماجد!

أنكس راشد رأسه للأرض ثم قال بحزن: لم نستطع انقاذه يا سالم، حين وصلنا كان قد فارق الحياة بالفعل.

و مع كلمات راشد تبدد آخر أمل لدى سالم في أن يكون ماجد على قيد الحياة، عبس وجهه بعض الشيء و نظر لوجوه الزعيم و بقية الرجال بضياع، فقدان ماجد كان أكثر من قدرة احتماله، كان مشتتًا بين ذكرياته معه و بين آخر حالة رآه بها،

لقد كان يجلس معه منذ يوم فقط في السيارة يتحدثان بأريحية عما سيقومان بفعله بعد الانتهاء من المهمة، لا يدري كيف في لحظة يفقد المرء جزءًا منه، جزءًا لم يتخيل يومـًا أن يسير بدونه.

في ظل ضياعه كان راشد و رجاله يشفقون عليه و قبل أن يتحدث أحد؛ تركهم سالم و عاد لغرفته في وجوم.

عاد تامر يجلس على كرسيه بلامبالاة بينما راشد فتنهد حزينـًا مما يلقاه في رجاله الواحد تلو الآخر.

بعد أيام تجاوز سالم حالة الحزن نوعًا ما لكن في المقابل دخل بهيجان شديد، لم يستطع أحد أن يهدأه، كل ما كان يحاول فعله أن يخرج لكي يقتل عائلة همام، و بالأخص هيثم، و بكل مرة يأمر راشد رجاله بأن يعيدوه لغرفته فَتزداد ثورته و غضبه.

سمع راشد صوت تحطم شيء فنظر ناحية السلم ليجد أحد رجاله ينزل بصينية الطعام الفارغة، كان ليعتقد أن سالم أخذ طعامه هذه المرة لكن ملامح الرجل اليائسة لا تقول ذلك، تنهد راشد قبل أن يستقيم من كرسيه و يتجه ناحية غرفة سالم لينهي ذلك الأمر بنفسه.

دخل للغرفة و وجد ما توقعه، حطام في كل زاوية، بقايا أطباق الطعام كذلك، أكمل راشد ناحية الذي يجلس على كرسي في جانب الغرفة ينظر أمامه للمرآة و عينيه مظلمة بدرجة أكثر من المعتاد.

جلس راشد على كرسي بجانبه و قال: ما الذي سيريحك يا سالم؟

أجاب سالم دون تفكير: تتركني أقتلهم، أو على الأقل ذلك الوغد هيثم

قال راشد: إن افترضنا أنك فعلت.. ماذا بعد؟ هل ستعود إليّ سالمًا؟

أجاب سالم بثقة: ليست أول مرة أتخلص من عائلة يا زعيم، و بمفردي!

قال راشد ببعض الحدة: ليست ككل مرة يا سالم، إنهم يتأهبون لك بالفعل و ينتظرون أن يمسكوا بك ليثأروا لابنهم، هل ستضع قدمك في المصيدة بنفسك!

قام سالم من كرسيه و قال بحدة أكبر: و ما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ أترك دماء صديقي تذهب هدرًا!

قام راشد هو الآخر و قال: ألم تقتل أسامة في لحظتها؟! لقد أخذت حقه بالفعل، دعنا الآن نفكر في حل ينقذك منهم

أعاد سالم خصلات شعره للوراء بعنف ثم قال ساخرًا و هو ينظر ناحية النافذة: رائع جاء اليوم الذي سأختبأ فيه من همام و كلابه!

تجاهل راشد سخريته و اقترب يضغط بكلا كفيه على كتفيه يجبره أن ينظر إليه: سالم، لقد خسرت الكثير من رجالي الفترة الماضية، لكنني لن أسمح بخسارتك أنت بالأخص ورقتي الرابحة.

نظر سالم داخل عينا زعيمه الصادقة و تنهد دون أن يجيب بشيء، أبعد راشد كفيه و التفت يخرج من الغرفة بينما يقول: حضر ثيابك و أنا سأهتم بالباقي.

بعد بضعة ساعات نزل سالم من غرفته و هو يحمل حقيبته بين يديه، تقدم راشد و سلّمه أوراق السفر و هو يودعه، في وسط ذلك ألقى تامر- كعادته- كلامه الذي يثير غيظ سالم: لا تطل غيبتك يا سالم، صحيح لقد نسيت.. أنت بالفعل لا تطيل لكي تتجاوز أمرًا ما.

نظر سالم ناحيته بضيق و قال: ما الذي ترمي إليه يا هذا؟

استقام تامر من على الأريكة و قال: قصدت أن لا داعي لتلعب دور الصديق الذي لا يستطيع تحمل فراق صديقه، لا يليق بك، جميعـًا نرى كيف قتلت زين بدم بارد.

حسنـًا هو بالفعل كان ينتظر فرصة لينفس عن القليل من غضبه، ترك الحقيبة من يده و اقترب من تامر يلكمه بقوة،

سقط تامر على الأريكة إثر لكمته و مع ذلك سرعان ما استقام ناويًا أن يرد الضربة و لكن رجلين جاءا من خلفه و أمسكا به،

قال سالم و هو يراه يحاول أن يتملص من الرجلين: سأقتلك يومًا أيها الوغد!

صرخ راشد بهما: يكفي!

ناول الحقيبة لسالم و أكمل: سالم هيا ستتأخر.

بعد مرور ساعة، كان يجلس سالم في كرسيه بجانب النافذة ينظر إلى خارجها شاردًا بكم هائل من الذكريات حتى أنها جعلت صوت المضيفة بعيدًا و هي تقول " نرجو من السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا للاقلاع، و التأكد من أن المقاعد في وضعها العمودي و الطاولات مطوية.. مع تمنينا لكم رحلة آمنة "

الجميع يعود لوطنه مرتاحًا، تغمره الطمأنينة، يفكر فيما سيراه من تجديد طرأ على بلده و على أهله و أقربائه، حتى في عالمه المظلم كان يلاحظ كيف يحكي رفاقه عن حنينهم لبلادهم.. و لكنه لم يختبر تلك المشاعر من قبل، ربما الجميع محقين فيما يعتقدونه عنه، هو بالفعل أداة قتل لا ينتمي لأي شيء.

و لكن رغمًا عنه لم يقدر أن يحب الموطن الجديد الذي شهد تحوله لتلك الأداة الوحشية، كل ذكراه هنا بين الدماء و الفقد،

بينما موطنه الأصلي الذي يفصله عنه بضعة ساعات.. فكذلك لا يشعر بأنه ينتمي له، هو عاش فيه سنواته الأولى حين كان مجرد طفل بريء، طفل قُتل على تلك الأرض منذ زمن،

لم يعد يرى طيفه حين يطالع المرآة و لا يزوره في أحلامه، ذلك الموطن هاديء بكل ذكرياته لن يتقبل وحشـًا مثله، هو يدرك أنه لن يرغب أن يطيل فيه و سيعود قريبًا لهنا، لموطنٍ اعتاده و إن كان يمقته أحيانٍ كثيرة.

بدأت الطائرة تقلع في الهواء، أراح سالم رأسه على الكرسي لحظات و أغمض عينيه ثم عاد يفتحهما سريعـًا، للحظة نسى مَن يكون، الخطر يحاوطه من كل اتجاه، لو خانته عينيه فستكون عندها النهاية.

مرت خمسة أشهر على تلك الحادثة، فيها بنى زين مع رؤى حياة هادئة كما حلم بها، بعيدًا عن الجميع.

أما عن سالم فقد التأم جرحه منذ بضعة أسابيع و عاد ليتابع عمله، لكنه لاحظ في تلك المدة كثرة انعزال الزعيم راشد عنهم، لا يدري إن كان حزينًا على موت زين أو يشعر بالندم حيال أمره بقتله و عدم اعطائه فرصة أخرى،

بينما البقية، فقد سالم صداقة معظمهم، البعض حزنًا على زين، و البعض الآخر خائفًا منه بعدما تأكدوا أنه لا يشعر بالانتماء لشيء و أنه بالفعل أداة قتل بلا رحمة، خاصةً أن القليل يخفي بضعة أسرار عن راشد و إن علمها سالم عنهم لن يتردد في إخباره، بل و قتلهم إن أمر راشد بذلك.

لم ينشغل سالم كثيرًا بابتعادهم عنه، فهو لا يهتم سوى برفيقه الوحيد " ماجد "، أول رفيق تعرف عليه هنا و يبدو أنه الأخير فهو وحده مَن ظل معه و رافقه طوال فترة تعافيه و لم يتركه لحظة فضلًا عن أنه لم يعاتبه على قتله لزين.

قرر سالم أنه لن يخبر أحدًا عما دار بينه و بين زين، حتى لصديقه، يريد أن يتعامل هو أيضًا على أن رفيقه زين قد مات.

أعطى الزعيم لسالم و ماجد مهمة صغيرة، سرقة ملفات تخصه من قصر أحد أعدائه.

الساعة الحادية عشر مساءً:

الطريق فارغ و البيوت على جانبيه أغلبها خاوٍ، اصطفت سيارة على بعد مسافة من قصر  "  همام " يجلس ماجد في كرسي السائق و بجانبه سالم الذي يدخن سيجارته الثالثة الليلة و هو يراوده إحساس غير مريح لا يدري سببه، هو لم يقلق في أخطر مهامه و اليوم يملأه القلق في مهمة بسيطة كهذه،

أخرجه ماجد من شروده بقوله: سالم، كما اتفقنا.. ستبقى هنا في انتظاري و لن تدخل تحت أي ظرف

قال سالم و هو ينظر لخارج نافذة السيارة : هذه ثالث مرة تقولها يا ماجد فهمت

وضع ماجد كف يده على كتفه و هو يقول: هل أنت بخير يا صديقي؟

نظر سالم ناحيته ثم قال: لا أدري، لكن لا تحمل همـًا سيكون كل شيء على مايرام

حينها سمعا صوت محرك سيارة فنظرا ناحية القصر وجدا سيارة همام تغادر مبتعدة عن القصر،

قال ماجد بينما يفتح باب السيارة: جاء دوري.

التف ماجد حول القصر حتى وصل للباب الخلفي الذي كان خاليًا من أي حرس كما خُطط، دخل و اتجه لباب المطبخ الذي كذلك تُرك مفتوحًا.

خرج من المطبخ و كان ينوي الاتجاه لغرفة المكتب لكنه سمع أقدام شخص بالخارج لذا رجع خلف حائط يخفي جسده حتى مرَّ ذلك الحارس و عاد ماجد يكمل طريقه، وصل أخيرًا للمكتب و أغلق الباب خلفه، لم يحتج جهدًا كبيرًا للحصول عليها، حيث كانت لديه كل التفاصيل عن مظهر الملفات و الدرج الذي يحتويها، تفقدها سريعًا ثم تحرك ليخرج.

أغلق ماجد باب المكتب برفق بعد خروجه و التفت ليكمل طريقه لكنه تفاجأ بهم يقفون في طريقه.

في الخارج، كان ينظر سالم لساعة يده بنفاذ صبر، صديقه تأخر أكثر مما خُطط له و مع ذلك لا يستطيع الدخول لأنه وعده بالبقاء بالخارج، في ظل شروده سمع طرقًا على زجاج النافذة، نظر و وجد أسامة - الابن الأصغر لهمام- يقف بالخارج يصوب سلاحه ناحيته و اليد الأخرى يشير له بأن ينزل.

فتح سالم الباب بهدوء و خرج ليقف قبالة الأخر الذي يبتسم له و في عينيه انتصار: مرّ وقت طويل يا سالم

أجابه سالم: بالفعل؛ مر الكثير حتى أصبح والدك يرسلك بمفردك و أعطاكَ سلاحًا أيضًا يا صغير.

ابتلع أسامة سخريته و قال: في النهاية أصبح الصغير هو مَن يثبتك الآن، هيا تحرك معي للداخل

ابتسم سالم للحظة ثم باغته حين اقترب سريعًا من أسامة الذي توتر و أطلق النار لكن الطلقة مرت من جانب رأس سالم و لم تخفه بل أكمل اقترابه و ضرب برأسه رأس أسامة فسقط الأخر على الأرض يتأوه من الألم.

أمسك سالم سلاحه و صوبه عليه بينما يقول: مهما كبرت لن تكون مؤهلًا لتثبيتي، إن أمسكت السلاح بيد مرتجفة فسيكون سبب هزيمتك.

تحدث أسامة سريعـًا عندما رأى الشر بداخل أعين سالم: انتظر! رفيقك تحت أيدينا.

في الداخل، كان يجلس همام على كرسي في ردهة القصر، خلفه يقف ابنه الكبير هيثم و بقية الرجال ينتشرون في كل زاوية، لقد كان يعلم بخطة راشد في سرقة ملفاته لذا خدعهما بخروجه من القصر و أرسل رجلًا يقود السيارة بعيدًا و سهّل دخول ماجد للقصر.

قال همام غاضبًا لأحد الرجال: لا أفهم كيف تسمح له بالذهاب بمفرده لعند سالم؟

أجاب الرجل و هو يخفض رأسه: لقد أصر يا سيدي، و رفض أن يصطحب أحدنا معه.

تحدث وقتها هيثم بهدوء: لا تقلق يا أبي، سالم لن يؤذيه قبل أن يطمئن على رفيقه.

قالها و نظر للوراء حيث ماجد الذي يجلس على ركبتيه و يديه مقيدتان وراء ظهره، لم يكن ماجد يهتم بحاله بقدر ما كان يفكر بسالم و يتمنى ألا يجازف هذه المرة و يذهب من هنا.

خاب أمل ماجد حين رأى سالم يدخل لعندهم و هو يثبت أمامه أسامة حيث يضع السلاح على جانب رأسه.

تحرك رجال همام سريعًا يحاوطونه يصوبون أسلحتهم ناحيته لكن صرخ فيهم همام بعدما انتصب واقفًا: توقفوا!

تراجع الرجال قليلًا للخلف ليتركوا مجال للرؤية بين همام و سالم.

وجه همام حديثه إليه قائلًا: انزل سلاحك يا سالم، ليس ابن همام مَن يُرفع عليه السلاح و في وسط بيتي.

أجاب سالم: كان يجب أن تفكر مليًا قبل أن ترسل جَروك الصغير ليحضرني..  إن كنت تريده اترك صديقي و دعنا نرحل من هنا.

قال همام: فقط لأنني أعلم أهميتك لدى راشد سأتركك تغادر من هنا على قدميك، لكن رفيقك يجب أن يدفع ثمن تسلله لقصري و محاولته سرقتي، و مرة أخرى لا تساوي بين رأس كلب راشد و رأس ابن همام.

فور سماع ماجد لحديثه صرخ قائلًا: استمع لحديثه يا سالم و ارحل من هنا!

تجاهل سالم حديث صديقه بل و حديث همام و قال: أمر الملفات بينك و بين الزعيم لا يخصنا، الآن سأخرج رفقة صديقي أو مع جثة ابنك.

صمت همام لا يدري ما يفعله.. لا يريد أن ينصاع لأوامر سالم فهذا سيقلل من شأنه أمام أولاده بل و كل رجاله، في ظل حيرته اقترب منه هيثم و همس بشيء بجانب أذنه.

نظر همام له برضى عن فكرته و قال: موافق يا سالم، خذ صديقك و ارحلا من هنا.

قال جملته ثم أشار لابنه لكي يفق وثاق ماجد الذي وقف على قدميه و بدأ يقترب ناحية سالم، و كذلك الآخر حرر أسامة و تركه يذهب عند والده.

عندما التقى أسامة مع ماجد عند نفس النقطة مع اختلاف اتجاههما.. رفع هيثم سلاحه على حين غفلة من سالم و أطلق على ظهر ماجد.

اتسعت عينا سالم بصدمة و هو يرى صديقه يسقط أرضًا أمام عينيه، و لكن صدمته لم تعجزه على أن يرفع سلاحه و يستهدف رأس أسامة من بين كل الرجال الذين احتمى فيهم، سقط أسامة ميتًا على الأرض و هرول ناحيته أخيه و أبيه يصرخون باسمه.

من الناحية الأخرى حاول سالم أن يقترب لصديقه لكن أحد الحرس جاء من خلفه و ضرب مؤخرة رأسه بسلاحه.

خر سالم على ركبتيه و هو يشعر برأسه يدوي و كأن صوت الضربة اخترقها و بدأ يتردد بداخلها، بدأت رؤيته تتشوش بينما كان ينظر ناحية صديقه الملقى على الأرض بين دمائه، لكن مازال يستطيع أن يفتح عينيه، لم يكن  أحدهما قادرًا على أن يتفوه بكلمة لكن عينا ماجد كانت تنطق بالوداع، وداع لصديق ظلمته.. صديق المعاناة.

في مقابلتها كانت عينا سالم بدأت تمتليء بالدموع حزنًا عليه و هو يبدو مستسلمًا للرحيل، تردد سؤال بداخله " أسئمت السير على الوحل يا رفيقي؟ كنت أعتقد أن صُحبتي تهوّن  سوء الطريق ".

أغمض ماجد عيونه و في ذات اللحظة سقط كامل جسد سالم على الأرض و قد زادت رؤيته سوءًا و بدأ عقله يغيب عن الوعي بعد استرجاع لحظات من ذكرياته:

" لا أحد منا ينير هذه الظلمة يا رفيق، لكنني أعدك بأنني لن أتركك بمفردك بها ".

أشعة الشمس اخترقت النافذة ثم نفذت إلى ظلمة عقله و بدأ يستعيد وعيه، عينيه كانت ترتجف.. ثانية يفتحها و أخرى يعيد غلقها، بعد لحظات استطاع أخيرًا أن يبقي جفنيه مفتوحين،

دار ببصره في أرجاء الغرفة ليتعرف عليها، كانت أحد الغرف في قصر راشد، فجأة توالت على عقله آخر لحظات عاشها قبل سقوطه: مهمة.. أسامة.. طلقة.. ماجد!!

عند اسم صديقه انتفض من سريره، إثر ذلك داهمه دوار شديد أجبره أن يجلس على طرف السرير يضغط بكف يده على رأسه لعلّه يخفف من شدة الألم بداخله،

عندما شعر ببعض التحسن عاد يقف على قدميه لكن بحذر هذه المرة و بدأ يتحرك ببطء مغادرًا الغرفة.

عندما نزل للأسفل وجد راشد يجلس في الردهة مع بعض رجاله و يبدو عليهم التخطيط لشيء،

انتبه له راشد فقام من كرسيه يقترب منه: لمَ غادرت الفراش يا سالم لازلت تحتاج للراحة؟

سأل سالم مباشرة: أين ماجد؟

ربت راشد على كتفه و قال متجاهلًا سؤاله: عد للغرفة الآن و سنتحدث لاحقـًا.

أبعد سالم كف يده برفق عن كتفه و ابتعد خطوة عنه و قال بصوت أكثر حدة هذه المرة: لقد سألت أين ماجد يا زعيم، أجبني!

في ظل ترقب سالم و تردد زعيمه من الناحية الأخرى جاء صوت لطالما أغاظ سالم: أخبره يا زعيم، رمز الصداقة يريد أن يطمئن على رفيقه .

نظر سالم وراء راشد ليجد صاحب الصوت هو " تامر " أكثر مَن يمقت مِن بين كل الرجال هنا، لم تكن علاقتهما ودودة في أي فترة سابقة، و اليوم كذلك.

استقام تامر من كرسيه و اقترب منهما بضع خطوات و خاطب راشد لكن مازالت عينيه معلقتان على سالم الذي بدا عليه الحيرة و التخبط: على أية حال هو سيعرف في النهاية.

مال راشد جانب وجهه ناحية تامر دون أن يلتفت و قال بتحذير : اصمت أنت يا تامر!

وقتها لم يتحمل سالم الوضع و صرخ قائلًا: ليخبرني أحدكم أين ماجد!

أنكس راشد رأسه للأرض ثم قال بحزن: لم نستطع انقاذه يا سالم، حين وصلنا كان قد فارق الحياة بالفعل.

و مع كلمات راشد تبدد آخر أمل لدى سالم في أن يكون ماجد على قيد الحياة، عبس وجهه بعض الشيء و نظر لوجوه الزعيم و بقية الرجال بضياع، فقدان ماجد كان أكثر من قدرة احتماله، كان مشتتًا بين ذكرياته معه و بين آخر حالة رآه بها،

لقد كان يجلس معه منذ يوم فقط في السيارة يتحدثان بأريحية عما سيقومان بفعله بعد الانتهاء من المهمة، لا يدري كيف في لحظة يفقد المرء جزءًا منه، جزءًا لم يتخيل يومـًا أن يسير بدونه.

في ظل ضياعه كان راشد و رجاله يشفقون عليه و قبل أن يتحدث أحد؛ تركهم سالم و عاد لغرفته في وجوم.

عاد تامر يجلس على كرسيه بلامبالاة بينما راشد فتنهد حزينـًا مما يلقاه في رجاله الواحد تلو الآخر.

بعد أيام تجاوز سالم حالة الحزن نوعًا ما لكن في المقابل دخل بهيجان شديد، لم يستطع أحد أن يهدأه، كل ما كان يحاول فعله أن يخرج لكي يقتل عائلة همام، و بالأخص هيثم، و بكل مرة يأمر راشد رجاله بأن يعيدوه لغرفته فَتزداد ثورته و غضبه.

سمع راشد صوت تحطم شيء فنظر ناحية السلم ليجد أحد رجاله ينزل بصينية الطعام الفارغة، كان ليعتقد أن سالم أخذ طعامه هذه المرة لكن ملامح الرجل اليائسة لا تقول ذلك، تنهد راشد قبل أن يستقيم من كرسيه و يتجه ناحية غرفة سالم لينهي ذلك الأمر بنفسه.

دخل للغرفة و وجد ما توقعه، حطام في كل زاوية، بقايا أطباق الطعام كذلك، أكمل راشد ناحية الذي يجلس على كرسي في جانب الغرفة ينظر أمامه للمرآة و عينيه مظلمة بدرجة أكثر من المعتاد.

جلس راشد على كرسي بجانبه و قال: ما الذي سيريحك يا سالم؟

أجاب سالم دون تفكير: تتركني أقتلهم، أو على الأقل ذلك الوغد هيثم

قال راشد: إن افترضنا أنك فعلت.. ماذا بعد؟ هل ستعود إليّ سالمًا؟

أجاب سالم بثقة: ليست أول مرة أتخلص من عائلة يا زعيم، و بمفردي!

قال راشد ببعض الحدة: ليست ككل مرة يا سالم، إنهم يتأهبون لك بالفعل و ينتظرون أن يمسكوا بك ليثأروا لابنهم، هل ستضع قدمك في المصيدة بنفسك!

قام سالم من كرسيه و قال بحدة أكبر: و ما الذي يتوجب عليّ أن أفعله؟ أترك دماء صديقي تذهب هدرًا!

قام راشد هو الآخر و قال: ألم تقتل أسامة في لحظتها؟! لقد أخذت حقه بالفعل، دعنا الآن نفكر في حل ينقذك منهم

أعاد سالم خصلات شعره للوراء بعنف ثم قال ساخرًا و هو ينظر ناحية النافذة: رائع جاء اليوم الذي سأختبأ فيه من همام و كلابه!

تجاهل راشد سخريته و اقترب يضغط بكلا كفيه على كتفيه يجبره أن ينظر إليه: سالم، لقد خسرت الكثير من رجالي الفترة الماضية، لكنني لن أسمح بخسارتك أنت بالأخص ورقتي الرابحة.

نظر سالم داخل عينا زعيمه الصادقة و تنهد دون أن يجيب بشيء، أبعد راشد كفيه و التفت يخرج من الغرفة بينما يقول: حضر ثيابك و أنا سأهتم بالباقي.

بعد بضعة ساعات نزل سالم من غرفته و هو يحمل حقيبته بين يديه، تقدم راشد و سلّمه أوراق السفر و هو يودعه، في وسط ذلك ألقى تامر- كعادته- كلامه الذي يثير غيظ سالم: لا تطل غيبتك يا سالم، صحيح لقد نسيت.. أنت بالفعل لا تطيل لكي تتجاوز أمرًا ما.

نظر سالم ناحيته بضيق و قال: ما الذي ترمي إليه يا هذا؟

استقام تامر من على الأريكة و قال: قصدت أن لا داعي لتلعب دور الصديق الذي لا يستطيع تحمل فراق صديقه، لا يليق بك، جميعـًا نرى كيف قتلت زين بدم بارد.

حسنـًا هو بالفعل كان ينتظر فرصة لينفس عن القليل من غضبه، ترك الحقيبة من يده و اقترب من تامر يلكمه بقوة،

سقط تامر على الأريكة إثر لكمته و مع ذلك سرعان ما استقام ناويًا أن يرد الضربة و لكن رجلين جاءا من خلفه و أمسكا به،

قال سالم و هو يراه يحاول أن يتملص من الرجلين: سأقتلك يومًا أيها الوغد!

صرخ راشد بهما: يكفي!

ناول الحقيبة لسالم و أكمل: سالم هيا ستتأخر.

بعد مرور ساعة، كان يجلس سالم في كرسيه بجانب النافذة ينظر إلى خارجها شاردًا بكم هائل من الذكريات حتى أنها جعلت صوت المضيفة بعيدًا و هي تقول " نرجو من السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادًا للاقلاع، و التأكد من أن المقاعد في وضعها العمودي و الطاولات مطوية.. مع تمنينا لكم رحلة آمنة "

الجميع يعود لوطنه مرتاحًا، تغمره الطمأنينة، يفكر فيما سيراه من تجديد طرأ على بلده و على أهله و أقربائه، حتى في عالمه المظلم كان يلاحظ كيف يحكي رفاقه عن حنينهم لبلادهم.. و لكنه لم يختبر تلك المشاعر من قبل، ربما الجميع محقين فيما يعتقدونه عنه، هو بالفعل أداة قتل لا ينتمي لأي شيء.

و لكن رغمًا عنه لم يقدر أن يحب الموطن الجديد الذي شهد تحوله لتلك الأداة الوحشية، كل ذكراه هنا بين الدماء و الفقد،

بينما موطنه الأصلي الذي يفصله عنه بضعة ساعات.. فكذلك لا يشعر بأنه ينتمي له، هو عاش فيه سنواته الأولى حين كان مجرد طفل بريء، طفل قُتل على تلك الأرض منذ زمن،

لم يعد يرى طيفه حين يطالع المرآة و لا يزوره في أحلامه، ذلك الموطن هاديء بكل ذكرياته لن يتقبل وحشـًا مثله، هو يدرك أنه لن يرغب أن يطيل فيه و سيعود قريبًا لهنا، لموطنٍ اعتاده و إن كان يمقته أحيانٍ كثيرة.

بدأت الطائرة تقلع في الهواء، أراح سالم رأسه على الكرسي لحظات و أغمض عينيه ثم عاد يفتحهما سريعـًا، للحظة نسى مَن يكون، الخطر يحاوطه من كل اتجاه، لو خانته عينيه فستكون عندها النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

انبَعَث مِن الظّلَامِ

المؤلف سُ 🌒
2025/11/10 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة