الفضول

الفضول

16 0

بدأت تصفع وجنتيها بخفة، مراراً، تتشبث بأمل أن تستيقظ من كابوسها. لكن الألم كان حقيقياً، والبرد الذي يلسع جلدها واقعي جداً. تراجعت بضع خطوات للخلف، أنفاسها تتسارع، عيناها تجولان في أرجاء الغابة المظلمة كمن يبحث عن مخرج في متاهة بلا نهاية.

"لا… لا مستحيل… هذا ليس حقيقياً… لا يمكن!" تمتمت وهي تتحسس شعرها ووجهها، كأنها تبحث عن أي خيط يربطها بالعالم الذي تعرفه. لكن كل شيء كان ملموساً، قاسياً، لا يدع مجالاً للشك.

سقطت على ركبتيها فجأة، يداها على خديها، وعيناها تشرقان بارتباك وهي تحدق في القمر الأحمر. همست بصوت مرتجف:

"لقد كنت قبل لحظة في الغابة الخضراء… كيف… كيف وصلت إلى هذا المكان الملعون؟"

وفجأة، صدمها إدراك آخر: كاميرتها. مدّت يدها نحو عنقها، لكنها لم تجدها. ارتبكت أكثر، تلمست صدرها، أكتافها، الأرض من حولها، حتى قالت بصوت يائس:

"لا… أين هي؟ لقد كانت هنا… كاميرتي… لا!"

بدأت تبحث بجنون حولها، بين الأعشاب السوداء وتحت الأوراق الميتة، لكن بلا جدوى. شعرت بالانكسار يتسلل إلى قلبها. جلست على الأرض، وذراعاها تستندان إلى ركبتيها، وضعت وجهها بين كفيها في يأس، وعيناها الزرقاوان ترتفعان بين حين وآخر نحو ذلك القمر الغريب، كأنها تتوسل منه إجابة.

الغابة صامتة إلا من همسات الرياح، كأنها تراقبها، كأنها تغلق عليها أبواب الهروب.

كانت الغابة تبتلع أنفاسها في صمت ثقيل، وكأنها تترقب مصير الفتاة.

لينا، وهي تحاول التقاط أنفاسها المرهقة، أبصرت الكاميرا ملقاة خلف شجرة ضخمة. عيناها أشرقتا بفرح قصير وقالت بلهفة هامسة:

"ها أنتِ… أخيراً وجدتكِ."

ركضت نحوها، لكن ابتسامتها تجمّدت فجأة حين وقع بصرها على مشهد مروّع خلف الأشجار: مخلوق هائل، شكله كابوسي، يمزّق جثة حيوانية بأنيابه الحادة. كان الدم يسيل من فمه، وصوت تمزيق اللحم يتردد في الغابة كأغنية جحيمية.

اتسعت عينا لينا رعباً، تراجعت بخطوات مرتجفة واختبأت خلف الجذع، تكتم أنفاسها بقوة. قلبها كاد أن يخرج من صدرها. لكن الوحش، وقد شبعت معدته بنصف الوليمة، رفع رأسه فجأة وبدأ يشم الهواء… ثم زمجر بصوت أجش

"أشم رائحة… غنيمة طريّة… لحم بشري."

ارتعشت لينا، دموعها كادت تسقط، شعرت أن الموت يقترب منها ببطء.

لكن قبل أن يكشفها،  صوت خطوات ثابتة. ظهر خلف الوحش رجلان يرتدون ملابس سوداء أنيقة، كأنهما خادمان نبيليان من عصور قديمة. وجوههما شاحبة كالجليد، عيونهم داكنة كالحفر السوداء، وتلمع أنيابهم تحت ضوء القمر الأحمر.

استدار الوحش غاضباً وقال:

"؟! هل أرسلكم جلالة الملك؟"

تقدّم أحد الخدم بخطوات محسوبة وردّ بصوت بارد:

"جلالته أمر أن تُنقل هذه الفوضى بعيداً عن غابة الملك. خذ جثتك وغادر."

تراجع الوحش بخضوع كئيب، ركع برأس مطأطأ وقال:

"على السمع والطاعة… أخبر الملك أنني أنفذت أوامره."

لينا تتابع المشهد مذهولة، غير مصدّقة. يداها ترتجفان وهي تمسك الكاميرا، وبحركة خاطفة التقطت صورة قبل أن تعود للاختباء. لكن أحد الخدم توقّف فجأة، تجمّد في مكانه، وبدأ يشم الهواء بتوتر.

ثم قال بصوت منخفض:

"هنا… هناك دخيل… رائحة بشر."

الخادم الآخر أشاح رأسه وبدأ يشم أيضاً، عيناه اتسعتا:

"نعم… رائحة واضحة… دم بشري طري."

زمجر الوحش بشهية:

"دعوني أتكفّل به… سألتهمه."

اقترب الخادم، لكن الآخر مد يده على كتفه وقال بصرامة:

"لا. أوامر الملك أولاً. إن خالفتها… ستموت."

صمت للحظة، ثم قال بصوت خافت غاضب:

"حسناً… لنذهب."

واختفوا في لحظة، كأشباح تبعثروا في الظلام.

الوحش بقي وحيداً، استدار نحو الشجرة بخطوات بطيئة، يزحف نحو رائحته الجديدة.

لينا لم تستطع منع نفسها من الرجفة، قلبها يدق بعنف، ودموعها تتجمع في عينيها.

حين اقترب الوحش أكثر، أمسكت حجراً صغيراً ورمته بكل قوتها لتشغله، ثم اندفعت للركض بكل طاقتها.

التفت الوحش وابتسم ابتسامة شيطانية، سال لعابه وهو يركض خلفها بسرعة لا تصدق.

صوت خطواته المخيفة يقترب أكثر فأكثر، أنفاسه الحارّة تلفح ظهرها.

وفجأة، حين قفز بمخالبه ليمزقها، تعثرت لينا وسقطت أرضاً.

ضرب الوحش الهواء بدل جسدها، فزأر بغضب.

نهضت بسرعة، التقطت غصناً ضخماً ورفعته بيد مرتجفة، صرخت بصوت مرتجف لكنها حاولت  أن تبدو قوية:

"لا تقترب… أيها الوحش القذر!"

انفجر الوحش بضحكة مرعبة:

"هahaha… هل تظنين أن غصناً سيقتلني؟ سألتهمكِ حتى آخر عظمة!"

تراجعت لينا، جسدها يرتجف من الخوف، حتى وصلت إلى حافة مرتفعة. الأرض اختفت تحت قدميها، وسقطت صرختها مع الريح وهي تهوي في الظلام.

الوحش توقّف عند الحافة، نظر للأسفل وقال بضجر:

"سحقاً… لقد ضاعت مني فريستي."

ارتد عائداً، بينما لينا سقطت ببطء مؤلم،

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة عشق الملك

المؤلف Sara Rose
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة