تنهدت وشعرت براحة أقل قليلا ً، ظننت بأنها خُطفت ، ولكن لا ، لقد كنت مخطأً . ورغم هذا ، إنني حقاً ما زلت أكن لها الكره .
جلست مع سورا انتظر عودتهم ، انتظرنا ما يقارب الخمسة دقائق حتى عادوا .
عادوا وكانت أختي تحمل كيسين من الحلويات ، أنا لا أمانع تناولهم الحلوى ولكن أشعر بأن ميكيمورا تلك تمادت قليلاً في جلبها لهم .
" سورا ! لقد عدنا ، لقد أحضرَت لنا الكثير من الحلوى " ، هذا ما قالته فور عودتها ، اقتربت من سورا وأعطته كيس من التي معها ، ومن ثم نظرت إليّ وقالت بكل برائة : " لا تنظر لي هكذا يا أخي ، فأنا لم أحضر لك معي شيئاً ."
شعرت بمشاعري الصغيرة تتحطم ، ولكن ميكيمورا قالت لها من بعيد : " عليكِ تناول القليل اليوم فقط ، اتركِ الباقي لباقي الأسبوع ." ، نظرت لها يوكي بحدة وقالت : " لما عليّ أن أقوم بفعل ذلك ؟ ها ؟"
شعرت بالحرج حقاً من طريقة كلامها هذه مع شخص أكبر منها ، لذلك انحنيت لميكيمورا وجعلتها تنحني معي أيضاً . ولكن كانت ردة فعل ميكيمورا كانت غريبة نوعاً ما . نظرت لنا بصدمة وقالت بغيض : " لماذا تنحنون لي بحق اللعنة ؟" ، لا أعلم بماذا كانت تفكر ولكن … أليس من المفترض أن ننحني ونعتذر عند الخطأ ؟
كنت ما أزال مصدوماً عندما قال سورا فجأة : " أليس من المفترض أن نعتذر عن تعامل أختي معكِ ؟" ، بدت على وجهها ملامح التقزز وقالت له بصدمة : " أيجب الاعتذار عن هذا حقاً ؟"
قاطعنا القائد كازوكي من الداخل وقال لميكيمورا : " لقد تذكرت هذا تواً ، أكيمي ! هل قمتِ بتجهيز ترتيبات المهرجان ؟" ، من ثم الآنسة ساتوشي مباشرة قالت لها بحزم : " نعم ! وهل قمتِ بتجهيز قائمة الطعام الخاصة بالكشك ؟"
تغيرت ملامح وجهها إلى صدمة كبيرة ، وتصنمت في مكانها ، ولم تجب حتى جاء أحد ما في الطاقم الإسعافي الخاص بها ، قائلاً بينما هو يلهث : " ميكيمورا ! … أسرعي ، لقد تشاجر أسير مع حارس في السجن السابع ! عليكِ أن تأتي بسرعة ، هيا ."
" أنا بدأت العمل على الترتيبات هذا الصباح ، سأقوم بإنهائه صباح الغد ، والقائمة كادت أن تنتهي تقريباً ، أعتذر حقاً عن التأخير ، عليّ الذهاب الآن !"
قالت هذا وانطلقت بسرعة نحو السجن .
نظر سورا ويوكي نحو القائد وزوجته بفضول ، ولكن يوكي قالت فجأة : " ما هو المهرجان ؟" ، فأجابها سورا بسرعة : " اصمتي يوكي ، عليكِ عدم التدخل في شؤون الآخرين ."
لقد فرحت بكلام سورا ، لقد شعرت وكأنه كبر حقاً ، ولكن القائد أجاب على سؤالها بكل سرور : " إنه إحتفال سنوي نقيمه للاحتفال بإنجازات السنة الفائتة ، وموعده في كل عام في هذا الشهر ."
وابتسم ثم أكمل : "عليكم الحضور مع أكيمي لاحقاً ، سوف تستمتعون به جداً ، يوجد العديد من الفعاليات والأنشطة ، والأطعمة كذلك ."
عاينت نظري تجاه القائد ، ذاهل بما يقوله ، لم أكن أتخيل قط بأنه هذه المجموعة السوداوية الدامية ، ستقوم باحترم الأطفال هكذا ، صحيح إنهم يدمرون حياة الآخرين ، ولكن حتماً لابد أنهم لطفاء قليلاً .
انحنيت شكراً للقائد بسبب تعاطفه مع اخوتي ، ولكن أجابني بهدوء قائلاً : " أوكل شيء صنع في مجموعتكَ تنحنون شكراً وأسفاً من أجله ؟"
بقيت في حيرة من أمري ، أحدق مذهولاً في وجهه ، إنها مجموعة لا تهتم بشيء حرفياً !
في مجموعتي الانحناء أهم منك أنت أصلاً . لا أعلم بماذا يفكر هؤلاء .
" أخي ! هل ستأخذنا للمهرجان ؟" ، هذا ما قالته لي يوكي حينها .
حسناً … في الواقع أنا لا أعلم ما إذا كنت سأذهب أو لا ، فنحن يجب أن نقوم بالإزعاج . نظرت لها حائراً بهدوء بينما هي تبادلني النظرات ، لم أرمش حتى إذ رأيت يوكي دخلت على القائد في غرفته .
تبعتها بسرعة أملاً أن لا تكون قد بدأت بالتحدث إليه فعلاً ، ولكن عندما وصلت كان الأوان قد فات . ولكن لا لقد وجدتها جالسة في حضنه بالفعل .
لقد رأيت ابتسامتها ، كانت دافئة جداً وهي تتكلم ، ولكن ما كان عليها فعل ذلك الفعل أبداً ، " يوكي! ما الذي تفعلينه عندكِ ؟"
لقد قلت هذا بغضب خوفاً من أنها قامت بازعاج القائد .
أمسكتني الآنسة ساتوشي وقالت لي بغضب مكبوت : " ماذا ؟ لماذا تجبرها على الخروج ؟ إنها مجرد طفلة ، عليك تركها تعيش كما تريد ."
نظر إليّ السيد كازوكي ثم أكمل قائلاً : " دعها وشأنها ، عليكَ معرفة أن الأطفال يبقون أطفال حتى في نهاية العالم ! هذه المجموعة لا تمس الأطفال بسوء ، إنهم عالم خاص لوحده ، دعهم وشأنهم وإلا قتلتك ."
دخل سورا بعدي ثم قال للسيد كازوكي وهو يمشي باتجاهه : " هل هذا يعني بأننا سنعيش بخير هنا ؟ هل ستقوم بتوفير الحماية الخالصة لنا ؟"
وعندما وصل إلى جوار القائد ، أمسكه القائد ووضعه في حضنه بجانب يوكي ، وهو يبتسم ثم سألني متعجباً : " هل ستخبرني كيف كنتم تعاملون الأطفال في مجموعتكَ ريو ؟!"
ظللت صامتاً لمدة دقيقة كاملة أنظر للأرض ، بينما الجميع يحدق فيّ .
" على الأقل أنتم تهتمون بهم كبشر ! " ، لقد انفجرت عليهم بألميّ المكبوت وهم لا شأن لهم على الإطلاق بما عشته ، ثم أكملت قائلاً :
" في مجموعتنا ... كنا مجرد أرقام في انتظار التجنيد " ، بينما أنظر إلى يوكي وسورا بعينين تحملان كامل الذنب ، قلت :
" الاهتمام الذي يأخذه الطفل لديكم لا يقارن بتاتاً بالإهمال الذي عشناه "
ساد صمت ثقيل في الغرفة . حتى يوكي المشاكسة توقفت عن اللعب .
" أتعلم ..." ، قال السيد كازوكي بصوت هادئ ، ثم أكمل : " أحياناً أعظم شجاعة هي أن تعترف أنك كنت مخطئاً "
نظرت إليه محاولاً إخفاء آلامي . لقد كسرت القاعدة الذهبية في يامي : " لا تظهر ضعفكَ للعدو أبداً "
لكن شيئاً غريباً حدث …
لم أشعر بالخزي ، بل شعرت وكأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كتفي .
" في راتشيرو … نحن نؤمن أن كل طفل يستحق أن يعيش طفولته ، حتى وإن تعلم كيف يدافع عنها "
هذا ما قالته الآنسة ساتوشي لي .
في تلك اللحظة، فهمت لماذا خسرنا الحرب …
لا اعلم لماذا كنا نفكر حقاً …
لقد كنا أعداء أنفسنا حتماً .
تنهدت بضيق وقلت : " إذا كان هذا هو الإهتمام الحقيقي ..." ، وتوقفت عن الكلام ، ثم استدرت نحو السيد كازوكي … وأكلمت بصوت يكاد يسمع وانا أحدق بالأرض : " فأنا مستعد للعمل معكم … ليس خوفاً منكم ، بل لأنكم تستحقون هذا فعلاً ."
كانت تلك هي أول مرة أقول فيها كلمة " نحن " وأنا أقصد راتشيرو بها .
ابتسم السيد كازوكي لي بهدوء ، ولا … ليس كقائد لأسير من الأعداء ، بل كمرشد لطالب .
وقال متأملاً بصوت هادئ : " الغريب هو أنك اليوم قد كسبتَ حريتكَ ... بالضبط في ذلك الوقت ، عندما توقفت عن السعي وراء الحصول عليها ."
الآنسة ساتوشي كانت تنظر لي وتبتسم ابتسامة ناعمة ، بها دفئ ملحوظ ، لقد ذكرتني لوالدتي التي أخذتها نيران الحرب مني واخوتي . لقد شعرت وكأن ذكرياتي مع أمي تعيد لي شعور الفرح ، ولكن بالوقت ذاته أشعر وكأنها تحطمني أكثر بلا شك .
وفجأة صدر صوت وقوع شخص على الأرض ، التفتنا جميعاً نحو الصوت . ولقد ورأينا شابّاً يركض باتجاهنا مسرعاً بينما هو يلهث ويسبح في عرقه .
وكل ما كان يصدر منه هو كلمة " رجاءً " .
بدت الآنسة ساتوشي مندهشة من هذا ، وذهبت باتجاهه وامسكت به وهدأته وسألته عن سبب ذعره هذا .
وأجابها بحنجرة مرتعدة : " ميكيمورا !... إنها خلفي ، إنها تريد … تريد قتلي ."
أنها كلامه من صوب ، ودخلت ميكيمورا الحديقة مباشرة ، كان وجهها غير ظاهر ولكن كان غضبها واضحاً .
كانت غاضبة بشكل طبيعي ولكن عند اقترابها ظهرت هالة مرعبة حولها .
ولقد رأيتها تمسك بعصا معدنية وتوجهها نحو هذا الشاب بغضب ساخط .
وأظن بأنها كانت تقوم بتمتمة : " سأقضي عليكَ !"
وفي الحقيقة لا أعلم إذا كان صحيحاً أم لا ، فهذا ما سمعته يصدر منها .
نظرت لها الآنسة ساتوشي بغضب وقالت بغيض شديد : " أكيمي ! ما الذي تفعلينه الآن ؟ هل جننتي ؟"
ثم اتجهت بنظرها نحو الشاب : " ما الذي فعلته أنتَ الآخر ؟ يوي ! هـ …
لم تكمل كلامها بعد ، حتى وجدته هارباً بسرعة ليختبئ خلف القائد .
اتضح بأن اسمه يوي وهو جزء من حرسة السجن السابع .
إخوتي الصغار هرعوا نحوي خوفاً من صراخ يوي .
" ما الذي فعلته ؟ يوي !" ، وقد صرخت الآنسة ساتوشي عليه قائلة هذا .
وهو لم يجبها إلا عندما أمره القائد بالتكلم …
" لـ … لقد تشاجرت مع أحد الأسرى … داخل السجن ، لـ … لأنه رفض أخذ الطعام من يدي ، وبدأنا بالشجار ، لا أعلم كـ … كيف أتت إلى السجن أو من أخبرها بذلك ، ولكن عندما كدت أضربه ، لقد … كانت في المنتصف بيننا ، لـ … لتعلم ما المشكلة ، وأنا … حسناً … قمت بضربها بالخطأ عوضاً عن ضرب ذلك السجين … والآن هـ … هي تطاردني لأني تشاجرت مع سجين ولأني قمت بضربها ."
وعند اقتراب ميكيمورا صرخ فجأة وتمسك بالقائد بقوة وهو يصرخ : " آه … ر … رجاءاً حضرة القائد ! أبعدها عني … أبعدها عني !"
هدوء القائد كان مخيفاً وهو ينظر نحو ميكيمورا .
وبعد وصول ميكيمورا إلى باب الغرفة ، تحدث القائد بخفة وهدوء : " من النادر رؤيتكِ غاضبة ، صحيح ؟ هل تعلمين متى آخر مرة رأيتكِ غاضبة بها ؟"
ميكيمورا لم تكن تمزح حتماً وقامت بتهديد يوي قائلة : " إما أن تأخذها أنتَ أو يأخذها قائدكَ ، ولكَ حرية الاختيار ."
وفجأة دخل الحديقة ثلاثة أشخاص من الطاقم الطبي الخاص بها ، وعرقهم يسيل على وجوههم ، صوتهم يكاد يخرج من شدة التعب .
قاموا بإمساك ميكيمورا وأخذ العصا منها ، القائد لم يحرك ساكناً ولم ينطق بشيء . فقط اكتفى بالنظر نحوها وهو يبتسم .
كانت تحاول إبعادهم عنها لكي تقوم بضرب يوي .
ولكن وأخيراً قرر القائد أن يترك صمته جانباً ، وقد زالت الابتسامة عن وجهه ، وقال لها بهدوء تام : " أكيمي ! ما رأيكِ بما تقومين بفعله الآن ؟ هل إخافة الأطفال جزء من شخصيتكِ ؟ هل أنتِ راضية عن هذا ؟ هيا أجيبيني ."
هدأت ميكيمورا قليلاً ، وقام الطاقم بتركها ، بعدها نظر القائد نحو يوي وقال له بحزم : " اذهب الآن ! بإمكانكَ العودة إلى عملكَ ."
رحل بسرعة مع الطاقم الطبي ، كل الأنظار كانت نحو ميكيمورا ، وفجأة انحنت على الأرض أمام القائد .
صدمت صدمة حياتي حينها ، لم أتوقع بأن هذه المجموعة تنحني أيضاً بعد كل الذي واجهته .
ولكن ميكيمورا … حسناً لنقل بأنها حقاً كانت مخطئة بفعلتها تلك . انحنائها كان لازماً فعلاً . ولكن أيضاً كان يجب على يوي الاعتذار لها كذلك .
" أعتذر لك حضرة القائد … أقر بأن تلك كانت غلطتي ، ولم أكن في وعيي حينها ، أعلم بأنكَ غاضب جداً مني الآن وأنا أفهم هذا ، لذلك أرجو منكَ أن تسامحني حضرة القائد ! لم أقصد ذلك حقاً ."
نظر القائد إليها للحظة طويلة ، ثم قال لها بحزم : " لا تعتذري إليّ ، بل إلى الأطفال الذين أخفتهم بغضبكِ "
رفعت رأسها عن الأرض ، لقد كانت نادمة بشكل حقيقي حينها .
التفتت نحو إخوتي الذين في حضني ، وانحنت لهم . قالت أثناء انحنائها : " لم أقصد اخافتكم ، أنا أعتذر عن فعلتي تلك ، أرجو أن تقبلا اعتذاري !"
وفي تلك اللحظة … فهمت تماماً لماذا راتشيرو تنتصر دائماً …
لأن قائدهم لا يغضب للخيانة أو العصيان ...
بل يغضب عندما تُمس براءة طفل داخل مجموعته بوجوده .
JINO