∆ارها.ب في سيناء∆

∆ارها.ب في سيناء∆

19 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

|1ـ∆ارهاب في سيناء∆|

الفصل الاول.

بنو سُليمان.

صلوا على نبي الله.

قراة ممتعة✓

عاد من المدرسة سعيدًا، لقد حصل على المركز الاول بين زملاؤه في اللغة العربية، وكم كان ذلك انجازًا لصغير جنسيته التركية، كان قد وعده والده انه ان حصل على تلك الدرجة والاداء سيأخذهم في رحلة للقاهرة، وكم يتتوق شوقًا ليخبره الان، لابد انه الان في طريقه للمنزل بعد عمله.

رأى البيت يلوح من بعيد ولكنه كان مظلمًا على غير العادة، يبدو ان والدته نامت مبكرًا جدًا جدًا عن المعتاد ولم تنتظره كما جرت العادة.

اسرع خطواته بلهفة يقترب ناويًا طرق الباب، ولكنه كان مواربًا بشكل غريب، عقد حاجبيه باستغراب لنقاط حمراء على عتبة المنزل، فدفع الباب بتوجس وتقدم خطوتين ينادي بصوتٍ عالٍ ويضغط زر الضوء بلكنة عربية متقطعة:

ماما؟ اين انتِ؟وما حل بالبـا...

لم يكمل كلماته، توقفت خطواته وتجمدت عيناه على المشهد امامه، والداه على الارضية، الدماء تغطيهما وتفترش الارضية الباردة، يعانقان ايدي بعضهما كأنهما في رحلتهم الاخيرة، تجرأت قدماه ان تقترب عليهما بأرتجاف، لا يتنفس بل فقط ترك عيناه تحكي بشاعة صدمته، انسكبت عظامه فوقع ارضًا جوارهما ثم تشبث بيديهما المقبوضة واحنى رأسه وبكى مرددًا بشهقات عالية:

لا لا ماما ،يا بابا يا بابا لا لا آاا..انا بص..انا جبت درجة حلوة والله والله جبت درجة حلوة..لا انا كدا هموت ..مش هقدر والله ما اقدر ...قومولي الله يخليكم

ازدادت شهقاته حدة وازداد الدمع في الهطول من عمق زرقاواتاه يصرخ بقوة وقهر شديد، وفجأة سمع تعمير سلام ناري فأغمض عيناه يرتجف بقوة متمنيًا لنفسه الهلاك ليلتحق بذويه من اعماق اعماق قلبه..

عيسى؟ اصحى يا عيسى دا حلم، عيسى، يا عيسـى اصحى!

انتفض يشهق بقوة وكأنه كان يغرق وأُنقذ للتو، بينما مرر نظراتن عليه بقلق ثم ربت على كتفه متسألًا:

اسم الله عليك ،مالك يا عيسى انت كويس يا ولدي؟

خفض «عيسى» عينيه ثم صمت ثوانٍ يلتقط انفاسه ورفع وجهه يتحدث ببسمة جاهدت للظهور لئلا يقلق جده اكثر:

انا بخير جدي، فقط لم اخذ كفايتي من النوم لذا قد تراني مرهق الوجه ولم اسمع ما اردته مني..

لم يبدو على وجه «سُليمان» الاقتناع على قول حفيده، ولكنه مررها له ثم وقف مستندًا على عصاه يخطو خارجًا تاركًا كلمته الأخيرة:

ماشي يا ابن ولدي، قوم عاد عشان صلاة الجمعة هتبدأ كمان شوية، متتأخرش مستنينك في المسجد عند طرف البلد.

ورحل، تاركًا الاخر يمسح على وجهه مستغفرًا ثم نهض للمرحاض ووقف امام المرآة مدققًا، فظهرت له ملامحه كاملة،عيناه الزرقاء واضحة تلمع بوهج حزين، خصلاته السوداء الكثيفة مموجة كأمواج هادئة، بشرته سمراء هادئة تبعث في شكله قبولًا وقوة، هو «عيسى قسّام سُليمان» ابن الابن الأكبر لشيخ القبيلة«سُليمان»، وحفيده الأكبر كذلك.

تنهد لانعكاسه مطوالًا قبل أن يرسم بسمة هادئة يستقبل يوم الجمعة بحفاوة كالعادة، تغسّل وتعطر وارتدى ثوبه المخصص للصلاة ثم مشط خصلاته للخلف بخفة، واثناء ذلك طُرق باب منزله الارضيّ البسيط، ففتحه ظنًا انه جده عاد ليوبخه لتأخيره، ولكنه لم يحسب حساب تلك اللكمة القوية التي تلقاها من زائره العزيز «شعيب»، الذي دفع الباب ولكمه ثم امسك بطيات جلبابه صائحًا:

بقالي ساعة مستنيك برا، بتعمل ايه كل دا يا عيسى؟

اغتاظ الاخر ودفعه بحدة ثم لكمه بقوة يردها له، وتركه وخرج متجاهلًا هرولة الاخر خلفه:

تبًا لك ولأهل أهلك، صباح الزفت على رأس ابيك يا شعيب الكلب

بتبرطم بالفصحى برضو يا عيسوي ها؟

كان قد خطا الي جانبه ورمى بكلمته فأثر «عيسى» الصمت يرمقه بنظرة نارية:

بلاش اقولك عيسوي بيعمل ايه غير كلامه بالفصحى احسنلك يا..شوشو ها؟

نكزه «شعيب» بحنق يصيح باعتراض:

خلاص بقا يا عيسى قلبك ابيض يا راجل، كنت بصبّح عليك، أنا غلطان يا سيدي متزعلش بقا

ابتسم «عيسى» بقلة حيلة على ابن عمه ورفيقه الوحيد،

ثم سأله بإستفهام:

حسنًا لستُ حزينًا، ولكن، ما سر استيقاظك الباكر ايها الكسول؟ فحتى يوم الجمعة لم اراك تستيقظ فيه إلا مرات قليلة لا تُعد.

سأله فأجابه «شعيب» بضيق متذكرًا:

لا دي البت «صُبح» كانت بس عاوزة تنفضني مع السرير اكمنه يوم الجمعة وكدا، ومتسألنيش اشمعنا النهاردة رغم أن الجمعات اللي فاتت مكنتش بتعمل كدا عشان هقولك وربنا ما اعرف، وحسبي الله ونعم الوكيل ويا بخت مين اتهنى ونام ومصطبحش على وش ڤيتنام اللي عايش معاها دي...

قهقه «عيسى» على تذمره الواضح فتبسم وقال بمزاح:

احسن تستاهل، اهي اختك هي اللي هتربيك من اللي بتعمله في الناس هي هتطلعه عليك، قادرة «صُبح» برضو.

اغتاظ الاخر وظلا يتحدثان حتى وصلا الي المسجد ولحظهم لقد وصلوا مع بدء الخطابة والقرآن الكريم قبل الصلاة، جلسا في الصفوف الاولى الي جوار «سُليمان» الذي ابتسم اليهم بحب، وكم هو سعيد بعلاقتهما وانه انشأهما على المحبة رغم كل شيء.

"شعيب رمضان سليمان" الحفيد الثاني لسليمان والابن الاكبر لرمضان.

أُقيمت الصلاة بمجرد انتهاء الخطبة فأصطفت صفوف المصليين بجو من الراحة والاندماج، فهذا هو وقت شحن كل شيء، شحن القلوب والعقول وملئها بحديث الله، يذكرونهم انها دنيا، انها زائفة زائلة، أن النفس الزهيدة هي مَن تفوز، أن النفس الضالة هي التي تهلك، فتصبح قلوبهم عامرة بعدما كانت خالية بانتهاء الاسبوع، يقدمون على اسبوع جديد بنفس جديدة تمامًا، وياليتها دومًا تدوم.

ــــــــــــ

"القاهرة"

"ڤيلا الشاذلي"

تلك هي المرة المئة الحادية والعشرون من محاولاتها في ايقاظه تقريبًا ولم يستفق بعد!، تقتنع الان مليون في المئة ان ولدها ثقيل النوم وهذا على عكس مهنة الضباط في بقية الكون، ذلك الضابط الكسول النائم ، حسنٌ ستنادي ابنتها ولتتصرف هي كعادتها.

انت مينفعش معاك غير "غنوة" اقسم بالله حلال فيك المقالب اللي بتعملهالك.

قالتها "تفيدة" والدته تضرب كتفه صارخة، ولكن هل يهتم؟ بل تقلب على فراشه بإنزعاج شديد واكمل نومه كأن شيئاً لم يكن.

فأغتاظت بقوة تتحرك صوب الخارج وعندما وجدت ابنتيها واقفتين صرخت تشير عليه مشتكية:

مش عايز يصحى! مش عاوز يصحى! عنده مأمورية ابوه رانن عليا مأكد عليها والبيه نايم نومة ملايكة؟

اقتربت منها "ليالي" الابنة الوسطى لها، بعينين عسليتين ورموش كثيفة طويلة كالمها، خصلاتها سوداء قصيرة قليلًا، وبسمتها اروع ما فيها، تربت على كتفها قائلة برقة:

خلاص يا ماما متعصبيش نفسك عشانه ، انا هروح اصحيه انا وغنوة متحرقيش دمك عشان حتة مأمورية يعني

_حتة مأمورية؟ومالك مستخفية بمأمورية ممكن يكون فيها ظباط حلوين يروشوا علينا لما اخوكِ يصاحبهم يا متخلفة ؟؟

نكزتها غنوة _الابنة الصغرى_بعدم تصديق، ترفض ان يسيء احدٌ لضباط الأمن الوطني خاصتها ، ونعم هي تخص كل من في هذا المجال "بخاصتها" بما فيهم شقيقها ووالدها، احرقتها ليالي وتفيدة بنظراتهما فهزت كتفيها متساءلة بعدم فهم:

في ايه؟ انا بحبهم على فكرة..

مسحت تفيدة على وجهها بسخط ثم تحركت عنهما تاركةً صدى كلماتها يدوي :

حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، الا ما فيه حد مريحني كلكم تاعبني وجايبنلي السكر، حتى ابوكم كملها وهيشلني من بروده هو وابنه معدومين الدم..

وقفت في أخر الرواق تستدير صارخة في غنوة:

وانتِ، تدخلي عليه تصحيه زي ما بتصحيه، والا اقسم بالله لاطفش وما تعرفولي طريق جُرة

انهتها ورحلت بينما تحدق غنوة في ظهرها ناطقة بسخرية لاذعة:

اهي كل يوم تقول كدا وفي اخر اليوم تقولنا انا ليا مين غيركم، يا اخي على الامهات دول

_غنوة!

حذرتها ليالي من التمادي، فنفخت غنوة وجنتيها قائلةً بضيق:

خلاص خلاص بهزر! اوعي خلينا نشوف عم عُمير اللي عامل فيها فرخة مدبوحة جوا دا، بدل ما نلاقي شهاب الشاذلي بنفسه بيجندنا في المأمورية بدل ابنه

هزت ليالي رأسها تستدير عنها راحلة:

لا يا حبيبتي مليش في الاكشن انا، ادخلي صحيه وانا هحضر الفطار، يلا have fun يا قمورة

على رحيلها اغتاظت غنوة ونفخت وجنتيها تصيح اثناء دخولها الغرفة:

اسمها فوتك بعافية يا حبيبتي مش have fun،

معندناش بنات ايچيبت في بيت الشاذلي يا بت تفيدة مش هكررها تاني انا

وبمجرد دلوفها اتجهت لذلك النائم، فوجدته ينام باستراخاء شديد، يديره اسفل خصلاته الشقراء البنية، عيناه منغلقة باسترخاء تام دفعها لقولها بعبوس:

ظابط واشقر وعيونه ملونه فرع اجنبي وتحفة بس سبحان الله بجد ، الحلو مبيكملش اهو عنده برود اعصاب وبينام اكتر ما بيصحى، البت اللي هيتجوزها انا بشفق عليها من خلقته دي والله

تنهدت بسأم ثم احضرت شيئًا من قربه ودون لحظة تردد رمت بكوب المياه المثلج على وجهه وصدره العاري فانتفض شاهقًا بشدة اثر صدمة المياه، مسح وجهه وفتح عينيه بشر ناطقًا بصراخ:

ايه اللي انتِ عملتيه دا؟ هفضل لحد امتا اعلمك تحترمي نومة البني آدمين يا غنوة؟؟

تشنج وجهها تردح ضاربًا كفيها ببعضهما:

لاهو انت فاكر نفسك بني آدمين عشان اعاملك زيهم يا آلة التلج؟؟

تصعيد غير مبرر، ادركته بعد نطق جملتها التي جهلت بسمته المرعبة تأخذ نجرى وجنتيه، والشيء الوحيد الذي قد ينجدها الان من تلك البسمة التي ستسلخ جلدها من فرط قوتها هو والدها العزيز بالطبع.

ودون كلمة اخرى كانت تركض للخارج كبطة عرجاء سقطًا سهوًا في محيط اسد، والاخر رمق ظهرها بسخرية شديدة ولم يكد ان يستريح مجددًا حتى عادت له تصرخ بانفعال:

قوم يا برطمان التلج يا بارد وروح مأموريتك عشان الحاج ناويلك على نية سوداء ان شاء الله تتبهدل فيها وتترفد و..

قبل ان تكمل حديثها، قذف في وجهها وسادة فراشه بقوة مع كلمته الباردة:

"اخفي"

ثم اغلق الباب في وجهها بكل وقاحة، وااه منه هذا العُمير تقسم انها ستندمه اشد الندم، وتعلم كيف تفعل ذلك، فابتسمت بخبث شديد تنزل الدرج بكل صفاء ووجهتها الان معروفة، المطبخ بكل تأكيد...

____________________

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

اللَّهُ الصَّمَدُ

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ

وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"

يتلو عليهم سورة الاخلاص ويحاول قدر الامكان جعل مخارج حروفه واضحة بينة ليسهل عليهم حفظها، وبمجرد ترديدهم جميعًا في نفس واحد طلب منهم ان يتلو كل واحد بمفرده ليستمع لهم ويتأكد من حفظها وعندما وصل لاخر صغيرٍ وجد صوته مهزوزًا خائفًا ومخارجه ليست صحيحة كثيرًا ينظر له زملاؤه بسخرية واضحة حتى ضحك احدهم عليه فصاح فيهم بحزم:

صمتــًا، لا اريد سماع كلمة

صمت الجميع بحرج شديد من استاذهم، حتى مد «عيسى» يده للصغير بحنان:

تعالى يا تامر

تردد تامر قليلًا ولكن قام ووقف امام«عيسى» الجالس على الارضية قائلًا بتوتر طفولي:

آسف يا مستر بس هي صعبة ومش فاهم خالص

جذبه «عيسى» برفق على قدماه وآخذ يشرح له بترٍو:

لا مش صعبة هي بس تقيلة شوية ،بص يا تيمو فيه حروف معينة في القرآن لازم تخليها تقيلة معاك شوية، القاف والطاء والباء والچيم والدال ، كل الحروف دي بقا متجمعة في كلمة الكبار عملوها عشان الصغيرين الحلوين زيك يعرفوا ينطقوها صح اسمها"قُطب چد".

صمت قليلًا ينظر للصغير فوجده مهتمًا تلتمع عينيه بالحماسة دلت على فهمه، فتابع باسمًا:

  فلما نشوف القاف مثلا في كلمة زي كلمة "قُل" منعديهاش بقا زي اي قاف لا نضخم الصوت ونفخمه شوية تبقا "قُــل" بشكل تقيل شوية كدا، ونفس الكلام مع باقي الحروف اللي في الكلمة، كدا انا شرحتلك درس اسمه "القلقلة" ودي من احكام التجويد عشان نقرا القرآن صح ومن غير غلطات فيه، عشان كدا انا هنا بديكم دروس كل جمعة بعد الصلاة عشان نستفاد كلنا، ودلوقتي، تيجي نجرب سوا نقرأ أية أية في السورة تاني؟ انا عارف انك شطور وهتجيبها، يلا سمي باسم الله

سمى باسم الله ومعه بدأ «عيسى»  يساعده في تنوين الكلمات بنطق صحيح حتى انتهى وطلب من الصغير ان يقرأ بمفرده وللعجب قرأها بمهارة وثقة شديدة وبسمة سعيدة وبمجرد انتهاؤه صفقت له فتاة تصغره من الحضور صارخة بسعادة:

براڤو تيمو ،براڤو تيمو

وصاح الصغير بالمقابل في لهفة:

شوفتيني يا خديجة؟ كنت حلو صح؟ انا شاطر كدا يا عمو عيسى؟؟

قهقه عيسى بخفة واشار له بالتأكيد فمال عليه تامر يلثم وجنته بفرحة حقيقية ناطقًا:

انا هجيلك علطول يا عمو انا بحبك اوي

ثم هرول الصغير للخارج ممسكًا بكف خديجة ابنة عمه الصغيرة مبتسمين بسعادة، فيما قهقه عيسى مجددًا يراقب انصراف الاطفال واحدًا تلو الاخر ببسمة واسعة:

الشيء الوحيد الحسن الذي فعلته في حياتي هو مجيئي وتعلمي للتجويد وتعليم الاهالي وابنائهم رفقتي.

وقف يهندم من ثوبه ومرر يديه يعيد ترتيب خصلاته ثم خرج واغلق المسجد خلفه بهدوء في طريق العودة للمنزل في اخر البادية، فأخذ يتمشى بروية ينظر لغروب الشمس القريب، النسمة الباردة اللطيفة تمر على ملامحه فتزيده انتعاشًا يراقب المارة ببسمة هادئة ويحيهم بخفة، وقبل ان يبلغ المنزل كان قد وصل لبئر القبيلة فجلس على جانبه يروي ظمأه بكف يده ثم جلس يتنعم بالهدوء ويتفكر في ملوكت الله ثم سبح لله وشكره على نعمه في عادة يومية اكتسبها على مر الوقت، الشوراع حوله مزينة باشجار النخيل بين الشقق السكنية الارضية فلم تكن بيوتهم على شكل عمائر نظرًا لوسع الصحراء وقلة عددهم فكان المجال كافيًا لرصع الشقق على شكل طابق كبير مزين بالغرف الارضية الكثيرة يصل عددها الي خمس غرف، كل مرة يجلس فيها هكذا يزداد حبه وانتماؤه لتلك الارض رغم اجنبيتهم عنها، يزداد تعلقه بها وحبه للغتها المصرية والعربية الفصحى تحديدًا فهي تجعله يشعر بالدفء اينما حلّ وذهب.

اخص عليك يا عيسى، كدا متستقبلنيش وانا راجع من طريق سفر؟ ايُ ريحٍ رمتك على قارعة الطريق يا بلبل سُليمان؟

صوته الذي انبثق يقطع خلوته جعل اللهفة والاشتياق يشتعل داخل قلب عيسى، فتوجهت عيناه له بسرعة وكان هو، شقيقه العزيز المغترب، لمعت عيناه بالدمع يقف سريعًا يلتقطه داخل احضانه بقول سعيد:

سُليمان يا حبيبي، وحشتني اوي اوي

بادله «سُليمان» عناقه ثم اردف بحنق:

مش سُليمان، اسمي سلمان يا عيسى

لم يسمعه عيسى بل ابتعد يتفحصه بلهفة شديدة مكوبًا وجهه بين كفيه ثم ردد عليه بعدم تصديق:

انت هُنا؟ لا اصدق انت حقًا هنا، لمَ لم تهاتفني؟ لقد اعتقدت انك لن تأتي قبل حفل تخرجك في العريش منتصف هذا العام

ابتسم سُليمان للهفته وقدرها له حقًا يرفع كفيه على كفي شقيقه ثم نطق بمناكشة:

مقدرش على بُعدك يا فصحى معسل انت، خلصت الامتحانات وقولت اجي اشرفك ، عندك اخ مأذون يا عم افرح هجوزك بأيديا دول..

ثم غمز بمشاغبة يبعثر خصلات عيسى الذي قهقه عاليًا:

مستقبلك في ايدي يا زمكس.

وهو يوم ما يحط مستقبله في ايد هيعتمد عليك انت يا مأذون نص كم؟؟ دي تبقى خربت على الاخر

كان هذا صوت ثالثهما «شعيب» الساخر دومًا، فأغتاظ «سُليمان» يلتفت له مضيفًا لرفعة حاجب:

اه وماله، ما يحط مستقبله في ايد جلاب النسوان هيبقا احلى من مأذون شرعي برضو

ثم اكمل متمتمًا بتذمر:

ناقص كمان السوسة ابو حضن وبوسة دا يعلمنا الحلال دي باينها خربت يسطا

انفجر عيسى ضحكًا بينما احمر وجه شعيب يشير على ذاته بإستنكار:

دا انا؟؟

هز كتفيه يعد على أصابعه ببسمة واسعة:

اه يسطا انت عادي، تنكر انك حبيت عائشة وفاطمة وام منجم وام ليلى وام.....

اسكته شعيب بفزع واضعًا كفه على فم تلك الفضيحة المتنقلة بصدمة متلفتًا حوله متجاهلًا صدى قهقهات عيسى:

يخربيت اهلك فضحتني يا سُليمان الكلب.

تاني سُليمان؟ دا انتو مبتتعلموش بقا يا جدعان قولت سلمان سلمان سلـمـان والله بقا ارحموني.

صرخ فيهما «سُليمان» بتلك الطريقة حتى كبت عيسى ضحكته يقول ببساطة:

جدي هو مَن اسماك ليس لنا دخل في ذلك ، كما انه اسم جميل وانا أحبه

لوح بكفه باعتراض:

يعمي حبه مقولتش حاجة بس بعيد عني، جدك كان بيعقد اللي خلفوني وهو بيسميني على اسمه، وقال ايه بيحيي ذكرى؟ ما يحيها في هدهد ولا جمل أن شاء الله كلب حتى أنا مالي

"ووصلت للكلب يا بن الكلب؟؟"

هز «سلمان» رأسه ببلاهة يحدق فيهما دون النظر للخلف حيث يقف جده المنشود ناطقًا بتفكير:

بصوا هو شكله كدا الشريعة والقانون نطحوا عليا وبقيت بسمع حاجات مش حقيقية على انها حقيقية، أنا هروح اشوف صُبح عملالي وليمة ايه والسلام عليكم يا شباب العلم باي

وشرع يهرول على اثار ضحكاتهم المكبوتة فنظر «سُليمان الكبير» في أثره بإستنكار ثم ضرب بعصاه الأرضية بضيق:

يا صبر ايوب، مبقاش فيه احترام ، جيل مهبب منحل متخلف

ثم نظر لهما بحزم:

قدامي انتو الاتنين على البيت يلا

اماءا له باحترام ثم تحركو جميعًا عائدون الي المنزل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ڤيلا الشاذلي، كانت تحضر المائدة بينما والدتها وشقيقتها يعدان طعام الغداء استعدادًا لعودة شقيقها ووالدها من مأموريتهم تلك، وفي تلك الاثناء رن جرس الباب فذهبت ليالي تفتحه ببسمة هادئة فوجدته والدها الذي بمجرد أن رأها ابتسم بأرهاق مادًا يده في دعوة صريحة لعناقه فعانقته بحب نابسة:

Missed you so much ,dad.

(اشتقت إليك كثيرًا يا ابي)

ابتسم شهاب بتوسع يميل مقبلًا جبهتها بحنو:

Missed you too يا حبيبة بابا

افسحت له المجال فوجدته دخل وحده ولا احد معه فأغلقت الباب ودخلت خلفه متسألة:

هو عُمير مجاش معاك ليه يا بابا؟ مش كنتو طالعين المأمورية دي سوا؟؟

خلع طاقيته الشرطية ثم نطق بسخرية:

لا ما انا سيبهاله ومشيت، كسلت اروحله الصراحة

لم تفهم مغزى حديثه فكيف حدث وتأخر والدها في مساعدة شقيقها؟ فرفعت حاجبها باستغراب:

مش فاهمة؟ يعني المأمورية مش محتاجة دعم كتير ولا ايه؟

ربت على خصلاتها بخفة مجيبًا:

مش مهم متشغليش بالك، انا هطلع اغير الميري عشان خنقتني وجاي تكوني أنتِ وماما حطيتو احلى اكل ويكون البيه شرف وآنس بالمرة

الشيء الوحيد الذي تعلمه ان والدها يبدو عليه الغضب والجدية، اذًا يبدو انه سيأدبه بإرساله لمهمات اصعب المرات القادمة، همست بخفوت:

جيب العواقب سليمة يا رب، ابويا واخويا هيجلطوا بعض ، دي حرب نيزكية دي

تنهدت بقلة حيلة ثم نهضت على نداء والدتها تطالبها في مساعدتها في الطهو ريثما يأتي والدها وشقيقها.

________________

عيناها الكحيلة لا تصدق ما تراه، فبمجرد ان فتحت الباب تجيب الطارق وقد قابلها اخر من توقعت، «سُليمان» الصديق والرفيق وشقيق الرضاعة الذي لازمها طوال سنواتها الواحد والعشرون سواء بالهاتف او بالطفولة اضحى امامها الان بعد طول انتظار انتفضت بحماس شديد تعانقه بقوة صارخة:

حاج سِليمان اخيرًا

ربت على خصلاتها الطويلة ببسمة واسعة :

ياه وحشتني اكلاتك كلها يا غالية والله، دا انا كنت شارب المر ورا اكل السكن اللي يسمم البدن، طمنيني عملالي اكل ايه ها؟

احتدت نظراتها تدفعه بقوة رافعة حاجبها بغضب:

اكلي بس؟ واطمنك عليه؟ لا روح ريح بقا معنديش اكل، دور على صدقة تأكلك يا معفن

قهقه على غضبها الواضح فلاعب حاجبيه يشاغبها:

وانا اقدر يا صبوحة اكل اكل غيرك؟ كل دا حتى الصدقات منك هتبقى وليمة ، قلبك ابيض بقا انا هفتان وهموت من الجوع يا شيخة

ابتسمت بسمة مستفزة تسأله:

جيبتلي ايه من السفر وهجبلك تاكل

نظر لها بتفكير لثوانٍ ثم قال بحماسة:

مجبتش حاجة، اسأليني ليه؟

ليه؟

اضاف مرة أخرى بدرامية:

اسأليني ليه؟

ضغطت على اسنانها تسايره بحنق:

ليه؟

هز كتفه قائلًا ببسمة واسعة:

عشان انا مأذونك ببلاش شاورليلي كدا على اي عريس وانا اكتبلك الكتاب من غير ولا مليم منك

ردت عليه بحدة :

لاوهو انت كمان كنت ناوي تدفعني فلوس الجوازة يا سِليمان؟

ربت على رأسها مستغفرًا:

لا يست استغفر الله أنا قولت مش هاخد مليم منك، انا هاخد من صاحب النصيب ان شاء الله ومش هقبل بأقل من ثمانية مليون جنيه على فكرة

جلست على الاريكة مربعة ذراعيها بسخرية:

لا وعلى ايه؟ ادي قاعدة على قلوبكم وما هتجوز

ضحك ثم توجه وجلس قبالتها يرتشف كوبًا من المياه ثم عدّل من قميصه الزيتي وسألها بعمق:

طمنيني بجد، انتو كويسين يا صُبح؟ مكنتش بحسكم كويسين من صوت التليفونات، مش عارف بس بحس ان فيه حاجة وحشة حصلت او هتحصل ...

كانت تسمعه باهتمام وتفكير حتى قطع حديثه لها رنين هاتفه الجوال، فأخرجه من جيب بنطاله فوجده شقيقه يرن عليه فعقد حاجبيه باستغراب وياريت يرد عليه باعتيادية:

فينكم يا عيسى؟ انتم مش كنتم ورايا يابني؟ انا...

انقطعت انفاسه عندما سمع اصوات شجار عالية  وصرخات باسم ابن عمه واخرى باسم اخيه ثم تلاه طلقًا ناريًا اصاب منتصف قلبه مع صدور اصوات نسوة تولول بعويل مما جعله يصرخ بخوف:

عيســى!

كانت تتابعه الأخرة بقلق حتى وجدته ساكنًا فنادته بقلق ازداد حينما رأته ينتفض مهرولًا يصرخ باسم عيسى، وادركت انه بالتأكيد، كان كارثة!

____________________

"قبل ذلك بعشر دقائق"

كانوا في طريقهم خلف سلمان الي المنزل، ولكن فجأة من اللامكان ظهرت سيارتين سودويتين من مدخل المدينة تتحرك بسرعة وقوة حتى كادت تدهس الجد سُليمان لولا يد عيسى المفزوع ثم وقفت امامهم بقوة وهبط منها اربعة رجال قويين البنية على ايديهم بنادق ضخمة يرتدون لثامًا يحجب وجوههم عن المارة ويقفون كالصف بشكل غريب امامهم.

في العادة وبأندفاع كان سيتدخل شعيب ويبرحهم ضربًا وكان سيتفاوض عيسى معهم وربما يشاجرهم ويعلم سبب دخولهم الهمجيّ ولكن بوجود شيخ قبيلتهم لا تعلو كلمة فوق كلمته ولا تصرف فوق تصرفه، إذا لزما الصمت في انتظار خطوة سُليمان التي جاءت سريعة عندما قال بثبات:

انتوا مين؟ وعلى اي اساس تدخلوا هنا من غير اني ولا آذن عشيرتي ومكانهم؟ دا غير الهمجية والتسرع اللي حصل دلوقتي وهيخليني ازعل وانا زعلي وحش اوي متمناش تجربوه.

كانت نبرته مبطنة بالكثير التهديد والوعيد الرفض وعدم الاهتمام لكينونتهم طالما تعدو على ارضه القانونية، وعلى غرار ذلك جاء صوت انثوي تحدث برقة لا مكان لها في تلك النظرات الشرسة:

آسفين جدًا مكناش نقصد اللي حصل خالص يا عمو سُليمان

نكز شعيب عيسى المجاور له يشير له عليها وقد كانت واقفة بقصر قامة واضحة بين الرجال ضخام الجسد، تضع لثامًا وفستانًا حمراوين مع خصلات مسترسلة طويلة لامعة:

الحق يا عيسى، بص بتقوله عمو ازاي؟ يا جدع يارتني كنت أنا

زجره عيسى بنظرة اخرسته، وعادا ينظران الي المشهد امامهما، عندنا اجابها سُليمان بعيون ضيقة:

أنتِ مين وعاوزة من هنا ايه؟؟ مش مسموح بدخول الاغراب من غير إذني

ابتسمت بثقة واقتربت خطوتين منهم ممسكة بإحدى خصلاتها بميوع قصدته:

بس انا دخلت اهو خلاص ومن غير اذنك كمان واقدر اعمل اكتر من كدا كتير، بس المرادي هخيرك تأذنلي أو متأذنش وفي كلا الحالتين هيحصل اللي أنا عاوزه بس يا حُب

تحفزت اجسادهم جميعًا ولكن ظل سُليمان ثابتًا فقط قال بثقة:

وانا مفيش حاجة هنا هتحصل من غير أذني، حتى دخولك دا هتتحاسبي عليه أنتِ والكام عيل بتوعك يا ... حُب

اراد استعمال نفس طريقتها واحراقها حية والان يجني ثمار ذلك عندما اقتدت عيناها وفاحت منها رائحت الغيظ الشديد مع قولها الذي حاولت جعله ثابتًا:

امم، وانا مش مهتمة بكلامك يا اونكل، لاني هنفذ من بكرا، أنا جاية اديك معلومة بس، أن اللي انت مخبيه كله انكشفلي وهيكون بتاعي وملكي، واللي كنت فاكره زمان خلص دلوقتي بيسلم عليك وبيقولك أنا جيت

يحاول عيسى تحليل مغزى كلماتها ولكن، لا شيء، لا يفهم ما تقصد، جده يخبأ شيئًا؟ وهي تعلمه وستأخذه؟؟ وبالحديث عن جده عندما نظر له وجد وجهه يحارب الشحوب الذي اصابه جراء كلماتها وبدا له..متوترًا؟؟

وعندما شعر بصمت جده وانها بدأت بالشعور بالنصر آثر هزيمتها متصدرًا بقوله الحاد:

ما لم ينتهِ على يد جدي ابناؤه في الخدمة آنستي نعدُكِ سنردمه ونردمكِ أنتِ شخصيًا أن فكرتِ في إيذاء عشيرتي، الويل لكِ من غضبي ومن غضب ابناء تلك القبيلة، حذاري أن تطأ قدمكِ النجسة على ارض بنو سُليمان مرة اخرى يا امرأة، أنتِ غير مرحب بكِ على اراضينا الطاهرة أبدًا.

قهقهت بقوة لثوانٍ ثم اقتربت بجرأة تردد بجدية:

عاوزة اقولك حاجة يا عيسى ،اللي انا بقوله هو وبس اللي بيحصل، وكل حاجة بتحصل وهتحصل متخطط ليها بالسنتومفة وعلى عجين ميلخبطوش..أنا مش لوحدي في اللعبة دي ومش أنا ولا حليفي اللي نخسرها

عيسى؟ حليف؟ مخطط؟؟

كيف ومتى علمت اسمه؟ مَن هو حليفها ذاك؟ اتقصد خائنًا في قلبهم؟ كل شيء مخطط مقصود ومنمق؟؟ ماذا يعني كل هذا؟ هل هذه حرب جديدة؟

وإجابة اسألته وصلته عندما اندفع شعيب لاكمًا رجالها بإندفاع يحركه الغضب مما يحدث وقد حدث ما يخشاه عيسى، حينما تشابك المسلحون مع شعيب وبعض شبان القبيلة في منظر دامي مهلك تراقبه هي في سيارتها المغلقة بإحكام ببرود بينما تدخل عيسى فورًا صارخًا باسمه شعيب في نفس التوقيت الذي سقط فيه هاتفه وضغط على زر اتصالات سلمان المثبت اسمه دون قفل، بالتزامن مع اشتباك عيسى مع احدهم الذي كاد يغدر بشعيب في ظهره واندلاع صدى طلقة نارية اصابت هدفها واسقطط قلوب ذاك على الهاتف والاخران على مشهد جثة جدهم المفترشة للارضية الرملية.......

يُتبـــع..

لا نزال على أطراف الخط ، لم نبدأ بعد.

تفتكروا ايه اللي حصل؟ وايه اللي هيكون؟ ايه السر المتخبي وهل هو بالخطورة دي؟ ايه مصير الابطال وايه حكاية عيسى كمان؟ فيه ابطال كمان؟ فيه قصص وحاجات اكبر من كدا كمان؟

اسئلة من دي كتير اجابتها هتكون في الفصول الجاية وصدقوني الموضوع كبير وتقيل ومتعوب عليه جامد وهتكون حاجة مختلفة ولذيذة مش هتملوا منها 🤍

ڤوت وكومنت برأيكم عشان اتشجع واحس بالانجاز يولاد🤍

الفصل هيكون كل خميس الساعة ٩ مساءًا ولو خلص قبلها هينزل قبلها 🤍

فداكم الله بخير الدنيا يا رفاق🤍

تصحبكم السلامة🤍

فرح باهر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بنو سُليمان

المؤلف Farha Baher Abdelazi
2025/11/05 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة