أشعة الشمس تسللت برقة من خلف الستائر
الثقيلة، ملامسة بشرتهما كما لو كانت تبارك هدوء اللحظة.
ماتيو فتح عينيه ببطء، أول ما أبصره كان وجه غلوريا، نائمة فوق صدره، أنفاسها هادئة، وشعرها المنثور على جلده كوشاح ناعم.
لحظات قليلة مرت، قبل أن تتحرك بكسل ناعم وتفتح عينيها.
ابتسمت له، ضاحكة بخفة وهي تهمس بصوت مبحوح من النوم:
"صباح الخير، أيها المتملك المجنون."
ثم اقتربت منه ببطء، وطبعَت قبلة صغيرة على طرف شفتيه قبل أن تبتسم بعفوية وتقول:
"نمت كأنني داخل حلم... حلم اسمه أنت."
ماتيو لم يجبها، فقط ظل يحدّق في عينيها كما لو كان يحاول أن يزرع ملامحها في روحه للأبد. ثم رفع يده، ومرر أصابعه على وجنتها بحنان بالغ، وقال بنبرة خشنة فيها نبرة سُهدٍ ورغبة مكبوتة:
"لا أعلم كيف أبدأ أيامي بدونك بعد الآن... حتى نومي لم يعد نومًا، بل هو انتظار لصباحٍ تكونين فيه بجانبي."
ضحكت غلوريا، وضربته بخفة على صدره:
"كلامك أصبح ناعمًا أكثر من اللازم... أين ذهب الوحش الكاسر؟"
اقترب منها أكثر، وهمس في أذنها:
"الوحش؟ لقد تم ترويضه... لكنّه لم يُقتل بعد."
أغمضت عينيها بخجل وهي تضحك، فاحتضنها بقوة، وقال:
"لن أسمح لأحدٍ أن يأخذ منك هذا الضحك... حتى أنا."
ضحكت غلوريا بصوت ناعم، ووضعت رأسها مرة أخرى على صدره العاري، بينما أنام هو يده حول خصرها كمن لا يريد للزمن أن يتحرك.
لكن شيئًا ما في نظراته تغيّر.
وجه ماتيو شدّ، واختفى دفء ابتسامته. بصره سرح في الفراغ كأن عقله عاد لشيء لا يريد تذكّره. الرسالة التي وصلته الليلة الماضية... ذاك الاسم الذي ظنّه مات منذ سنوات.
"فاليريا..."
اسمها انفجر في رأسه كصرخة مكتومة. لم يكن وهمًا، لم يكن صدفة، ولم يكن مجرد تشابه أسماء.
شعور بالضيق قبض على صدره، وكأن قلبه التهمه الجليد.
تحرّك بهدوء، فكّ ذراعه من حول غلوريا بحذر، وقام من على سرير وهو يحاول ألّا يوقظها، لكنها شعرت بحركته، ففتحت عينيها بتكاسل وسألته:
"ماتيو... إلى أين؟"
أدار وجهه نحوها، وأجبر نفسه على ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه:
"سأحضر شيئًا من المكتب... لن أتأخر."
صوته كان هادئًا، لكنه مشدود، لا يشبه نبرته المعتادة. غلوريا نظرت إليه بتعجّب، ثم عادت تُسند رأسها على الوسادة، بينما خرج هو من الغرفة كأن قلبه مثقل بشيء أكبر من أن يُقال.
وفي الممر الطويل المؤدي إلى مكتبه... سقطت ابتسامته تمامًا.
وتمتم لنفسه بصوت خافت، لكنه مسموم:
"لماذا الآن؟... ولماذا هي؟"
كان الصمت يبتلع أركان المكتب الفسيح، والستائر الثقيلة تحجب نور الصباح، كأن الظلام اختار أن يبقى رغم شروق الشمس.
جلس ماتيو خلف مكتبه، يحدق في شاشة هاتفه التي لم تعد صامتة منذ الليلة الماضية.
رسالة "فاليريا" ما زالت هناك... لم يُجب، لم يحذفها، فقط يحدّق فيها، وكأنها بوابة لذكريات لم يدفنها جيدًا.
طرقٌ خفيف على الباب.
"ادخل."
دخل أحد رجاله الأقرب، يرتدي الأسود كالعادة، ملامحه مشدودة وعينيه مترددة.
قال بصوت منخفض لكنه واضح:
"سيدي... هناك أمرٌ عاجل."
ماتيو لم يرفع عينيه في البداية، ثم قال بهدوء:
"تكلّم..
"أحد رجالنا في الحراسة رصد امرأة... كانت تتجوّل قرب حدود القصر.
ظنّها أولًا مجرد غريبة، لكن... بعد مراجعة الصور... تبيّن أنها-"
توقف لحظة، وكأنه خائف من ردّة الفعل.
رفع ماتيو نظره ببطء، نبرته جامدة كالحجر:
"أنها من؟"
بلع الرجل ريقه وأجاب:
"فاليريا، سيدي. لقد شوهدت البارحة، قرب السور الجنوبي."
تجمّد الهواء.
ماتيو وقف من على الكرسي فجأة، سحابة من القلق والغضب التفت حوله.
"هل أنت متأكد؟"
"نعم... الصور لا تحتمل الشك."
اتّسعت عيناه للحظة، وكأن الزمن عاد للوراء. ثم همس بينه وبين نفسه، بصوت أشبه بالشتائم:
"كانت هنا... تراقبنا... تراقبها."
ثم رفع عينيه نحو رجله وقال:
"راقبوا كل المداخل. لا أريدها أن تقترب أكثر من هذا المكان... افعلوا ما يلزم."
"وماذا عن الآنسة غلوريا؟"
سكت ماتيو.
لم يجب، فقط نظر إلى الهاتف، ثم إلى النافذة، ثم إلى صورتها على الشاشة وهي تضحك في حمام السباحة منذ ساعات فقط...
وكأن كل شيء كان سلامًا مؤقتًا... ما قبل العاصفة.
كان الليل قد بدأ يرخي ستائره، والأنوار الخافتة تعبث بالجدران الحجرية داخل القصر.
ماتيو كان جالسًا في مكتبه، جسده ثابت لكن عيناه تتحركان بعصبية بين أوراق كثيرة وهاتفه الذي لم يصدر أي إشعار منذ ساعات.
ثم... اهتزاز بسيط. إشعار جديد.
فتح الهاتف.
رسالة على بريده المشفر الخاص... المرسل غير معروف.
ضغط ليفتحها.
ثلاث صور.
التحميل بطيء، وكأن الوقت يتعمد أن يُطيل عذابه.
الصورة الأولى:
غلوريا بين ذراعيه، مرفوعة عن الأرض، رأسها مستند إلى كتفه، وشعرها مسدل على ظهرها.
عيناهما مغلقتان، اللحظة من ليلتهما الأولى... لحظة لم يكن من المفترض أن يراها أحد.
أسفل الصورة:
"كم كنتَ جائعًا لها، ماتيو... هل أخبرتها كم مرة همست لي بنفس الطريقة؟"
الصورة الثانية:
داخل حمام السباحة، غلوريا تضحك، وهو يرفعها فوق الماء، شفتيه على رقبتها، وذراعيه تلتف حولها.
الصوت المرفق، بصوت فاليريا، همس خبيث يشبه الحية:
"آه، الماء... كم تحب أن تغرق في من تظن أنها لك وحدك... هل أخبرتها أنك لا تملك حتى نفسك؟"
الصورة الثالثة:
لقطة واضحة من النافذة، عبر الزجاج، غلوريا مستلقية على صدره، والشمس تخترق الستائر.
ملامحها ناعسة، وهو يمرر أصابعه في شعرها.
الصوت:
"أنت لا تحبها، ماتيو... أنت تملكها. وأنا أعرف جيدًا الفرق بين الحب والتملك. أو نسيت أنني كنت يوماً هناك؟"
انكمشت أصابع ماتيو على الهاتف بشدة...
كل صورة، كل زاوية، كأنها ضُبطت بعين كانت داخل روحه.
نظر إلى الباب... ثم إلى النافذة... ثم همس:
"منذ متى... منذ متى تراقبنا؟!"
عيناه تلتمعان بالغضب والخوف معًا.
الرسالة الأخيرة:
"أراك قريبًا، عزيزي... وأراها قبلك.
حذّرها إن استطعت.
تشنّجت أصابع ماتيو حول الهاتف، وعضلات فكيه انقبضت بقسوة، فيما صدره يعلو ويهبط كأنما يُكتم بداخله بركانٌ على وشك الانفجار.
حدّق في الصور مجددًا، عينيه تتسعان مع كل لقطة، وكل ضغطة قلب تزداد وجعًا.
ثم انفجرت الكلمات من فمه بصيحة هادرة:
"اللعنة!!"
هبّ واقفًا بعنف، التقط كأسًا زجاجيًا من على الطاولة، وارتطم به الحائط بقوة فتكسر إلى شظايا تملأ الغرفة.
بدأ يتنفس بثقل، يخطو في المكتب جيئة وذهابًا كذئب جريح.
ضرب سطح المكتب بقبضته، أطاح بالكرسي بعيدًا، وصوت الأشياء المتناثرة لم يهدئ من غليانه.
فتح الباب بعنف كالعاصفة وصرخ بصوت كالرعد:
"لوكااا!!"
دخل أحد رجاله بسرعة، ووجهه شاحب، كأنما نُزعت منه روحه. وقف منتصبًا في مكانه، لا يجرؤ على التنفس.
اقترب منه ماتيو، أمسكه من مقدمة قميصه وجرّه نحوه، عيناه تشعّان نيرانًا:
"كيف دخلت فاليريا القصر؟!"
نبرة صوته كانت كحدّ السكين.
"من الذي سمح لها؟ من الذي فتح لها الطريق حتى تصورني... أنا وهي..."
توقّف لحظة، كأنما اختنقت كلماته من الغضب.
"تصورني أنا وغلوريا... ونحن نائمون... ونحن..."
عضّ شفته بأسنانه، ثم صرخ من جديد، دفعة غضب أخرى:
"هذا ليس بيتًا من ورق! إنه حصني...! كيف اخترقته؟!
أزاح لوكا من أمامه بعنف فسقط أرضًا، ولم يجرؤ على النهوض.
وقف ماتيو، يضع يده على رأسه، يزفر كأن الهواء ذاته يخونه. ثم همس لنفسه، كأنها الحقيقة التي تخشاه:
"لقد جعلتها في خطر... بيدي."
دُفِع باب المكتب بهدوء، وتسلّلت غلوريا إلى الداخل بخُطا ناعسة، وشعرها لا يزال يحمل آثار النوم.
كانت ترتدي شورتًا قطنيًا قصيرًا، وتيشيرت أسود فضفاض يحمل رائحة ماتيو، والتي بدت وكأنها تهدّئ قلق قلبها دون أن تدري.
رفعت عينيها إليه، وبدا على وجهها القلق:
"ماتيو؟ ما بك؟
التفت نحوها ببطء، محاولًا إخفاء ما في وجهه من اضطراب. لكنها رأت الشرر في عينيه، والعرق المتجمّع عند صدغيه، وزجاجًا مهشّمًا يتناثر أسفل المكتب.
ثم رأتها... يده.
"ماتيو!"
اقتربت بسرعة تمسك يده، كانت الدماء ما تزال تنزف من الجرح.
"يدك تنزف...! ماذا حدث؟ من فعل هذا؟"
حاول أن يسحب يده، لكنها تمسّكت بها بلطف وقلق. نظر إلى عينيها، وهناك، للحظة قصيرة، بدا ضعيفًا.
"لا شيء... مجرد لحظة غضب."
رفعت نظرها إليه، تبحث في عينيه عن الحقيقة، لكن ملامحه كانت كالحصن.
"لماذا كنت غاضبًا؟ وممَ كسرت الزجاج؟"
ثم سكتت، لاحظت توتره، والملف المفتوح على الشاشة خلفه، ونظراته التي لم تعرفها من قبل
همس، كأن قلبه يُثقل صدره:
"غلوريا... ثقي بي، أرجوكِ."
وضعت يدها على وجهه، تمسح عنه ما لم يُقال، وهمست بنبرة لا تخلو من رجفة:
"أنا أثق بك، لكن لا تكسر نفسك أمامي... أنا هنا."
في تلك اللحظة، لم يكن الجرح في يده هو ما يؤلمه، بل الخوف القابع في داخله... خوف من أن تفقده، أو أن يخذلها.
اقتربت غلوريا منه وهي عاقدة حاجبيها كأنها أم صغيرة تحاول السيطرة على فوضى طفل مشاغب.
"أنتَ لا تطاق، ماتيو! تكسر أشياءك كأنك طفل غاضب، وتنزف وتقول: لا شيء!"
لوّحت بيديها في الهواء، ثم استدارت نحو الخزانة الصغيرة التي في الزاوية، فتحتها تبحث عن شيء
"ما تفعلينه؟" سأل بصوت متوتر وهو يراقبها.
"أبحث عن حقيبة الإسعافات، طبعًا، أو تراك تفضل أن تنزف حتى يغمى عليك؟"
قالتها بحدة وهي تسحب الصندوق الأبيض وتعود إليه.
جلست على الأريكة أمامه، وصفّرت بيدها أن "تعال."
نظر إليها للحظة، مشوشًا بين الغضب والانكسار، ثم تنهد وجلس.
فتحت الحقيبة، أخرجت القطن والمعقّم، ثم أمسكت يده كما تفعل فنانة دقيقة تمسك بقطعة نادرة خشية أن تُكسر.
"أخبرني فقط... ماذا حدث؟" همست وهي تنظف الجرح.
لم يجب. فقط نظر إليها وهي تهتم به. كانت ملامحها جادة، تضع الشاش بحذر، ثم تلفّه حول يده بخفة، وتشدّه دون أن تؤلمه.
"لو لم أكن أعلم أنك قاتل... لظننت أنك مجرد ولد عنيد ومخيف!" قالتها بابتسامة صغيرة وهي تنهي الضمادة.
كانت لا تزال جاثية أمامه، عيناها تتوسلان أن يفصح، أن يشرح، أن يكسر حاجز الصمت الذي بدأ يبتلعه.
لكنّه لم ينظر إليها، كان يحدّق في اللاشيء، كأن نيرانًا مشتعلة تحترق خلف عينيه.
"ماتيو..." همست، بصوت يحمل ذعرًا خافتًا، "هل حدث شيء؟"
لم يجب. قبض على الضمادة في يده بقوة حتى كادت تنفكّ.
اقتربت خطوة، كمن يخشى أن يوقظ وحشًا:
"هل أخطأتُ في شيء؟ هل ضايقتك؟"
استدار فجأة نحوها، وعيناه تبرقان بشيء لا تعرفه.
"غلوريا..." قال بصوتٍ خافت... ثم رفع نبرته فجأة:
"عودي إلى غرفتك، حالًا."
تجمدت في مكانها.
"ماذا؟ لماذا؟" سألته بدهشة، صوتها يرتجف.
"قلت لكِ اذهبي!" صرخ بها، نبرته قاسية لم تعهدها منه.
ارتدّت خطواتها إلى الوراء دون وعي، وعيناها تبحثان في وجهه عن ملامحه التي تعرفها، لكنها لم تجدها.
لثوانٍ، ظل الصمت ثقيلًا بينهما، لا يقطعه سوى أنفاسه الغاضبة وأنفاسها المرتبكة.
ثم استدارت، دون كلمة، ومضت.
لم تبكِ، لكن في عينيها شيء قد انكسر.
شيء صغير، لكنه حقيقي.
أما هو، فظل واقفًا، يحدّق في الباب الذي أغلقته خلفها.
شدّ أنفاسه بعنف، همس لنفسه:
"أبعدها... فقط لأحميها."
سارت غلوريا في الممر الطويل، حافية القدمين، وصدى خطواتها الخفيفة يتردد كأنما تمشي في دهاليز عقلها المشوَّش.
كانت تحمل قميصه على جسدها كعباءة أمان، لكنّها الآن تشعر وكأن دفئه تسرّب من القماش وتركها عارية أمام أسئلة لا تملك لها إجابة.
"ما الذي حدث؟" همست لنفسها، وهي تضع يدها على صدرها، كأنها تتحسّس قلبها كي تطمئن أنّه لا يزال في مكانه.
دخلت الغرفة ببطء، وأغلقت الباب خلفها، ليس خوفًا من أن يتبعها، بل كأنها تحتاج لحاجز بينها وبين التوتر الذي غمرها فجأة.
جلست على طرف السرير، نظراتها مشوشة، وأفكارها تائهة.
لم يكن ماتيو هكذا... لم يسبق أن نظر إليها بذلك الشكل، أو تحدث إليها بذلك الصوت القاسي.
شيء ما تحطّم بينهما، لكنها لا تعرف اسمه
وضعت يديها على وجهها، وتمتمت:
"هل أخفي عني شيئًا؟ هل أخطأت في شيء؟"
أجابت الصمت، وأجابت الجدران، وأجاب القميص الذي ترتديه... بالصمت ذاته
كانت عيناها مفتوحتين، لكن عقلها كان في مكان آخر، في مكتبه، مع وجهه، مع صوته حين قال... "عودي إلى غرفتك."
وكان قلبها يتمتم، رغمًا عنها:
"أخشى أن أكون قد بدأت أفقده... من حيث لا أدري."
كان ماتيو واقفًا في منتصف المكتب،نظراه تائهة، وأنفاسه ثقيلة
الزجاج المكسور ما زال متناثرًا على الأرض والدم في كفه قد بدأ يجف، لكن النار داخله لا تزال مشتعلة.
أدار وجهه نحو أحد رجاله، ونطق بصوت خافت، لكن حاد:
"شددوا الحراسة. أي وجه غريب يمر قرب الأسوار... أحضروه لي فورًا. وإن كانت هي، فلا تلمسوها... فقط اربطوها وأحضروها أمامي حيّة."
أومأ الرجل سريعًا وخرج، تاركًا خلفه ظلًّا من التوتر.
لم تمر ثوانٍ حتى رنّ هاتف ماتيو من جديد، بنغمة خاصة لم يسمعها منذ سنوات.
فتح الجهاز ببطء، ونبضه يتسارع كما لو أنّ روحه تتوقّف عن التنفس.
كانت رسالة صوتية... من فاليريا.
ضغط "تشغيل"، فانبثق صوتها الناعم، الساحر، المسموم:
"أوه، مـاتيو... كم استمتعت بسماعك تصرخ عليها بتلك الطريقة.
لقد ذكّرتني بنفسك عندما كنت تصرخ بي أنا... حين كنت تقول لي: 'اخرسي وعودي لغرفتك'، أتتذكّر؟
يا للعجب... يبدو أن بعض الأشياء لا تتغير، حتى عندما يقع الوحش في الحب."
ابتسمت فاليريا من خلف الشاشة، صوتها يحمل خبثًا ممزوجًا بحنين زائف.
أما ماتيو، فقد انعقد فكّه، وضرب بقبضته الطاولة دون وعي.
تنهّد بعمق، وأغلق الرسالة، قبل أن يتمتم لنفسه بلهجة مشتعلة:
"لا تلعبي بالنار، فاليريا... لأنك هذه المرة، ستسقطين فيها."
اقترب من النافذة، عينيه تمسح الظلال في الخارج، عقله يتقلّب بين الماضي والآن، وبين امرأة أحبته... وأخرى غيّرت كيانه.
في إحدى الزوايا البعيدة، خارج أسوار القصر العالية، كانت تقف فاليريا وسط الظلال، ترتدي معطفًا أسود طويلًا يخفي جسدها.
أخرجت هاتفها بهدوء، وضغطت على إحدى الصور المخزنة بعناية، فظهرت أمامها صورة لغلوريا بين ذراعي ماتيو، نظرات الحب والانجذاب تشعل الجو، وظلال جسديهما ينعكسان على زجاج النافذة خلفهما.
ابتسمت... لكن ابتسامتها كانت باردة، كسكين حادٍّ يُخبَّأ خلف ظهر مُبتسم.
"عصافيرُ حُب؟..."
قالتها بسخرية خافتة، ونبرة تحمل شيئًا من الاشمئزاز والحسد في آن.
مرّ إصبعها على الصورة ببطء، ثم همست لنفسها كمن يُخطّط لذبحٍ مقدّس:
"كم من الوقت ستطير هذه العصافير قبل أن أحرق عشّها؟
يا صغيرتي، لا تعرفين شيئًا عن الوحوش التي قبّلتِها، ولا عن الأشواك التي ستغرس فيكِ حين تتفتح زهرة ثقتك."
رفعت عينيها نحو القصر، نظرة دامية، مُتوهّجة بنار الانتقام، وأردفت:
"استمتعي بدفء حضنه... فالبرد قادم.
وسأكون أنا، الريح التي تقتلعكِ من جذورك."
ثم أغلقت الهاتف، واندمجت في الظلام كظلٍ لا يُمسك، تاركة خلفها وعدًا... أن الصمت، في بعض الأحيان، لا يعني النسيان... بل الانتظار.
جلس ماتيو وحده في المكتب، يداه تضغطان على حافة المكتب بقوة حتى بياض عظامه ظهر تحت الجلد. الزجاج المكسور تخلّى عن فوضاه، لكن الصمت ظلّ جاثمًا، يلوّح له بما فعله منذ دقائق.
رفع عينيه ببطء نحو الباب الذي خرجت منه غلوريا... صوتها، نظرتها المتفاجئة، صمتها الجارح... كلها بدأت تطارده.
"صرختُ... عليها؟"
همس بالكلمات كأنها لا تخصه، ثم تنفّس بعمق، وأغمض عينيه.
في رأسه، تكررت صورتها وهي تمسك يده المجروحة بلطف، تنفخ عليه من الألم، تحاول أن تفهمه، لا أن تُعاتبه.
أدار وجهه، نظر إلى المقعد الذي كانت تجلس عليه منذ لحظات... كل شيء فيه كان يحمل بصمتها، حتى الهواء صار أثقل بفقدانها.
خرج من المكتب بخطى سريعة، عينيه تبحثان عنها بين ممرات القصر، كأن قلبه لم يعد يحتمل البُعد ولا السكوت.
وصل إلى باب غرفتها، تردّد لحظة، ثم رفع يده وطرق بلطف، مرة... ثم مرتين.
"غلوريا... افتحي لي، أرجوكِ..."
نبرة صوته هذه المرة، لم تكن صارمة... بل متوسلة، مُعترفة... نادمة.
ثم همس بصوت مكسور، دون أن يسمعه أحد:
"لم أقصد أن أؤذيكِ... فقط كنت خائفًا.
خائف من أن أفقدك... كما فقدت كل شيء قبلك."
كان الصمت يملأ المكان، لا يُسمع سوى وقع أنفاس متقطعة خلف الباب المغلق.
جلست غلوريا على الأرض، ظهرها ملتصق بخشب الباب البارد، وذراعاها تطوقان قدميها.
كانت تحاول فهم ما جرى... لماذا تغير فجأة؟ لمَ تلك القسوة في عينيه؟
وفي قلبها، شيء ضاق، وانكمش، كأن جرحًا قديمًا انفتح دون إنذار.
من الجهة الأخرى، وقف ماتيو للحظات... ثم رفع يده، ووضع راحة كفه برفق على الباب، كأنه يلمسها من خلاله.
"غلوريا..."
جاء صوته خافتًا، مبحوحًا بندمٍ ثقيل،
"لم أقصد أن أصرخ، لم أقصد أن أؤذيكِ... أقسم."
لم يأتيه رد، سوى هذا الصمت الذي بدأ يُرهقه أكثر من أي كلمات.
جلس على الأرض، وأسند رأسه إلى الباب، كأن المسافة بين جسديهما تُعذبه.
"أنا لا أجيد التعبير حين أخاف..."
ابتسم بسخرية، ثم تابع:
"وأنا خائف، خائف منكِ... من كمّ المشاعر التي تمزقني كلما ابتعدتِ."
صمت قليلًا، ثم قال بصوت أضعف:
"لو تعلمين كم مرة تمنيت أن يكون لي قلبٌ بسيط... يفرح، يغضب، يحب، ويهدأ.
لكن قلبي... فوضى. وكل ما فيّ يُحبكِ بشكل غير طبيعي."
سحب نفسًا عميقًا، ومد يده أسفل الباب:
"لن أطلب منكِ أن تفتحي... فقط خذِي يدي. حتى لو لم تسامحيني الآن... دعيني أشعر أنكِ لا تزالين هنا."
ظل هناك، ساكنًا... صوته يرتجف من الحنين، من الذنب، من الخوف أن تفلت منه
نهض ببطء، مسح على وجهه بكفه، وحدّق نحو الباب للحظة، قبل أن يقول بصوت خافت كأن الكلمات تجرحه:
"سأنام في الغرفة المجاورة، فقط... أردت أن تعرفي أني آسف."
استدار بخطاه الثقيلة ليغادر، لكن فجأة... خشخش مقبض الباب.
توقّف، وجسده يشدّ كوترًا مشدودًا بين الأمل والخوف.
الباب يُفتح ببطء... يظهر منه وجه غلوريا، خافت الضوء، نظراتها متوترة، شفتيها لا تتحركان لكنها تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالخذلان والحنين معًا.
لم يتكلما في البداية، لم يقترب... لكنه ظل ينظر إليها، كأن رؤيتها تُحييه من جديد.
قالت بصوت مرتجف:
كنتُ سأبقى صامتة... لكن لا أريد أن تنام بعيدًا عني، ولا بهذا الثِقل في صدرك."
اقترب منها خطوة، عينيه تبحثان في ملامحها عن خلاصٍ من ذنبه،
"آذيتكِ... وأنا من يُفترض أن يحميكِ."
هزّت رأسها بخفة:
"أحيانًا لا نعرف كيف نُحب... لكننا نحاول."
مدّت يدها بهدوء...
لم يتردد، أمسكها بقوة وكأنه يغرق ويتمسّك بها من الغرق.
ثم جذبها إلى صدره، ضمها بعنف المشاعر التي اختنقت بين الصمت والكلمات، وبصوت بالكاد يُسمع، قال وهو يدفن وجهه في شعرها:
"ابقَي... فقط ابقَي بجانبي."
في صمت الغرفة الخافت، حيث لا صوت يعلو فوق أنفاسهم المتلاحقة ببطء...
كانت غلوريا بين ذراعيه، رأسها مستند إلى صدره، بينما أصابعه تنسدل ببطء على ظهرها، كأنها ترسم عليه سطورًا لم تُكتَب بعد.
رفع وجهها إليه بلطف، ونظراته تغوص في عينيها، باحثًا عن الطمأنينة... عن العفو.
همس، وصوته مُنهك بالشوق:
"هل تعلمين؟ حين تنظرين إليّ هكذا... أشعر وكأن العالم بأسره يصمت ليسمع نبضك."
ابتسمت بخجل، وأجفلت عيناها لثانية... لكنها لم تبتعد، بل اقتربت أكثر، وكأنها تسكن صدره لا حضنه فقط.
وهمست :
"لقد سامحتك... لكن لا تجرح قلبي مجددًا، فهو بات لا يعرف أحدًا سواك.
في اللحظة التي التصقت فيها أجسادهما كأن لا شيء في الكون يفصل بين نبضيهما، شعر ماتيو كأن الزمن توقف، كأن غلوريا قد صارت وطنه الوحيد، الملجأ الذي يخشى فقده، والذنب الذي لا يتوب عنه.
ضمّها إلى صدره بقوةٍ، كأنما أراد أن يخبئها في أعماقه، يدفنها في ظلال روحه فلا تراها عين، ولا يصلها أحد.
ثم غابت الكلمات، وتحدّثت الأنفاس، وتكلمت اللمسات، وعانقت الأرواح بعضها، وعاد الخوف إلى الظلال، بينما بقي هو معها، لأجلها، فيها... وكأنّ الحب نفسه قد وُلد لتوه.
"لن أترككِ... حتى وإن احترق العالم كله، سأبقى أنتِ، وتبقين لتغملم تجبه، لم يكن في وسوى أن تغنيها وتستسلم لنبضه، لصوته، لجنونه.
هي تعرف، تمامًا، أن ما بينهما لم يعد مجرد شوقٍ مؤقت... بل احتراقٌ لا نجاة منه.
وفي الخارج... بين ظلال الأشجار التي تحركها الريح، كانت فاليريا واقفة.
شعرها مبتل من المطر، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهها.
رفعت الكاميرا بهدوء... والتقطت الصورة.
"جميلان... لكن لا شيء يدوم."
قالتها ببرود قاتل، ثم اختفت بين الظلال، كما لو لم تكن هناك.
تسللت أشعة الصباح إلى الغرفة برفق، ولامست الأغطية المتشابكة على جسديهما.
كان ماتيو مستيقظًا قبل الضوء، لكنه لم يتحرك... فقط ظل يحتضن غلوريا، يستنشق دفء وجودها كأنّه يخاف أن يذوب من دونه.
رفع عينيه فجأة...
شعر بشيء غريب.
كأن الغرفة لم تعد ملكه.
ثم رآها.
واقفة.
عند حافة الظل... باردة كالموت.
فاليريا.
جسدها مُغطى بثوب قاتم، وشعرها مبلل، كأنها خرجت للتو من عاصفة،
وفي يدها... كاميرا صغيرة تتدلّى من أصابعها كأداة جريمة.
لم تقل كلمة.
فقط نظرت إليه، بعينين لا تحملان أي حنين، بل وعدًا...
وعدًا بالخراب
ماتيو لم يحرك ساكنًا.
لم ينبس بحرف.
انتهى
رائيكم
3 الف كلمه
Gloria_Ramirez02