01 - صيفٌ مُذِيب.

01 - صيفٌ مُذِيب.

15 0

"سيظنّون أنك مغرور، إن استمررتَ على هذا النحو."

قالها المذيع، نصف مازح، وهو يُقدّم إليه كوب الماء في كواليس إحدى المقابلات التلفزيونية.

نظر إليه إليان بنظرةٍ حيادية، ثم ابتسم ابتسامة بالكاد ترى

"أظنّ أن الظنّ ليس مشكلتي."

ساد صمتٌ خفيف، ثم ضحك المذيع وربّت على كتفه بخفة، قبل أن ينصرف ليُحضّر دخوله.

في تلك اللحظة، جلس إليان على طرف الأريكة الجلدية، يداه متشابكتان في حجره، وعيناه تتأملان الأرضية الخشبية أمامه. لا يزال يرتدي القميص الأبيض ذاته الذي صمّمه له أحد أصدقائه خصيصًا للمقابلات، دون أي ربطة عنق أو زخارف. كل شيء فيه بسيط، أنيق، ومتحفّظ.

ورغم الضوء المسلط عليه، بدا كما لو أن حضوره لا يطلب الانتباه، بل يتسلّل بهدوءٍ أشبه بنسيمٍ بارد في ظهيرةٍ صيفية.

* * *

كان إليان، في جوهره، كاتبًا قبل أن يخطَّ أول جملة.

لم يكن ذلك خيارًا واعيًا اتخذه، بل خيطًا خفيًّا نُسِج في نسيج كيانه منذ نعومة أظفاره. لم يكن كثير الكلام، لكنّه كان يدوّن كل شيء.

ملامحُ المارّة، وصوتُ الريح، والمواقفُ العارضة، ونظراتُ والده الباردة، وحتى صمتُ والدته الطويل في الصباح...كلّها عاشت في ذاكرته، كما لو كانت شخوصًا في حكاية لم تُكتب بعد.

وُلد في بلدة صغيرة في جنُــوب فرنسا، حيث يمضي الوقت ببطء، والسماء أقرب، والناس يعرفون بعضهم بعضًا بأسمائهم الثلاثية.

كان وحيدًا، بمعنى الكلمة؛ الابن الوحيد لوالدين لم يُجيدا التعبير عن الحب، لكنّهما قدّماه بطريقتهما الخاصة: علّمه والده الصمت، وربّت فيه والدته حنانًا بسيطًا.

لم يكن كغيره من الأطفال. لا يركض في الساحات، ولا يصرخ، ولا يتشاجر.

كان يحمل دفتراً صغيرًا في جيبه الخلفي، يخرجه في اللحظات التي يُفترض أن يلعب فيها، ويكتب.

كتب عن قطٍّ ميتٍ وجده في الحديقة، عن وردةٍ نبتت من شقٍّ في الجدار، عن ظلّ المعلمة وهو يتسلل كل صباح على أرض الفصل بهدوءٍ لا يلفت الأنظار...

كان يكتب كما لو أنّه يرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته.

ومع مرور الوقت، لم يعُد أحد يسأله: "لِمَ تكتب؟" صار الأمر أشبه بحقيقة بديهية، كأن تنمو الأشجار نحو السماء، أو كأن الغيوم لا تمكث في مكانٍ واحد.

وعندما بلغ السابعة عشرة، نُشر له أول نصٍّ قصير في مجلةٍ محلية.

لم يكن مميزًا من حيث المحتوى، لكنه حمل توقيعه المتواضع "É. Dupré".

ومنذ تلك اللحظة، بدأ اسمه يسري همسًا بين القرّاء، كأنّ وراء تلك الحروف رجلاً لا يُشبه سائر الكُتّاب.

درس الأدب والفلسفة، لا ليُصبح أستاذًا، بل كما يقول دائمًا، "ليعرف كيف تُصنَع الكلمات من الداخل".

رفض العروض الإعلامية، واعتذر عن الظهور المتكرر، رغم ضغط الناشرين ومحاولاتهم المستمرة.

حتى حين سُئل في لقاءٍ صحفيٍّ نادر.

"لماذا لا تُسوّق نفسك كما يفعل الكُتّاب اليوم؟"

أجاب ببساطةٍ.

"لأني أكتب لأتخفّف، لا لأثقل على أحد."

كانت كُتبه مرآة له.

هادئة السرد، مترفّعة عن الابتذال، لا تتوسّل إعجابًا. كل رواية يكتبها تحمل توقيعه الذي لا يُرى، لكن يُحَس.

يخلط فيها بين الشعر والنثر، بين الحزن المتّزن والفرح المتحفظ، يكتب عن بشرٍ لا يُصرخون، بل يتنهدون، عن حبٍّ لا يُقال بل يُفهم، وعن موتٍ لا يأتي بعنف، بل كإغلاق ناعم لكتاب.

أقام في باريس خمسَ سنوات، ثم عاد إلى الجنوب، ليستقرّ في بيتٍ صغير له شرفة تُطلّ على البحر.

يَشتري قهوته السوداء من المقهى نفسه منذ ثلاث سنوات، يجلس في الزاوية ذاتها، يكتب بخطٍّ صغير في دفاتره، ويبتسم بخجلٍ إن حيّاه أحدهم.

لم تكن حياته مترفة، ولا عزلةً كاملة.

كان يعرف متى يُطلّ، ومــتى يغيب.

يشارك في اللقاءات حين تكون ذات مغزى، ويرفضها إذا ما تحوّلت إلى إعلاناتٍ لما لا يريد له أن يُباع.

لم يكن إليان يخشى الحب، بل كان يخشى أن يصير التعلّق بابًا لفقدٍ جديد. وربما لهذا السبب، آثر أن يكتب عن الحبّ دون أن يعيشه بالكامل، دون أن يُنفقه.

ومع مرور الوقت، غدا اسمه مرادفًا لنمطٍ خاص من الأدب؛ ذلك الأدب الهادئ، العميق، النظيف من الزيف، الخالي من الإبتذال رغم أنّ معظم رواياته تصنّف في خانة الرومانسيات.

كان النقاد يصفون نصوصه بأنها "تُشبه الموج حين يأتي على مهل".

لم يسعَ يومًا إلى الجوائز، ولم يتباهَ بعدد الطبعات أو ترجمات أعماله. ولأنه لم يكن يكتب ليراه الناس، بل ليبصر هو ما لا يُرى، ظلّت أعماله تحتفظ بذلك الوميض النادر؛ مزيج من الصدق، والحنين الذي لا يشِيخ.

لم يتزوّج. لم يُؤخذ بالشعارات، ولا غرق في المواقف الكبرى.

كان يحب التفاصيل الصغيرة، كالأبواب الخشبية القديمة، صوت القطار عند الفجر، المظلات السوداء في الشتاء، الكُتب التي وُجدت وعليها ملاحظات بخطّ يدٍ لا يعرفه.

لم يكن بطلًا مأساويًّا، ولا ناسكًا معتزلاً. كان فقط إنسانًا يرى العالم بعينٍ مائلة، ويكتبه كما لو أنّه يحاول إصلاح شيءٍ انكسر في أعماقه منذ زمن بعيد..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

02 | إليان دوبريه ٠ Élian Dupré

المؤلف M.
2025/08/05 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة