عاصفة

عاصفة

22 0

البحر يعكس الشمس كحبات لؤلؤ تناثرت فوق صفحةٍ زرقاء لا نهائية. السماء صافية، لا تشوبها إلا غيمات بيضاء تنزلق ببطءٍ، كأنها لا تعلم أن العالم سيختنق بعد قليل.

الماء يلامس هيكل السفينة بأنغامٍ ناعمة تعزفها الطبيعة نفسها. كل شيء مثالي أكثر مما ينبغي.

الركاب متناثرون في الأرجاء: بعضهم يتمدد في كسلٍ مطمئن، وبعضهم يتنزه على السطح بينما يركض الأطفال بضحكاتٍ تشقّ السكون. الطاقم نصف يقظٍ، نصف غافلٍ، حتى الريح بدت وكأنها تغفو.

في زاوية السطح، جلست امرأة عشرينية، شعرها مربوط على عجل، ونمشها يزيّن ملامحها كما لو أن الشمس قررت لمسها بنفسها. كاميرتها لا تفارق يديها؛ تقتنص اللحظات كلصٍّ لطيف، تصوّر السماء والموج والوجوه وحتى الفراغ. حتى بعض الركاب بدأوا يطلبون منها صورًا تذكارية.

لم يكن أحد يعلم أن صاحبة عيون العسل ستغدو لعنةً تمشي على قدمين، وأن اسمها مارلين.

كانت غارقة في تصويرها حين مرّ بها رجلٌ نال منه الزمن ما نال، لكنه احتفظ ببقايا الوقار والحكمة وبعض الصحة. غليونه لا يفارق فمه، وعيناه أشبه بلوحتين صافيتين للسماء.

حيّاها برأسه ثم ابتسم: «ما اسم الآنسة؟»

ابتسمت بهدوء: «مارلين، سيدي. وأنت… القبطان إدغار، أليس كذلك؟»

هزّ رأسه راضيًا: «أجل يا ابنتي. لقد شدّني شكلكِ، تذكّرينني بحفيدتي الصغيرة. لديها النمش نفسه وتلك العيون... على كلٍّ، أتمنى لكِ رحلةً سعيدة.»

ثم مضى في طريقه. لم يكن غريبًا عليه أن يتوقف ليتحدث مع الركاب؛ فهو يقضي معظم الرحلة يتفقدهم واحدًا تلو الآخر، يمازحهم ويسألهم إن كانوا يحتاجون شيئًا، الصغير منهم قبل الكبير.

وهكذا كان الوقت يمضي ببطءٍ كأنه يترقب شيئًا لا يعرف اسمه.

الشمس انتصبت في كبد السماء، وبضع سحبٍ تائهة تشبه الأفكار البعيدة.

على السطح، تجمّع بعض الأطفال حول شابةٍ تؤدي رقصة باليه رشيقة، بينما يشاركها فتىٌ برقصة هيب هوب صاخبة. انقسم الركاب إلى فريقين، يهتفون ويصفقون بمرحٍ كأنهم في مهرجانٍ عابر فوق البحر.

مارلين كانت تلتقط صورًا لزوجين يضحكان، توثّق اللحظة دون أن تدرك أنها آخر لحظةٍ هادئة لهم.

أما القبطان إدغار، فوقف مع مجموعة ركاب يتجاذبون أطراف الحديث، يروي لهم بعض النوادر البحرية حين انقطع صوته بصيحةٍ جاءت من القمرة:

«سيدي، تعال! هناك أمر ما!»

كان الصوت صوت مساعده، رينارد.

طمأن إدغار الركاب بإيماءةٍ هادئة، ثم صعد إلى القمرة بخطواتٍ متوترة. تلاشى عن وجهه أثر الهدوء، وحلّ محله تيقظٌ حذر.

قال وهو يقترب من مساعده: «رينارد، ماذا هناك؟»

أجابه رينارد محاولًا إخفاء قلقه: «لا أعرف، سيدي. كل أجهزة الرادار توقفت فجأة. حاولنا إصلاحها، لكن… لم يكن بها أي عطل.»

اقترب إدغار من اللوحة، ضغط بعض الأزرار، تفقد الأسلاك بعينٍ خبيرة، ثم تمتم بضيق: «كل شيء في مكانه… لا شيء مكسور.»

رفع قبضته وضرب جانب الشاشة بخفةٍ معتادة. للحظةٍ، انبعث الضوء مجددًا، وارتسمت الإشارات على الرادار كأنها عادت من سباتٍ قصير.

تنفّس القبطان بارتياح وقال مبتسمًا: «يبدو أن الرادار قرر أن يأخذ قيلولة، لكنه استيقظ في الوقت المناسب.»

ربّت على كتف رينارد وغادر القمرة، متجهًا نحو السطح.

وسط الفرح والضحكات، كانت مارلين لا تزال تلتقط صورًا. عدستها تبحث عن الجمال حتى في اللاشيء.

لكن حين وجهتها نحو الأفق، تجمدت.

هناك، في أبعد نقطة من الزرقة، خطّ أسود رفيع يشق السماء. ظنّته أول الأمر ظلّ سحابة، ثم لاحظت أنه يتحرك… بسرعةٍ غير طبيعية.

اتسعت عيناها، والتقطت أنفاسها كمن رآى الموت قادمًا من بعيد. رفعت صوتها تصرخ:

«عاصفة! الجميع إلى الداخل، حالًا!»

لم يستوعب أحد كلماتها في البداية. بعضهم ضحك، وبعضهم اكتفى بالنظر في الاتجاه الذي أشارت إليه.

لكن السواد تمدد كحبرٍ يُسكب فوق العالم، والهواء انقلب إلى صراخ.

في لحظةٍ، جثمت فوقهم سحابةٌ قاتمة أطبقت على السماء، وانفجرت منها البروق كأنيابٍ مضيئة.

الموج انتصب مثل جدارٍ من زجاجٍ غاضب، والسفينة أخذت تتمايل بعنفٍ يخلع القلوب من أماكنها.

الأطفال يبكون، الأزواج ينادون بعضهم وسط العاصفة، الأوامر تتشابك، والريح تمزق الأصوات كما لو أنها تسخر منهم جميعًا.

في دقائق معدودة، عاد الجميع إلى كبائنهم وهم يتعثرون، بينما القبطان إدغار وفريقه يحاولون السيطرة على السفينة التي بدت كريشةٍ في يد الإعصار.

ارتجّت السفينة بعنف تحت ضربات الأمواج العاتية، وكأن البحر نفسه قد أعلن الحرب عليها. صرخات الركاب امتزجت بصوت العاصفة التي تعوي بجنون، فيما حاول القبطان السيطرة على دفة السفينة رغم تعطل جميع الأنظمة.

«التحكم اليدوي!» صاح القبطان، وهو يلتفت إلى طاقمه. تسارع عدة رجال لمساعدته، إلا أن الرياح القوية كان لها رأي آخر. كانت الأمطار تهطل بغزارة، والسماء ممزقة بالبرق... لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.

في الأفق، وسط الظلام المتلاطم، لمحت الأعين جزيرة... لكنها لم تكن جزيرة عادية.

دوامات من السحب السوداء التفت فوقها كإعصار مظلم، والبرق الذي يخترقها لم يكن بلون طبيعي؛ كان أسود بوهج أبيض، وكأن السماء نفسها ترفض هذه الأرض. تيارات الرياح حولها لم تكن عشوائية، بل بدت وكأنها جدار غير مرئي يحمي الجزيرة من الغرباء... أو يمنعهم من المغادرة.

«لا يوجد خيار آخر!» صرخ القبطان، ووجه السفينة نحو الجزيرة، متجاهلًا كل علامات التحذير التي بثها البحر والسماء.

ومع اقترابهم أكثر، تراجعت العاصفة شيئًا فشيئًا... حتى اختفى صوت الرياح تمامًا لحظة ملامسة مقدمة السفينة للشاطئ الرملي. كان الأمر كما لو أن الجزيرة ابتلعت العاصفة في جوفها.

الصمت كان مخيفًا أكثر من العاصفة نفسها

للحظات، وقف الجميع مصدومين. منذ لحظات فقط، كانت الأمواج تتلاطم بعنف وكأن المحيط يوشك على ابتلاعهم... والآن، سكون مطبق. لا صوت للرياح، لا همهمة للأمواج، حتى السفينة التي كانت تئن قبل قليل تحت وطئ العاصفة بدت وكأنها تلتقط أنفاسها.

لكن هذا الهدوء لم يكن مريحًا. كان صامتًا... أكثر مما ينبغي.

ورغم ذلك، تجاهل القبطان الشعور الغريب الذي يزحف في صدره. زفر بقوة، ثم ترجل من السفينة، مخلفًا وراءه آثار خطواته على الرمال المبتلة. ثقل الأرض تحت قدميه كان غريبًا بعد ساعات من التأرجح فوق سطح البحر، وكأن الجزيرة نفسها تراقبه.

ببطء، بدأ الركاب بالنزول، ليس حبًا في الاستكشاف، ولكن فقط ليشعروا بملمس الأرض تحتهم، وكأنهم بحاجة إلى دليل بأنهم ما زالوا أحياء.

لكن أحدهم لم يستطع منع نفسه من التمتمة بصوت خافت:

«هل... هل نحن بأمان هنا؟»

لم يجب أحد.

رغم غرابة المكان ودفئ الرمال تحتهم وكأنها تنبض بالحياة ورائحة صديد تعبق في الجو والرياح تحمل همسات بلغة غير مفهومه لغة ابعد ما تكون عن لغة البشر

كان القبطان العجوز إدغار يجوب المكان بعينيه الزرقواتين وكأنه يريد أن يلتقط أي شيء مهما كان.

وبعد لحظات يأتيه صوت أحد مساعديه من قمرة القيادة «أيها القبطان لقد عادت الأنظمة جزئيا»

يسرع القبطان نحو قمرة القيادة ويتفقد الرادار، حاجبيه معقودان بقلق. ظهر موقع السفينة بوضوح، لكن شيئًا لم يكن صحيحًا... الجزيرة لم تكن هناك.

حدّق في الشاشة مطولًا، يعبث بالأزرار محاولًا تحديث الإحداثيات، لكن لا شيء تغيّر. وكأن الرادار يرفض الاعتراف بوجودها.

وفجأة، ومضت الشاشة للحظة، وظهرت رموز غريبة غير مفهومة، تلاها تشويش مشوّه كأن أحدهم يهمس وسط الضجيج. اتسعت عينا إدغار، وشعر بوخزة باردة تسري في عموده الفقري. كانت الشاشة… تنزف؟

رمش بعنف، وعاد كل شيء إلى طبيعته. لا دماء، لا رموز. مجرد شاشة رادار خامدة.

« أيها القبطان؟» جاءه صوت مساعده الأول، رينارد، الذي راقب توتره بصمت. وضع يده على كتفه قائلاً: «ربما الأنظمة لا تزال معطلة، لننزل ونرتاح قليلًا، يمكننا التحقق من السفينة لاحقًا.»

لم يرد إدغار على الفور. نظر مجددًا إلى الرادار، إلى الفراغ حيث كان ينبغي أن تكون الجزيرة، ثم زفر بصوت خافت، كأنه يحاول طرد القلق من صدره.

«هذا ليس مجرد عطل تقني…» همس لنفسه، لكنه في النهاية أومأ لرينارد، متظاهرًا بالهدوء. لن يثير الذعر الآن… لكن شيئًا ما يخبره أن الجزيرة لم تكن خطأً في الأجهزة.

بل كانت خطأً في الواقع نفسه.

نزل إدغار إلى تلك الجزيرة الغريبة التي لا تبعث على الراحة.

مرر نظره بين الركاب؛ بعضهم جالس يتهامسون في قلق، وآخرون يتجولون بحذر، كأنهم يحاولون فهم طبيعة هذا المكان. مارلين، تقف على بعد خطوات وهي تلتقط صورًا للبحر والغيوم المتفرقة في السماء.

اقترب القبطان منها بابتسامة خفيفة وقال:

«يبدو أنكِ تحبين التقاط الصور.»

نظرت إليه مارلين وابتسمت. «أجل، هذا جزء من عملي، لكنه شغفي أيضًا.»

«وماذا تعملين؟» سألها باهتمام.

رفعت كاميرتها قليلًا قبل أن تجيبه: «أنا صحفية جرائم.»

ضحك إدغار قائلاً: «إذن، هذه قد تكون أكثر الصور هدوءًا التي التقطتها في حياتك.»

اتسعت ابتسامتها قليلاً. «غالبًا ما ألتقط صورًا لمسرح الجريمة... وأحيانًا للجثث.»

نظر إليها إدغار بإعجاب ممزوج بالدهشة. «لديكِ قلب شجاع، يا آنسة مارلين؟»

ابتسمت له:« شكرا لك ايها القبطان»

«ناديني بالعم إدغار، رجاءًا. تذكرينني بحفيدتي كثيرا.» ارتسمت على ملامحه ابتسامة دافئة.

«بالمناسبة، كم عمرها؟»

أخرج إدغار من جيبه قلادة تتدلى منها صورة لطفلة ذات نمش، وعيناه تلمعان بحنان. «اسمها سالي، ستتم ربيعها السابع هذا العام.»

لم أكد تنطق حتى هبت نسمة باردة لم يعرف مصدرها أحد، جعلت الكاميرا ترتجف في يد مارلين، وابتسامة إدغار تتجمد للحظة، وكأنهما سمعا معًا شيئًا... شيئًا لم يقله البحر.

لكن فجأة... صرخ أحد الركاب، صراخ ممزوج بالخوف والذهول.

توجهت أنظار الجميع إلى مصدر الصوت ليجدوا رجلًا يتراجع إلى الخلف، عينيه متسعتان برعب خالص، جسده يرتجف كما لو كان يرى الموت يتجسد أمامه. تعثرت قدماه وسقط أرضًا، لكنه لم يتوقف عن الزحف، محاولًا الفرار مما يراه، وكأنه يهرب من الشيطان نفسه.

تسمرت الأعين على الاتجاه الذي كان يحدق فيه، وهناك، وسط ظلال الأشجار، حدث ما لم يكن طبيعيًا...

تغير لون الأشجار ببطء، وكأن الحياة تُسحب منها قطرةً قطرة. الجذوع تحولت إلى سواد قاتمة، والأوراق شحبت حتى صارت رمادية، بينما الهواء نفسه بدا وكأنه يختنق بهذا التغير.

ثم... من بين الأشجار، خرجت قطة سوداء.

عيونها الصفراء توهجت بشكل غريب، حدقت بالجميع، وكأنها تزن وجودهم واحدًا تلو الآخر.

لم تصدر صوتًا، لم تتحرك بطريقة غير طبيعية، فقط جلست هناك، راقبتهم بصمت... ثم، كما ظهرت، غادرت بخفة، تاركة خلفها قلوبًا تنبض بالقلق، وعقولًا تعج بالتساؤلات.

لكن الرعب الحقيقي لم يكن هنا.

في أعماق الجزيرة، حيث الظلام لا ينكسر حتى تحت ضوء الشموع المتناثرة، تردد صدى ضحكة منخفضة، متسللة عبر الأشجار كهمسة مشؤومة. بين الظلال، لمع صف من الأسنان الحادة في ابتسامة شيطانية.

ثم جاء الصوت، باردًا كقبضة الموت:

«آه مضى وقت طويل منذ أن استقبلنا ضيوفًا جدد..»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نكرومانسوس

المؤلف إيديلويس
2025/10/13 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة