مالِــك .
.
.
لمَ على الكُتَّــابِ أن يكُــونوا أشرَارًا هَكَــذا ؟..
أعْــني، حقًّا يســتَشْهِـدُ عُـدَيّ في النِّـهاية؟ بَــعد كُل ذاكَ الانتِظــارِ وحَــرقِ المشاعِـرِ وإحيائِــها وسَحْــقِها لمَعْــرِفَةِ ما يحدُثُ، يسْتَشـهد؟..
يسْــتَشْهِد بذهابِه للقاءِ حَتْــفِه؟..
بِــحَقِّ اللّٰــه؟!..
الآن فهِمْــتُ لمَ زَيْــد أخذَ يُثَــرثِرُ بِتَذَمُّــر وحِقْـد بالغ لي، لا بَل ويطالِــبُني بكتابَــةِ الجُــزْءِ الثَّــانِي على وجْــهِ السُّــرْعَـةِ أيْـضًا.
صراحَــةً الأحْــداثُ تستَجــذِبُ للقراءة بِشَكْــلٍ لا بأسَ به..
نعم لا بأسَ به..
أيًّا يَكُــن .
أغْلَــقْـتُ الكِـتابَ بينَ يدَيّ، وفَرَكْــتُ ما بَيْـنَ عَيْــنَيّ بِقُوَّة .
" خَـــمْسَـــــةُ مَــلايـِيـــنِ دُولَار. "
هيَ صافِـــي إِيــــرَاداتِ آخِــــرِ رِوايَــةٍ نُــشِـرَت لي - أعْـني هاتِه الرِّوايَــة - فَقَــط خِــلالَ شَهْـــرِهَـا الأوَّل، وهَــذا في الواقِــع... رَقْــمٌ قِيَــاسيّ.
السَّـابِقَــة حازَت على هذا الرَّقَــم خلال ثلاثةِ أشْــهُر.
والأولــى__ لا أريــد البدء حقًّا، لن أنتَــهي.
.
.
صَـــراحَةً، لقَد ذُهِلْـــتُ من كَــمِّ الإقْبَـــالِ المُخِـــيفِ علَـى الرِّواية هذه المرَّة لدَرَجَـــةِ أنَّــهَــا قَدْ صَــارَتْ مَوْضُــوعًا ساخِــنًا للحَدِيـــثِ لدَى الجَمِـــيع، كِبَــارًا، شبَــابًا، نساءً، وحتَّــى مُراهِقـــينَ في المــدارِس!
" قَـاتِلُ الشُّـــهَداء " كــانَ العُنــوان، وَلوحْــدِه سَبَّــبَ جَدَلًا ضَخْــمًا على مواقِـع التَّــواصُل الاجتماعِــيّ. أنا - كَعــادَتي - لَم أهتَــمّ بالأمر، لكــنَّ زيْــد أصابَــني بِصُداعِ المَفاصِــل لكَثْــرَةِ ما تَــكَلَّم عنْــها مَعِــي، أخبَــرْتُه آخـــر مرَّة أنِّــي سأحْشــو الكِـتابَ في فَمِــه إن لم يَخْــرَس فأخَــذ يتذَمَّــرُ بدرامِــيَّة شديــدَة جَعَلَتْـني أُفَكِّــر في ماذا سيَحْدُثُ إن رمَيْــتُه من الطّابَق السَّبــعين.
سيَتَــهَشَّمُ رأسُــهُ الأحْــمَرُ بالطَّــبْع.
...
ماذا؟!
خدَّامُ والِدِه أنا؟! فليــذهَــب للــ__ـجَــنَّـة.
نعم. يا ربِّ خُذهُ للجَــنَّة وأَرِحْــني منه .
ألا يكْــفـي أنَّه الوَحِــيدُ الذي يَعْلَــمُ بأَنِّـــي الكاتِـــبُ لَيْــل؟..
بالطَّبْــع لم يعْلَــم طواعِيَــةً منِّــي، فَهُوَ الشَّــخْصُ الذي يتَكَفَّــلُ بإيصــال ما أكْتُــبُ لدارِ النَّـــشْر؛ أي أنَّــه يسَاهِــمُ في الحِفاظ على سِرَّيَّــة كونــيَ الكاتِــبَ المجهُــول.
الكاتِــبُ ذُو لَقَــبِ " لَيْــل " الأكْــثَرُ شُهْــرَةً عالَمِيًّـا، والرَّجُــلُ الأكْــثَر غموضًـا في عالَــمِ الأدَب، ولا أسْــتَبْعِـد وجودَ بعض المعجــبيـن قد بدأوا بتشكيــل لجنات تحقيــق لكَشْـفِ هويَّـتي التي صارَتْ تُــؤَرِّقُ بالَ الكثيــرين، لدَرَجَــةِ انتِحالِهِــم لها بُغيَــة الشُّــهْـرة، وهذا ما حَصَــلَ بالفِعْــل، فقَــد أتى زيْــد قبل فَــتْــرَة ليُخْــبِرَني أنَّ الأمْــرَ لم يَــعُد جَيِّــدًا السُّكُــوتُ عنه؛ فقَــد بدأ ذلِكَ يُــؤَثِّـر بشَكْـل سلبِــي على عُقُــولِ النَّاشئــين، أيْ أنَّــها فُرصَــة سانِحَــة لكُلِّ من يريــدُ الشِّهــرَة ولو بالكَذِبِ والاحتِــيال. يا للإزْعَــاج.
لا زِلْــتُ أُؤْمِــنُ أنَّ هذا الجيــلَ فاسِــد ويَزدادُ فسادًا.
في النِّــهايَة اضطّرَّنــي الأمْــر - وبَــعْدَ إلْــحاحِ زيْــد المُضْــني - إلى ابْــتِكَــارِ طريــقَـة تُخْــرِس أفواهَهُــم أو على الأقَلّ، تحُــدُّ من احتيالِـهِمِ الواضحِ للأَعْــمى. أنا لا أهْــتَمّ، أقْــسِمُ أنِّــي لا أهْــتَمّ لكنَّــهُ زيْــد الذي خرَقَ طَــبْلَةَ أذني وهو يُـقْــنِعُني بِفِعْــلِ شيء فالصَّــحافَةُ الغَثِــيثَة تستَلِذُّ بهذه اللُّعْــبَة التي عنوانُــها من هوَ لَيْــل، يقول أنَّــهُ يعْــلَمُ أنَّ رأْسِــي يسْتَــطيعُ إخْــراسَهُم كما لِسانــي الحادّ.
أيًّا يَكـُــــن.
أخْــبَرْتُــهُ أن تقومَ دارُ النَّــشْـرِ بِإنشَــاءِ موقِع خاصّ، أو صَفْــحَـة خاصَّة، تَسْتَــقْـطِبُ كُلَّ من يدَّعِــي أنَّــه أنا - يا للسُّخْــرِيَة - على أساسِ أنْ يُجيــبُوا على سؤالٍ واحِــدٍ فقَــط، والذي ستَدَّعــي دارُ النَّشْــرِ أنَّــها وحدَها تَعْلَــمُ إجابَتَــه؛ حيث أنّ ليــل الحقيقي - الذي هُوَ أنا - قد دسَّ إجابَــة هذا السُّــؤالِ بيْــنَ السُّطــور في إحدى كتابَــاتِهِ وهُم قد اكْــتَشَفوه، وطَبْــعًا ليْـل يعرفُ بالأمْــر لكنَّــهُ سيردُّ ليُثْبِــت جدارتَــه وما شابَه. وستُعْــلِنُ دارُ النَّــشْرِ منْ ليْــل الحقيــقِيّ بناءً على الإجابــاتِ لاحِقًا.
لاحِــقًا تعنــي لاحِـــــقًا جدًّا... وإلى أنْ يَكْــتَشِفَ ذكِــيٌّ ما الأَمْــر ويُحاوِل دحضَــه، سأحْــظى بِبَعْــضِ الهُــدوء.
آه وطَبْــعًا، كَــيْ لا يَبْــدو الأمر كمُــسابَقَــة أدَبِيَّــة خَيْــرِيَّة بَلْ كفُــرْصَـة لرَدْعِ الحَــمْقى الكاذِبيــن، يجِــبُ على كُلِّ مُشْـتَرِكٍ - مُدَّعٍ - أن يدفَــعَ مائـة دولار لِقاءَ كتابَــةِ رَدّ وأنْ يُوافِــقَ على تَحَــمُّل نتائِــجِ كَذِبِــه، ليعرِفــوا أنَّ الأمْــرَ ليسَ مزْحــة وليسَ لكلِّ من هبَّ ودَبّ.
أخبَــرْتُه أيْضًا أنّــي لم أقل له أن يفعل هذا مُسْــبَقًا لأنَّني أعْــلَمُ أنَّ نهايَــةَ هذا الأمْــرِ ستكونُ كَشْــفَ حقيقَــتي، لكن ما باليَــدِ حيــلَة فأنا أكْــرَهُ الصَّــحافَةَ خصوصًا المُتَطَفِّــلين ولن أدَعَهُــمْ يستَمْــتِعونَ للأبَد.
.
.
.
وَ __ نَــعَم.
أشْــعُـرُ بالنُّعــاس.
تَبًّا لقَــدْ قَضَــيْـتُ اللَّيْــلَ بِطولِــهِ وأنا أقرأ روايَــتي دونَ أن أشْــعُر، بِنَفْــسِ الجلسَــة، جَسَــدي سَيَتَــبَرَّأُ مِنِّــي ولا بأسَ بِذَلك...
حدَّقْــتُ بالغِلافِ بشُرود.
أرى انْــعِكاسَ عُــدَيّ مُتَجَلِّــيًا بِفَخــرٍ غريــب، أستطيــعُ سماعَــه يَقِــفُ أمامَ صديــقِـهِ في اللَّحْــظَةِ الأخِــيرَةِ قبْلَ الاشْتِبـاكِ المُــرْعِبِ الذي يَزْحَــفُ نحوَهُــم كثُعْــبانٍ مَلْعــون، لكِنَّه لم يتأثّـر كأنَّـه خَبِــرَ كل تلك الظّروف وأكْــثر... مُغبَرَّ الوَجْــهِ مُلَطَّــخًا بالدِّمــاءِ مُتْــعَبَ المُحَيَّى حامِلًا سِــلاحَـهُ على مِنْــكَبَيْــهِ كان، يُحَدِّقُ بِشُــرودٍ كما أفْــعَلُ لكِن بِنُقْــطَةٍ وَهْــمِيَّـةٍ في الأُفُق، بعيــدَة جدًّا، كأنَّــهُ ينظُــرُ لي أنا. تَفْــتَرُّ شِفَــاهُه المُتَقَــرِّحة عن بَسْــمَةِ تَعَب ثُمَّ يُطْــلِقُ سراحَ حروفِــه بهُــدوءٍ شديد:
{ حياتُـنا تَبْــقى كما هِيَ، نَحْــنُ من نتَغَيَّــر. لا تُقْــنِعْـني أنَّ شَخْـصًا ما، أتى يحمِــلُ طاقَـةََ من نَوْعٍ ما، سيُنْــعِشُكَ أَو يُــرديكَ فجأة. أنتَ وحْــدَكَ من يعرِفُ ماذا تُــريد، وكَــيْفَ الذي تُريــد، وماذا يجبُ علَيْــكَ لتَكُــونَ ما تُريــد }
ثُمّ أغْــمَض عينيه وفتحهما ببطءٍ كأنَّــه يعتَرِفُ لنَفسه مرارًا وتكرَارًا بنفس الحقيــقَة... :
{ أنا لم أختَــر يومًا أن أكُـــونَ عُــدَيّ، لكِنَّــني اختَــرْتُ وبكامِــلِ إرادَتي أن أكُــون قاتِــلَ الشُّــهَداء }
شخَــصَ بصَـرُ صاحِـبِهِ وقَبْـلَ أن يستَـوعِبَ ما نَطَقَ بِهِ باغَتَهُـمُ الالْتِــحام المَجْــنون ...
ولا زِلْــتُ أشْعُــر به...
يُحَـدِّقُ بي...
ويَبْتَسِم..
.
.
.
.
.
.
.
تنَهَّــدتُّ أفْــرُكُ المنْــطقَةَ ما بَيْــنَ عَيْــنَيّ وأَعُــودُ لوَعيِــي بعد أن سَرَحْــتُ للَحْــظاتٍ في الرِّوايَــة.
رمَيْــتُها جانِبًا__ حيثُ السَّــرير بينَــما أُبَعْـثِرُ شَعْــري.
أيًّا يَكُــن.
نهضــتُّ بتمَلمُلٍ شديدٍ أتثــاءب بِكَــسَل بيــنما أمدّ عــظام جـسـدي للأمام تارةً والخلف تارةً أخرى أُحَــرّكها، وأسمعُ صوت تطَــرقعها ..
لها كامــلُ الحقِّ بذلكَ أنا لـن ألومها، فأنا على نفــسِ الوضـعِيّةِ منذ ستّ ساعاتٍ مضَــت.
أيًّا يَكـُــــن مُجَدَّدًا.
اتّجهتُ نحوَ فراشِـي أخلع ما أرتديــه بتثاقُل، أحتاج حمّامًا سريعًا، دافئـًا وطويــــلًا كطولِ ليالي ديسـمبر. تناثَــرت قطَعُ ملابــسي على الأرضِ - لن أضَعَــها على فراشي طبعًا - بإهمال: الهودي الأسود الذي يزيّنُ ظهره علامة ماركـةٍ عالميّة نسيــتُ ما اسمــها ولا يَهُمّ، التّيشرت الأبيض الذي أرتديه تــحتَ الهودي و__ الباقي سأخلـعهُ في الحمّام.
خلَعْتُ ساعَتِي أيـْـضًا ووضَـعتُها على المِنْــضدة، اخترتُ ما سأرتديــهِ لاحِقًــا بعَشْوائِيَّــة وسرعَـة بسبَـب الضّوء الخــافتِ لِلغرفَةِ ثمُّ دلفتُ للحمّام.
.
.
.
.
آه. حقًّا احــتجتُ لذلك .
ساعَــة وَثلاثةَ عشر دقيقة هيَ كلُّ ما استغرقتُهُ في الدّاخل، الأمرُ يسـتَحقّ؛ فأنا أشعر بالانتــعَاش .
سرتُ مغمَضَ العينيْنِ أمرّرُ المنشَفَــةَ على رقَبَتــي قبل ترْكِــها تستقرُّ هناك كيْ تستقبِلَ قطَراتِ الماءِ الهارِبَــةِ من خصلَات شعرِي الأسود النّاعِمة.
إنَّنـي عاري الصدرِ حاليًّا، فَلَم يعجِبْنِي القميــصُ الأصفرُ الباهِت الذي وقعت يدي عَلَيْــه، لا أعلَم أصلًا ما الذي جلب هكذا لــونٍ مؤذٍ إلى خزانَـتِي... مع أنِّــي أشكُّ بشخصٍ ما لكِن دَعْــني منه لا يهُمُّ في الوقتِ الرّاهِن؛ فأنا أحتاج لشيءٍ داكِن، مريحٍ لعُيونــي ويناسِبُ شخصًا باردًا مثـلي .
في طريقي لدولابِــي توقَّفتُ قليـلًا.
حـسَنًا .
أنا جذّاب .
رفعتُ زاوِيَــةَ فَمــي بغرورٍ في محلِّــهِ بِكُلِّ تأكيد، أطالِعُ جَــسَدِيَ الريّاضيَّ في المرآةِ الطويلةِ المُضاءَةِ حوافُّها والمَرْكونَةِ إلى جانِبِ الشّاشَة كجزءٍ من الدِّيــكور أمامــي. عَضـلاتي ليسَت بالبارزة بِشَكلٍ مقزِّزٍ أو مبالغٍ بِـه، فقـط، عضَــلات طبيعيّـة منحوتَـة بِـاتِّزان بِفَضْلِ التمارين الرياضِيَّـــة المستمرَّة، قامَةٌ طويلــة وبَشْرةٌ بيــضاءُ تميلُ للشُّحـــوب.
الحَمْد للّٰهِ الذي وَهَبَـــنِي جَسَدًا صحِيـحًا .
والآن لنرَ ما لدَيْــنا .
هودي رياضِي آخــر ؟ لا مانِــعَ لديَّ صراحةً .
ارتديتُ واحــدًا أسودَ ذو أكمامٍ بيضـــاءَ كما القُلـنسُوَة. البنطال الرياضيُّ الذي اخترتُه بعشوائيّة سابــقًا يفي بالغَرض بل وأنَّهُ مُخطَّط بنفسِ لونِ الهودِي أيضًا .
أملِـكُ ذَوْقًا رفيــعًا، أنا أعــلَم .
رششتُ عِطْري ومشّطتُّ شعــري ببطء وتمعُّن. لبستُ ساعَتي الفضّيَّة مجددًا قبلَ أن ألقِيَ بنفسي على الأريـــكَة بكَسَل.
لا شيءَ لديَّ أفعلهُ حاليًّا، أشعر بالمــلل .
هل أكتُــب؟..
قلبتُ عَيْنَيّ أضع ذلكَ كخيارٍ أخيــر.
هلْ أعبث بالهاتِــف؟..
لا رغبَـةَ لديّ.
هَــل أذهبُ بجَوْلةٍ بداخِلِ الـفيــراري؟..
كَي ينــتهيَ بي الأمرُ ملاحَقًا من الشُّرْطَــة، لا شُكـــرًا.
لديَّ مئات الخيــاراتِ لكن لا يبدو أنِّي سأختارُ واحدًا ..
.
.
كَــمِ السّـاعَةُ الآن؟..
جذبــتُ نحوي ساعَــتي وناظرتُ عقاربَها اللامِعَة: إنّها الثالــثة فجرًا .
تنهَّدتُّ بعمــق .
لأصَلِّي ركعَـــتَيْن للّٰه.
.
.
.
.
.
.
📩 » هَـــل تشــعُرُ بالوَحْــــدَةِ أيُّها اللَّيـــل؟..
وصَلَني الإشْعارُ على الهاتِــفِ بعْدَ وقتٍ ليسَ بالطويلِ من آذان الفجْــر. كنتُ لا أزالُ جالِسًا على سجّادةِ الصَّــلاة، قَبْلَ أنْ يأخُذَني عقلــي بعيـــدًا في جولةِ تحديقٍ أبطالُـها النُّجومُ، ثُمَّ السُّــحُبُ التي بدأت تتَسَلَّلُ نحوَهــا.
وما أيْقظَنــي من شرودي كَــان صوتَ الإشْعار.
نسيــم الفجرِ البـارد والمُنــعِشُ يداعبُ بَشــرتي بهدوءٍ جــميل، لستُ أعــلمُ ما نوعُ الصَّفاء الذي يلامِسُنــي الآن... أَهُوَ تأثيــرُ لونِ الفَجْرِ في صفْحَةِ السّمــاء على الرُّوح؟.
رُبَّمـــا.
📩 » الجَميــعُ يَشْعُرُ بالوَحْـــدَةِ في أعماقِـــهِ مهمــا أَنْــكَر، يا فَراشَــة.
أرْسَلْتُ هَذا الردَّ على التَّطبـيق، قَبْلَ أن أقفِلَ الهاتِفَ وأذهبَ للمَسْجِـد للصَّلاة. أعْلَمُ أني إذا ما بقيتُ فسنتحدَّث مطَــوَّلًا، وهذا قدْ يجــعلني أؤَخِّــر الصَّلاة.
لسْتُ بهَذا الالتزام، لَكنّني أدعُو اللّٰه أن يرشدَني وَيثبِّتَني على الطَّريــقِ الصَّحيـــح.
.
.
ارتدَيْتُ حذائيَ الأبيَض مغادرًا المَســجِد، لا أشْعُرُ برغبةٍ بالْعَــودَة للڤيلّا. سأركُضُ في الشّوارِعِ المطلَّةِ على البَحْرِ قليلًا.
أخرَجـــتُ سمّاعاتي لأضَعَ واحدَةً في أذني، وأشَغِّلَ أُغْنِيَةَ " فاضـي شويَّة؟ " ثمَّ أضع هاتفي في جيبِي وأبدَأَ بالرَّكْــض.
أركُـــض .. وأركُـــض .. وأركُـــض ..
ثم أتوقّفُ لالتِقَــاطِ بعْضِ الأنـــفاس، ثمَّ أتابِـــع.
تبًّا .
لماذا اختَــرْتُ هذه الأُغْنِيــة؟.
.
بعدَ برهةٍ منَ الوَقـتِ توقَّفتُ؛ فقد راقَ لي مظهَــرُ السُّحــبِ السّوداءِ تتَكدَّسُ في الأفُقِ تتأهَّــبُ لسَكْــبِ دموعِها قريبًا. لم أستطِعْ منعَ نَفــسي من السَّرَحانِ طويـــلًا هناك، لكنَّ جملةَ فراشــة تلكَ لا تزالُ تعبثُ بعقلي.
✉️ » هَـــل تشــعُرُ بالوحْــــدَةِ أيُّها اللَّيـــل؟..
✉️ » الجَميــعُ يَشْعُرُ بالوَحْـــدَةِ في أعماقِـــهِ مهمــا أَنْــكَر، يا فَراشَــة.
وجَدتُّ نفْسِــي أحدّق بالرِّسالَتَيْــنِ بصمتٍ غريب. حواجبي معقودة، أشْــعُرُ بالانزعاج وأعتقدُ أنَّني__ أعرِفُ السَّبــب.
ألم تعْطِهــا إجابَتِـــي ما تريـــدُه؟..
وفي وســطِ تحديــقـي بالرسالَتَيْن، خَطَرَ الإشْعارُ فجأةً:
📩 » هذا عُــذْرٌ لتُقْنِعَ نَفْسَكَ أنَّــه لا بأسَ بِهذا الشُّعور . أوَلَيــس؟..
رفَعْتُ زاويَةً واحدةً من فمــي.
📩 » بَــلْ حقــيقَةٌ نَفْســي مقتنِعَــةٌ بِها. الوحــدةُ ليســت بهـذا السُّوء، البَشَر فقَـــط يهوّلــونَ كلَّ شيءٍ يَضُرُّ أنانِيَّــتَهِم.
بدأ الاهتمـامُ بمحادثَتِنا العلَنيَّةِ يزداد، والكثيــرُ من التّفاعلات تظْهَــر، في النّهايــةِ لم تكُنْ فِكْــرَةُ عَمَل التطبـــيقِ بهذا السُّوء.
في الحَقــيقَةِ هو جيِّد.
تطبيق { هَلْ؟ } تقومُ فِكـــرتُهُ على بدايَةِ محادثاتٍ علَنيَّة بين اثنَيْــن يراقبُها النّاس، تبدأ المحـادثة بهل، وفي الأغْلَــبِ تكونُ مناظَــرةً أوْ عرْضَ وجْهــاتِ نَظَــر، ويَقَعُ على المراقِبــينَ الإعجابُ بصمتٍ بفكرةِ أحدِ الطَّرَفَــــين.
التطبيقُ ليسَ بهــذهِ الشُّهــرَة لأنّ المحادثاتِ فيهِ ليســت خاصَّة، يعنــي لا يمكِــن التحدُّث بألفاظ نابــية أو معيــبة أخلاقيًّا حسبَ سياسَة التطبيــق خلالَ الحديــث، وطَبْــعًا، ليْسَ كلُّ النَّــاس يحبُّون ذلــك، وأصابِعُ كفِّــكَ ليست واحِــدة.
في البدايَـــةِ لَمْ أكُن مهتمًّا، ولَم أحادِثْ أحدًا، فلا أحدَ استطــاع جذبــي بأفكَــاره. إلى أن ظهَــرَ المستَخدِم " فَراشــة ". لا شيء ولا ومعلــومةَ تظهَرُ في صَفْحَتِهِ الشَّخصيَّةِ عدا اسمِه، مثلي تمــامًا، لا شيءَ يظهَرُ سِــوى اسم المســـتخدِم الخاصِّ بي : " لَيْل ".
وبالمناسَــبَة، أستعمل صيــغةَ المؤنَّثَ معه لأنَّ الفراشَــة أنــثى.
أعنــي حقًّا، أيُّ ذَكَــرٍ ذا الذي سيُسَمِّــي نفسَـه فراشَــة ولو من بابِ الاســتِعارَة؟.. لا أقــصِدُ الإهــانَةَ لكِــن فَلْيُــراجِعْ رجــولَتَه.
عُـمومًا لا يهمُّ مَـن هوَ الشّخْصُ بقَدْرِ ما هوَ مهمٌّ مــا يحــويهِ رأســه.
.
.
أظنُّ الأمر بدأ بتعلــيق فرَاشَــة على كلماتٍ كتبتُــها، تجاهَلتُــها بدايةً لكنَّ كلماتِهــا جذبَتــني، ولن أنكِرَ أنّ محادثاتِنَا العلَنيـَّـةَ صارتْ مشهورةً جدًّا لاحِــقًا.
كمــا الآن بالضَّبــط .
📩 » إذًا أنتَ من مؤيّدي مقولَةِ أنَّ اليدَ الواحِــدَةَ لا تصَفِّــق، لكِنَّــها تمسِكُ كـــوبَ قهْوَة؟.
قرأتُ ردّها سريــعًا وزادَت زاوِيــةُ فمِــي ارتِفاعًــا.
أستطــيعُ تخيُّل كم أنَّ فراشَــة شخــصٌ هادِئ، يســحَبُ الكَلامَ بِبراعَــة مِن الشخصِ الذي يُكَلِّمــه، يضبِــطُ انفعالاتِــهِ بابتِســامة غامِــضَة كمَــا أتخيَّــل، يســتمعُ باهتمام، ينتقــي أحرفَه بدقَّة متناهِيــة ويركِّز على الأوتــارِ الحسّاسة ليحلِّلُ شخصيَّــة من يكلِّمهُ من خلال حديــثه.
تروقــُــني شخصيّة فراشــة كثيــرًا.
📩 » برأيكِ ما الأفضل يا فراشَــة: تصفيقٌ مزعِجٌ أمْ كوبُ قَهْوَةٍ هادِئٌ مثلُكِ؟.
مع أنّي لا أحبُّ القَــهوة لكن نَـعم، قصدتُّهـــا.
كنتُ أتمشّــى بينَــما أراها قد تفاعَلَــت بـ ' أضحكَنــي ' على الرِّسَــالة ليـظهَــر شبَحُ ابتسامــةٍ على وجهــي سرعــان ما اختـفى، الإعجابــاتُ ملأت الرسالــةَ وأتوقّــعُ أنَّهــا تكتُبُ ردًّا الآن.
📩 » مِـثلي ومِثلُكَ لَيــــل ؛) .
وغمزةٌ أيــضًا يا فراشَــة؟..
هيَ تقــول أعلمُ أنَّــكَ هادئٌ مِثــلي.
قلبــتُ عَيْنَيَّ على شِبــهِ الابتــسامة وعلى تفاعلِ الـ ' أوافقك ' الذي تفاعلــتُ بهِ على رسالَــتِها، ثمَّ أغــلَقْتُ هاتِفي ووضَــعتهُ في جيبِ الهودي .
وجدتُّنــي أتوقَّــف أمام محلٍّ قريــبٍٍ من الڤيلّا لأشتري مشروبــًا أروي بهِ عطَـشي وبِضْعَ حاجيّاتٍ أخــرى، وضَـعْتُ القلنسُوة على رأسي ثمَّ دخلــتُ لأجدَ صاحِــبَ المحلِّ يُرخـي ظهرَه على الكرسيّ ويشبكُ يدَيــهِ وينزِلُ قبعةً على وجهـه، ما شــاءَ اللّٰه يبدو نائمــًا بعمق.
سَخِــرتُ في نفــسي أدسُّ يديَّ في جيوبــي وأتّجِهُ نحو ثلّاجَــةِ المشـــروبات أناظرُهــا بتفحُّــص، يوجدُ الكَثيـــرُ من المشروبـات المثلَّجة هنا، تقريــبًا جرَّبتُهــا جمــيعها عدا بضعَةِ أصناف لا تناسِــبُ ذَوْقي كالـــقَهوَة.
فَتَــحتُ بابَ الثلّاجَــةِ أمدُّ يدي نَحــوَ شرابِ العِـــنَبِ كما اعتــدْتُّ، جذبــتُ قارورةً بيدي وأغلقتُ البــاب ورفـعتُ حدقاتي لأجدهــا أمامــي.
رائحةُ العِطْرِِ الجوريِّ هاتِه التي ملأت حويْصِــلاتي الهوائيَّــة...
ترتدي ذلكَ المعطف الطّويــل الكراميـليَّ الفاتح، خلــفه اســتقرَّ قميصٌ أبيــضُ بياقــة. شعْــرها البــنيُّ كان معْــقودًا على شَكــل ذيلِ الحصـــان خلــفها بشريطـةٍ بنفــس لون المعــطف، غرَّتها تمــرّدت رِفْقَـــة خُصــلاتٍ أُخَرَ على جبيــنِها، وعيــونها..
عيونـُـها عالَــمٌ آخَر.
آسِـــرَة.
ما الذي تَــفعله امـرأة جميــلَة مِثلـها وحيــدةً في هذا الوقــتِ هنــا و__ رمَشــتُ مرّتَيْنِ باستيــعاب.
إنّهــا غريــزَتي ككَــاتب، تِلْكَ التــي تَجْعَلُنِــي أركِّـز بهــكذا تفاصيــل. أنـا حتّى لَم أتحدّث حقًّــا بباقــي الأشيــاء التي ركَّزتُ بـِهـــا وتجعلُــني أبدو كمهــووسٍ ربّما أو مراقبٍ غريــبِ أطوار.
زفــرتُ بعمــقٍ أغمِضُ عَيْنَيَّ ثمَّ أشيـــحُ بِبَصَرِي جانِبًــا، أسْمَــعُها تُغْلِقُ البــاب وتبتعِــد.
لِــنَعُد إلى المُشتَـرَيات. ماذا كنتُ أريـــد؟.
.
.
.
.
بحقِّ اللّٰهِ يا رجــل . أمــا تزالُ نائــمًا؟.
تنهَّدتُّ بانزعــاج أتناوَل ماسِــحَ المُشْتَريـــاتِ أضَعُ ما ابتعْتُ علَيْهِ ثمَّ أرى السِّعــر، وضَــعْتُ الثَّمَن على الطّاولَة وغادرتُ بصَــمْت.
بمجرَّدِ دخولــي الڤيلّا اهتزّ هاتِفــي بنغمةِ الرّنيــن. قلبتُ عَيْنَــيّ حين قرأتُ اسمَ المتّصل. ما الذي تريــدُهُ منّي يا زيْــد؟ لستُ متفرّغًــا لقِصَصِكَ أنتَ والشَّرِكَـــة منذ الصّبــاح.
تجاهَــلتُ المكالمَــة طبعًا.
وضَعْتُ المشترَيــاتِ جانبًا في المطبَخْ، أخذْتُ صَحْــنًا وَملأْتُه بالكوكــيز إضافَةً للمشــروبِ الذي اشتَــريتُه مُسبَقًا واتّجهــتُ نحوَ غرفةِ النَّّــوم.
إلـهي. هذه الكوكــيز لذيــذةٌ بحقّ.
تناولْــتُ قضمــةً أخرى أســتمتِعُ بمَــذاقِها الرائعِ داخِــل فمي، قبل أن أشرب من القهوةِ المثلّجـــة.
إلهي مُــجددًا. طعمُهــا ليسَ سيــئًا كمــا ظنَنْت، بل على العَكــسِ تمامًــا.
أظنُّ ذوقَ تِلــكَ المرأةِ ليــسَ سيِّئًا أيــضًا.
.
مـــاذا الآن؟!.
قَضَمتُ باستــيَاء أعقدُ حاجِبَيَّ أرى رنينَ الهاتِــف يعــلو مُــجدّدًا. طبـعًا مع تجاهُــلِ سبْعِ مكالمــاتٍ فائتة من زيْـد.
لحــظَة، المتَّصــلُ هو__ هـيَ أمِّــي العَزيــزة.
قطَّــبْتُ حاجِبَيَّ.
إنَّــها المرَّة المائَة لهــذا الأسبـــوع. كيف تستطـــيعُ الحُصول على رَقَــمي الذي أُغَيِّرُهُ في كُــلِّ مـــرَّة؟.
يا فــتّاح يا عليــم .
استلقَــيتُ على السريرِ بإهمالٍ أتابِـعُ مضغــي للطّعام وأفتــحُ الخطّ بعدَ دقائــقَ عِدَّة، أقدامــي لا تزالُ تلامــسُ الأرض وعيونِي تحدِّقُ بالسقفِ بشـرود.
_ صباحُ الخَيــرِ بُنَيّ.
أتانــي صوتـها، بنبـرةٍ تخفي التوتُّــر وتدّعـي الثبات والاطمئنان، أعــرفها جيِّــدًا ، فلطالَمـا سمعتُهــا قبْلًا..
لكن وبشكــلٍ غريــبٍ هذه المرَّة، لمْ أنزعِـج، لم أتنهَّــد أو أزفُر باستيــاء.. أشعر ببــرودٍ شديــد فقــط.
بـــرُودٍ مُخِيـــفٍ يشبِهُنــي لحدٍّ مــا.
_ لــن آتـِيَ سيِّدَة رَحْمَــة، لا تحاولــ__
_ صَبــاحُ الخَيْــرِ بُنَيَّ مالِـــك .
جاء صوتُهــا مرتعِشًا في نِهــايَتِهِ هذه الـمرَّة، فتنهَّدتُّ.
قلتُ أنّنــي لم أتنهَّد وتنهّدتّ.
هذا مزعِــج.
_ صبــاحُ الخَيْــرِ لكِ أيــضًا.
نبستُ بنبرة خاليَـة من أيّ شيء بعدَ فترةِ صمتٍ ليستْ بالهَــيِّنَة.
_ هَلْ تناولْتَ فطوركَ؟..
أتانــي سؤالـها الذي حتمًا نهايـته تعال لعِندنـا.
_ أتناوَلــهُ حاليًّا.
رددتُّ بينـما أبتَلِعُ قطعةً أخـرى وأحدّق بالسقفِ بلا هدَفٍ يُذكَــر.
_ ماذا تأكل؟ أأنــتَ مستلقٍِ؟ كُلْ وأنتَ جالسٌ، كم مرَّةً نبَّهــتُكَ، ستختنـِــق!
ظللتُ صامتًــا، لم أردّ، هذا الاهتــمام لــستُ أريــده، كما لستُ أستحقُّــه، هذهِ النَّبــرةُ ليست لي، إنَّهـا غير مألوفــة، هذا القلــق غيـرُ مبرَّرٍ أبــدًا.. سخِرتُ في نفسي ورفعتُ زاويـةَ فمي الممتلئ بالكوكــيز..
ما الذي جدَّ؟ لا شَــيء.
أنهيتُ آخر قطعةٍ كانت معي، لم أستغرب من كونِــها تـعرفُ أنّي مستلقٍ، لقَــد فعلـتُهـا سابِقًــا، وكثيــرًا، من باب العِـنادِ لِــنفسي طبعًا.
على كلٍّ.
_ ماذا تريـديـن منّي سيِّدة رحمــة؟..
تمْتَـــمْتُ أخيـــرًا بنبــرةٍ خافِـتة، شارِدة، كأنَّــها أفلتَــت الحروف بصعُوبــةٍ بالــغَة بَعْــد جدالٍ طويــلٍ معَ الصَّمــت...
_ عَلَــيْكَ المَــجِيءُ لِــهُنَا مــالِك. إلى مَــتى سـتَــبْقى مُنْزَوِيًـــا عَلــى نَفْسِــكَ فـــي تِلـكَ الڤـــيلّا التِـي خرجَــت من العدَمِ تُصَارِعُ أشبَاحَــكَ وخيـــالاتِكَ لِعِنــادِك؟.. أخبِــرْني إلى متــى؟.. أتظــنُّ أنَّــكَ بابتِعادِكَ هـذا ورفْــضِـكَ لأيِّ شــيْءٍ يربِــطُكَ بعائــلَتِكَ سـ___
سكتت قليــلًا تتنهَّــدُ بِحســرة قبل أن تُــرْدِف:
_آه. حقًّــا هذا يكــفي. أنتَ عنــيدٌ جدًّا! أنــهِ هـذا الخِــلاف السّخيــفَ بيــنَكَ وبَيْــنَنا وَوالــدِكَ وعُـدْ!!
_ انتَــهَيْتِ؟ سأقْفِـــلُ الخَــطَّ إذا لمْ يَكُــن لدَيْكِ شــيءٌ آخَــرُ تَقولـــينَه.
هذا... كُــلُّ ما تكرّمَ بهِ فاهــي من الحديــث.
نبْرَتــي القــارِسَة كــانَتْ كَفيلةً لوحدِهــا بإيــصال الرِّسَالــة.
عمَّ السُّكــون لِلَحظـــات، قَبْلَ أن أرفَــعَ الهاتِــف عن أذُنــي قاصِــدًا إقـفال الخطّ بلا أدنــى اهتِمــام، سمِعتُ صوتَهــا الحزيــن يَنْطِـــقُ بقلّةِ حيــلةٍ أخِيــرًا:
_ أنَــس. ابنُ أخيــكَ قَدْ وصَــل أخيــرًا.
ابتِسامَــة متهَكِّــمَة صدَرَت منّــي وحَسْب تُخْرِسُ فاهَ الصَّمتِ البــارد الذي اكتسَــحَ الحديــث.
_ كـــان يجدُرُ بِــكِ قوْلُ ذلِــكَ منَ البِدَايــةِ بدلَ تضيــيعِ وقتِي وَوَقتِــكِ بترَّاهــاتٍ كِــلانـا يعْلَمُ أنَّــها عارِيَــةٌ منَ الصِّحَّــة.
همَّــت بالردِّ عليَّ لكنَّنــي تابَعْتُ بلا مُــبالاة:
_ على كُـــلٍّ لَيْــسَ موضوعَــنا. لقد قلتِي أنَّهُ وَصَــل، حسَــنًا، لم أفْهَــم.. ما المطْلُــوبُ منِّي؟..
شهقةُ استِنْــكار سَمِعْتُهــا بوضوحٍ تصْدُر مِنــها.
_ أنــتَ جــادّ؟..
لا، أنا مالِــــك.
زمَمتُ شفاهــي أمرّر يدي في خصــلات شعــري أعــبَثُ بِهَا...
_ هــل أبــدُو وكَــأنّني أمــزح؟..
لا أعْتَقــدُ ذلكْ.
زَفْرَةٌ طويــلة تدلُّ وبِجَــدارَةٍ على نفــاد الصَّبرِ صـدَرَت مِنـها.
_ يا ربِّ صبِّــرني على هــذا الولَــد!!..
_ آمِــين..
ردّدتُّ بهــدوء شديــد، أعــتَقِدُ أنَّنــي شخصٌ مُــستَفِزّ.
بعد برهةٍ تنهَّدَت بانكِســار.
_ مــالِـــك. سننتَــظِرُكَ اليــومَ علـى الغَــداءِ إن شاءَ المولــى تَعــالى.
إلـهــي. عدنــا لنقــطَةِ البِدايَــة.
ثُمَّ غَــداء؟ هل تمــزَحُ معي؟..
بَعْثَـــرْتُ شعْــري ثمَّ أجبتُـها ببــرودٍ أقلِــبُ عَيْنَيّ: لا تَفــعَلوا.
_ بل سنفْــعَل، وستَــأتي.
سكتَتْ ثمّ تابــعَت بنبـرة مَــهزوزة تمنعُنــي من الردّ: لأجــلِ خاطِــرِ أخــيكَ المَرْحـوم..
أوه. يا. إلهــي.
أهِيَ جــــادَّة؟...
ابتلعَت ريـقًا تتابـع بصوتٍ أخفَــضَ قلــيلًا: وخاطِرِ أنَــس..
حقًّا؟ وَمالي أنـا وذاكَ الصّبِيِّ الذي لا أعْــرِفُ شَكْـله؟..
ثمَّ ختَمَــت أخيــرًا بهمسٍ يعتريــه الارتِبــاك: وَ.. وَخاطِـــري__ أنـا ونـور__ أيْضًا..
تبًّـــا.
كَيــف أرفُضُ الآن؟..
ستحزَن نـــور... أعــني حقًّا... لا ينقُــصُني سمــاعُ شَكواهــا خاصَّةً وأنِّــي لَمْ أرَهَا أو أحدِّثْهــا مذ غادرتُ ذلكَ المكـــان...
تنهّدتّ.
_ وداعًـــــا .
_ انتَظِــر! مالِك!!!..
إلــهـي. متى ستتوقَّــف هــذِه المسرحيَّــةُ الهزليَّــة؟..
همهمــتُ باستِيــاء، ليصِلَنِــي صوتُها الممتزِجُ بأملٍ ضعــيف:
_ هل__ هل ستأتِــي؟..
_ لا أعْلَــم. وداعًـــا.
وأغلقْــتُ الخطّ ثمَّ رمَيـــتُ الهاتِــفَ بجانِبــي على السريــر وأغمضتُّ عَيْنَيّ.
لا شَـــيء.
أشْعُــرُ بِـلا شَـــيء.
تــبًّا.
.
.
نهضّتُّ بجِذْعِيَ العلــويّ، يدي ترتَكِــزُ على السريــر ويــَدِي الأخـرى امتدَّتْ نَــحْوَ كــوبِ القَهْوَةِ المُثلَّجَــة الذي لم أُكْمِــلهُ بَعْد وأظنُّــه صارَ فاتِـرًا الآن.
لَثَمَــتْ شِفاهــي الماصَّةَ أفكِّرُ بشــرودٍ فــي كَيْفِيّــةِ عدمِ الحضــور والحضــور بنفسِ الوَقْت... أصْــلًا أنا لا أتناوَل وجْــباتِ الغداء على أيَّـةِ حال...
لا فائــدَة... و..
حقًّا، طَعْمُ القَهْوَةِ لا يزالُ لذيــذًا. أنــا بدأتُ أُعْجَــبُ بِهَــا.
.
.
.
.
.
.
.
✓ || بعد ثلاثِ ساعات .✧*。
_ أريــد واحِــدًا أسْــودَ بعِيــونٍ زرقــاءَ وبُــقْعَة بيْضاء عند الأُذن.
_ سيِّــدِي... اعذرْنــي للمرّة الثّانِــيَة لكن هذه هرَرْ صَــغيرة، لَيْسَــت ملابِــسَ تأتي حسبَ المقـا__
هل سألتُها من قَبْــل؟ لم أنتَبِــه صراحةً.
_ ملابِــس، قِطَط، دلافِــين...، لا أهتَمّ، أحضري لــي الشيءَ الذي طلبتُه وحَسْــب.
قلتُ بلا أدْنَــى ذرّة اهتمَام بيْنَمَــا أنظُرُ لساعَــةِ يَدِي.. نــور لن ترحمَنــي مِن لومِــها، إلهي، أذنايَ بدأتــا تؤلمَانِني من الآن...
ألقَيْــتُ نظرةً جانبيَّةً لأجِدَ الموظّفــة تكبــحُ غيظَها بابتسامَــة متكلّفة جدًّا، حسنًا، عدتُّ بعُيــونِي إلى شاشَةِ الهاتِــف وتابَعْتُ ما كنتُ أفعَــل...
بحقِّ اللّٰهِ هل نفــدَتْ كلُّ طُـرُقِ الإعْلانِ ليَجعــلوا الموظَّفيــن يرتدون كالقِطط؟..
مثيــر للـغَـثَـ__ أوه حقًّــا الأمر لا يستحقُّ التفكــير بهِ حتّى.
أمّا عن الجِدال مع حمقــى يرتَدون ملابِــسَ غريــبَة كهذِه لا يستطيــعونَ تنفيـذ وظائفِهِـم بشكلٍ صحيــح؟
لا شُكــرًا أفضِّــلُ كلامَ نور.
_ ما المُشْكِــلَةُ آنِسَـة فَــرَح؟
اقتَرَبَ موظَّــفٌ شابٌّ نحــوَ الموظّفَــة التي تقف أمامــي وقبضتاهــا اشتدّتــا حتى كادتا يسيــلان دمًا. بسُرْعَـةٍ اتٌجَهَتْ نَحْوَه تهْمــس بغضب وصلَنــي: اذهَب وتعامَـل مع غريــب الأطوار ذاك! أنا لن أحتملــه أكثر من هذا!!
_ لقد أسقطْتــي شريــطَةَ شعرِكِ يا آنِســة، هكذا قد لا يستطيــعون التميـيز بينكِ وبينَ باقــي الهِرَر هُنا.
قلتُ بِهــدوء متجاهِلًا همسَها الوَقِـح أؤشِّرُ بِيَدي نَحْوَ مكانِ الشّريـطة قبل أن أعيدَهَـا إلى جيبي، لم أرفع نظري عن هاتفي حتّــى، وهذه النَّظــارةُ السّوداءِ التــي أرتديــها تروق لي صراحَــةً.
_ أنتَ غير معقولٍ حقًّا!!! كيـفَ تـ__
_ اهدئــي فرح ما بكِ؟ هيَّا خذي الشّريــطَة واذهبِـي لعند تلــك السيّدة هـُـناك، أنا ســأرى هذا الَّزبون.
لا زالت تحدجُنــي بنَظراتٍ ناريّة رغم ما قالَــه ذلكَ الموظَّف وأنا__ تثاءبــتُ فقط.
آثارُ عدمِ النَّــومِ ليلَــةَ البارِحَـة...
أيًّا يَكـُــــن.
_ اعذُرنــي سـيّدِي فهِيَ موظَّفــة جديــدة لم تعتَدِ العَمَــل بعْـد. بمَ أُسَاعِــدُكَ؟..
قلبتُ عَيْنَيَّ بملَــل شديــد، لم أعلّق على تملِّقــه هــذا بعْدَ رؤيَــتِهِ لي عن قُرْبِ وتخميــنِه أنَّني شخصٌ ثريّ. لنرَ طريــقةَ تعامُلِكَ إذًا يا أشقر الحواجِــب.
_ أريــدُ واحِــدًا من تلكَ الكائِــنات لونُه أسوَد، ببقْعَة بيْضاء عند الأذن، وعُيون زرقاء.
سُرْعــانَ ما قطَّب الرجل حاجبَيْهِ يرمشُ باستفهامٍ لأزفر أنا..
هــذا رابِــعُ محلّ...
يبــدو أنَّهُــم سَيتناوَلونَ العَــشاءَ لا الغداء.
.
.
.
.
.
أ خـ ــيــ ـرً ا .
دَخَلْتُ سيَّارَتــي العَزيــزةَ بسُرْعَة أضعُ الصُّنــدوقَ جانِبــًا و__ أسمَعُ صوتَ الآذان.
آذان الظُّهر.
لحظَةُ إدراك.
أحسنتَ مالِك . ضيَّعْتَ كلَّ هذا الوقــتِ مع علمِكَ أنَّهـا محاولَـة فاشِـلة لإســكَاتِ نــور...
_مياو...
هذَا بالضَّبْطِ ما كــان ينقُصُنـي.
أسـتغفِرُ اللّٰه ربِّي وأتُــوبُ إلَيْــه. آملُ فقَط ألّا أرمِـيَ هــذا الشَّــيءَ من النافِذَة في منتَــصَفِ الطَّــريق.
.
.
.
من الواضِـحِ جدًّا أنَّ رغْبَتــي كبــيرة تِجاه الذّهــاب.
واضح لدَرَجَةِ أنّي توقّــفتُ لأصلِّــيَ في مسجدٍ على الطّريــق - معْ أنَّـه يُفْتَــرَض بي الصَّلاةُ هُـــناك - ، ثمَّ مشيْتُ حتّى المحلِّ المجــاور، تجوّلتُ بلا هدَف، نظَرْتُ لشَكْلــي الجميــل المنعَكِسِ على زُجَاجِ الأبوابِ اللامِعَة هنــاك ثمَّ اشْتَرَيْـتُ من نفسِ نوعِ القهوةِ المثلّجـــة التـي أعجَبَتنــي مسبقًـا حينَ لمحْتُهــا قَبْــلَ أن أعُودَ للفيــراري، تناولتُ كوبَ القهوة، شربتُهــا كلَّها على مَـهل وراقَبْــتُ السَّمــاء، يبدو أنَّهــا ستُمْطِــر؛ لذا فكَّـرتُ بجدّيَّة في العَــودَة__ للڤيــلّا طبعًـا.
_ميــاو... ميـاو.....
حسَنًــا أيُّها المزعِجُ أعرف أنَّ نــور لن تسامِــحَني إنْ عدتّ.. ها أنـا ذاهــب.. أمـرِي للّٰه...
آمُـلُ أن تكونَ فقــرةُ الـغَداء انتهَت على الأقَــلّ...
.
طَيِّـــب.
نفَــسٌ عميــــق.. وابتسامَة ساخِرة.
لَمْ يتغيَّــر شَيء. لا يــزال القَصــر الضّخمُ كما هوَ، لا يزال يُــشْعِرُني بالضّيــقِ لأبعَدِ الحُدود، هذه الحديــقَة الشّاسِعة بعدَ المدخَـل الرئيــسي تعبَقُ برائِحَــةِ الياسميــن والذّكريَاتِ المدفونـة، أنّى لشيءٍ يبغضه الإنــسان أن يجتَمِــع برائحَةِ الزُّهــور؟..
كجريــمَةٍ برّاقَــة أُلْقِيَتِ الورودُ عَلــى دِماءِ ضحاياها ليَكْتَمِــلَ المشهَــدُ الدرامِــيّ ويصفِّقَ القَتَلــةُ بإعْجــاب...
هه. يا للسُّخْــرِيَة.
حيَّـاني الحــارسُ الذي سُرعانَ ما تعَرَّفَ عليَّ بحفاوَة فأومَـأتُ لهُ بِصَمــت، صففتُ فــيراري جميــلتِي في المرآب ثمَّ نزلتُ بتَثَاقُل، أضَعُ الصُّــندوقَ تحتَ إبطِــي، ثمَّ أغرِسُ يديَّ في جيوبِ سترتِــي السّوداءَ بعُمْقٍ أكْبَــر. أزفُــرُ بيأسٍ وأحدِّقُ بحذائي الرّمادي أتبــعُ خطُواتــي من خلفِ النّظّــاراتِ الشّمْسِيَّــة. لأوّلِ مرّة أحبُّ كَوْنِــي أغطِّي رأســي بقلنسُوَةِ السُّتــرة حيــنَ أمشــي في الخــارِجِ مَعْ أنِّنــي أنزَعِــجُ من عادَتــي هذه لكنّهــا الآن دليلٌ واضِــحٌ بأنَّ دواخِــلي لم يعُد هــذا المَكانُ يَعْنِي لهــا شيئًا سوى فُتــاتٍ عديمِ القــيمَة.
غَـــرابـَــة... وغَريـــبْ...
هذا أوّلُ ما خطَــر بِبــالـي حينَ وجدتُّنــي واقِفًــا على عتَبَــةِ الباب أحدِّق بِهــدوءٍ بِه.
ما الذي أفْـــعَلُهُ هُــنا؟..
بَيْنَــمَا تشكَّلــت شفاهِــي بخطٍّ مستَقــيم وأنَـا أراقِبُ البــاب وأفكِّــرُ بما الذي أفعُلُــه، فُتِــحَ البــاب وظَهَرَت عامِــلَةُ القَصْرِ السّيِّدة عائشَــة. يبــدو أنَّهــا كانَت تنوِي إحــضَار شــيءٍ ما من الخــارِج، لكنَّهــا تسمَّــرَت في مَكَــانِهَا تُسْقِطُ حقيــبَتَها أرْضًــا وتحدِّقُ بي بعُيــونٍ شاخِصَــة..
هــا قَد بدَأنــا...
ابتــلَعَــت ريــقَهــا وسَقَطَت ملامِحُهَـا المَذْهُــولَة ولمَعَــتْ عَيْنَــاها تُنذِر بهُطول الدُّمــوع... ضمَّــت يدَيْهــا لصدْرِهــا ثمَّ تمتمَتْ بِصَوْتٍ مُرتَجِــف...:
_أ... أنتَ__ بُنَــيَّ... أنــتَ مالِــك؟!
زفَــرتُ بقلَّةِ حيــلة أُبْعِدُ عَيْنَيَّ وأحــكُّ مؤخِّرةَ رقَبــتي داخِلَ القلُنْسُــوَة... ثُمَّ أومئُ بِصــمْت.
أكــرَه هــذا..
لكِنْ عليَّ أن أصْــمتَ كيْ لا أجْــرَحَها. أصْــلًا مهْمَــا فعَلـتُ هيَ لا تغْضَــبُ منِّــي أبَـدًا... هِيَ الوحِــيدة...
فـي النِّــهايَة، السَّيِّــدَة عائِــشَة هِـي مُرَبِّــيَتي - لفَتْــرَة من الوَقْت - كذلِـك.
ما قَطَــعَ أفْكَــاري هو صوْتُ شَهْقَــاتِهَا المَكْتـومَة، إلهــي!
_ الحَمْــدُ لَكَ يا ربِّــي .. ظنَنْتُــني حُرِمْتُ منكَ للأبَــدِ يا وَلَدِي.. لَقَــد كَبُرْتَ كَثــيرًا واشتدَّ عُــودُكَ ما شــاء اللّٰهُ عَلَيــك... لكنَّــكَ تَبــدو شاحِـبًا، وتَبْدو نحــيفًا مقارنَــةً بِمـا يُفــتَرَضُ على شابٍّ وسيمٍ مِثْلِــكَ أن يكُــون... إلـهي.. اشــتَقْتُ لكَ... أيُمْكِنُــنِي احتِضانُــكَ؟.. هــل.. هل أنتَ غاضِــبٌ مِنِّــي؟..
حدّقْـتُ بِهَــا بعُيــون ضَيِّــقة...
ثمَّ رَمَشْــتُ مرَّتَــيْنِ بهُـدوء...
هِـيَ... جادَّة...
إنَّهــا تبْكــي بِغَزارةٍ وصَــمْتٍ بـيْنما ابتِسامَــة مرتعِشــة تزيِّــنُ ثغْــرَهـا وعُيــونُها الدّامِــعَة ترْمُقُنِــي بِدِفءٍ واشْتِيَــاقٍ كَبــير..
بحْــلَقْتُ بِــهَا لِوَهــلَة.
مَلَامِحُـــهَا الهادئَةُ طبَعَ علَيــها الزَّمَنُ قُبلاتــهِ بتجَاعِيــدَ أُخْرَى لَمْ تُفقِــدْها رَوْنَقَهــا، حِجَابُــهَا الأبَيَــض كان يبعَثُ توهُّجًـا مُحَبَّبًــا للعَيْن، حدقاتُهــا السّكَنيَّة القَاتِــمَة لَمْ تَزَل كَـما هِـيَ، وعباءَتُـهَا السّوداءُ كانَتْ تُعانِــقُ بشرتَها القمحيَّـةَ الغامِــقَة وتعطــي مظهرَهـا مزيـدًا مِنَ الرزانَــةِ والسَّــلام، كَمَــا عَهِدتُّهــا دومًــا.
تنهَّــدتُّ.
لمَ تعْــتَقِدُ أنَّنــي غاضِبٌ مِنْهــا؟..
_ لستُ .. غاضِبًــا منْكِ.
نبستُ باختِصــار، أردتُّ فقَـط أن تهدأ، لكنّــي شعرتُ بأيادٍ رحيــمَة تحيطُنِي بوَهَن شديـد، في حُـضْنٍ دامَ لِلَحْظَــات.
لم أعتَرِض.
لم أُبْعِدهــا.
لم أتــحرَّك.
أغمضتُّ عَيْنَيَّ وحَسْــب منتظِرًا إيّاهــا لِتَهــدَأ.
وحيــنَ فصَلَــت الحُضن نظرت لــي نظَراتٍ... تُشعِــرُني أنِّـي وهَبْتُـها الدُّنــيا بعَدَم رَفْضــي لحضنِهــا...
نظَّفْــتُ حَلْقِــي...
_أهْـــلًا وسهْــلًا بكَ مُجَــددًا في منزِلِــك، تفضَّــل للدَّاخِــل إنَّــهُم بانتِــظـارِكَ. أنتَ هو الشّخــصُ المــهمُّ الذي تحدَّثَــت عنهُ السيّدةُ رحمَة إذًا.
قالت بابتِسامَــة عفويَّــة تمسَحُ دموعَــها، لم أُعلِّق بل منَعْــتُ نفســي من الضَّحِكِ بتهكُّــم..
هه. شخــصٌ مهــمّ.
وضَعْتُ الصُّنــدوقَ أرضًــا... أيًّا يَكـُــــن.
تحرّكَــت للداخِلِ لكنِّــي لم أتبَـعْها. لا أعرفُ ما السّبــب، كأنَّ جَســدي يصرُخُ بمَــا الذي أفْــعَلُهُ هنــا؟ أيُّ حماقَــةٍ أنـا على وشْــكِ ارتِكــابِها بحَقِّ نَفْــسي؟.. أقدامــي تأبَــى التحرُّك، يدايَ مُنْدَسَّتــان بعُمــقٍ في جيوبــي، لَمْ أخْلَــع حذائــي حتَّى، شعــوري سيِّء حيال ما سيَحْــدث..
أنــا أخْتَنِــقُ من مكاني فكَيْــفَ بي إذا وَلَجْــت؟!..
رفَعْتُ بَصَري ليَعودَ نَــحوَ عائــشَة التي تناولَــت الحقيــبَةَ التي أسقطَتْها قَبْلًا تقولُ بسعادة غامِــرة: أنتَ لا تعْــلمُ كَــم ستَفْرَحُ السيِّدة الصغيرة نــور!
كدتُّ أتنــهَّدُ إلَّا أن صوتَــها الرنّــان جعَلَنــي أكتِــمُ نفَــسي للحظَــة..
إنَّــها هيَ..
نـُــورْ..
_ ما الذي سيُفْـــرِحُنــي بهَـذا القَدْرِ خالَتـي عائِشَـة؟ أهُنــاكَ خطْبٌ مـ__
لم تردَّ عليــهَا عائــشة بل حدَّقَت بهَا بِصَمْــت وفرَح كبــير بينمَـا انزوت بنفسهــا في ركْـنٍ تُفْسِــحُ المجَــال__ لِكِلَـــيْنا...
ازدردتُّ ريــقِي..
الْتَقَــت... عُيــونُنا...
طبْعًا مع عدمِ احْتِســاب النظّارة الشَّمْــسِيَّة التــي سأسْجُــد للّٰهِ سَجْدَةَ شكْــر لأنه ألهَمَــني ارتداءهــا...
توقَّفَــت عند الدّرَجِ حيثُ كانَــت تنوي الذّهــاب...
ثوبُـهَا الأبْيَـضُ المطرّزُ بالخيـوط الذهبيَّــة عند الأكتاف والمليءُ بالزيــنة الخفيــفة المرســومة كأغصان الشَّجَر عند الخصْــر... المَزْهَرِيَّــة بَين يديْهــا المليئـة بأزْهــارِ الجوري التي يُفَضِّلُــها كلانــا وتعتَنِي هيَ بنِفْسِهــا بها وتجلبُهــا عندَ كلِّ مائــدة... هِـيَ...لا تزالُ تفعَــل ذلـكَ إذًا.. شعرُهَــا اللَّيْلَكِيُّ انسدَلَ خلفَها بعدما رُبِطَ بشريــطة سُكَّريَّـة لطيــفة.. كيفَ كَبُــرت وازدادَتْ بِضْعَــة سانتيــمترات.. كيفَ نضِــجَت وأضْحَــت أكثَـر أنوثَــةً ونُعُــومَةً وجاذبِيَّــة... كَيْفَ لمَعَــت حدَقتــاها الزّرقــاوتانِ الصَّافِيَــتــانِ وقتَ لمَحَتْنِــي..
كَيْفَ جعَلَــت كلَّ عَضَلاتِ جسَـدي ترْتَــخي..
كَيــفَ جعَلَتْنِي أَحِـــنّ..
ثُمَّ__ ضيَّقَت بصَرَها عليّ..
ناظَرَتْنِــي من أعْلــى لأسْفَل... ومن أسْفَــل لأعْــلى... بتوجُّس هائل وريــبَة هادِرة.. ابتَلَــعَتْ ريــقَهَا ببطءٍ شديــد تُغمِضُ عَيْنَيْهــا تتوقَّــف قليــلًا عن تفحُّصــي..
بعْــدَ لحَظاتٍ فَـتَحَت عَيْنَيْــها مجدَّدًا تُحرِّكُ شفاهَهــا في تمتَمَة غَيــر واضِحــة، أظنُّهــا تقرَأُ المعوِّذات..
كلَّا أنا متأكِّــد أنَّهــا تفعل ذلك.
خُــطوَة.. خُطــوَتان.. ثــلاثْ..
مَشَــتْ ببطءٍ نَحــوي، لا زالت تتفرَّسُ ملامِحــي، أنا أحدِّق فيــها بِشرود وهِــيَ لا تَرفَعُ حدقاتِــها عَنِّــي.
ألَم تَعْرِفــني؟..
أسْتَبْعِــد. يبْـــدو أنَّهــا مُشَوَّشَـــة..
حِيــنَ وَقَفَــت على بُعْــدِ خطوَتَــين عنِّــي، تسلَّــل همسُهــا غيرُ المُصَدِّق لنَــفسهـا إلى مسامِــعِي.. لَمْ يَكُن همسًـا، كان أشْبَــهَ بالدُّعــاءِ الخــافِت، بالأنــينِ الرَّاجــي بينَ شذراتِ الدُّمــوع..
شفاهُهــا المرتَجِــفَة تعلّقَــت في الهَــواء..
" مَــ..مَـــالِــــكْ؟..."
ازدردتُّ ريـقِـي.. نبْرَتُهــا كَــانَتْ.. ضائِـــعَة.
انزلقَــت المَزْهَرِيَّــةُ بِخِــفَّة من يدِهَــا لتَجِــدَ طريــقَها نحْوَ الأَرْضِ، وتَتَناثَــر أجزاؤُهــا بيـن أقدامِــنا.
لم نسمعِ الصَّـــوتَ حتَّــى. كُنَّــا منشغِلَيـْـن في عالمٍ آخَـر، عالمٍ خاصٍّ بِــنا.
يدُهــا ارتَعَشَــت تجدِ طريــقَهَا نحوَ وَجْهــي ببطء.
_ مالـِـــك... أهُــوَ.. أنتَ؟.
لَمْ تَبْــدُر منِّــي أيُّ ردَّةِ فِــعْل.
ضيَّقَت عينيْــها أكثرَ قبل أن تقول بانفعالٍ وارتِعَـاشٍ في آنٍ واحِــد..:
_ أبعِـد هذا الشَّيْءَ عَـــن عَيْنَيْــك!!
لم أكَد أسْمَعُــها حتّى أُزِيــحَ وجْهــي للجانِبْ بعُنْف وسَقَطَت النظَّــارة بعيــدًا... والسّبَبُ يَدُهــا.
ارتفعت زاوِيَةُ فمِــي بشبهِ ابتِسامَـة سُرعانَ ما انخَفَضَــت. لقَدْ ازدادَتْ قوَّتُــها كذلِــك.
لكنَّ هذا ليس وقتَ السُّــخرِيَـة.
أغمضتُّ عَيْنَيَّ أستغفرُ اللّٰــهَ وأدعو أن ينتَهــي هذا أيًّا يكن بسرعَــة وأعود للڤيــلّا. ثمَّ استدرتُ أقابلُ وَجْهَــها مُجَدَّدًا... وأتأمَّــلُه...
أخَذَت نَفَسًا عميــقًا ثمَّ فَتَحَــت عَيْنَـيها هيَ الأُخْرى...
نــور..
آه يا نــور__
انتظِري..
إلـ__ إلهـــي!.. لا تبْكِـــي!...
أحضَرتُ لكِ واحِــدًا من تلكَ الكائناتِ السَّخــيفة التي تحبّــينها فلا تبكِــي!
ضيَّقْتُ عَيْنَــيَّ على دموعِها المنهَمِــرة بصَمْت، وجهها شَحُبَ بِسَبَبِــي، عيونُهــا عالِقَة على وَجــهي، لا ترْمِش، يداهَــا مضمومَتَان لصدرهــا ترتَعِــشان هناك، أنفاسُهــا غيرُ مسْتَقِرَّة، شفاهُهــا مُعَلَّــقة في الهواء كأنَّهــا تناجِــيه ليدخُلَ رئَتَيْــها.. كل ذلكَ بِسَبَبــي.....
سُحْقًـًا ما كان يَجْــدُرُ بي المَجِـــيء...
ما الذي سأفعَلُــهُ الآن ؟..
_ نــورْ... اهدَئــي..
تحدّثتُ بِهَمْــسٍ مشيــحًا بِبَصَرِي بعد ما سمعتُ شَــهقَتَها وقتَ نطقْتُ اسمَــها..
تبًّــا لا تبْــكِي!..
تبًّــا لي لن أتحمَّــل ذلك!!..
اندَفَعْتُ بِلَا إدراكٍ منِّــي نحوَها أضُمُّها لِصَــدري مُهدِّئًا إيَّــاها لتدفَعَني بانفِعالٍ شديــد: وتقولُ اهدئــي! وتقول نور! بأيِّ وجهٍ أتــيتَ تنْظُرُ لــي! بل من الأســاسِ لمَ عُدتَّ؟ ها؟ اتْرُكْـــنِي! قلتُ لكَ اتْرُكْــنِي!!..
كانت توزِّعُ قبضاتِــها اليائــسَة بغَضَـبٍ على صدري في محاولات فاشِلَــة لأُفلِتَــها لكن آسِف، لستُ آسِــفًا على ما أفْعَلــه.
هذا هو الشَّــيءُ الوحيــدُ الذي لا آسَفُ على فعْــلِه دائِــمًا.
_ لا تبكِي نـُـور... أَنــا معَــكِ..
همَسْتُ أخْفِــضُ رأسي عندَ أُذُنِــها وأُغْمِضُ عَيْنَيَّ حينَ انهــارَت باكيةً تنفَجِرُ بينما تتمسَّكُ قبضتَاهــا بِسُتْرَتــي لأشُدَّهــا نَحْوي أكْثَر.
أخذَت تهمسُ باسمــي بينما تشهَقُ باكِيَــةً في حضْنــي، تقول لي اترُكْنــي وتضرب قبضتها بِصَدري تارةً ثمَّ تشدُّ بنفس القبْضَــةِ على صدري تتأكَّد من ضمِّــي لها بقوَّة...
أمَّا أنا كنتُ أهمهِــمُ بنَعَــم نــور كلَّــما نادَتْنــي بينَمَــا أُدفِنُ رأســي بعُنُقِــها الأبيَضِ تارةً أستنشِقُ عِطْرَ الجوريّ المُحبَّــبِ لديّ وأبتَسِمُ بلا وعْيٍ لأنَّهــا لا زالتْ تضَعُــه وتارةً أخْرى أُوَزِّعُ قبــلاتي هُنــاك..
نــوري...
صَــغيرَتي الحُلوَة...
قِطْعَــةُ روحــي الوحــيدَة الباقِــيَة...
.
.
لم أكُـن أنوي فَصْلَ عنَــاقِنا، لكنَّ صوتًــا مذعــورًا اقترَبَ رِفْــقَةَ العديــدِ من الخُطُواتِ الأُخْــرى المُسْــرِعَة نحوَنــا جعَلَنــي أتنهَّــدُ بينمَــا أُسْنِــدُ رأســي بتعابيــر جامِدَة على كَتِفِ صغيــرَتي__ التــي قبَّلَت عُنُقي قبلةً طويــلةً ثُمَّ دفَنَــت رأسَها فيهِ.
سآكُــلُهــا إذا بَقِيَــت تفعَلُ هـذا.
" نــور ابنَتِي!! هل أنتِ بِخَيْر؟! مَنْ أنــتَ يا هَــذا اتْرُكْها!!!... "
صوتُ السيِّدة رحمــة.
والِدَتــي المَصُـون.
والخطوات الأخْــرى... آمُــلُ ألَّا يكونَ كمـَـا أتَوقَّع..
إلــهي.
لستُ مستَعِــدًّا لرؤيَـتِهِا، لرؤيَــتهِم، لا أريــد. سأتجاهَلُــهُم وحَسب وأعود.
وأمّا عن نــور... رُبَّــما أخطفُــها.
سأخْطُفُــها.
نعَــم، هَــذا حلّ يرضِــيني وهذا ما يَهُمّ.
.
.
يتبَـع .
إذًا... ما رأيكم بالبداية؟.. :)