02 - صيفٌ مُذِيب.

02 - صيفٌ مُذِيب.

12 0

كانت أصوات الكاميرات والهمسات والضحكات من حوله تضجُّ كخليَّة نحلٍ اشتدّ فيها الطنين.

تتعالى مع الموسيقى المنبعثة من مكبرات الصوت في الخلفية، لتشكِّل مزيجًا صاخبًا من حياةٍ مفرطة التألق، كأنّ كلّ ما فيها وُجِد ليُبهر، لا ليُفهَم.

أما إليان، فكان جالسًا على أحد المقاعد الجانبية، يُقلّب نظره في المكان بفتورٍ واضح، وكأنّ عينيه قد أُجهدتا من التكرار، لا من الدهشة.

وجهه جامد، وملامحه خالية من الدهشة التي يرتديها الآخرون كإكسسوار ضروري لهذه المناسبات.

ثم التفت ببطءٍ نحو ريكو، وقد تسرّب إلى صوته مللٌ ثقيل، يحمل من الضجر ما يكفي لإطفاء وهج عشرين فلاشًا دفعة واحدة:

"رِيكو...لَم يكن هذا ما عنيتُه حين قلت إنني أبحث عن شيءٍ جديد..."

قهقه ريكو، كعادته حين يظنّ أنه يعلم ما يفعل، ثم مدّ إلى إليان كأسًا من الماء، وقال بمزاحٍ وسُخرية.

"أنت كاتب، يا صاح. وروح الكاتب لا تُروى بالكلمات وحدها. تحتاج إلى شرارة. إلى شيء يُوقظها. فـ ماذا لو كانت الشرارة امرأة؟ قد تُلهمك إحداهُن يا راعِي النساء."

لم يضحك إليان، بل اكتفى بتقليب الكأس في يده دون أن يشرب منه، وزمَّ شفتيه ساخرًا، وحدّق في الفراغ أمامه كما لو أن الإجابة على بؤسه كامنةٌ هناك.

ثم همس بنبرةٍ أقرب إلى التفكير منها إلى الحديث.

"امرأة؟ وهل بقي شيءٌ لم يُقال عن النساء؟"

قالها إليان بهدوء، وهو يُقلب الكأس في يده، ثم تابع بصوتٍ خافت يحمل نفورًا من السطحية.

"لا أرغب في الكتابة عن امرأةٍ جميلة من الخارج فقط...الجمال الحقيقي، في نظري، لا يُقاس بتناسق الملامح، بل بنقاء النية، وصدق القلب. ذَاك هو الجمال الذي يلمسهُ الجميع، ويترك أثرًا لا يزول."

ثم تنهد ببطء، كأنه أنهى فكرة ظلّت معلقة في ذهنه لوقتٍ طويل،

"ومن أكون أنا، كرجل، لأُقرر أي النساء أجمل لتستحقّ أن تكون إلهَامي؟"

سكت لحظة، ثم رفع الكأس إلى مستوى عينيه، يتأمله كمن يبحث فيه عن إجابة ما.

أدار رأسه نحو ريكو، ونظر إليه نظرةً طويلة، ثم أردف بنبرة هادئة، ولكن فيها شيء من الحزم.

"كتبي السابقة لم أكتبها لأني فُتنت بجمال امرأة. بل كتبتها لأنني احترمتها، لأنني قدّرتها، لأنني رأيت فيها إنسانًا يستحق أن يُروى عنه. أنا لا أحتاج لوجهٍ ملائكيّ لأستعيد شغفي."

ضحك ريكو مرةً أخرى، لكن شيئًا في عينيه لم يكن ساخرًا هذه المرّة، بل حمل بريقًا خافتًا من التنبّؤ.

"أعدك...إن بقيتَ هنا الليلة، ستمرُّ بكَ عاصفة."

ابتسم إليان نصف ابتسامة، كمن يبتسم لحقيقة يعرفها سلفًا، لا لسخرية. ثُم أعاد بصره إلى الواجهة الممتدّة أمامه، حيث كانت العارضات يسرن بخطًى محسوبة، فوق منصةٍ لا يعلوها سوى الضوء.

قال بصوتٍ هادئ، يختلط فيه التأمل بالتمنّي.

"إن مرّت العاصفة، فليتني أكون حينها غير مستعدّ لها..."

ثم زمّ شفتيه ساخرًا، وحدّق في الفراغ الذي يغلفه ضجيج لا يُلهم. لقد طال بهِ الجفاف...لا جفاف الحبر فحسب، بل جفاف المعنى. كأن الكلمات من حوله تتكاثر، بينما هو لا يبحث إلا عن كلمةٍ واحدة تُنقذه.

منذ زمنٍ لم يشعر بالإلهام، ومنذ زمنٍ أطول وهو يشكّ في وجوده من الأساس.

الوجوه الجميلة لا تحرّك قلمه، والضوضاء لا توقظ فيه إلا مزيدًا من العزوف.

كلّ شيء حوله بدا كنسخة متكررة من نسخة باهتة...

حتى ظنّ أن لا جديد يمكن أن يفاجئه.

لكن الأمر تغيّر تمامًا...حـين دخلت هي.

"ها هي ذا، سُولين."

كأنّ الزمن قد انثنى عند عتبة حضورها، وتباطأت حركة الهواء احترامًا، بل كأن الكون كلّه انكمش لحظةً واحدة ليُتيح لها المرور.

سُولين مونتِـــر.

لم تكن تمشي، بل كانت تنساب كما تنساب قطرة ندى فوق صفحة ماء.

خطوتُها ساكنة، رقيقة، كأنها تمشي فوق غيمةٍ شفّافة، لا تثقل الهواء، ولا تترك خلفها إلا أثرًا غير مرئيٍّ في القلب.

لا تبتسم، ولا تلوّح، ولا تثير الانتباه عمدًا.

كأنّها تمشي داخل قصيدةٍ نُسيت، فجاءت لتُتلى.

وكأنّ شيئًا في روح إليان انتبه فجأة، انتفض، تحرّك من تحت الركام، وأراد أن يكتب.

شعرُها الأسود، داكنٌ كَـ لَيلٍ بلا قمر، طويلٌ ومستقيم، ينسدل بانسيابٍ رقيقٍ على كتفيها، كستارةٍ من الليل، تتهدّل في سكون.

وعيناها...آهٍ من عينيها، كزرقة السماء في ساعة الصفاء، لا غيمة تشوبها، ولا شمس تجرؤ على التشويش على صفائها.

صافيَتان كأنّهما مرآتان تعكسان سكون البحر في الفجر، حين يكون العالم نائمًا، ما عدا الضوء.

ظلّ إليان جالسًا، لا يحرك ساكنًا، وقد ابتلعته لحظة من الذهول الطفولي. لم يعد يسمع ريكو، ولا ضحكات العارضات، ولا أزيز الكاميرات.

كلّ ما كان في عقله هو هي.

سُولين...

"إنهَــا...،" قال أخيرًا، هامسًا كأنّه يحاول إقناع نفسه،

"تبدُو كـ حلمٌ تجسّد في هيئة بشر."

ثم تنفّس بعمق، كمن خرج للتوّ من غيبوبةٍ شعرية، وأدار رأسه إلى جانبه ليشارك انبهاره مع ريكو. لكنّه وجده غارقًا في تأمّلٍ مختلف.

كانت نظراتُ ريكو مركَّزةً على إحدى العارضات الواقفات خلف الكواليس،

أليسيا.

وقفت هناك تعدّل أكمام فستانها، وتُحادث أحد مساعدي الإضاءة بابتسامةٍ عابرة، بينما ريكو يحدّق فيها بصمتٍ مُربك، لا يشبه صمته المعتاد.

لطالما علم إليان أن ريكو يُعجب بها، منذ زمن، وربــما أكثر من الإعجاب.

لكنه يخفي ذلك دومًا، يغلّفه بسخريةٍ معتادة، ويتستّر عليه برداء البرود.

كان يُتقن فنَّ اللامبالاة، لا لأنّه لا يشعر، بل لأنه لم يتعلّم بعد كيف يواجه ما يُخيفه...

لا سيّما حين يكون الجمال جزءًا من سلطةٍ تُربكه.

أليسيا، ببساطتها وجمالها الصامت، كانت تمثّل له ما لا يستطيع الاقتراب منه دون أن يهتزّ توازنه. فهي، في النهاية، إحدى عارضاته. وهو، رغم جرأته الظاهرة، ما زال يخشى أن يُكسر من الداخل.

ابتسم إليان بسخريةٍ خافتة، ثم مال نحوه هامسًا، والعبث يلوّن صوته:

"تبدو جميلًا وأنت تتظاهر بأنك لا تهتم."

لم يردّ ريكو، بل اكتفى بغمغمةٍ غير مفهومة، ثم التفت إلى كأس الماء أمامه، كأنّه وجد فيه مهربًا من افتضاحِ سرٍّ لم يكن يُراد له أن يُقال.

ضحك إليان هذه المرة بصوتٍ مسموع، وكان في ضحكته ارتياحٌ مفاجئ...كأنّ رؤيته لريكو متورّطًا في مشاعر لا يُجيد الإفصاح عنها، قد خفّف من ثقل الصدمة التي هزّت روحه قبل لحظات.

استمرّ العرض بانسيابٍ محسوب، تمشي العارضات فوق المنصة كأنّهنّ خُططن بدقة لتقويم الكون، والأضواء تنصبّ عليهنّ كالسحر، والموسيقى تصدح وتعلو كأنها تُعلن بداية معركة بين الجمال والعقل.

المصوّرون في كلّ مكان، يتنقّلون كالنحل بين الزوايا، يلتقطون الصور لكل فستان، لكل حركة، لكل لمعة على خدّ.

إلا واحدًا فقط...بدا وكأنّه نسي تمامًا سبب وجوده هناك.

كانت عدسته منصبّة في اتجاهٍ آخر تمامًا.

بعيدًا عن المنصة، بعيدًا عن العارضات، نحو امرأةٍ تقف خلف الكواليس، منهمكة في ترتيب الفريق وتنظيم الحركة.

ليلـــى.

قائدة فريق العارضات. بذلة سوداء بسيطة، شعر مربوط إلى الخلف. كانت تُشعّ.

راح يُحدّق بها بعينَيه الخضراوين كمن رأى الملاك جالسًا في اجتماع بشري

'يا إلهِي...لما لم يخبرُنِي أحدٌ قط عن الليدر؟..'

رفعت يدها لتعدّل ربطة شعرها.

'آه...يا لهذه اليد...يا لتلك الحركة...حتى تعديل الشعر عندها يشبه عرضًا فنيًّا. أقسم أن قلبي تمشّى لحظة فعلت ذلك~.'

ظل يُفكر بآبتسامةٍ عريضة بينما ركز على إبراز جمَالها فِي الصور.

ثم اقتربت من إحدى العارضات لتهمس لها بشيء.

'آهه!! لا أعرف ما تقولة لكن إن كُنت مكان الفتاة لوافقتُ فورًا!'

ابتسم، لا إراديًّا، كمن يفكّر بأغنية رومانسية على وشك البكاء، ثم رفع الكاميرا بيدٍ مرتجفة.

اقترب مساعدٌ من خلفه وهمس له

"أنتَ مش بتصوّر العرض؟"

لم يلتفت، بل تمتم دون أن يُغيّر تركيزه

"الناس تُصوّر الأزياء...وأنا أصوّر القدر وهو يعيد تشكيل قلبي~."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

02 | إليان دوبريه ٠ Élian Dupré

المؤلف M.
2025/08/05 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة