هروب

هروب

15 0

هل نترك أثرًا أم نمضي كغيمة ؟

سؤال يتردد صداه في جوف الظلام.

لا أعلم إن كان على المرء أن يترك أثرًا خلفه

أم يمضي متلاشيًا كغيمة تبتلع أسرارها ورغباتها

دون أن تترك أثرًا لوجودها.

أيُجدي الأثر نفعًا في جوف هذه العتمة التي تبتلعنا؟

أم أن كل شيء محكوم بالزوال

مهما حاولنا أن نحفر أسماءنا في ذاكرة العالم؟

ترددت طويلًا قبل أن أسطر هذه الكلمات.

لا أدري إن كان خوفي من لعنة المجهول هو ما يمنعني

أم أن هناك شغفًا خفيًا بالحفاظ على وهج صورتنا

حتى بعد أن نصبح مجرد ذكرى عابرة

هل نحن حقًا بحاجة لأن نتشبث بالبقاء حتى ونحن

نعلم أن الحياة ماضية دوننا، لا تلتفت ولا تبالي؟

لكن، ما سر هذا التناقض العنيف الذي يجتاحني الآن تحديدًا؟

بين رغبة قوية في البوح

وحرص مَرَضيّ على أن يظل ما أبوح به حبيس صدري

يموت داخلي دون أن يراه أحد...

وكأنني أخشى أن تلوث كلماتي ضوء النهار

أن تفقد بريقها إن نطقت

كأن السر يكمن في كونها غير مسموعة،

غير مرئية، مجرد همس يذوب في الظلام.

_

بينما كان الليل يلقي بظلاله الثقيلة على الطريق المهجور،

كانت قدماها الحافيتان تلامسان الأرض الموحلة، مخلفة وراءها آثارًا

سرعان ما تلاشت مع قطرات المطر المتزايدة. كانت تركض... تركض بجنون،

كما لو أن مصيرًا مجهولًا لا يطاردها فحسب، بل يهمس باسمها في أذنيها، يهدد بالتهامها مع كل نبضة قلب.

قلبها ينبض بعنف، كطبل حرب يقرع في صدرها، أنفاسها تتسارع،

تتحول إلى شهقات متقطعة بالكاد تمدها بالهواء، وجسدها المرهق يكاد

يخذلها، كل عضلة فيه تصرخ من الألم، لكنها تدفع نفسها للأمام.

لم تعد قادرة على التفكير، لم يعد لديها خيار سوى المضي قدمًا.

تذكرت كلمات خالها القاسية، تلك الكلمات التي حفرت عميقًا في روحها،

وكيف أن حياتها تحولت إلى جحيم منذ وفاة والديها.

كانت تعتقد أنهما ماتا في حادث، حادث مروع لم يبقَ منه سوى شظايا

من الذاكرة المبعثرة.

لكن الطريقة التي تحدث بها خالها مؤخرًا، ونظراته الغريبة التي كانت

تتسلل إليها، كأنها تخفي أسرارًا تحت طبقات من الصمت، جعلتها تشك

في كل شيء. شعرت أن هناك سرًا يطاردها، خيطًا رفيعًا يربطها

بماضي مظلم، وأنها يجب أن تهرب قبل أن يكتشفه خالها،

أو قبل أن تكتشفه هي وتنهار كل قناعاتها.

"لا... لا يمكن أن أبقى معه بعد الآن! لن أعود أبدًا!"

تمتمت لنفسها، والصوت يخرج بالكاد من حنجرتها المجهدة،

وهي تشعر بجسدها يترنح من الإرهاق، تكاد تسقط مع كل خطوة.

عندما لمحت أضواء سيارة في الأفق، تتوهج كالنجوم في هذه العتمة،

تجددت طاقتها للحظات، بث الأمل في قلبها من جديد،

أمل واهٍ لكنه كافٍ لدفعها. كانت فرصتها الوحيدة، فرصة للنجاة،

كان عليها الوصول إلى الطريق قبل أن يمسك بها رجال خالها

الذين أرسلهم خلفها، أولئك الذين سمعت خطواتهم الثقيلة وهمساتهم الخشنة تقترب منها.

لكن صوت الرصاصة التالية لم يمنحها الفرصة... صوت مدوّ

اخترق سكون الليل، تلاه ألم حاد في ساقها. لم تكن تعلم هل

أصيبت بالفعل أم أن ساقيها استسلمتا أخيرًا من شدة الإرهاق والرعب.

كل ما شعرت به هو الأرض القاسية تحتها، تضرب جسدها المنهك،

ثم الظلام الذي ابتلعها ببطء، ساحبًا إياها إلى أعماقه.

___

بينما كان إيفان يقود سيارته عبر الطريق المظلم،

لم يكن يتوقع أن يجد شيئًا سوى روتين العودة إلى قصره المعزول.

لكن لفت انتباهه جسدٌ ممددٌ على الأرض، كتلة داكنة بالكاد تميزها

أضواء السيارة الخافتة. أوقف السيارة بهدوء، كأن شيئًا ما

يخبره أن هذا ليس حادثًا عاديًا، وترجّل بسرعة، محذرًا لكن مدفوعًا بفضول غريب.

"ما هذا بحق الجحيم؟"

تمتم لنفسه، وصوته يكسر سكون الليل، وهو يقترب بحذر،

حواسه متأهبة لأي خطر.

عندما انحنى ليفحص الفتاة الملقاة هناك، لاحظ وجهها الملطخ

بالكدمات والوحل، وعينيها المغلقتين بالكاد تظهران من بين خصلات

شعرها المبتلة، وملابسها الممزقة التي بالكاد تغطي جسدها النحيل.

لم يكن هناك أحد في الأرجاء، لا أثر لسيارة أخرى،

لكن أثر الفوضى من حولها  التربة المتناثرة، وأوراق الأشجار المبعثرة

دلّ على أنها لم تصل إلى هنا بمحض إرادتها،

وأنها كانت في خضم معركة أو هروب.

تردد لوهلة، عقلانيته تحذره من التورط، لكن شيئًا في

عينيها المغلقتين، في هشاشتها الواضحة، أيقظ فيه جانبًا

لم يكن يعلم بوجوده.

ثم حملها بين ذراعيه بحذر، كأنها قطعة أثرية ثمينة ومهددة بالكسر،

ووضعها في مقعد الراكب، مسندًا رأسها بلطف على مسند الرأس.

بعد أن تأكد من أنها لا تزال تتنفس، أنفاسها خافتة لكنها منتظمة،

زاد من سرعة القيادة متجهًا إلى منزله،

الذي كان ملجأه الوحيد لعقود.

عند وصوله، حملها إلى إحدى الغرف الهادئة والدافئة

في الطابق العلوي، والتي قلما كان يدخلها أحد،

ووضعها على السرير الفاخر، قبل أن يبدأ بتنظيف جروحها بمناديل

مطهرة وماء دافئ.

تحرك بمهارة غير متوقعة، كأنه اعتاد على مثل هذه المواقف،

يمسح الدم والوحل بلطف شديد، ويضع ضمادات صغيرة على الخدوش والكدمات.

بقي جالسًا بجانبها يراقب وجهها الشاحب، عيناه تتنقلان

بين علامات الألم البادية عليها، بينما تساؤلات عدة تتراقص في رأسه.

من تكون هذه الفتاة الغامضة؟ وماذا حدث لها لتصل إلى هذا الطريق

المقطوع في هذه الحالة المزرية؟

فتحت عينيها الباهتتين ببطء، تائهة بين الإدراك والذهول،

كأنها تستيقظ من كابوس طويل لم ينتهِ بعد. حدقت به للحظات،

نظراتها الخائفة تجوب ملامحه، وكأنها تحاول استيعاب المكان والزمان

الذي هي فيه.

كانت هناك لمعة خوف خفية في عينيها، وكأنها لم تعتد على الشعور بالأمان،

أو أن الأمان نفسه كان غريبًا عليها.

"هل أنتِ بخير؟"

نبس بهدوء، صوته عميق لكنه خالٍ من أي تهديد، متسائلًا عن حالتها، ماولً

ا طمأنتها.

"يبدو أنكِ مررتِ بالكثير."

أضاف بهدوء بعدما لم يتلق منها جوابًا، ليسأل دون

أن يكون مباشرًا في استفهامه، تاركًا لها المساحة لتختار

ما إذا كانت سترد أم لا.

رمشتها المرتبكة، وعيناها التي تتنقلان بسرعة، أكدت شكوكه.

لم تتحدث على الفور، بل ظلت صامتة، لكن تعبيراتها كانت كافية

ليعرف أن الصمت يخفي خلفه ألف قصة، ألف جرح لم يلتئم بعد.

لم يكن بحاجة للإلحاح؛ كان يدرك أن الكلام سيأتي حين تصبح

مستعدة، حين يزول الخوف الذي يسيطر عليها.

مررت يدها فوق كدماتها بخفة، وكأنها تحاول التحقق

من أنها لا تزال هنا، حية، كأنها تتأكد أنها لم تكن مجرد كابوس آخر

من كوابيسها المتكررة.

نظرت إليه أخيرًا، نظرة طويلة ومتفحصة، وكأنها تقرر

ما إذا كان يستحق الثقة أم لا، ما إذا كان الضوء في عينيه

حقيقيًا أم مجرد وهم.

مرّت لحظات من الصمت الثقيل قبل أن تهمس،

وصوتها بالكاد مسموع، وكأنها تخاطب الفراغ أكثر مما تخاطبه هو:

"لم يكن لدي مكان أذهب إليه... فهربت."

كانت كلماتها بسيطة، لكنها حملت في طياتها وزنًا ثقيلًا،

قصة طويلة لم تحكها بعد، قصة عن التشرد والخوف واليأس.

رفع إيفان حاجبًا وهو يتأملها، ثم استند للخلف قليلًا،

معطيًا إيحاءً بأنه لا يمانع الاستماع،

لكنه أيضًا لن يجبرها على الحديث، بل سيمنحها المساحة والوقت الذي تحتاجه.

"عندما تكونين جاهزة للحديث، سأكون هنا."

قال بنبرة هادئة، ثم نهض واتجه نحو الباب، مانحًا إياها

المساحة لتقرر بنفسها متى تكسر جدار الصمت.

لكن قبل أن يغادر، سمع همسة بالكاد وصلت إليه، خافتة كهمس الريح:

"هل... سأكون بأمان هنا؟"

وقف للحظة دون أن يستدير، شعر بثقل السؤال،

بكل الخوف الذي يحمله. ثم أجاب بصوت ثابت، خالٍ من التردد،

كأنه وعد لا يقبل النقاش:

"نعم."

توالت الأيام، لكنها لم تكن مجرد أيام عادية تمر. كان القصر هادئًا،

واسعًا، لكنه لم يكن باردًا كما كانت تتوقع

كانت هناك دفء غير متوقع في الطريقة التي بدأ بها إيفان بالتعامل معها،

في الصمت الذي سمح لها به دون ضغط، في الطعام الذي كان يُترك

لها في غرفتها دون أسئلة، في النظرات الخاطفة التي لم تستطع تفسيرها،

نظرات تحمل مزيجًا من الفضول والقلق.

إيفان لم يكن رجلًا اعتاد الاهتمام بأحد، حياته كانت مليئة

بالعمل والقرارات الصارمة، لكن هذه الفتاة، بعينيها التي تشعان

بالألم أكثر مما يليق بعمرها الغض، كانت تثير بداخله شيئًا لم يفهمه بعد،

شيئًا أبعد من مجرد الشفقة.

لقد أجرى بعض المكالمات، وبدأ يبحث عن معلومات حولها،

مستخدمًا نفوذه واتصالاته، لكنه لم يجد شيئًا يذكر سوى اسمها الأول

"فيلينا"

من بطاقة هوية قديمة وجدها في حقيبة صغيرة كانت معها، بطاقة بالكاد تظهر تفاصيلها.

ذات مساء، وبينما كانت تقف أمام النافذة تحدق في ظلمة الليل

التي ابتلعت كل شيء خارج القصر، بينما كانت تقف هناك،

تشاهد المطر يتساقط بهدوء لكن بثبات، كانت تتنفس

بعمق وكأنها تحاول استنشاق الحياة نفسها، أو على الأقل ما تبقى منها.

قطرات المطر كانت تتناثر على نافذة الغرفة، تلامس الزجاج بلطف،

ثم تتجمع لتشكل خيوطًا متدفقة من الماء تزيّن المشهد الباهت

في الخارج، كأنها لوحة فنية متحركة.

كانت تشعر بشيء غريب في تلك اللحظة،

وكأن السماء كانت تُرسل شيئًا إليها، شيئًا يعيد لها توازنًا

كانت قد فقدته منذ فترة طويلة، ربما منذ أن فقدت والديها.

في تلك اللحظات، كان صوت المطر هو الصوت الوحيد

الذي استطاعت أن تسمعه بوضوح، صوت منتظم ومطمئن،

كما لو أن العالم بأسره قد اختفى، تاركًا إياها وحيدة مع أفكارها المبعثرة.

كانت قد نسيت آخر مرة شعرت فيها بهذه اللحظات الهادئة،

تلك التي تمنح الروح لحظة للتنفس، لحظة للراحة من ثقل الخوف.

كانت تهتز بين حالتين: حالة من الشوق لشيء غامض

، شيء لم تحدده بعد، وحالة من الخوف من أن تعود إلى ذاتها السابقة،

تلك التي لا تعرف كيف تنجو منها، تلك التي كانت محاصرة باليأس.

إيفان، الذي كان يراقبها بصمت من عتبة الغرفة، يدرك أن شيئًا ما

قد تغير فيها. كانت الفتاة التي تظهر دائمًا كأنها خائفة من كل شيء،

الآن تقف هادئة، متأملة في المطر، وكأنها تكتشف نفسها من جديد،

أو ربما تكتشف جزءًا من السلام لم تختبره من قبل.

اقترب منها ببطء، بخطوات خفيفة تكاد لا تُسمع،

ولكنه لم يكن يريد أن يزعجها. كان يعلم أن هذه اللحظة ليست كغيرها،

لحظة مليئة بالتردد والتغيير، وفضل أن يكون حاضرًا دون أن يتدخل،

حتى تكتشف هي ما تحتاجه، وما يجب أن تفعله.

"هل تحبين المطر؟"

سألها أخيرًا، وكانت نبرته هادئة، غير معترضة على صمتها،

كأنه يشاركها لحظة تأمل لا أكثر.

نظرت إليه بتردد، عيناها تتسعان قليلًا، كان السؤال بسيطًا،

لكنه حمل بين طياته شيئًا عميقًا، شيئًا يتعلق بالوجود والشعور.

ربما كان هو نفسه لم يعرف ما كان يريد قوله في تلك اللحظة،

مجرد محاولة لكسر الجليد.

"لا أعرف... لم أعد أذكر متى كانت آخر مرة استمتعت بشيء كهذا."

همست بكلماتها، بالكاد تخرج من شفتيها، كما لو كانت تعترف

لنفسها قبل أن تعترف له، تعترف بفقدانها للبهجة البسيطة في الحياة.

ابتسم إيفان ابتسامة خفيفة، لم تكن مجرد ابتسامة عابرة،

بل حملت قدرًا من التشجيع. ثم قال بصوت منخفض:

"جربيه."

كان يشير إلى المطر، إلى اللحظة، إلى شيء لا يمكن أن تجده

في أي مكان آخر سوى هنا، الآن، في هذه اللحظة بالذات.

ترددت قليلًا، عيناها تتنقلان بين وجهه وقطرات المطر المتساقطة.

ثم، كما لو أن هناك قوة غير مرئية تدفعها للأمام، قوة داخلية

كانت قد كبتتها طويلًا، اتخذت خطوة نحو الشرفة المفتوحة.

كان المطر يتساقط بغزارة الآن، ولكنه لا يزال يبعث شعورًا غريبًا

بالسلام، وكأنه يغسل شيئًا من روحها. وقفت تحت المطر للحظة،

عيناها مغمضتان، وكأنها تسمح له أن يغسل عن قلبها بقايا الألم والهموم التي تراكمت عبر السنين.

كانت تعتقد أن الأمر سيكون قاسيًا، باردًا، مؤلمًا،

لكنها فوجئت بشعور مختلف تمامًا.

شعور بالتحرر، شعور بأن هذه اللحظة تملك شيئًا جديدًا،

شيئًا غير ملموس، لكنه موجود هنا، تحت المطر.

إيفان، الذي كان يقف بجانبها، لم يقل شيئًا، بل كان يراقبها بصمت،

وهو يشعر بشيء غريب يراوده، شيء يشبه الدفء.

كانت الفتاة التي كانت تحمل الهموم في عينيها،

والتي لا يبدو أن أي شيء في حياتها يمكن أن يغير واقعها القاسي،

الآن تبدو وكأنها تجد شيئًا يعيد إليها الحياة،

جزءًا من ذاتها كانت قد فقدته.

كان يعلم أن تلك اللحظة كانت بداية لشيء لم يكن ليحدث لو لم يكنا هناك تحت المطر معًا.

نظر إليها مرة أخرى، وابتسم برفق، ابتسامة أعمق هذه المرة، مليئة بالرضا.

"أرأيتِ؟ ليس سيئًا، أليس كذلك؟"

لم ترد في البداية، كانت تغلق عينيها لتستشعر كل قطرة

تتساقط عليها، لتتذوق هذا الشعور الجديد. لكنها عندما فتحت عينيها،

كانت ابتسامتها الأولى منذ وقت طويل قد ظهرت على شفتيها.

ابتسامة صغيرة، مليئة بالتردد، لكنها كانت ابتسامة حقيقية،

وصلت إلى عينيها.

"نعم..."

همست بصوت منخفض، كأنها لم ترد على سؤاله فقط،

بل على شيء أكبر من ذلك، على الحياة نفسها.

إيفان كان يقف بجانبها، يتأملها بعمق، بينما كان يلاحظ شيئًا

ما قد تغير في تلك اللحظة. كانت بين يديه قصة جديدة،

قصة لم يكتب لها الفصل الأخير بعد.

وكانت تلك الابتسامة، رغم بساطتها، تعني له أكثر مما قد تبدو عليه،

كانت مفتاحًا لباب لم يعلم بوجوده في داخله. لم يكن المطر وحده

هو الذي غسل شيئًا منها، بل كان هناك شعور غير مرئي،

وكأنها ولدت من جديد تحت قطراته الباردة، وأن حياة أخرى تنتظرها.

عادت إلى الداخل بعد لحظات، قطرات المطر لا تزال تتساقط

من خصلات شعرها المبللة، وعيناها تحملان بريقًا مختلفًا،

بريقًا من الأمل الخافت.

جلست على الأريكة القريبة من المدفأة، حيث كانت النار تتراقص بدفء،

بينما تبعها إيفان، جالسًا على المقعد المقابل، يراقبها بصمت.

كانت هناك رغبة في الحديث تطفو على السطح، رغبة في البوح،

لكنها لم تكن مستعدة بعد لفتح أبواب ذاكرتها بالكامل.

"أعتقد أنكِ بحاجة إلى مشروب دافئ."

قال بصوت هادئ، ونهض ليجلب لها كوبًا من الشاي الساخن من

المطبخ القريب، بخطوات هادئة وحاسمة.

تناولته منه ببطء، دفء الكوب بين يديها منحها شعورًا مريحًا،

شعورًا بالأمان لم تختبره منذ زمن بعيد.

ارتشفت رشفة صغيرة، ثم همست دون أن تنظر إليه، عيناها مثبتتان على السائل الدافئ:

"لم أعتقد يومًا أن المطر يمكن أن يكون... مريحًا."

"المطر ليس مجرد ماء،"

قال إيفان وهو ينظر إليها بتأمل، عيناه تعكسان وهج النار،

"بل إنه فرصة للبدء من جديد. يغسل القديم ويفتح المجال للجديد."

لم ترد، فقط حدقت في السائل الدافئ بين يديها، تفكر في كلماته.

كانت تريد تصديق ذلك، أن تبدأ من جديد، لكنها لم تستطع

بعد أن تتخلص من أشباح الماضي.

كيف يمكن لشخص مثلها،

يحمل هذا العبء الثقيل، أن يبدأ من جديد؟

كيف يمكن للهروب أن يتحول إلى شيء آخر غير خوف مستمر،

وشعور دائم بالتهديد؟

مرت لحظات من الصمت لم يقطعها سوى صوت النار المتراقصة

في الموقد، وأحيانًا صوت خطوات خفيفة من خارج الغرفة،

ربما لخدم القصر. لم يكن الصمت ثقيلًا كما توقعت،

لم يكن يحمل تهديدًا، لكنه كان غريبًا عليها.

لم تكن معتادة على الجلوس في مكان دون أن يكون هناك تهديد وشيك،

دون أن تشعر بضرورة الهرب أو الاختباء.

نهض إيفان أخيرًا، تاركًا الكوب بين يديها، ثم قال بهدوء،

وهو يشير إلى غرفة بجوارها:

"يمكنكِ أخذ الغرفة  إن أردتِ انها مجاورة لغرفتي. ستكون أكثر

راحة لكِ من الأريكة، وفيها كل ما تحتاجينه."

رفعت عينيها إليه ببطء، وكأنها تحاول التأكد من أن كلماته

لا تخفي نوايا أخرى، أن عرضه خالٍ من أي خداع. لم تقل شيئًا،

لكن نظرتها كانت كافية ليعرف أنها لم تفقد حذرها بعد

وأن الثقة لن تُبنى بين عشية وضحاها.

"الباب سيظل مفتوحًا."

أضاف وكأنه يدرك ترددها، مؤكدًا على أنها حرة في قرارها،

وأن لا قيود عليها.

تابعته وهو يغادر، ثم نظرت إلى الكوب بين يديها، إلى الدفء

الذي يشع منه. كانت يداها دافئتين الآن، لكن قلبها لا يزال باردًا،

لا يزال محاصرًا في شيء لم تستطع تسميته بعد، مزيج

من الألم والخوف والأمل الواهٍ.

هل يمكن للمطر حقًا أن يغسل كل شيء؟

وهل ستجد القوة لتبدأ من جديد في هذا المكان الغريب،

مع هذا الرجل الغامض؟

.

.

.

انتهى

اتمنى يعجبكم

نلتقي في البارت القادم احبائي

Love you all

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جُسُورٌ اُحْرِقَتْ

المؤلف 𝓧_𝖆𝖑𝖎𝖎𝖈𝖊_𝓐ⵣ
2025/07/27 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة