بعد ثلاث ساعات إنتهى تبادل المعلومات بين تلاميذ الطائفة ، و رافق كل أستاذ مجموعته إلى أماكن التدريب المخصصة لهم من أجل التطبيق العملي لكل المهارات التي تعلموها و غادر معهم الاستاذ يي . بينما نهض هوا ران لأداء عمله بعد خلو القاعة و أخذ يكنس الأرض برتابة و هو يدندن مقطعا من أغنية شعبية كان قد سمعها في الماخور بالأمس.
لم تكن الأرضية متسخة للغاية ، فلم يجرؤ أحد على توسيخها بسبب إنهماك الجميع في الدراسة و التعلم .
ظل هوا ران يكنس حتى لمحه العم هاو الذي كان قد ذهب لاستلام صندوق البطاطا من التجار ، و ما إن رأه العم هاو حتى نادى عليه قائلا ببهجة :
(الأخ ران ! هلا أتيت لمساعدة هذا العجوز )
ألقى هوا ران ببصره على العم هاو و هو يلوح له من بعيد ، فما كان منه إلا أن وضع مكنسة القش في مكانها و سار نحو العجوز بتآن حتى وصل إليه و سارع في تحيته .
(كيف حالك يا عم ؟ و كيف أحوال أسرتك ؟ )
رد عليه العم بابتسامة بشوشة:
( نحن بخير و على ما يرام آه ! كدت أنسى .. )
ثم أخرج من بين ملابسه غطاء رأس مطرز يدويا على طرفه رسمة لزهرة الخشخاش الأحمر و قدمه لهوا ران و الامتنان باد على وجهه .
( أيها الأخ ران انت تعمل تحت الشمس كثيرا لذلك صنعت زوجتي هذا الغطاء خصيصا لك حتى لا تؤذيك أشعة الشمس و طلبت مني أن أرسل شكرها إليك على الصلح بيننا في أخر مرة )
لاح طيف إبتسامة على ثغر هوا ران و هو يتناول الغطاء من يد العم هاو و يضعه على رأسه .
( أرسل تحياتي و شكري إلى العمة مي و أخبرها أني قد أزورها لاحقا )
( مرحبا بك في أي وقت ، و الان هلا أكملت جميلك و ساعدت هذا العجوز ..)
(من دواعي سروري ..)
توجه هوا ران نحو صندوق البطاطا و حمله بيد واحدة و كأنه لا شيء و سار إلى المطبخ .. بينما ظل العم هاو ليواصل حديثه مع التاجر .
(تبدو علاقتكما قريبة )
قال التاجر بلمعة خبث في عينيه و رد عليه العم :
(بلى فهو بمثابة إبن لم أنجبه ..)
(هذا يعني أنه يضع ما تقوله في الحسبان )
(ماذا تعني ؟ )
(لا تهتم ، الحساب عشرة باو نحاسية )
{ باو إختصار لعملة تشونغ تشن تونغ باو العملة المتداولة في عهد سلالة مينغ }
. . .
سار هوا ران في الممر المؤدي إلى المطبخ بخطوات متثاقلة و لازال يدندن تلك الأغنية القديمة غير مبال لأحد .
( أيتها الأخت الكبرى تونغ نرجو منكي أن ترأفي بحالنا قليلا )
(أجل أيتها الأخت، لا أحد قادر على تحمل التدريب ، كاد لونغ-تشاو أن يصاب بإنحراف التشي .. )
( رجاء أيتها الأخت! )
(أشفقي علينا نحن نترجاكي )
{التشي في التراث الشعبي الصيني نوع من الطاقة الروحية الموجودة في جسم كل كائن حي }
كانت هي-تونغ تسير في نفس الرواق و خلفها جماعة من التلاميذ في حالة مزرية بملابس ممزقة و جروح مفتوحة .. توقف هوا ران لمشاهدة ما سيحدث عندما توقفت هي-تونغ هي الاخرى عن المسير و إستدارت لمواجهة التلاميذ بنبرتها الصارمة .
(أنتم من طلب تدريبا مباشرا مني لإكتساب الخبرة العملية ، و من واجبي في هذه الحالة أن أعلمكم على أكمل وجه لهذا إن كان عليكم لوم أحدهم فسيكون أنفسكم يا حفنة من الضعفاء ..)
ألقت بكلامها الذي يسم البدن عليهم و همت بالمغادرة وسط صدمة التلاميذ و عدم إستيعابهم ، حتى لمحت هوا ران ، فتقدمت إليه و نظرت له وجها لوجه قائلة :
( أما أنت فأنصحك أن تتباع عملك بانضباط بدل نشر الإشاعات الغريبة )
ثم لاحظت هي-تونغ رسمة الخشخاش المطرزة على رداء رأس هوا ران فعقدت حاجبها بانزعاج و أكملت :
(كذلك إفعل شيء تجاه ذوقك في الزهور ، أنت غريب حقا )
صدمت كتفه أثناء مغادرتها ، بينما تابعها هوا ران حتى غابت عن نظره و هو غارق في تفكيره .
(عن أي إشاعات تتحدث هذه المرأة ؟ و ماذا عن أسلوب عدم الاحترام تجاه الكبار هذا ؟ أنا أكبر من والدها ..)
ظلت مجموعة التلاميذ تراقب الموقف و هم يهمهمون حول هوا ران عامل النظافة ، الذي منذ مجيئه إلى الطائفة و هي-تونغ تطيق العمى و لا تطيقه ، و لسبب ما عملت على تجاهله و إنتقاد تصرفاته ، رغم أنها معروفة بمعاملتها العادلة للجميع . كونهم سواسية في نظرها ، قامت بكسر هذه القاعدة مع هوا ران .
لم يشغل عامل النظافة البسيط تفكيره بما قالته هي-تونغ و دخل إلى المطبخ ، و بينما كان يرتب صناديق الخضروات و الفاكهة دخل خلفه واحد من التلاميذ الذين شهدوا الموقف السابق ، و هو صبي قصير القامة ، أشعث الشعر ، علامات الإرهاق بادية عليه ، غير ظهره المقوس قليلا إلى الأمام فقد كان شكله عاديا و بسيطا من النوع الذي لا يلاحظ وجوده في التجمعات ..
لم يكن أحد غيره ، فهذا هو " لو " فتى شوارع من دون عائلة إلتقطه زعيم الطائفة بحجة أن له مستقبلا واعدا ، و أحظره إلى الطائفة رغم أنف مجلس الشيوخ الذين لم يتقبلوا طفلا مشرد كتلميذ مباشر لهم.
( لا تزال باردا كالعادة .. )
خرج صوت لو منخفضا و بصره ملقى على عامل النظافة الذي واصل عمله دون النظر إليه .
إقترب لو و جلس قرب هوا ران ، و استمر في مراقبته حتى إنتهى من ترتيب الصناديق .. عند إنتهاء هوا ران أراح نفسه و جلس بجانب لو بصمت .
( من الواضح أنك لا تزال دمية الضرب الخاصة بالشيوخ.. حالك يرثى لها يا فتى )
خفض لو رأسه محاولا تجنب نظرات هوا ران التي تنطق بالكثير .
( حتى لو قلت لك دافع عن نفسك و قاوم ، واثق أنك لن تفعل .. ربما لديك سبب و ربما هو مجرد الخوف ، لكنني لا ألومك )
مد هوا ران يده و ربت على رأس لو بحنان بالغ، إحمرت وجنتا الاخير من الخجل بينما تابع عامل النظافة قوله .
( تعال إلى غرفتي في المساء لأعالج هذه الندوب قبب أن تترك أثارا و أخبر الاستاذ يي أن يغطي على غيابك في تفتيش عنابر النوم ، إتفقنا؟ )
( حاضر )
. . .
يحكي الصبي الشارد " لو " و يقول :
فتحت عيني لأول مرة على منظر سقف خشبي متأكل ، و ام محتضرة بجانبي تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، و عجوز طيبة أخذت تتلو مع أمي صلواتها الختامية أملة أن تجد السلام في الحياة الاخرى ، بعيدا عن زوجها البخيل و المعنف.
تمر السنوات الأولى من حياتي في لمح البصر ، لم أدرك حتى كيف تعلمت فيها المشي و الكلام رغم أن أبي لم يكترث لتعليمي أي شيء ، و ركز على مواصل عمله المجهول من الفجر حتى مغيب الشمس .
بقيت لوحدي في المنزل ، أنظفه و أتعلم أساسيات الحياة كالطبخ و الزراعة من جاراتنا اللوات أشفقن على حالي ، فقامو بتربيتي مع أطفالهن تربية حسنة . و حسن نيتهن هذه كانت سببا في بعض المشاكل بالنسبة لي ..
لم يكترث الأولاد الآخرون بي و بعضهم حاول الاعتداء علي بسبب الاهتمام الذي أتلقاه من أمهاتهم .. ما كان كل هذا مهما في الأصل لأن والدي في تلك الفترة ما عاد يأتي إلى المنزل ، إلا بضع مرات و شيء فشيء .. إنقطعت زياراته العابرة حتى إختفى دون أثر .
لأكون صادقا فبقدر ما إهتمت الجارات بي ، بقدر ما كرهت نفسي لحالي المثيرة للشفقة، و منذ حينها عندما واتتني الفرصة للانضمام إلى طائفة الشعلة ، قررت أن أبقي أحزاني لنفسي . لا أحتاج لعطف أحد علي .
هذا ما إعتقدته ..
تعرضت للتوبيخ و الضرب على أبسط الأخطاء ، في أحد تلك المرات تعبت من كل شيء ، حينها جلست على درج باب قاعة مهجورة ، تقدم إلي رجل بدى في أواخر العشرينات ، و جلس بجانبي ممسكا بمزمار صغير تدلت منه ميدالية يشم أخضر ، نقش عليها ثلاثة ألفاظ :
الحزن .
اليأس .
البؤس .
أخذ يعزف عليها لحنا حزينا .. يأتي الخريف و تتساقط أوراق الشجر الذهبية ، تهب الرياح و تلتقطها على غفلة ، ثم تحلق بها في أعالي الأفق البعيد في مكان أخر حيث تستقر في مثواها الآخير . لاحقا تهطل الأمطار لتروي عطش الأشجار التي فقدت أوراقها ، و تغطيها بالثلوج فيما بعد .. شتاء عاصف ينذر بالشؤم ، و يجبر أعتى المخلوقات على الخضوع لسطوته الطاغية ..
يرحل طيف الثلج و معه جبروته الذي أخاف الجميع ، يأتي محله ذلك الأحب إلى قلب كل المخلوقات . تنبت أوراق جديدة من أجل بداية جديدة أخرى ، تنتضر الخريف بفارغ الصبر حتى تغادر عالمها الصغير إلى ما بعد الجبال و الأنهار في الأفق البعيد ..
دورة من الفصول تدور في دوامة لا تتوقف ، تتعاقب مرة بعد مرة دون تغيير .. ما يتغير فيها هو نحن ، نختلف عن نفسنا السابقة في كل دورة .
الرجل الذي أسمعني كل هذا عن طريق لحن جميل هو عامل النظافة البسيط .. هوا ران .
. . .
حل الليل بظلمته الحالكة مخيما على جبل جانغسان ، غطت الأجساد المرهقة للتلاميذ في نوم عميق ، و سار الأساتذة يتفقدون عنابر النوم أملا في إيجاد أحد مستيقض و جعله ينظف قاعة التدريب كعقاب .
كان الاستاذ يي يتفقد العنابر كالعادة. و بهدوء تسلل إلى عنبر الصبي لو و وضع مكانه مجموعة من الوسائد و غطاها باللحاف الخشن .
(الجميع نائم هنا ! )
و في غرفة ضيقة قرب القاعة المهجورة إنشغل هوا ران بطحن بعض الأعشاب الطبية بينما تسطح الصبي لو على سرير عامل النظافة و بصره ملقى عليه يراقب تحركاته باهتمام .
( أخي الأكبر... )
( نعم ؟ )
( أتمانع لو سألتك ؟ )
( إسأل )
(لماذا تولي كل هذا الاهتمام بي ؟ )
( لا أعرف )
كان هوا ران يجيب دون إبعاد نظره عن المهراس الذي يطحن الأعشاب به ، لكن سؤال الصبي المفاجئ جعله يحيد ببصره عن ما يفعل ، و ينظر إلى الفتى بنظرة صادقة تثبت مصداقية كلامه .
( حسنا )
لم ينبس لو بكلمة بعدها ، و قام بخلع ملابسه لتظهر تلك الندوب التي بدت كزخرفة منقوشة على جسده ، منها الجديد و منها القديم تبين مدى ما فعله بعض الشيوخ و التلاميذ الآخرين الذين كرهوا وجوده معهم و أعمتهم الغيرة بسبب تفضيل زعيم الطائفة له .
راح هوا ران يدعك خلطة أعشابه على الجسد الهزيل بروية و هو غارق في عالم أخر من الأفكار.