---
يوم لن أنساه في حياتي
حلّ الصباح أخيرًا. استيقظت مايا متعبة ومنهكة، فقد سهرت الليلة الماضية وهي تفكّر كثيرًا في ردّة فعل جدّتها الغريبة.
نهضت من على سريرها بتأفف وهمست:
– يومٌ جديد...
توجهت إلى الحمّام، غسلت وجهها وأسنانها، ثم ارتدت ثيابها المكوية بعناية. كانت مايا من النوع الذي يحرص على مظهره أكثر من أي شيء آخر، لذا كانت تهتم بأن تكون متألقة داخل البيت وخارجه.
بعد أن اجتمعت العائلة على الفطور، نهض كلٌّ منهم إلى عمله، بينما بقيت مايا جالسة تمسك بهاتفها وتقلّب فيه بلا اهتمام.
كانت جدتها تراقبها بصمت، ثم سألتها:
– مايا، هل ترغبين في سؤالي عن شيء؟
رفعت مايا عينيها من على الشاشة ببطء وبرود:
– لا، هل هناك شيء؟ فقط أردت أن أسألكِ... لماذا كنتِ متوترة أمس وتتصرفين بغرابة؟ لم أفهم شيئًا مما قلته، كنتِ تقولين أشياء غريبة.
تجاهلت الجدة سؤالها وسألتها بدورها:
– هل قرأتِ الكتاب الذي أعطيتُكِ إيّاه بالأمس؟
ردّت مايا بتردد:
– نعم... يعني قرأت قليلاً فقط.
نظرت إليها الجدة بشك:
– تكذبين. أنتِ لم تقرئي حتى سطرًا واحدًا.
تنهدت مايا وقالت باستسلام:
– حسنًا، لقد كُشف أمري... لا أعلم كيف عرفتِ، لكن لم أكن أريدك أن تغضبي. على كل حال، عزمت هذا الصباح على قراءته. بالطبع لن أنهيه، فهو كبير، ويبدو مملًّا، لكن أعدك أنني سأقرأه.
قالت الجدة فجأة:
– لا.
نظرت مايا إليها في دهشة:
– ماذا يعني هذا؟! منذ قليل كنتِ غاضبة لأني لم أقرأه، والآن تقولين "لا"؟!
أجابت الجدة بحدّة:
– أقصد لا تقرئيه في الصباح، يا غبية، حتى لا يلاحظ أحد غيابك.
ارتبكت مايا:
– لماذا سيلاحظ أحد غيابي؟! أنا لن أذهب إلى أي مكان.
قالت الجدة بانفعال ونفاد صبر:
– أسئلتك كثيرة! قلتُ لكِ أمس: اقرئي بنفسك وستفهمين، لكنك تعاندين دائمًا!
تنهدت مايا محاولة تهدئتها:
– حسنًا، سأقرأه في المساء... فقط لا تغضبي، رجاءً.
ذهبت مايا إلى غرفتها، أكملت واجباتها ومشاريعها، ثم جلست على أريكتها باستسلام، وقالت:
– أوف... لقد أنهكتني هذه المهام المتراكمة. من الجيد أنني أنجزتها أخيرًا. آه، لقد نسيت... يجب أن أقرأ الكتاب، وإلا ستغضب جدتي، وستنزل عليّ شلالات من التوبيخ!
نظرت إلى الساعة وهمست لنفسها:
– لا بأس... لا أستطيع الانتظار حتى يأتي المساء.
حلّ المساء أخيرًا. جلست مايا على سريرها وأمسكت بالكتاب بلهفة غريبة.
رغم أنها لا تحب القراءة كثيرًا، شعرت بانجذاب غير مبرّر إليه، ربما بسبب طريقة جدتها الجادة.
وقبل أن تفتحه، تذكّرت فجأة أن جدتها أعطتها كتيبًا صغيرًا وطلبت منها قراءته أولًا.
– أين ذلك الكتيب اللعين؟! حقًا، أنا فتاة مهملة... لماذا لم أضعه مع الكتاب؟!
بحثت عنه قليلًا، حتى وجدته أخيرًا.
– هاهو...
فتحت الكتيب وبدأت تقلب صفحاته بسرعة، لكنها توقفت فجأة...
كانت الكلمات بيضاء تماما.
أخذت مايا تقلّب صفحات الكتيّب بدهشة واستغراب شديد، إلى أن وصلت إلى صفحةٍ كُتب فيها بخط واضح:
> "لا تخافي... ولا تخبري أحدًا بما هو سحري.
فهذا سرّ عائلتنا، ومن يفشيه له عقاب... لن يخطر على بال أحد."
تسمرت مايا مكانها، وعلامات الذهول ترتسم على وجهها.
– كيف؟! كيف لكتاب غريب وقديم جدًا، يبدو وكأنه من القرون الماضية، أن يكلمني... ويهددني أيضًا؟!
ازدادت ضربات قلبها، لكنها لم تستطع التوقف.
بسرعة، أمسكت بالكتاب نفسه، ونفخت الغبار المتراكم على غلافه. كان رمادي اللون، عليه أشكال غريبة ورموزٌ بدت لها مألوفة.
– لقد درستُ بعضها من قبل!
بدأت تفتحه بهدوء شديد، دون أن تُصدر أي صوت. لم تكن تفكّر في شيء سوى:
"ماذا سأرى الآن؟"
كان الخوف والذهول والفضول يسيطرون عليها تمامًا، لكن كعادتها... كان الفضول هو الغالب.
وما إن فتحت الصفحة الأولى، حتى خرج منها ضوءٌ أبيض مائل إلى الأصفر، كان ساطعًا بشكلٍ مفاجئ، جعلها تغطي عينيها بكلتا يديها، ثم أغلقت الكتاب بسرعة، وبدأت تلهث محاولة استعادة أنفاسها.
– ما هذا؟! كيف يمكن لكتاب أن يُضيء... وكأنه شمس؟!
رغم ذلك، كان هناك شيء ما بداخلها... يحثّها على الاستمرار.
فتحت الكتاب من جديد، وهذه المرة... استطاعت أن تتحمّل الضوء.
بدأت تقلّب الصفحات ببطء، إلى أن وجدت صفحةً كُتبت عليها كلمات بالحبر الأزرق المتوهّج، وكان الضوء المنبعث منها خافتًا ومريبًا.
لكن ما أرعبها فعلًا... أن الكلمات بدأت تطير في الغرفة!
شهقت مايا، ووقفت مكانها مذهولة، تراقب الكلمات وهي تحلّق حولها كأنها مخلوقات حيّة!
كان الخط عربيًا، لكن الجمل غير مفهومة... ومع ذلك، راحت الحروف تتجمّع معًا من جديد، حتى كوّنت عبارة واضحة:
> "أهلًا بكِ أيتها المالكة الجديدة...
هل أنتِ مستعدة للسفر؟"
مايا أرادت أن تجيب، أن تسأل، أن تصرخ... لكنها لم تلحق.
فجأة، أصبحت الغرفة فارغة.
مايا اختفت.
أين ذهبت؟
وماذا حلّ بها؟
وما هو مصير هذه الفتاة التي لم يكن يشغلها في يومٍ من الأيام سوى العودة من المدرسة والانغماس في عالم هاتفها؟
هذا ما ستعرفه... مايا، في رحلتها القادمة.
retaj ali salah ali