بعد ما خيم الليل على غابة الصفصاف، لم يكف نمر يو-يان عن صراخه الصامت بنفاذ صبر .
( لقد مر ثلاثون عاما بالفعل ! روحي على وشك التلاشي يا ناس ! ..)
ظل النمر الاسود على وضعه حتر الفجر عند شروق الشمس و هو يتحسر على حاله ، و يتوعد لمن كان سببا في معاناته بالعذاب الأليم.
. . .
و على الجانب الاخر تسطحت قطة زعيم الطائفة السمينة بونغ يو على الأرض مظهرة بطنها المنفوشة بالقطن لتلقي أشعة الشمس الدافئة ببال مرتاح ، و مزاج جيد . خصوصا بعد أن أطعمها هوا ران و داعبها قليلا محافظة على مبدأ كل القطط في الحياة ، لا شيء أفضل من الاستلقاء للنوم بعد ملء معدتك بالطعام .
. . .
مع فجر اليوم الجديد ، عادت الحياة إلى غابة الصفصاف و بانت ملامحها الخلابة إلى جانب جبل جانغسان المهيب ، الذي يخترق عنان السماء بطوله دون مشهد واضح لقمته. و بين الأشجار الطويلة إستقرت قاعة تنين النيل قرب نبع الحياة في الغابة ، نهر جو-نا بعيدا عن القاعة الرئيسية اليشم القرمزي .
لسبب أو لأخر كانت قاعة تنين النيل مهجورة لسنوات حتى الآن دون سبب واضح غير الإهمال و عدم الاكتراث الذي تراكم عبر العقود الثلاثة الماضية منذ الحرب العظمى، و هي الآن مجمع للموظفين و العاملين الذي يجلسون قربها لتناول الطعام أو تجاذب أطراف الحديث دون إزعاج .
في واجهة القاعة التي تطل على نهر جو-نا ، كان الكوخ الخشبي لهوا ران مستقرا هناك ، منفصلا عن الحياة الصاخبة في الطائفة و عن أي ضجيج خارجي . مكان مثالي للإسترخاء و تنظيم الأفكار.
خرج هوا ران من الكوخ و هو يتمطى بكسل ، مرافقا لاثار النوم التي لم تذهب بعد . سار عامل النظافة إلى النهر و شرب من مياهه العذبة بينما يستذكر ما حدث بالأمس مع الصبي لو .
(ربما السنوات التي عشتها وحيدا جعلتني متعطشا لقرب الناس و الاهتمام ، أن أشعر بالانتماء إلى أحد ما ..)
نهض هوا ران من مضجعه و راح يبحث عن غطاء الرأس ، ليبدأ يومه كالعادة .
. . .
تجمع الصبي لو مع التلاميذ الآخرين في الساحة الكبرى للطائفة من أجل بدأ التمرين الصباحي . صفوف منظمة و حركات مدروسة ، حركة القبضة نفسها إلى الأمام مع شد الصدر .. صرخة عزم ثم إرجاع القدم للخلف و تقديم الاخرى ، كان ذلك مجرد تسخين لبداية يوم شاق من التعاليم و الدروس التالية .
تمتاز طائفة الشعلة بفنون قتالها المتنوعة ، و ترك الاختيار لتلاميذها فيما يخص مسارهم القتالي بين فنون القبضة و السيف ، إلى الرمح و العلوم ، و تعمل بدل ذلك على تقوية أساسهم المتين .
توجه الجميع في مجموعات أساتذة و تلاميذ إلى المقصف لتناول الفطور بعد تنشيط العضلات ، و هناك دارت العديد من الأحاديث الجانبية عن مختلف المواضيع و القيل و القال .
( تدور الأحاديث في قصر المتعة عن تعيين السيدة الشابة الخامسة زعيمة لفرع أنهوي )
( أليست السيدة الشابة الخامسة بعيدة عن خط الخلافة بسبب أصلها ؟! )
( يبدو أن توليها لشؤون فرع أنهوي سيكون أولى خطواتها للهيمنة على مسار الخلافة داخل عشيرة هاو )
(هل سمعت عن الشائعات في طائفتنا ؟ )
(طائفتنا ! أهناك ما قد يثير الاهتمام في طائفة صغيرة مثلنا ؟)
(الأخت الصغرى يونا هي .. )
قطع سيل الثرثرة دخول هي-تونغ بوقارها ، مع مجموعة من الأخوات الأخريات خلفها من بينهم كانت الصغيرة يونا تسير ممسكة بطرف ملابس هي-تونغ و تخبئ وجهها خلف ظهر الأخت الكبرى .
جلست مجموعة الأخوات على طاولة قرب النافذة و باشرن في الأكل بصمت ، بينما إلتزم الجميع الهدوء خوفا من غضب هي-تونغ لو أثاروا موضوع الأخت يونا مجددا .
ما هي القصة ؟
ببساطة تداول المعلمون بعض الحديث العابر ، كان موضوعه هو عائلة بانغ التي إحتكرت سوق الحبوب في الفترة الأخيرة مما أثار الريبة، كيف لعائلة مغمورة لا يعرفها أحد أن تصعد و تكتسح السوق فجأة ؟ ذلك ما جعل التجار الآخرين يلقون بالكلام هنا و هناك عن أن رئيس الأسرة بانغ-جوان باع بناته الأربع إلى مسؤولين رفيعين مقابل المساعدة على شراء الحبوب من الخارج بسعر بخس و بيعها بأسعار خيالية في الأسواق المركزية ، مستغلين مشكلة الجفاف التي إنتشرت منذ عامين و أدت إلى تلف المحاصيل .
و الان بانغ-يونا أصبحت تقريبا مجرد عاهرة في نظر البعض ممن صدقوا شائعات أن والدها باعها إلى مسؤول رفيع ، و ذلك المسؤول هو من عطف عليها و أرسلها إلى الطائفة منذ ستة أشهر لتعيش حياة عادية . و لأن هي-تونغ هي الأخت الكبرى وفقا لترتيب الاقدمية ، فمن واجبها تعليم الفتيات الاخريات و حمايتهن من أي سوء .
حدثني عن الانضباط و التفاني في أداء الواجب أحدثك عن هي-تونغ ، فما جعلها محبوبة من الجميع و محل إحترام كان إخلاصها في كل عمل تقوم به ، إضافة إلى قيامها بواجباتها على أكمل وجه .
و بصفتها شخصا يقدر الواجب أكثر من أي أحد أخر ، كان الغضب يعتريها في كل مرة تسمع عن ما يقال عن أختها يونا ، الذي قد يؤثر عليها بطريقة أو بأخرى ، و هي-تونغ تقدر زميلاتها و تحميهن لذلك حرصت على البحث عن مصدر الشائعات ، و أخذها بحثها إلى كون من نشر هذا الكلام هو عامل نظافة إنظم للطائفة منذ ثلاث سنوات و قد كان اسمه هوا ران ..
(قمت بتحذيره لكنه لم يأخذني على محمل الجد ، لا تلوم أحد غير نفسك إذا لأني سأجعلك تندم على ما فعلته . )
قالت هي-تونغ ذلك في نفسها بوعيد لهوا ران ، لكنها من الخارج أظهرت تعبيرا باردا لا يتناسب مع غليان البركان داخلها .
( أنا أسفة .. هذا بسببي . )
همست الصغيرة يونا بصوتها الناعم ، و عيون مائية توشك على البكاء، فما كان من صديقاتها أن هدرو فيها موبخين ..
(ما هذا الكلام يا يونا ؟ )
(كيف يكون ذلك خطأكي )
( أنت لست هذا النوع من الأشخاص ! )
(دعيهم يثرثرون أنت نقية و بريئة رغما عنهم )
( هيا لا تبكي ! )
شعرت يونا بالراحة بوجود كل هذا الدعم من أخواتها و عدم كونها وحيدة ، لكنها كانت تنتظر المواساة الحقيقية من هي-تونغ. فنظرت إليها بعيون ضحية مظلومة عاجزة لا تقوى على شيء .. رغم علم هي-تونغ أن يونا فتاة بريئة تنتمي إلى عائلة محترمة ، إلى أن تلك النظرة بدل أن تشعل في قلب الأخت الكبرى العطف و الشفقة على الفتاة المسكينة ، أثارت داخلها الاشمئزاز منها .
حاولت هي-تونغ التعاطف معها بشتى الطرق لكنها لم تقدر ، و دائما ما شعرت بالتقزز فما يدفعها إلى مساعدة يونا هو الشعور بالواجب لا أكثر .
(أجد الأمر غريبا برمته، لكن ليس بقدر غرابة النفور الذي يجتاحني عندما أكون قربها )
عادت الأخت الكبرى إلى الواقع و رأت نظرات الأخوات لها تحثها على قول ما يريح يونا ، فما كان منها إلا أن قالت محافظة على تعبيرها البارد .
(سأجد من نشر الشائعات عما قريب ، لذا إطمئني )
. . .
عودة إلى نمر يو-يان المسكين ، كان قد قرر بالفعل خطواته القادمة .
و ها هو ذا يحكي على لسانه و يقول :
باستعمال أخر ما تبقى لي من قوى لم تتلاشى ، إستطعت صنع فضاء وهمي يحفظ وعيي و يمنعه من الزوال ، لكنها مسألة وقت فقط قبل أن ينهار ..علي الحصول على وعاء مناسب قريبا .
كيف أل بي الوضع إلى ما هو عليه الآن؟
أين أخطأت بحق خالق الجحيم؟
عالم الأرواح ..
موطني قد إختفى ..
ملكي ..
عندما غرقت السهول الوسطى في الفوضى و الخراب قبل ثلاثين عاما ، كان عالم الأرواح بعيدا عن كل هذا اللبش في البداية . لكن سرعان ما سقط هو الآخر على يد ذاك السياف المجهول ، الذي راح يقاتل الأرواح الإثني عشر العظماء و هزمهم واحدا تلو الأخر.
كنت أنا الثالث و الروح الثامنة من صمد على الاقل و لم نقتل بينما بقي مصير الروح الأولى مجهولا . و تم تأكيد وفاة البقية ، غير أن المعني بكل هذا لم يظهر على الإطلاق ... ملك الأرواح .
كان خارج الصورة منذ البداية ، لا أحد يعلم ماذا حل به .
ذاكرتي لم تعد تسعفني لأتذكر المزيد ، الحفاظ على وعيي داخل التمثال يستنزف قوة حياتي ، لا أذكر أي شيء عن ملكي ، لا وجهه أو إسمه ، لا شيء سوى لحظات مشوهة .
أريد العودة ..
أريد الانتقام ..
أكره كل شيء ..
لما تركنا ملكي نعاني ..
هل هناك ما كان يهمه أكثر من شعبه ..
ما ذنب أولائك الصغار ..
. . .
غرق النمر في دوامة من الأفكار و الصراعات الداخلية التي أنهكت عقله ، و رغما عنه راح يستذكر لحظاته اليائسة و هو يحاول حماية الأرواح الصغيرة من بطش ذلك الفاني .. هزيمته المذلة ، الخراب ، البؤس ، ألاف الأصوات تستغيث هل من مجيب ؟ دموع من دم و عويل الضعفاء هل من يساعد ؟
رغما عنه صارت الروح المحطمة لنمر يو-يان تبكي في صمت على ما مضى ، تتحسر على ما فات بألم ينهشها و يسرع عملية اندثارها . بدأ التمثال الشامخ للنمر المخطط بالأبيض يعوي و يصيح .
صدح صوته في أرجاء غابة الصفصاف، ينادي و ينادي دون توقف مع صوت البكاء الذي زاد من الألم الذي كان محملا في ندائه .
كانت هناك فرصة .. بصيص أمل صغير .. فرصة أن يسمعه أحد ، كانت طريقة يائسة لشخص أقفلت كل الأبواب في وجهه .
وقد كان الأمل موجودا أسفل جبل جانغسان ..