كانت لينا أشبه بلوحة فنية تمشي وسط الغابة، بشرتها البيضاء تتلألأ تحت خيوط الشمس المتسللة من بين الأغصان، وشعرها الأسود يتراقص مع كل نسمة عابرة، بينما عيناها الزرقاوان تتسعان بانبهار كطفلة تكتشف عالماً جديداً. في يدها كاميرا صغيرة، رفيقة رحلاتها الدائمة، تقبض عليها كما لو كانت بوصلتها الخاصة.
الغابة التي سمعت عنها كثيراً بدت وكأنها مملكة سرية، أشجارها عالية، وأرضها مكسوّة بسجاد أخضر من الحشائش، والزهور الغريبة تنثر ألوانها في كل زاوية. كانت تتحرك بخفة، كل بادرة دهشة ترتسم على وجهها تزيدها فتنة، وهي تلتقط الصور بنهم، كأنها تخشى أن يفوتها جزء من هذا السحر.
وبعد وقت من التجوال، أحست بأطرافها تثقل. جلست على العشب الطري، وتمدّدت ببطء، مستسلمة لهدوء الطبيعة. ضمت الكاميرا في يدها كما لو كانت جزءاً من جسدها، ورفعت بصرها نحو السماء الزرقاء الصافية. ابتسامة رقيقة سكنت ثغرها، بينما النسيم العليل يلامس وجهها في مداعبة ناعمة.
كل شيء بدا مثالياً زقزقة العصافير التي تحيطها كجوقة سماوية، ورائحة الأرض الرطبة، وهدوء يلف الغابة كستارة من أمان. لكن ذلك الأمان كان خادعاً…
فمع كل نفس عميق كانت تأخذه، بدأ جفنها يثقل أكثر فأكثر. عيناها راحتا تنغلقان ببطء، وكأن سحراً خفياً ينساب مع الهواء ليدغدغ وعيها. حتى تراخت تماماً، مستسلمة للنوم، هناك، في قلب الطبيعة… غير مدركة أن الغابة التي أغرتها بجمالها، قد تخبئ بين ظلالها قدراً لم تكن تتوقعه.
ببطء ثقيل، بدأت لينا تفتح عينيها، وكأن جفنيها يقاومان العودة إلى الواقع. لكن ما أن انكشفت رؤيتها حتى تجمّد الدم في عروقها. لم تكن الغابة الخضراء الحالمة التي غفت وسطها… بل مكان آخر تماماً، غابة هائلة، مظلمة، أشجارها عتيقة متشابكة الأغصان كأنها وحوش متحجّرة، وجذوعها الضخمة تعانق السماء وتحجب عنها كل بصيص أمان. الأرض تحتها لم تعد مكسوة بعشب ناعم، بل طين أسود مبلل تتناثر فوقه نباتات غريبة ملتوية،رفعت رأسها فرأت السماء غارقة في لون قرمزي غريب، وقمر أحمر معلّق كجرح مفتوح ينزف في الفضاء، يرسل ضوءاً ميتاً يغمر الغابة. من بعيد، انطلقت صرخة بومة حادة، تبعتها خفقات أجنحة خفافيش تحوم بين الأغصان. الهواء كان بارداً، ثقيلاً، محملاً برائحة عتيقة لا تشبه شيئاً مما عرفته، كأن المكان نفسه يزفر أنفاس موتى منسيين.
نهضت لينا مترنحة، تمسح عينيها بارتباك، هامسة بصوت متقطع:
"ماذا…؟ أين أنا؟ هل… هل هذا حلم؟"
قولو لي رأيكم بدكم اكمل رواية 🥺❤️☺️