الضحية الأولى

الضحية الأولى

17 0

سكونٌ ثقيل لفَّ المكان.

الأشجار خلفهم تهمس بأسرار الليل، أوراقها تتحرك ببطء كأنها تتنفس، والنجوم تتلألأ في السماء، تلمع ببرود كعيونٍ تراقب من بعيد. جمال المنظر لم يكن كافيًا ليبدّد القلق الذي تمدد في صدور الجميع.

رغم الغموض الذي غلّف الجزيرة منذ الصباح، قرر بعض الركاب أن يتجاهلوا الخوف، على أمل أن يمنحهم المساء بعض الطمأنينة. بسطوا الأغطية على الرمال، أشعلوا نارًا صغيرة، وبدأوا يخرجون الطعام. جلسوا في دائرة ضوء اللهب، يتبادلون النكات والضحكات المتوترة، وكأنهم في نزهةٍ لا في منفى مجهول. وسرعان ما انضم لهم الباقين.

على بعد إنشات منهم، وقف القبطان إدغار يراقب بصمت، غليونه بين أصابعه، والشرر المتطاير من النار ينعكس في عينيه الزرقاوين. كان يحاول إخفاء توتره، لكن يده المرتجفة فضحته.

الغابة خلفهم بدت ساكنة على نحوٍ مزعج… لا حفيف لأوراق، لا نقيق لطيور، لا أثر لأي حياة. كأن الجزيرة نفسها تحبس أنفاسها.

بجانبه وقف رينارد، وجهه مبلل بالعرق رغم برودة الليل، وصوته ينزلق بخفوتٍ متردد:

«سيدي… هذا المكان ليس طبيعيًا. السفينة لم يكن بها أي عطل. توقفت فجأة وكأن شيئًا… أمرها بالتوقف.»

زفر إدغار ببطء، وعيناه لا تفارقان النار.

«أعرف، يا رينارد. لكن الناس بحاجة إلى وهم الأمان، حتى لو كان كذبة. الذعر الآن سيقتلنا أسرع من البحر.»

لم يرد رينارد. فقط مرر يده على وجهه بتعبٍ ثقيل، ثم أبصر بعيدًا عنهم — امرأة وحيده تجلس بعيدًا عن ضوضاء المجموعة. كاد يذهب لها، ولكن توقف عندما لمح اخرى تنضم اليها.

مارلين كانت تلتقط صورًا للسماء. او هكذا تظن. الكاميرا بين يديها، لكنها لم تضغط الزر؛ كانت تحدق فقط، كأنها تنتظر أن تنطق الصورة من تلقاء نفسها.

إلى جوارها جلست امرأة بشَعرٍ أسود كالفحم، تحاول جمعه في عقدةٍ مرتخية، عينيها لم يكن أقل سوادا من شعرها.

نظرتها غارقة في الأفق المظلم. التفتت نحو مارلين وهمست بصوتٍ يشبه النسيم:

«لا أشعر أننا وحدنا هنا…»

نظرت إليها مارلين نظرة قصيرة ثم ردّت بنبرة رتيبة، تخفي رعشة خوف:

«وأنا كذلك. السكون ليس مريحًا… إنه أشبه بعيونٍ تراقبك من الظلال.»

ابتسمت المرأة بخفوت وهي تمد يدها قائلة:

«إيفا. طبيبة.»

صافحتها مارلين قائلة:

«مارلين. مصوّرة جرائم.»

قبل أن ترد إيفا، جاء صوتٌ مرح متردد خلفهما:

«عذرًا… هل أستطيع الانضمام إليكما؟»

استدارتا لترى فتاة سمراء قصيرة الشعر، في عينيها بريق شجاعة غريبة. جلست قربهما دون انتظار جواب، وقالت بثقةٍ خافتة:

«أنا نيا. سمعت بعض كلامكم ووددت الانضمام لكم اود التحدث والجميع هنا يتهرب من الموضوع »

رفعت ايفا حاجبا:«اي موضوع»

لتهمس نيل:«الجزيرة!»

اخذت نفسا قصيرا ثم تابعت:

«أستكشف الأماكن المهجورة كهواية… وصدقاني، هذا المكان مختلف تمامًا عن أي مكان رأيته من قبل.»

رفعت مارلين حاجبها، وسألتها بفضولٍ حذر:

«كيف مختلف؟»

قالت نيا وهي ترسم خطوطًا في الرمل بأصبعها:

«تجولت قليلاً قرب الأشجار. لا يوجد أثر لحياة. لا حشرات، لا نمل، لا حتى خيوط عنكبوت. والأشجار... سوداء من دون أن تكون ذابلة. كأنها تنبض بالموت فقط.»

سكتت مارلين، تحدق في وجه نيا كأنها تبحث عن كذبة فيه. لم تجد.

قالت أخيرًا بنبرة جافة:

«اعتقد أن الجزيرة ليست ميتة. هي فقط تخبئ شيئا.»

ساد الصمت بينهم بعد ذلك.

مر الوقت بصمت ثقيل، النار تراقصت للحظة أخيرة، ثم خمدت أطرافها، والضحكات التي صدرت من بعيد خفتت واحدة تلو الأخرى.

بدأ الجميع بالاستعداد للنوم، لكن النوم لم يكن رحيمًا.

كوابيس ثقيلة تسللت إلى عقولهم. ظلال تتحرك عند أطراف الرؤية، أصوات غامضة تهمس بكلماتٍ مجهولة، ووجوه بلا ملامح تطل من بين الأشجار.

مارلين كانت الأكثر اضطرابًا.

في حلمها، وجدت نفسها واقفة وسط بحرٍ أسود، لا قمر فوقها ولا نجوم، فقط أصوات شبه بشرية تتحدث بلغاتٍ متداخلة. حاولت الفهم، لكن كل ما شعرت به كان بردًا يخترق عظامها… كأن أحدهم يهمس باسمها من الأعماق.

وحين استيقظت في الصباح أخيرًا، كانت أنفاسها متقطعة كأنها خرجت من سباقٍ لا نهاية له. يداها ترتجفان وهي تحاول رفع جسدها عن الرمل البارد. الضوء الرمادي للفجر كان يزحف ببطء، يلمس أطراف الجزيرة ببرودٍ خافت، والبحر أمامها بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي.

شعرت أن الليل لم يكن نومًا، بل مطاردة صامتة، لا تعرف فيها من العدو ولا من الصياد، فقط ظلالٌ تلاحقها في الحلم واختفت حين فتحت عينيها. ظلت تحدّق حولها، تبحث عن شيء ملموس يثبت أن ما عاشته لم يكن سوى كابوسٍ عابر.

لكن رعب الليل لم يكن شيئًا أمام الرعب الذي كان ينتظرهم مع شروق الشمس.

صرخات حادة اخترقت هواء الصباح الساكن. ترددت الأصداء بين الأشجار وكأن الجزيرة نفسها تصرخ معهم. ارتفعت أصوات مفزعة متداخلة، خطوات تائهة على الرمال، أنفاس متقطعة، ثم اندفع إدغار ورينارد نحو مصدر الفوضى،

تتبعهما مارلين وهي تمسك كاميرتها بيد مرتجفة، وإيفا خلفهم، تضم حقيبتها الطبية إلى صدرها كما لو كانت درعًا منطقية في عالم فقد منطقه.

على الشاطئ، كان الركاب متحلّقين في صمتٍ ثقيل، ينظرون إلى الأفق وكأنهم أمام مشهدٍ لا يستطيع العقل تفسيره. لم يتكلم أحد، فقط أنفاس مضطربة ووجوه مذهولة تلمع بالعرق رغم نسيم البحر. تبع إدغار نظراتهم… فرأى الفراغ.

البحر يمتد أمامهم بلا نهاية، مياهه تلمع تحت الشمس بفتور مريب. المكان الذي كانت ترسو فيه السفينة بالأمس… خالٍ تمامًا.

لا شراع. لا حطام. لا حتى حقيبة طافية.

كأن البحر قرر ابتلاعها دفعةً واحدة، وحرص على محو آثار جريمته.

وقف إدغار متيبسًا، عيناه تراقبان المدى الأزرق الذي لا يجيب. تمتم بصوتٍ مبحوح:

«هذا… مستحيل.»

إيفا وضعت يدها على جبينها محاولة أن تجمع أفكارها المتناثرة بين العلم والصدمة، بينما رفعت مارلين كاميرتها بحذر مشوب بالخوف وكأن عدستها يمكن أن تفسر ما يعجز اللسان عن قوله. همست بصوتٍ خافت:

«كيف يمكن لسفينة بهذا الحجم أن تختفي… بلا أثر؟»

لم يجبها أحد.

الصمت وحده تمدد بين الجميع، صمت كثيف لدرجة أنه صار كائنًا في حد ذاته، يراقبهم كما تراقبهم الجزيرة.

ثم شقّ ذلك الصمت صراخٌ جديد، حادٌّ هذه المرة، يشبه نصلًا يخترق الهواء:

«زوجي! جورج غير موجود!!»

التفت الجميع نحو الصوت. امرأة شاحبة الوجه، شعرها مبعثر، وعيناها متسعتان كأنهما رأتا الموت بأمّ عينيهما. كانت تلهث وتصرخ بأسماء لا يجيبها أحد.

«لقد كان هنا! بجانبي الليلة الماضية! أقسم أنه نام إلى جواري! أين ذهب؟!»

نيا كانت أول من اقترب منها، صوتها حذر وهي تحاول أن تستخلص منها شيئًا مفهومًا، لكن الكلمات كانت تتكسر بين شهقات المرأة.

اقتربت بعدها إيفا بخطوات ثابتة، مدت يدها ببطء لتهدئتها، في حين ظل إدغار صامتًا، عينيه على الرمال، وجهه يزداد صرامة كل ثانية.

هناك شيء غريب في الرمل.

انحنى ببطء، أطراف أصابعه تمر فوق التموجات، ثم توقف.

آثار أقدام متوازيه. وكأنها لشخصين أو شيئين،

لم تكن طبيعية.

كانت عميقة أكثرمن اللازم، حوافها مشوهة، وكأن شيئين ثقيلين جرّ جورج جرًّا.

رفع عينيه ليتتبع الاتجاه، فتجمّد. لم تكن البصمات تسير نحو البحر، ولا تمتد على طول الشاطئ كما يتوقع أي عقلٍ سليم.

كانت تتراجع إلى الخلف… نحو الغابة.

رفع إدغار رأسه نحو رينارد. النظرة بينهما قالت كل شيء.

الوجوم، الرعب المكتوم، الإقرار الضمني بأن الجزيرة لم تكتف بابتلاع السفينة.

همس رينارد بصوتٍ بالكاد يُسمع:

«ييظوا أن هناك شيء ما يأخذ ما يريد.»

شعرت مارلين ببرودة غريبة تزحف إلى أطرافها. حدّقت في ظلال الأشجار الكثيفة التي بدت الآن كجدارٍ حيٍّ يتحرك بهدوء. رفعت كاميرتها، التقطت صورة، لكن الشاشة أظهرت شيئًا غامضًا… خيالًا داكنًا على حافة الغابة، لم يكن هناك قبل لحظة.

أخفضت الكاميرا ببطء.

لم يعد أحد يتنفس بصوتٍ مسموع.

جورج لم يذهب وحده.

بل تم أخذه.

والغابة… لم تشبع بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نكرومانسوس

المؤلف إيديلويس
2025/10/13 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة