يوم في حياة رجل بسيط

يوم في حياة رجل بسيط

16 0

بعد ثلاث ساعات إنتهى تبادل المعلومات بين تلاميذ الطائفة ، و رافق كل أستاذ مجموعته إلى أماكن التدريب المخصصة لهم من أجل التطبيق العملي لكل المهارات التي تعلموها و غادر معهم الاستاذ يي . بينما نهض هوا ران لأداء عمله بعد خلو القاعة و أخذ يكنس الأرض برتابة و هو يدندن مقطعا من أغنية شعبية كان قد سمعها في الماخور بالأمس.

لم تكن الأرضية متسخة للغاية ، فلم يجرؤ أحد على توسيخها بسبب إنهماك الجميع في الدراسة و التعلم .

ظل هوا ران يكنس حتى لمحه العم هاو الذي كان قد ذهب لاستلام صندوق البطاطا من التجار ، و ما إن رأه العم هاو حتى نادى عليه قائلا ببهجة :

(الأخ ران ! هلا أتيت لمساعدة هذا العجوز )

ألقى هوا ران ببصره على العم هاو و هو يلوح له من بعيد ، فما كان منه إلا أن وضع مكنسة القش في مكانها و سار نحو العجوز بتآن حتى وصل إليه و سارع في تحيته .

(كيف حالك يا عم ؟ و كيف أحوال أسرتك ؟ )

رد عليه العم بابتسامة بشوشة:

( نحن بخير و على ما يرام آه ! كدت أنسى .. )

ثم أخرج من بين ملابسه غطاء رأس مطرز يدويا على طرفه رسمة لزهرة الخشخاش الأحمر و قدمه لهوا ران و الامتنان باد على وجهه .

( أيها الأخ ران انت تعمل تحت الشمس كثيرا لذلك صنعت زوجتي هذا الغطاء خصيصا لك حتى لا تؤذيك أشعة الشمس و طلبت مني أن أرسل شكرها إليك على الصلح بيننا في أخر مرة )

لاح طيف إبتسامة على ثغر هوا ران و هو يتناول الغطاء من يد العم هاو و يضعه على رأسه .

( أرسل تحياتي و شكري إلى العمة مي و أخبرها أني قد أزورها لاحقا )

( مرحبا بك في أي وقت ، و الان هلا أكملت جميلك و ساعدت هذا العجوز ..)

(من دواعي سروري ..)

توجه هوا ران نحو صندوق البطاطا و حمله بيد واحدة و كأنه لا شيء و سار إلى المطبخ .. بينما ظل العم هاو ليواصل حديثه مع التاجر .

(تبدو علاقتكما قريبة )

قال التاجر بلمعة خبث في عينيه و رد عليه العم :

(بلى فهو بمثابة إبن لم أنجبه ..)

(هذا يعني أنه يضع ما تقوله في الحسبان )

(ماذا تعني ؟ )

(لا تهتم ، الحساب عشرة باو نحاسية )

{ باو إختصار لعملة تشونغ تشن تونغ باو العملة المتداولة في عهد سلالة مينغ }

. . .

سار هوا ران في الممر المؤدي إلى المطبخ بخطوات متثاقلة و لازال يدندن تلك الأغنية القديمة غير مبال لأحد .

( أيتها الأخت الكبرى تونغ نرجو منكي أن ترأفي بحالنا قليلا )

(أجل أيتها الأخت، لا أحد قادر على تحمل التدريب ، كاد لونغ-تشاو أن يصاب بإنحراف التشي .. )

( رجاء أيتها الأخت! )

(أشفقي علينا نحن نترجاكي )

{التشي في التراث الشعبي الصيني نوع من الطاقة الروحية الموجودة في جسم كل كائن حي }

كانت هي-تونغ تسير في نفس الرواق و خلفها جماعة من التلاميذ في حالة مزرية بملابس ممزقة و جروح مفتوحة .. توقف هوا ران لمشاهدة ما سيحدث عندما توقفت هي-تونغ هي الاخرى عن المسير و إستدارت لمواجهة التلاميذ بنبرتها الصارمة .

(أنتم من طلب تدريبا مباشرا مني لإكتساب الخبرة العملية ، و من واجبي في هذه الحالة أن أعلمكم على أكمل وجه لهذا إن كان عليكم لوم أحدهم فسيكون أنفسكم يا حفنة من الضعفاء ..)

ألقت بكلامها الذي يسم البدن عليهم و همت بالمغادرة وسط صدمة التلاميذ و عدم إستيعابهم ، حتى لمحت هوا ران ، فتقدمت إليه و نظرت له وجها لوجه قائلة :

( أما أنت فأنصحك أن تتباع عملك بانضباط بدل نشر الإشاعات الغريبة )

ثم لاحظت هي-تونغ رسمة الخشخاش المطرزة على رداء رأس هوا ران فعقدت حاجبها بانزعاج و أكملت :

(كذلك إفعل شيء تجاه ذوقك في الزهور ، أنت غريب حقا )

صدمت كتفه أثناء مغادرتها ، بينما تابعها هوا ران حتى غابت عن نظره و هو غارق في تفكيره .

(عن أي إشاعات تتحدث هذه المرأة ؟ و ماذا عن أسلوب عدم الاحترام تجاه الكبار هذا ؟ أنا أكبر من والدها ..)

ظلت مجموعة التلاميذ تراقب الموقف و هم يهمهمون حول هوا ران عامل النظافة ، الذي منذ مجيئه إلى الطائفة و هي-تونغ تطيق العمى و لا تطيقه ، و لسبب ما عملت على تجاهله و إنتقاد تصرفاته ، رغم أنها معروفة بمعاملتها العادلة للجميع . كونهم سواسية في نظرها ، قامت بكسر هذه القاعدة مع هوا ران .

لم يشغل عامل النظافة البسيط تفكيره بما قالته هي-تونغ و دخل إلى المطبخ ، و بينما كان يرتب صناديق الخضروات و الفاكهة دخل خلفه واحد من التلاميذ الذين شهدوا الموقف السابق ، و هو صبي قصير القامة ، أشعث الشعر ، علامات الإرهاق بادية عليه ، غير ظهره المقوس قليلا إلى الأمام فقد كان شكله عاديا و بسيطا من النوع الذي لا يلاحظ وجوده في التجمعات ..

لم يكن أحد غيره ، فهذا هو " لو " فتى شوارع من دون عائلة إلتقطه زعيم الطائفة بحجة أن له مستقبلا واعدا ، و أحظره إلى الطائفة رغم أنف مجلس الشيوخ الذين لم يتقبلوا طفلا مشرد كتلميذ مباشر لهم.

( لا تزال باردا كالعادة .. )

خرج صوت لو منخفضا و بصره ملقى على عامل النظافة الذي واصل عمله دون النظر إليه .

إقترب لو و جلس قرب هوا ران ، و استمر في مراقبته حتى إنتهى من ترتيب الصناديق .. عند إنتهاء هوا ران أراح نفسه و جلس بجانب لو بصمت .

( من الواضح أنك لا تزال دمية الضرب الخاصة بالشيوخ.. حالك يرثى لها يا فتى )

خفض لو رأسه محاولا تجنب نظرات هوا ران التي تنطق بالكثير .

( حتى لو قلت لك دافع عن نفسك و قاوم ، واثق أنك لن تفعل .. ربما لديك سبب و ربما هو مجرد الخوف ، لكنني لا ألومك )

مد هوا ران يده و ربت على رأس لو بحنان بالغ، إحمرت وجنتا الاخير من الخجل بينما تابع عامل النظافة قوله .

( تعال إلى غرفتي في المساء لأعالج هذه الندوب قبب أن تترك أثارا و أخبر الاستاذ يي أن يغطي على غيابك في تفتيش عنابر النوم ، إتفقنا؟ )

( حاضر )

. . .

يحكي الصبي الشارد " لو " و يقول :

فتحت عيني لأول مرة على منظر سقف خشبي متأكل ، و ام محتضرة بجانبي تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، و عجوز طيبة أخذت تتلو مع أمي صلواتها الختامية أملة أن تجد السلام في الحياة الاخرى ، بعيدا عن زوجها البخيل و المعنف.

تمر السنوات الأولى من حياتي في لمح البصر ، لم أدرك حتى كيف تعلمت فيها المشي و الكلام رغم أن أبي لم يكترث لتعليمي أي شيء ، و ركز على مواصل عمله المجهول من الفجر حتى مغيب الشمس .

بقيت لوحدي في المنزل ، أنظفه و أتعلم أساسيات الحياة كالطبخ و الزراعة من جاراتنا اللوات أشفقن على حالي ، فقامو بتربيتي مع أطفالهن تربية حسنة . و حسن نيتهن هذه كانت سببا في بعض المشاكل بالنسبة لي ..

لم يكترث الأولاد الآخرون بي و بعضهم حاول الاعتداء علي بسبب الاهتمام الذي أتلقاه من أمهاتهم .. ما كان كل هذا مهما في الأصل لأن والدي في تلك الفترة ما عاد يأتي إلى المنزل ، إلا بضع مرات و شيء فشيء .. إنقطعت زياراته العابرة حتى إختفى دون أثر .

لأكون صادقا فبقدر ما إهتمت الجارات بي ، بقدر ما كرهت نفسي لحالي المثيرة للشفقة، و منذ حينها عندما واتتني الفرصة للانضمام إلى طائفة الشعلة ، قررت أن أبقي أحزاني لنفسي . لا أحتاج لعطف أحد علي .

هذا ما إعتقدته ..

تعرضت للتوبيخ و الضرب على أبسط الأخطاء ، في أحد تلك المرات تعبت من كل شيء ، حينها جلست على درج باب قاعة مهجورة ، تقدم إلي رجل بدى في أواخر العشرينات ، و جلس بجانبي ممسكا بمزمار صغير تدلت منه ميدالية يشم أخضر ، نقش عليها ثلاثة ألفاظ :

الحزن .

اليأس .

البؤس .

أخذ يعزف عليها لحنا حزينا .. يأتي الخريف و تتساقط أوراق الشجر الذهبية ، تهب الرياح و تلتقطها على غفلة ، ثم تحلق بها في أعالي الأفق البعيد في مكان أخر حيث تستقر في مثواها الآخير . لاحقا تهطل الأمطار لتروي عطش الأشجار التي فقدت أوراقها ، و تغطيها بالثلوج فيما بعد .. شتاء عاصف ينذر بالشؤم ، و يجبر أعتى المخلوقات على الخضوع لسطوته الطاغية ..

يرحل طيف الثلج و معه جبروته الذي أخاف الجميع ، يأتي محله ذلك الأحب إلى قلب كل المخلوقات . تنبت أوراق جديدة من أجل بداية جديدة أخرى ، تنتضر الخريف بفارغ الصبر حتى تغادر عالمها الصغير إلى ما بعد الجبال و الأنهار في الأفق البعيد ..

دورة من الفصول تدور في دوامة لا تتوقف ، تتعاقب مرة بعد مرة دون تغيير .. ما يتغير فيها هو نحن ، نختلف عن نفسنا السابقة في كل دورة .

الرجل الذي أسمعني كل هذا عن طريق لحن جميل هو عامل النظافة البسيط .. هوا ران .

. . .

حل الليل بظلمته الحالكة مخيما على جبل جانغسان ، غطت الأجساد المرهقة للتلاميذ في نوم عميق ، و سار الأساتذة يتفقدون عنابر النوم أملا في إيجاد أحد مستيقض و جعله ينظف قاعة التدريب كعقاب .

كان الاستاذ يي يتفقد العنابر كالعادة. و بهدوء تسلل إلى عنبر الصبي لو و وضع مكانه مجموعة من الوسائد و غطاها باللحاف الخشن .

(الجميع نائم هنا ! )

و في غرفة ضيقة قرب القاعة المهجورة إنشغل هوا ران بطحن بعض الأعشاب الطبية بينما تسطح الصبي لو على سرير عامل النظافة و بصره ملقى عليه يراقب تحركاته باهتمام .

( أخي الأكبر... )

( نعم ؟ )

( أتمانع لو سألتك ؟ )

( إسأل )

(لماذا تولي كل هذا الاهتمام بي ؟ )

( لا أعرف )

كان هوا ران يجيب دون إبعاد نظره عن المهراس الذي يطحن الأعشاب به ، لكن سؤال الصبي المفاجئ جعله يحيد ببصره عن ما يفعل ، و ينظر إلى الفتى بنظرة صادقة تثبت مصداقية كلامه .

( حسنا )

لم ينبس لو بكلمة بعدها ، و قام بخلع ملابسه لتظهر تلك الندوب التي بدت كزخرفة منقوشة على جسده ، منها الجديد و منها القديم تبين مدى ما فعله بعض الشيوخ و التلاميذ الآخرين الذين كرهوا وجوده معهم و أعمتهم الغيرة بسبب تفضيل زعيم الطائفة له .

راح هوا ران يدعك خلطة أعشابه على الجسد الهزيل بروية و هو غارق في عالم أخر من الأفكار.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المالك الحزين

المؤلف متأملة النجوم
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة