كان الهواء ساكنًا، لكنه أثقل من أن يُحت
تسلّل ضوء خافت من النافذة، واختلط برعش الارتباك في صدره.
جسَدها الدافئ مستكين فيها آخر ملاذ له في عالمٍ كل ما فيه ينهار
لكن عينيه لم تُفارقا تلك الظِلّة التي جلست، بثقة قاتلة، على الكرسي القريب من طرف السرير.
"فاليريا..."
همس بها كأنها لعنة تخرج من قبرٍ قديم.
لم يكن واثقًا إن كان يحلم... حتى ابتسمت.
تلك الابتسامة التي يعرفها جيدًا
ساخرة، ساكنة، كأنها تجيد الرقص على رماد كل من خان ثقته.
قالت بصوتها الرتيب، المائل للعبث:
"جميل أن أراك حيًّا... ودافئًا. غريب أن تغفو وأنت تحتضن حفرتي."
تجمد الدم في عروقه.
نظر إلى غلوريا النائمة، ملامحها هادئة، بريئة... لا تدري بشيء.
شدّ الغطاء فوق جسدها ببطء، ونهض من السرير ببطء محسوب، خطواته مثقلة بالشك والذهول.
اقترب من فاليريا وهو يتمالك نفسه بصعوبة، والشرر يتطاير من نظراته.
قال لها بصوت خافت كأن فيه ألف خنجر:
"كيف دخلتِ؟ وكيف... عدتِ؟"
ابتسمت، تلك الابتسامة التي تسبق الإعصار،
وقالت:
"أوه، ماتيو... السؤال ليس كيف عدت.
بل لماذا عدت؟"
ثم مالت برأسها قليلًا، وهمست:
"واو... إنها نائمة... جميلة، أليست كذلك؟
لكنني أتساءل، ما الذي ستفعله حين تستيقظ، وتراك أمام زوجتك القديمة؟"
اقترب من فاليريا، أمسَك ذراعها بقوّة، وهمس من بين أسنانه:
"انهضي… فورًا."
لم ترد. فقط نظرت له بنظرة لا تعرف الخوف، لكن بها أثر من الحنين المشوه.
شدّها بعنف من ذراعها، وسحبها خارج الغرفة، عبر الممر المظلم.
وصل إلى أول زاوية بعيدة عن الغرفة، وترك ذراعها فجأة، ثم استدار نحوها بعينين تشعّان نارًا:
"ما الذي جاء بكِ إلى هنا، أيتها اللعينة؟ أجننتِ؟"
وقبل أن تنطق، قطع عليها الكلام:
"تعودين من الموت كأنكِ لعنة... وتجرئين على دخول غرفتي؟ على الاقتراب منها؟! من غلوريا؟"
ارتعشت ملامح فاليريا، لكن ماتيو لم يمنحها فرصة حتى للتنفس.
"إنك لا شيء لي… لا زوجة، ولا ماضٍ… لا شيء
سوى وصمة خيانة."
اقترب أكثر، ونبرته صارت أكثر هدوءًا… لكن فيها سُمًّا قاتلًا:
"لن تلمسيها، لن تُصوّريها، لن تهمسي باسمها…
غلوريا ليست لكِ.
وإن اقتربتِ منها مرة أخرى، أقسم بدمِ عائلتي… أن أُكمل ما بدأته منذ سنوات، ولكن هذه المرة… سأدفنكِ حيّة ولن يسمعكِ أحد."
قالتها عينه قبل لسانه:
أنتِ ميتة… فلا تحاولي التنفّس في عالمي مجددًا.
اقترب ماتيو منها بخطوات بطيئة... لكن عينيه كانتا تشتعلان بنيران الغضب.
مدّ يده فجأة، وجذبها من ذراعها بعنف، حتى اصطدمت بجدار
اقترب منها وجهًا لوجه، لا يفصله عنها سوى أنفاسه الحارّة:
"لا تعودي إلى هنا مجددًا، فاليريا... أنتِ ميتة بالنّسبة لي."
تجمدت نظراتها، لكن شفتيها ظلّتا ترتجفان... لم تكن خائفة، بل مذهولة من نبرته.
"غلوريا... إن اقتربتِ منها مرّة أخرى، أقسم أني سأجعل ما فعلته بك في الماضي يبدو كرحمة."
ضغط على كلماتِه كمن يغرز سكينًا في صدرها.
"تُراقبينا... تُصوّرينا... تُهددينا؟ أهذا ما تبقّى من امرأة كنتُ أظنها تستحق اسمي؟"
اقترب منها أكثر، وهمس بصوتٍ حاد:
"لستِ زوجتي... لم تعودي شيئًا لي.
لقد خنتِني… في جسدي، وفي اسمي، وفي دمي."
شهقت فاليريا لكنها لم ترد… كانت تقاوم الدموع، أو ربما الضحكة المريرة في داخلها.
"انسيني، امسحي اسمي من ذاكرتك، من جلدك، من صوتك... لأنه لم يبقَ منكِ سوى خيانة."
لكنها قالت بصوت منخفض، يكاد يُسمع
"هي لن تفهمك كما فهمتُك… مهما فعلت.
توقف لحظة، دون أن يلتفت، ثم قال:
"الحمد لله… لأنها لا تشبهك بشيء."
ثم مضى، واخرجها واقفل الباب
بينما بقيت هي واقفة، تتنفس ببطء…
وفي عينيها تلك النظرة القديمة… نظرة من لا يخسر… بل ينتظر.
خطوات فاليريا تبتعد بثقلٍ عن قلب القصر...
كعباها يضربان الرخام البارد كأنهما يدقان طبول الوداع.
لم تلتفت خلفها، لكن النار في عينيها لم تنطفئ…
كانت تعرف أن هذه ليست النهاية، بل بداية جديدة من الجحيم.
أما ماتيو… فقد وقف عند الباب يراقبها ترحل.
صمت.
ثم أغلق الباب خلفها بقوةٍ مكتومة.
استدار بهدوء قاتل، وعاد إلى قلب الغرفة.
كان الهواء دافئًا، والنور الخافت يتسلّل من الشباك.
خطا بخفة، كأنما يخشى أن يوقظ ملاكًا نائمًا…
اقترب من السرير.
كانت غلوريا ما زالت نائمة، ملامحها هادئة، وشعرها مبعثر على الوسادة وكأنها طفلة أرهقها البكاء ثم غفت.
جلس بجانبها، وتأمل وجهها طويلًا…
كأن وجهها وحده ما يربطه بهذا العالم.
مرر يده برفق على خدها، ثم انحنى فوقها، وضمّها إليه…
ضمّها كمن يحاول أن يخبئها من العالم، كمن يخشى أن يُنتزع منه النور فجأة.
همس في قلبه، دون صوت:
"لن أسمح لها بأن تأذيكِ… لن يلمسكِ أحد، حتى إن كان ماضيّ نفسه."
غلوريا لم تستيقظ، لكنها استجابت لحضنه دون أن تدري، فالتفت إليه بخفة، ووضعَت رأسها على صدره.
ابتسم بمرارة، وأغمض عينيه، كأنما يطلب من النوم أن يعيده إلى زمنٍ لا تعرفه فيه فاليريا، ولا يهدده فيه أحد.
بدأت جفون غلوريا تتحرك ببطء، ثم فتحت عينيها على ملامحه…
كان لا يزال يحتضنها، وعيناه مغمضتان، لكن ملامحه لا تحمل سكينة النوم، بل شيئًا أقرب للشرود.
ابتسمت بخفة، كأن مجرد وجوده بقربها يمنحها طمأنينة لا تُوصف.
رفعت يدها ولمست وجهه برفق، ثم اقتربت منه وهمست بصوت ناعم:
"صباح الخير، ماتيو…"
فتح عينيه ببطء، ونظر إليها.
فابتسمت أكثر، وقبلته على شفتيه قبلة خفيفة كنسمة.
ثم ضحكت بخجل وهي تغطي وجهها بكفها:
"الليلة الماضية… كانت مميزة، جدًا… لم أشعر بهذه امم تعرف... من قبل… وكأنني كنت ملكك وحدك."
قالتها وهي تقترب منه أكثر، وتمد ذراعيها لتطوق عنقه، ثم وضعت رأسها على صدره، كأنما تهرب من نظراته بسبب خجلها.
احتضنها ماتيو بصمت…
صمت يحمل آلاف الكلمات التي لم يُحسن التعبير عنها.
قبّل جبينها، وهمس:
"أنتِ… أصبحتِ شيئًا لا يمكن نسيانه، خطيئتي الحلوه "
ثم شدّ ذراعيه حولها أكثر، وكأنما يخشى أن تبتعد،
أو أن يعرفها العالم من بعده.
هي لم تنتبه للاهتزاز الخفي في صوته،
لكن قلبه كان يضجّ بالفوضى…
فالكلمات التي قالتها، والدفء في حضنها…
جعلته يتمنى للحظة، لو أن الماضي لم يكن موجودًا.
اقتربت غلوريا من ماتيو أكثر، وضحكت برقة وهي تنظر في عينيه، ثم طبعت قبلة على شفته السفلى، قبلة دافئة، ناعمة، مشبعة بالامتنان والحب.
لم يتردّد لحظة…
ضمّ وجهها بين يديه وردّ القبلة، قبلة أطول، أعمق… كأنّه يسكب فيها كل ما لا يستطيع قوله.
أنفاسهما امتزجت، وقلبيهما انسجما معًا، حتى بدا وكأنّ الزمن توقّف لثوانٍ.
لكن…
اهتزّ الهاتف الموضوع على الطاولة بجانبه، وقطع سكون اللحظة وصخبها الحميم.
ابتعد عنها ببطء، وهو يتنهّد بامتعاض، ثم مدّ يده والتقط الهاتف.
عيناه تضيّقتا فور أن قرأ اسم المرسل: "رقم مجهول."
فتح الرسالة، وانعكس ضوء الشاشة على وجهه الذي تغيرت ملامحه فجأة.
كانت الرسالة قصيرة، مباشرة:
"ماتيو… لدينا الكثير لنتحدث عنه.
العنوان: [شارع إل باسو – عمارة 17 – الدور الأخير]
الوقت: منتصف الليل تمامًا.
لا تتأخر.
فاليريا."
تجمّدت أنفاسه للحظة.
"الكثير لنتحدث عنه؟"
تلك الكلمات وحدها كانت كافية لإشعال بركان من الأسئلة في رأسه.
أغمض عينيه، ثم أعاد الهاتف إلى مكانه دون أن تنطق شفتاه بحرف.
شعر بثقل غريب على صدره… لكنه قرّر، دون تردد، أن يذهب.
ليس لأنه اشتاق،
بل لأنه يخشى من أن يكون هناك ما يهدّد غلوريا.
ابتسم لها بخفوت وهو يعيد النظر إلى وجهها، لكنها كانت منشغلة برسم دوائر بأصابعها على صدره.
لم يخبرها.
لم يقل شيئًا.
في قلبه فقط…
كانت هناك معركة جديدة بدأت.
استلقت غلوريا على جانبه، تنظر إليه نظرة مترعة بالحنان والدهشة.
لكنه… بدا غائبًا، شاردًا، كأنّ عينيه ترحل بعيدًا نحو عالمٍ لا تُدركه.
"ماتيو؟"
همست باسمه وهي تلمس خده بأطراف أناملها.
رمش كمن عاد من حلمٍ ثقيل، ثم ابتسم لها، لكنها لم تكن تلك الابتسامة المعتادة،
كانت شاحبة، ثقيلة… تشبه اعتذارًا لا يُقال.
"ما بك؟" سألت بنبرة ناعمة، لكنها حادة، عرفت بها أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
نظر في عينيها، ثم أدار وجهه عنها سريعًا، كأنه لا يستطيع احتمال صدق نظرتها.
"لا شيء يا صغيرتي فقط… عمل. يوم طويل ينتظرني."
ردّ وهو ينهض عن السرير، يتحاشى عينيها وكأنه يخشى أن تنكشف الحقيقة في حضورهما.
زمت غلوريا شفتيها، قلبها ارتجف للحظة… تلك النبرة، لم تكن مألوفة.
"عمل؟ وأنت بهذه الحالة من الشرود؟"
قالتها، ثم نهضت بدورها ووقفت أمامه، تضع يديها على صدره.
ابتسم، ووضع يده فوق يدها.
"لن أذهب قبل الليل… دعينا نفطر سويًا، نقضي اليوم معًا، أعدك. لكن بعد العشاء، سأتسلل إلى مكتبي لبعض الوقت."
حدقت فيه، في تلك اللمعة الغريبة بعينيه، ذلك الثقل الذي يحاول إخفاءه.
"حسنًا…" قالت بصوت خافت، لكنها كانت تعرف…
يعرفها قلبها.
أن ماتيو، مهما حاول، يخفي شيئًا… وكبيرًا.
ومع ذلك، ابتسمت…
ربما لأنها تحبه، أو لأنها لم ترد أن تبدأ صباحها بشكٍّ جديد.
وقفت غلوريا أمامه، بشعرها المبعثر ووجهها الذي ما زال يحمل آثار النوم والدفء
نظرت إليه بنظرة ناعسة وابتسامة صغيرة وقالت:
"ما رأيك أن نُعدّ الفطور سويًّا؟"
رمش ماتيو للحظة، كأنه لم يتوقّع هذا الطلب البسيط في خضمّ أفكاره المتشابكة.
لكن ملامحه ما لبثت أن هدأت، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة حقيقية هذه المرة.
"فكرة جميلة..."
ثم اقترب منها، ومرّر يده على شعرها برقة.
"لم أُعد فطورًا منذ زمن بعيد، لكن... سأحاول ألا أحرق شيئًا.
ضحكت، تلك الضحكة الصافية التي أحبّها، وقالت وهي تشدّه من يده:
"تعال إذًا، سأعلمك."
خرج الاثنان من الغرفة متشابكي الأيدي، والبيت هادئ، لا صوت فيه سوى وقع خطواتهما ونبضٍ خافتٍ في قلب ماتيو… نبض يشبه الخوف، أو الحنين، أو ذلك الإحساس الذي يسبق العاصفة.
وقفا أمام الموقد، غلوريا تكسِر البيض، وماتيو يحاول تقليب الخبز المحمّص دون أن يُحرقه.
ضحكت وهي تراه يُحدّق في المقلاة كأنها قنبلة موقوتة.
"أنت لا تصلح لطاهٍ على الإطلاق."
قالتها بنبرة مرحة، ومسحت بقعة من الدقيق على أنفه.
ابتسم، لكنه لم يجب. عيناه كانت مشغولتين بشيء بعيد، أن جزءًا منه غارق في مكان آخر.
وقفت للحظة تنظر إليه، ثم أدار وجهه وابتسم مجددًا، محاولًا التظاهر بالراحة.
لكن غلوريا لم تقتنع.
تقدّمت نحو الجهاز المحمول على طاولة المطبخ، وفتحت تطبيق الأغاني.
وبدأت موسيقى مرحة تُملأ الأرجاء.
"بما أنّك لا تعرف الطبخ، ربما الرقص يُحرّك مزاجك."
ثم بدأت ترقص بخفة، بخطوات عشوائية مضحكة، تقلّد بها حركات قديمة شاهدتها في فيلم أو رقصة شعبية لم تتقنها قط.
أخذت تقفز وتلوّح بذراعيها بطريقة عبثية جعلته يضحك، ضحكة خفيفة خرجت من أعماقه رغمًا عنه.
"حقًّا، أنتِ مجنونة."
قالها وهو يضع الملعقة جانبًا، ويركز نظره عليها.
"ولكنكِ مجنونتي..."
تمتم بها بصوت بالكاد يُسمع، ثم أضاف وهو ينظر بعيدًا للحظة:
"ليت كل شيء يتوقف هنا..."
اقتربت منه ووقفت أمامه، تنظر لعينيه.
"هل أنت بخير؟"
هزّ رأسه سريعًا.
"بالطبع، فقط أفكر في بعض الأمور... عمل لا أكثر."
أجابت وهي تمسك يده:
"أعدك أنني سأجعل هذا اليوم بسيطًا... وسعيدًا."
ابتسم لها مجددًا، لكنه في داخله، كان العدّ التنازلي قد بدأ.
اقتربت غلوريا من الطاولة وهي تحمل الطبق الأخير، ووضعته أمامه برقة.
ثم جلست على الكرسي المقابل له، لكن قبل أن تستقر، مدّ يده فجأة وسحب كرسيها بقوة خفيفة ليصطف بجانبه، فتفاجأت بالاقتراب المفاجئ.
استقرت بجانبه، تتأمل وجهه.
كان يبتسم، لكنها ابتسامة لا تخلو من شيء أعمق… شيء قاتم، يختبئ في عينيه.
"أكره أن تفصل بيننا مسافة."
همس بها بصوت خفيض، بينما يلف ذراعه حول كتفها، يقربها منه كأنها شيء يخصه وحده.
"هكذا أفضل…"
أضاف بصوت ناعم، لكن يحمل في طيّاته نغمة تملك.
تنظر إليه غلوريا وتبتسم بخجل، ثم تقول:
"لا بأس… ولكنك أحيانًا تُخيفني قليلاً."
رفع حاجبه ومال نحوها أكثر، حتى صار فمه قريبًا من أذنها، وهمس:
"الخوف... هو أكثر الطرق صدقًا لتذكيرك بأنكِ لي."
ارتجفت قليلاً، ولم تدرِ هل هو دفء الحب الذي تشعر به... أم رعشة الغموض التي لا تنفك تحيط به.
ثم بدأا يتناولان الطعام بصمت، لكنّ الصمت بينهما كان مليئًا بالكلمات غير المنطوقة، وكل منهما يُخفي شيئًا… شيء سيتفجّر قريبًا.
كانت غلوريا تضحك وهي تقضم قطعمن الكرواسون، وفجأة سالت قطرة من المربى على طرف شفتيها دون أن تنتبه.
نظر ماتيو إليها بصمت، ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه، لكن عينيه لا تزالان تائهتين فيها.
"ماذا؟"
قالتها وهي تراه يحدّق فيها بصمت، قبل أن ترفع حاجبها بتساؤل ساخر.
لم يردّ.
فقط انحنى قليلاً، وبهدوء شديد، لامست أصابعه ذقنها بلين، ورفع وجهها نحوه.
"توسختِ..."
همس بها، ثم اقترب أكثر.
و... دون أن يعطيها فرصة لتتراجع أو تستوعب، طبع قبلة بطيئة على شفتيها، ساحبة معها أثر المربى، وشيئًا من أنفاسها المتفاجئة.
ابتعد عنها ببطء، كأنما يتلذذ بردة فعلها.
"الآن... نظيفة."
قالها بنبرة ساخرة، وابتسامة خفيفة، بينما هي ظلت تنظر إليه بعينين متسعتين، لا تدري أكان ما فعله جريمة رومانسية أم... احتلال جديد لقلبها.
رفعت يدها ولمست شفتيها، ثم تمتمت بخفوت:
"أنت… لا تُشبه أحدًا."
ضحك بخفوت وهو يواصل فطوره، بينما عيناها ما زالتا معلقتين به، بين نبضٍ خجول، ورغبة بالاستسلام الكامل.
وضع ماتيو المنديل بجوار صحنه، مستندًا إلى ظهر الكرسي بينما كان يراقب غلوريا تنهض بنشاطها الطفولي المعتاد، تبدأ بجمع الأطباق واحدًا تلو الآخر.
وفي تلك اللحظة، دخلت إحدى الخادمات، امرأة خمسينية الوجه، ملامحها حازمة اعتادت الانضباط، تقدمت بخطوات معتادة نحو الطاولة، قائلة بنبرة محترفة:
"سيدتي، دعيني أتولى الأمر."
لكن غلوريا بادرتها بابتسامة دافئة، ثم هزّت رأسها برقة:
"لا، لا داعي، أشعر بالملل قليلًا، ودعيني أشعر أنني أُنجز شيئًا بيدي."
قالتها وهي تحمل الأطباق وكأنها تعرف طريقها إلى المطبخ منذ زمن. المرأة نظرت إلى ماتيو تنتظر إشارة منه، لكنه لم ينطق، فقط راقب غلوريا بصمت.
عيناه تابعتا خطواتها، وداخل قلبه شيء لم يفهمه تمامًا بعد.
كانت تتحرّك ببساطة… دون أن تتصنع شيئًا. تتحدث بلطف حتى مع الخدم، لم ترَ فيهم أدوات، بل أناسًا. لم تأتِ من عالمه القاسي، بل جاءت من قلب دافئ… قلب بدأ يخشاه أكثر مما يخشى أعداءه.
مرّر أنامله على شفتيه، وكأنه يعيد الشعور بقبلتها منذ لحظات، ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع:
"من أنتِ بحق الله؟ وكيف اخترقتِ عالمي هكذا... دون سلاح؟"
كانت غلوريا تغسل الصحون، أناملها الصغيرة تتحرك بهدوء، بينما خصلات شعرها تلتصق بعنقها من أثر البخار المتصاعد.
ترتدي قميصه الأبيض، كبيرًا عليها، يكاد يغطي فخذيها، لكنّه يمنحها سحرًا قاتلًا… غير مقصود.
ماتيو وقف خلفها، ينظر لجسدها كأنه كنز ضاع منه عمرًا وعاد أخيرًا.
كان صامتًا، لكن عيناه تشتعلان… نظراته كانت تنهش تفاصيلها بحُمى شهوة لا تعرف الرحمة، ممزوجة بشيء أكثر عمقًا… شيء أشبه بالجوع العاطفي.
اقترب منها دون صوت، حتى صار خلفها مباشرة، يده امتدت ببطء، أصابعه أمسكت بحافة القميص عند خاصرتها، رفعه قليلًا، فقط ليلمَس جلدها، ليتأكد أنها هنا… تنتمي له.
همس بصوت منخفض، أجش، متملك:
"لا ترفعي صوت الموسيقى، أريد أن أسمع صوت أنفاسك فقط."
ارتجفت يداها. وضعت الطبق بهدوء في الحوض، ولم تلتفت، لكنها همست:
"ماتيو…؟"
لم يُجب، بل دفع جسده نحوها أكثر، حتى شعرت بحرارة صدره تخترق ظهرها، ويده الأخرى امتدت لأصابعها، قاطعًا عنها الحركة، قبل أن يُقرّب فمه من أذنها:
"كل شيء فيكِ… يجعلني أفقد عقلي.
صوتكِ، عطركِ، حتى طريقة تنفّسكِ."
أدارت وجهها إليه ببطء، فالتقت عيناها بعينيه…
أصابعه أمسكت بذقنها، رفع وجهها إليه أكثر، وقال بنبرة منخفضة وعنيفة:
"أنتِ لي. لن أسمح لأي يدٍ أن تلمسكِ. ولو كنتِ تحترقين، سأكون الماء والنار. فهمتِ؟"
همست، تتنفس بصعوبة:
"أفهم… وأحبّ."
اقترب منها بخطى ثابتة، يده في جيبه، ونظراته تلك التي دوماً ما تسبق شيئًا غير متوقع.
قال، وصوته منخفض لكن فيه نبرة تصميم:
"أحتاجك أن تلبسي شيئًا أنيقًا، هناك مفاجأة بانتظارك."
رفعت نظرها إليه باستغراب ممزوج بابتسامة مشوشة:
"مفاجأة؟ أي نوع من المفاجآت؟"
انحنى قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها، وهمس وكأن العالم بأكمله لا يخصّه سواها:
"ثقي بي، ستسرك كثيرًا… فقط، أريدك كما أنتِ الآن، لكن في شي انيق."
أردف بعد لحظة صمت وهو يبتعد قليلًا:
"سيارة تنتظرك بعد ساعة. سأكون معك طيلة الوقت… لكن ما ستشاهدينه هناك، قد يُغير أشياء كثيرة."
نظرت إليه وقد بدأ قلبها ينبض بسرعة، لكنها ابتسمت، ثم قالت بمزيج من الترقب والقلق:
"هل هناك خطر؟"
أجابها بنظرة غامضة، لم تُجب عن شيء، ولم تُخفِ كل شيء:
"فقط البسي، واتبعيني... أما الباقي، فسأحكيه هناك."
ابتسمت غلوريا بسخرية خفيفة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، نظراتها لا تفارق عينيه:
"آخر مرة قلت لي جملة تشبه هذه... انتهى بي المطاف وأنا أضغط على زناد سلاح، وأطلق النار على رجل لا أعرفه."
اقترب منها ماتيو بخطوة بطيئة، ووقف قبالتها، صوته هادئ لكن فيه شحنة خفية من التحدي:
"وهل ندمتِ؟"
أجابت دون أن تهتز نظرتها:
"لا، لكنّي لا أنسى."
اقترب أكثر، حتى أصبح بينهما أنفاس مشتركة، رفع يده ليداعب خصلات شعرها برفق، وقال بصوت أشبه بالوعد:
"اليوم... لن تطلقي النار على أحد. فقط، ستواجهين شيئًا كان يجب أن تريه من البداية."
تراجعت خطوة واحدة، لكن عينيها ظلت مسمّرة على وجهه:
"لم أعد أصدق مفاجآتك، ماتيو. كل مفاجأة عندك تأتي بثمن."
ابتسم ابتسامة جانبية، وقال وهو يفتح الباب:
"إذًا ارتدي شيئًا جميلًا... ولنجعل هذا الثمن يستحق كل لحظة."
صعدت غلوريا الدرج ببطء، خطاها متزنة لكن عقلها مثقلٌ بالأسئلة. لم تكن نظرات ماتيو تنبئ بشيء مألوف… شيء غامض كان يختبئ خلف ملامحه الصلبة، شيء يشبه الإعصار قبل أن يضرب.
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بصمت. تقدّمت نحو المرآة، تحدق بانعكاس وجهها كما لو كانت تحاول أن ترى ما خلف عينيها.
مدّت يدها ببطء إلى عنقها، حيث استقرّت السلسلة ذات شكل الثعبان التي أهداهَا لها ذات ليلة باردة… لم تكن زينة، بل وعد، أو بالأحرى قيدٌ مذهب.
سحبت نفسًا عميقًا، وحاولت طرد الهواجس. فتحت خزانتها، انتقت فستانًا بسيطًا، أنيقًا بما يكفي ليخفي توترها، وشفافًا بما يكفي ليذكّره بأنها لم تعد تلك الفتاة التي وجدها مكسورة منذ أشهر.
وهي تضع لمسة أخيرة على عطرها، رفعت عينيها للمرآة مرة أخرى، تمعّنت في انعكاسها، لكنها لم ترَ فتاة تتجه نحو مفاجأة… بل امرأة تتجه نحو مصيرها.
هبطت غلوريا السلالم بخطى واثقة، لكن بداخلها… كل شيء كان يتخبط. وجدته واقفًا عند باب القصر، مستندًا إلى السيارة، ذراعيه مشدودتان، ونظراته تتفحصها كما لو كانت لوحة يحاول أن يفهمها من جديد.
فتحت باب السيارة، جلست بجواره، وقبل أن تنطق، كان قد أدار المحرك وانطلق.
دقائق مرت، كانت عيناه مركّزتين على الطريق، وكأن بين الأسفلت والليل سرًّا لا يريدها أن تراه. التفتت إليه أخيرًا وسألته:
"ماتيو… إلى أين نحن ذاهبان؟"
لم يجب.
اكتفى بابتسامة جانبية، لم تكن دافئة ولا ساخرة… كانت أشبه بضحكة رجلٍ يعرف شيئًا لن تُسعدك معرفته.
أعادت السؤال بصوتٍ أخف، فيه ذرة شك:
"هل هذه المفاجأة التي وعدتني بها؟"
قال أخيرًا، وهو لا يزال يحدّق أمامه:
"ربما… وربما شيء أبعد من مفاجأة."
ثم ضحك.
ضحكة ناعمة، خافتة، لكنها زلزلت قلبها أكثر من أي صراخ.
كانت تلك الضحكة تحمل شيئًا خفيًا… وكأنها بدايه فصل جديد، لا تعرف من ستكون فيه: الحبيبة، أم الفريسة.
توقّفت السيارة ببطء أمام فيلا ضخمة تحيطها الأشجار الكثيفة، يكسوها صمتٌ غريب وكأن الزمن توقف عند بوابتها الحديدية القديمة.
أطفأ ماتيو المحرك، وفتح الباب دون أن يتفوه بكلمة.
جلست غلوريا في مكانها، تتأمل المكان بتوجّس.
استدارت إليه وهمست:
"ماتيو... لمن هذه الفيلا؟
أدار وجهه نحوها، وحدّق في عينيها لثوانٍ طويلة، قبل أن يجيب بصوت منخفض، ثابت:
"ستعرفين حين تدخلين."
لم تكن نبرته مخيفة، لكنها حملت من الغموض ما جعل قلبها ينبض أسرع.
نزلت من السيارة بخطوات حذرة، اقتربت من البوابة الحديدية، ولم تستطع كبح ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يزحف نحو صدرها… شعور أن هذه الليلة لن تكون كأي ليلة مضت.
فتح ماتيو البوابة بنفسه، وقال وهو يفسح لها الطريق:
"ثقي بي… فقط هذه المرة."
دخلت… والعتمة خلفها كانت أكثر عمقًا من الظلام نفسه.
دخلت غلوريا إلى الفيلا بخطى مترددة، عيناها تلتهمان التفاصيل الغارقة في العتمة والضوء الخافت المنبعث من الثريا العتيقة المتدلية من السقف.
كان الجو يعبق برائحة الخشب القديم والذكريات الدفينة، كأنّ المكان شهد أسرارًا كثيرة لم تُروَ.
وفجأة... سمعت وقع خطوات على السلالم.
رفعت رأسها سريعًا، واتسعت عيناها حين رأت رجلًا ينزل ببطء، وخلفه... فتاة بشعر مجعد ووجه مألوف جداً.
تجمد الزمن.
"إيزابيل؟"
خرج اسمها من فم غلوريا كأنّه نداء من الماضي.
إيزابيل وقفت لحظة، كأنها لم تصدّق ما ترى، ثم همست:
"غلوريا؟ مستحيل..."
ركضت غلوريا نحوها دون أن تشعر بساقيها، عانقتها بقوة، وكأنها تحاول التأكد أنها حقيقية وليست وهماً آخر في عالمٍ امتلأ بالخداع.
الدموع انهمرت من عينيها بلا إذن، وذراعاها التصقتا بجسد صديقتها كأنها تخشى أن تفلت منها مرةً أخرى.
"أين كنتِ؟ ماذا فعلوا بكِ؟ ظننتُ أنكِ... أنكِ متِّ!"
لكن إيزابيل كانت لا تزال مذهولة، نظراتها إلى غلوريا تائهة، وبداخل عينيها شيء غريب... كأن شيئاً ما تغير.
أما ماتيو، فكان يقف في الخلف، يُراقب المشهد بصمت، وعيناه تراقب رافييل الذي نزل آخر درجات السلم بثبات، وابتسامة غامضة مرسومة على وجهه.
همس ماتيو بصوت بالكاد يُسمع:
"الآن... كل شيء سيتغيّر."
تراجعت غلوريا خطوة وهي تحتضن إيزابيل، تحاول التقاط أنفاسها وسط الزحام العاطفي. لكن عيناها التقطت مشهدًا آخر.
رافييل تقدّم نحو ماتيو، يده ممدودة، ونظرة ساخرة تلمع في عينيه.
"ماتيو..."
قالها بنبرة هادئة، وكأنّ ما يحدث الآن كان مجرد جزء من خطة أكبر.
صافحه ماتيو بقوة، بلا كلمة.
ثم اقترب منه قليلًا وهمس بابتسامة جانبية:
"لم أكن أتصوّر أنك ستثق في أحدٍ إلى هذه الدرجة، خاصة فتاة مثلها."
رفع حاجبه قليلًا وأضاف بسخرية ناعمة:
"ملك العالم السفلي. يقع في الحب؟ أهذا زمن المعجزات؟"
ابتسم ماتيو ابتسامة جانبية باردة، لكن عينيه لم تبتسما. نظر إلى غلوريا من بعيد، ثم همس بصوت خافت:
"ليست مسألة حب يا رافييل... إنها مسألة انتماء."
ثم تابع وهو يضع يده على كتف رافييل بثقل:
"وكل من ينتمي لي... لا يُمسّ."
سادت لحظة صمت مشحونة بينهما، ثم افترقا، كأنهما أنهيا اتفاقًا ضمنيًّا بلا تفاصيل.
أما غلوريا، فكانت تراقب كل ذلك... بعينٍ قلقة وقلبٍ خائف. بدأت تشعر أن وراء هذه الزيارة أكثر مما قيل... وأن مفاجأة رؤية إيزابيل، ما هي إلا بداية لشيء آخر قادم.
قالت إيزابيل وهي تضحك بخفوت، تلمس
السلسلة الصغيرة حول عنقها:
"من كان يصدق أننا سنلتقي مجددًا؟! أقسم أنني ظننتكِ... في بلدٍ آخر، أو ربما في عالمٍ آخر."
ابتسمت غلوريا، لكن الابتسامة كانت مُرتعشة قليلًا:
"وأنا أيضًا... ظننتكِ لم تعودي على قيد الحياة."
سكتت لحظة، ثم أردفت بنبرة خفيفة:
"ما الذي حدث معكِ، إيزا؟ كيف انتهى بكِ المطاف هنا؟"
رفّت إيزابيل برموشها سريعًا، ونظرت بعيدًا، كأنها تجمع شجاعتها:
"لقد... اختُطفت، كما تعرفين، لكن... لم يكن الأمر كما تخيلتُه في البداية. كنت خائفة في كل لحظة، لكن رافاييل لم... لم يؤذِني."
نظرت إليها غلوريا بتوتر، ثم قالت:
"هل كنتِ وحدكِ طوال الوقت؟"
"نعم، وحدي. كنت في بيت صغير، يزورني أحيانًا، يعطيني كتبًا وأوراقًا وأفلامًا."
ضحكت بخفة:
"سجينة فاخرة، إن صحّ التعبير."
ابتسمت غلوريا وهي تهمس:
"غريب... كأننا نعيش قصصًا متوازية."
ترددت إيزابيل، ثم مالت نحوها وسألت بفضول:
"وأنتِ؟ ماذا عنكِ؟ كيف كانت حياتكِ مع... ماتيو؟"
شردت غلوريا للحظة، ثم قالت بصوت خفيض:
"معقدة... في البداية، كان مجرد اختطاف.
كنت أكرهه، أكرهه بكل خلية في جسدي."
سكتت ثم نظرت في عينيها:
"لكنه تغيّر... أو ربما أنا من تغيّرت."
تبادلا النظرات، ولم تُكمل أي منهما جملتها، لكن كلتاهما فهمت الأخرى بطريقتهما.
همست إيزابيل وهي تلعب بخاتم صغير في يدها:
"أحيانًا... لا نعرف هل نحن وقعن في الحب... أم في الأسر."
ابتسمت غلوريا وقالت بهدوء:
"وربما هما الشيء نفسه."
في نفس الوقت كان يتكلم ماتيو ورافييل:
رافاييل، وقد تجمّدت نظراته من الصدمه
"انتظر، ماذا قلت؟"
ماتيو، ناظرًا أمامه دون أن يلتفت:
"فاليريا عادت. ليست شبحًا… بل جسدًا وروحًا، ووقحة كما كانت دومًا."
رافاييل، بنبرة متوترة، يرفع حاجبيه:
"ماتيو… أنا كنت معك يومها. كنت هناك، عندما... عندما دفنتها بيدي."
ماتيو، ببطء وبنبرة متجمدة:
"وأنا وضعت آخر حجر فوق تابوتها."
رافاييل، يمرر يده في شعره، وكأن يحاول التأكد من أنه لا يحلم:
"كيف…؟ كيف نجت؟! لم يكن هناك أحد غيرنا في الغابة. لا شهود. لا فرصة. لا أكسجين حتى. لقد ماتت… ماتت، ماتيو!"
ماتيو يزفر ببطء، صوته أقرب إلى الهَمْس المشحون بالغضب:
"كانت هناك أصوات... في تلك الليلة. كنت أظنها أوهام ضمير... لكنها لم تكن كذلك."
رافاييل، وعيناه تتسعان أكثر:
"هل تعني… أن أحدهم سمعها؟ وأخرجها؟"
ماتيو يرد بجمود:
"أجل. وهذا يعني أننا لم نكن وحدنا كما ظننا."
لحظة صمت ثقيل تمرّ بينهما.
رافاييل، بصوت شبه هامس:
"ماتيو… إن كانت قد عادت من تحت الأرض… فلا شيء سيمنعها من فعل أي شيء."
ماتيو يلتفت له أخيرًا، نظراته جامدة كالصخر:
"ولهذا السبب... سأذهب لرؤيتها الليلة. وسأُنهي كل شيء."
إيزابيل وغلوريا تجلسان على الأريكة، وهنالك أكواب عصير على الطاولة أمامهما.
الجو مريح لأول مرة منذ زمن.
إيزابيل، ترفع حاجبًا بخبث وهي تميل نحو غلوريا:
"غلوريا… هل… مارستِ الحب مع ماتيو؟"
غلوريا، تفتح فمها بدهشة مصطنعة وتضربها برفق على ذراعها وهي تضحك:
"إيزابيل! اخرسي!"
إيزابيل، تضحك وهي تبتعد قليلًا ثم تندفع نحوها وتزغزغها بخفة:
"آه! إذًا أَجَل! أنظري من فقدت عذريتها على يد ملك المافيا نفسه!" (تغمز بخبث)
غلوريا، تضحك وهي تحاول الإفلات منها:
"توقفي! أيتها الحمقاء… لا تجعلي الأمر يبدو وكأنه فيلم سيء!"
إيزابيل، تجلس مرة أخرى بجانبها وتتنهد:
"بل هو أفضل من أي فيلم… على الأقل وجدتِ شيئًا حقيقيًا وسط كل هذا الجنون.
رجل يحبك، ويحارب من أجلك."
غلوريا، تبتسم وتخفض عينيها قليلاً، كأنها تغوص للحظة في الذكرى:
"أحيانًا لا أصدق أنه حقيقي... لكنني أشعر به. بقوته، بظله، بلمساته التي تفضح ضعفه أمامي."
إيزابيل، تبتسم وهي تراقب ملامحها:
"إذا جعلك ملك الظلام تبتسمين هكذا… فأنتِ بالتأكيد في ورطة جميلة."
غلوريا، بنبرة خبيثة وهي تنظر نحو إيزابيل:
"حسنًا، يا صديقتي الفضولية… ماذا عنك وعن رافييل؟"
إيزابيل، تتجمد للحظة ثم تضحك وهي تشير إليها بإصبعها:
"أنتِ خبيثة! لا تردين على السؤال إلا بسؤال أكثر جرأة؟"
غلوريا، تميل نحوها وتهمس بمكر:
"من بدأ بالحفر عليه أن يتحمّل ما سيخرجه من قاع البئر."
إيزابيل، تضحك وتخفي وجهها بين يديها، ثم تهمس بخجل مصطنع:
"ربما... اجل وربما لا
"لكن لن أخبرك بشيء! سيبقى الأمر سرًا بيني وبينه… وربما بين السماء أيضًا."
غلوريا، تضحك وهي تهز رأسها:
"إذًا، اثنتان من ضحايا رجال المافيا… أي قصة نكتبها؟"
إيزابيل، تبتسم وتغمز:
"قصة عنوانها: كيف وقعن الفراشات في فخ الوحوش… ورفضن النجاة."
تغرقان معًا في ضحكة دافئة، وكأن كل ظلال الخطر اختفت للحظة قصيرة بين دفء الصداقة وبوح القلب.
إيزابيل، تهمس وهي تنظر في فنجانها:
"أتعلمين، غلوريا… لا أستطيع أن أفهم مشاعري تمامًا. رافاييل… هو ليس الرجل المثالي، بل أبعد ما يكون عن الهدوء أو البساطة… لكنه حين ينظر إليّ، أشعر وكأنني شيء ثمين لا يُمس."
غلوريا، تبتسم برقة وتنظر نحو النافذة:
"نفس الشعور… ماتيو لا يُشبه أحدًا، كل ما فيه خطر وجنون، ومع ذلك… في حضنه، أشعر وكأنني أنتمي إليه منذ الأزل."
إيزابيل، ترفع عينيها بدهشة:
"هل تخيلتِ يومًا أن نقع في حب رجالٍ كهؤلاء؟"
غلوريا، تضحك بهدوء:
"لم أتخيل حتى أنني سأحب… أو أثق… أو أسمح لقلبي بأن ينبض مجددًا، بعد كل ما مررت به"
إيزابيل، تميل نحوها بفضول:
"وهل تثقين به الآن؟ أعني، بعد كل ما فعله بك؟"
غلوريا، تتنهد وتنظر إلى يدها ثم تهمس:
"أحيانًا أثق به أكثر من نفسي… وأحيانًا أخرى، أشعر أنني إن تركت له كل شيء، قد أحترق."
إيزابيل، تضحك بمرارة خفيفة:
"نحن نحب رجالًا من نار يا غلوريا… ونحن لا نملك سوى قلوب من ورق."
غلوريا، تبتسم وهي تميل على كتفها:
"لكننا نحترق برضا، أليس كذلك؟"
إيزابيل، تهمس وعيناها تلمعان:
"برضا… وبكامل الوعي.
هما تغرقان في صمتٍ ناعم، وكأن الكلام انتهى… لكن المشاعر بدأت للتو.
في حديقة الفيلا الخلفية، الليل بدأ يُخيّم، الأضواء خافتة، ورائحة السيجار تعبق في الجو.
ماتيو ورافاييل واقفان بجوار المسبح، وكلٌ منهما يحمل كأسًا من الويسكي.
رافاييل، ينفث دخان السيجار، ثم ينظر إلى ماتيو بحدة:
"أتعلم؟ أنا لا أرتاح لتلك الفتاة… غلوريا. ليست بريئة كما تدّعي… وستكون نهايتك، كما كانت فاليريا بدايتك."
ماتيو، يحدّق في السائل الداكن داخل الكأس، ثم يرفع عينيه بثبات:
"ربما… لكن إن كانت نهايتي على يدها، فسأختار أن أسقط وأنا أحتضنها."
رافاييل، يضحك بسخرية مريرة:
"أنت مجنون، ماتيو. نسيت من تكون؟ ملك العالم السفلي… من لا يثق في أحد، ولا يسمح لأحد بالاقتراب."
ماتيو، يقترب منه خطوة، ونبرته تصبح أكثر جدية وهدوء:
"ما زلت أنا… لكن هناك جروح لا تُشفى إلا بأنامل امرأة. وغلوريا ليست مجرد فتاة، هي الشيء الوحيد الذي جعلني أريد البقاء."
رافاييل، ينظر إليه مطولًا، ثم يهمس وهو يُطفئ السيجار في كوب الماء:
"فلتكن مستعدًا… لأن الظلال لا تحب الضوء، والضوء لا يدوم طويلًا."
ماتيو، بصوت منخفض وعينين مضيئتين بالعزم:
"وإن احترقت، سأحترق وأنا أراها تبتسم."
ماتيو، وهو يرفع كأسه للشفاه دون أن يشرب:
"أخبرني، رافاييل… كيف أصبحت علاقتك بإيزابيل؟"
رافاييل، يرفع حاجبه بسخرية خفيفة:
"تسأل وكأنك لا تعرفني…. إيزابيل، عاصفة صغيرة في فنجان دماء."
ماتيو يبتسم ابتسامة جانبية دون أن ينظر إليه:
"أعني… هل تمكّنت من الاقتراب منها؟ أم أنك ما زلت تطاردها في ظلالك؟"
رافاييل، يضع الكأس جانبًا ويشبك أصابعه:
"هي ليست مثل الأخريات، ماتيو… لا تخضع، ولا تخاف، ولا تنكسر بسهولة.
وفي كل مرة أظن أنني أمسكت بها… أجد نفسي عالقًا في قبضتها."
ماتيو، يلتفت إليه، بنظرة غامضة:
"وهل يعجبك ذلك؟ أن تكون أنت الفريسة، لا الصياد؟"
رافاييل، يضحك ضحكة قصيرة، جافة:
"في بعض الأحيان… نعم. إيزابيل ليست امرأة تُؤخذ بالقوة… هي امرأة تُجبرك أن تختارها بإرادتك، أو تهلك دونها."
يصمتان لحظة، فقط صوت المياه الخفيف في المسبح، ثم يهمس ماتيو وهو يعود ينظر نحو الفيلا حيث تقف غلوريا عند النافذة:
"يبدو أننا جميعًا، يا صديقي، أصبحنا أسرى لنساء لا يمكننا ترويضهن…"
رافاييل، يردّ بنبرة غامضة وهو ينظر إلى الكأس الفارغ:
"أو لعلنا لم نعد نرغب في الترويض… بل في الاستسلام.
داخل الفيلا، تقف غلوريا وإيزابيل خلف ستارة حريرية شفافة تُطلّ على الحديقة الخلفية، حيث يجلس ماتيو ورافاييل يتحدثان بجدية.
إيزابيل، تهمس مبتسمة بمكر:
"انظري إليهما… كأنهما في جلسة اعترافات سرّية."
غلوريا، تبتسم وهي تحدّق في ملامح ماتيو المتجهمة:
"للمرة الأولى أراه ينصت لأحد غير نفسه."
إيزابيل، تهز كتفها بخفة وتهمس بمزاح:
"ورافاييل؟ يحاول التظاهر بالقوة، لكنني أميّز نظرة العاشق الحائر."
غلوريا، بصوت خافت فيه سخرية رقيقة:
"يبدو أننا نُفقدهم السيطرة… كما فعلوا هم بنا."
إيزابيل، تنظر إليها بعينين متوهجتين وتقول بخبث:
"أتظنين أننا نستطيع كسرهم؟"
غلوريا، تتنهد ببطء وتُحدّق في البعيد:
"ربما… لكن قلبي بات جزءاً من الكسر نفسه."
إيزابيل، تضحك ضحكة قصيرة ثم تهمس بمودة:
"نحن في ورطة، يا غلوريا… ولكنها ورطة جميلة."
تضحكان معًا، لحظة خفيفة وسط كل ما حولهما من فوضى. ثم تنظر غلوريا مجددًا نحو ماتيو
وتهمس لنفسها، دون أن تسمعها إيزابيل:
"فقط… لا تؤذني، يا ماتيو. لا تقتل هذا الشعور."
بينما كانت غلوريا وإيزابيل تتبادلان الهمسات والضحكات الهادئة، التفتت غلوريا فجأة حين شعرت بنظرة ماتيو تخترق المسافة بينهما.
كان يقف في طرف الشرفة، كتفاه مشدودتان، وعيناه لا تفارقها.
ثم رفع يده ببطء وأشار لهما نحو الداخل، بنظرة تحمل مزيجًا من الجدية والحنان.
ماتيو، بصوته العميق الهادئ:
"العشاء جاهز… هيا."
رافاييل، وهو يتبع خطواته:
"يبدو أننا تأخرنا، والآن ستغضب علينا الملكات."
إيزابيل، تهمس لغلوريا بخفة:
"هيا قبل أن يعود ماتيو إلى وضعه المتحكم المعتاد."
غلوريا، وهي تبتسم وتشعر بتلك الرجفة المعتادة في صدرها حين تراه:
"وكأنّه تركه أصلاً."
يتجه الأربعة نحو طاولة العشاء الطويلة التي أُعدت في الهواء الطلق، تتوسطها شموع خافتة وأطباقٌ فاخرة، والهواء الليلي يلفهم بنسيم عليل.
الأجواء تبدو هادئة، لكن تحتها توتر خفي، وكأن الجميع يترقّب ما سيأتي لاحقًا…
جلس الأربعة حول الطاولة المستطيلة المُزيّنة بأطباق أنيقة وأضواء شموع مرتعشة، تُلقي بظلالها الذهبية على وجوههم.
كان الهواء مُحمّلاً بعطر المساء، وصوت خافت لموسيقى كلاسيكية ينبعث من السماعات المُثبتة في أركان الفيلا.
رافاييل، وهو يسكب لنفسه كأسًا من العصير:
"أعترف… لم أتوقّع أن نلتقي هكذا مجددًا، بعد كل ما حدث."
ماتيو، وهو ينظر إلى غلوريا وقد ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيه:
"الحياة دائمًا تفاجئنا بطرق لم نتخيّلها… أليس كذلك؟"
غلوريا، وهي تقطّع قطعة صغيرة من اللحم، ثم ترفع عينيها نحو ماتيو:
"بعض المفاجآت تكون أجمل من أن تُوصف."
إيزابيل، تضحك بخفة وهي تراقب تبادل النظرات بينهما:
"أوه، إذًا ملك المافيا قد أصبح شاعرًا… كم تغيّرت الأمور."
رافاييل، وهو يتكئ براحته على المقعد وينظر نحو إيزابيل:
"بل قل إن بعض النساء قادرات على إحياء ما ظنناه ميتًا فينا."
إيزابيل، بخجل ممزوج بالعناد:
"لا تُحاول أن تُغرقني بكلماتك… لن تفلح الليلة."
ضحك خافت يدور بين الأربعة، ولكن في عيونهم شيءٌ أعمق من المزاح.
نظرات تتقاطع، مشاعر متشابكة، ولمسات خفيفة على الأيادي تختبئ تحت الطاولة…
بين غلوريا وماتيو، صمت مشحون بالعشق.
بين رافاييل وإيزابيل، لعبة عيون لا أحد يعرف مداها.
ماتيو، بعد لحظة سكون قصيرة:
"من كان يظن أن هذه الليلة ستجمعنا... في سلام؟"
رافاييل:
"سلامٌ مؤقت، يا صديقي… فكلنا نعرف أن الظلال لا تنام طويلًا."
نظرة تمرّ بين ماتيو ورافاييل، صامته، لكن لها وزن ألف كلمة.
وكأن كليهما يعلم أن ما سيأتي قد يُشعل النيران من جديد.
جلس الأربعة في دائرة غير رسمية، كؤوس الويسكي تتوهّج بلونها العسلي تحت ضوء المصابيح النحاسية.
ضحكات متقطعة، وعيون لامعة، وجوّ دافئ مزيج من الألفة والارتباك والماضي.
رافاييل، وهو يرفع كأسه ويتأمل السائل الكهرماني قبل أن يرتشفه:
"أتدرون ما الذي لم أقله لكم من قبل؟ ماتيو هذا… كان يخاف من القطط.
غلوريا، وهي تضحك باندهاش:
"حقًا؟ أنت تمزح!"
ماتيو، وهو يقطّب حاجبيه ويحاول أن يبدو جادًا:
"رافاييل… لا تبدأ."
رافاييل، يتجاهل تحذيره ويكمل بحماسة:
"أقسم لكِ يا غلوريا، في أحد الأيام، كان عمره تقريبًا ست سنوات… دخل قصرنا قطٌ رمادي ضال، فركض ماتيو واختبأ خلف أمه كأنه رأى شيطانًا."
إيزابيل، تمسك بطنها من الضحك:
"ملك المافيا… يخاف من القطط! هذه بداية أسطورية!"
ماتيو، وهو يرفع حاجبه بنظرة مُهدّدة نصفها جد ونصفها لعب:
"أتريدني أن أكشف لهم كيف كنت تبكي عندما كسرت ذراعك وأصررت أن ندفن الدراجة لأنها خانتك؟"
رافاييل، وهو ينفجر ضاحكًا:
"لقد كانت خيانة حقيقية يا رجل! كنتُ أؤمن بتلك الدراجة أكثر مما آمنت بك."
ضحكات صافية تتعالى.
غلوريا، وهي تنظر إلى ماتيو نظرة حنونة:
"لم أتخيل أن لك هذا الوجه… الضاحك، البسيط."
ماتيو، يردّ عليها بنظرة طويلة، فيها شيء من الامتنان، وكأنه تذكّر ما نسيه لسنوات:
"لم أتخيله أنا أيضًا… حتى ظهرتِ أنتِ."
صمت قصير يمرّ بينهم جميعًا… لكنه صمت مليء بالدفء.
رافاييل، وهو يرفع الكأس مرة أخرى:
"فلنشرب… على الليالي التي نسرقها من الحرب."
ماتيو، بصوت خافت:
"وعلى من نُخفي عنهم الحرب… لنمنحهم السلام ولو مؤقتًا."
الكؤوس تلتقي في صوت خافت، وعيون تتبادل نظرات لا تُقال… لأن الكل يعرف أن الغد يحمل ما لا يُتوقّع.
كان الجو داخل الفيلا قد خفّت فيه الأضواء قليلًا، والضحكات تتردد من حين لآخر في الأركان.
رافييل جلس مسترخيًا على الأريكة، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، بينما كانت إيزابيل تمسك بكأسها وتهمس بشيء ما في أذن غلوريا، فتضحك الأخيرة بهدوء.
اقترب ماتيو بخطوات هادئة، لكن عينيه كانتا تخفيان قلقًا غير مُفسَّر.
ماتيو، بصوت منخفض:
"علينا الذهاب. لديّ أمر مهم الليلة."
رافييل، وهو يرفع حاجبه بشيء من الفضول:
"أمر مهم... في هذا التوقيت؟ يبدو أن الليل لن يكون هادئًا كعادته، هاه؟"
ماتيو، بابتسامة مقتضبة:
"أمور العمل لا تعرف الوقت."
إيزابيل، وهي تلتفت نحو غلوريا:
"هل سترحلان الآن؟ كدت أبدأ في الحديث عن أشياء أكثر إثارة."
غلوريا، بابتسامة:
"يبدو أننا سنكمل الأحاديث لاحقًا... لكنني سعيدة حقًا لأنني رأيتكِ مجددًا."
رافييل، وهو ينظر إلى ماتيو بنظرة ذات مغزى:
"ابقَ حذرًا… تعلم أن بعض الأبواب إن فُتحت، لا تُغلق مجددًا بسهولة."
ماتيو، بجمود خفيف في ملامحه:
"أنا لا أفتح أبوابًا… بل أنهي ما كان يجب أن يُغلق منذ زمن."
ثم أدار ظهره، ومد يده لغلوريا:
"هيا."
سارت خلفه، وألقت نظرة أخيرة على إيزابيل، وهمست لها:
"أخبِريني بكل شيء لاحقًا… لا تتركي شيئًا."
ضحكت إيزابيل ولوّحت لها وهي تخرج.
خرج ماتيو وغلوريا من الفيلا، والليل يحتضن خطواتهما… لكن شيئًا في الهواء لم يكن مريحًا.
وكأن شيئًا غامضًا ينتظر على الجانب الآخر من هذا "العمل المهم".
توقّفت السيارة أمام مدخل الفيلا، وساد لحظة من الصمت المهيب، لم يُكسر إلا بصوت المحرّك الذي هدأ تدريجيًا حتى خمد.
جلست غلوريا بجانبه، تحدّق في وجهه الذي بدا مثقلًا بأفكار لم تُقل، بينما يداه مستريحتان على المقود كأنهما تُقاومان ارتجافة ما في صدره.
قالت، بصوت منخفض يشوبه امتنان حقيقي:
"شكرًا لأنك جعلتني أرى إيزابيل مجددًا... لم أكن أظن أنّ هذا اليوم سيأتي."
لم يجبها على الفور. كانت عيناه معلّقتين بنقطة بعيدة في الظلمة أمامه، كأنّه يرى ما هو أبعد من الطريق، وأقرب إلى هاوية يوشك أن يسقط فيها.
ثم التفت إليها أخيرًا، ونظر في عينيها نظرة لم ترها من قبل؛ مزيج من القلق والاحتياج والرغبة في البوح بشيء يخشى أن يُقال.
قال، وهو يضع يده على يدها برفق لكنه بدا ممتلكًا لها:
"أنا لا أسمح لأحد بالاقتراب مني... ولا بالبقاء. لكنك اخترقتِ كل القواعد، دون أن تدرين."
نظرت إليه غلوريا، فابتسمت بخجل:
"هل هذا شيء جيد... أم خطر جديد؟"
اقترب منها أكثر، ثم مدّ يده ليمرر أنامله على وجنتها بحنانٍ خافت، وقال بصوتٍ أقرب للهمس:
"ربما أنتِ أكثر ما أخشاه الآن... لأنكِ أصبحتِ كل ما أملكه."
ارتجف شيء ما في عينيها، لكنها تمالكت نفسها، وقالت بلطف:
"أنا هنا، ولم أذهب يومًا... ولن أرحل."
طبع قبلة على جبهتها، قبلة طويلة وصامتة، كأنّه يطبع فيها وعدًا ما.
ثم قال وهو يبتعد قليلًا:
"ادخلي، وارتاحي... سأذهب لأنهي بعض الأمور، وسأعود إليكِ."
قالت، وهي تمسك بيده للحظة:
"لا تتأخر... وعدتني أن تكون دائمًا هنا."
ابتسم، لكن عينيه ظلّتا جادتين:
"أعدك."
فتحت باب السيارة ببطء، لكنها التفتت إليه مرة أخيرة، وهمست:
"أنا أحبك... حتى إن لم أقلها كل يوم، قلبي لا يعرف سواك."
بقي صامتًا، لكن نظراته كانت كافية، تخترقها وتطمئنها وتحرقه في الوقت ذاته.
أغلقت الباب، ودخلت الفيلا.
هو بقي مكانه، يحدّق في المرآة الجانبية، وجهه خالٍ من التعبير، إلا من ظلٍّ خفيٍ لوعد ثقيل.
أدار المحرّك ببطء، ثم همس لنفسه:
"حان وقت إنهاء الحسابات... وجعل الليل ينطق بالحقيقة."
جلست غلوريا على طرف السرير، تُحدّق في الفراغ أمامها بعينين نصف شاردتين، بينما ظلال الغرفة تتراقص على الجدران بفعل ضوء المصباح الخافت.
كانت ما تزال تشعر بدفء يديه على أصابعها، وصدى كلماته يتردد في رأسها، لكن شيئًا غامضًا ظلّ يهمس في صدرها... لم يكن خوفًا، ولا شكًا واضحًا، بل ارتيابٌ رقيق، كأنّ قلبها يلتقط إشارة لا تدرك معناها بعد.
همست لنفسها، وهي تمرر يدها في شعرها:
"لماذا بدا متوترًا... وكأن شيئًا ما يخفيه؟"
وقفت أمام المرآة، تنظر إلى وجهها، إلى عينيها التي اختلط فيهما الحب بالقلق، ثم هزّت رأسها ونفخت ببطء، كأنها تطرد الأفكار من عقلها.
قالت بحزم خافت:
"كفى، لا تفسدي هذه الليلة... ربما هو فقط مُنهك من العمل."
اقتربت من السرير، استلقت ببطء، ثم سحبت الغطاء حتى كتفيها، وأغمضت عينيها.
لكن عقلها ظلّ يقاوم النوم للحظات، كأنّ القلب يرفض أن يهدأ.
ثم، ببطء…
بدأت أنفاسها تهدأ، وتسلل النعاس إليها رويدًا… تاركة الباب مواربًا ما بين الحلم والحذر.
وكان القمر في الخارج، يراقب النافذة بصمت، كأنّه يعرف أنّ الهدوء هذه الليلة... ليس إلا هدوء ما قبل العاصفة.
وصلت سيارة "ماتيو" السوداء إلى المكان الذي وصفته "فاليريا". كان البناء القديم يطلّ على شارع ضيق، تغمره ظلال الأشجار المتشابكة، ولا يُسمع سوى همسات الرياح وهي تتسلل عبر النوافذ المحطّمة.
أطفأ المحرك ببطء، وترجل من السيارة بخطى ثابتة ولكنها مثقلة بالشك، ثم اتجه نحو الباب المعدني الذي كان نصفه مفتوحًا.
في الداخل... كانت تقف.
مرتدية معطفًا أسود يلامس الأرض، وشعرها مُنسدل كأن الليل استعاره منها، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها… ليست ودودة، بل ساخرة.
قالت، وهي تميل برأسها قليلاً:
"أتعجّب… جيئت في الموعد تمامًا يا ماتيو. لم تتأخر دقيقة."
توقف أمامها، صامتًا للحظة، ينظر في عينيها نظرة من يعرف الكذب حين يختبئ خلف الكلمات.
أجاب بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل نغمة قاسية:
"ما الذي تريدينه، فاليريا؟"
اقتربت منه ببطء، خطواتها تتردد على الأرض الإسمنتية كأنّها تدق على وترٍ قديم.
قالت بابتسامة مشوبة بالتحدّي:
"هل هذا هو الترحيب الذي أستحقه؟ بعد كل ما جمعنا؟.
صمتَ "ماتيو"، عيناه لا تفارقانها، كأنّه يحاول أن يقرأ خلف تلك النظرة نواياها"
ردّ أخيرًا، ببرود:
"انتهى ما بيننا منذ زمن... وإن كنتِ هنا لتقلّبي الماضي، فلن تجدي غير الرماد."
فاليريا:
"الرماد أحيانًا يخفي تحته جمرة لم تنطفئ... وأنا هنا لأكشفها."
ثم أخرجت من جيبها شيئًا صغيرًا… صورة مطوية بحذر، ومدّتها نحوه ببطء.
قالت بهدوء، ولكن نبرتها كانت أشبه بالسكين:
"انظر... وقل لي إن كنت ما زلت تصدق نفسك."
تناول الصورة بعينين ضيقتين، فتحها...
وفجأة...
تبدّلت ملامحه، لم ينطق، لم يتنفس، وكأنّ الزمن توقف عند عينيه.
قالت "فاليريا" بهمسٍ مشحون بالتهديد، وهي تراقبه:
"أنت تعرف من هذا… أليس كذلك؟"
ظلّ "ماتيو" يحدّق بالصورة… عينيه جامدتين… ثم رفع بصره نحوها ببطء.
"فاليريا" تمتمت، وهي تبتسم ابتسامة خافتة مرعبة:
"الآن… حان وقت اللعبة الحقيقي
انتهى
رائيكم
✨6الف كلمه✨
Gloria_Ramirez02