وصلوا إلى القصر، ثم فُتح لها الباب وخرجت... كانت السماء قد بدأت تمطر، فابتلّ شعرها الأشقر المخفيّ تحت سواد الصبغة، لكنها تحبّ هذا الطقس. ابتسمت بخفة بالكاد تُلحظ، ثم دخلت القصر مسرعة، لتجد خادمتيها ترتبان طاولة العشاء، فقالت بهدوء: "اليوم سنتناول العشاء في الحديقة." لم يناقشها أحد، وبالفعل قاموا بنقل الأطباق إلى الطاولة في الخارج، وكانت هذه الطاولة مغطاة من الأعلى بخشب مسنود بأعمدة رفيعة تغطي حتى المقاعد. ذهبت إلى غرفتها، حيث بدّلت ملابسها بثوب أسود حريري طويل، لكنه لم يكن دافئاً ولا يناسب هذا الجو. هي إما تريد أن تمرض، أو أنها فعلاً تريد أن تمرض. نزلت فوجدت الخدم قد جلسوا قبلها، فجلست معهم؛ لم تكن تعترض. بل إن هاتين الخادمتين كانتا هناك قبل أن يتبنّاها "إيما" و"جورج"، لذا فهي تحترمهما كثيراً. "مذاق اللحم مع رائحة التربة المبللة بالمطر... حقاً شيء يستحق أن نمرض من أجله." قالت الخادمة الأصغر بمزاح متوتر، فغمزت لها الأخرى كي تصمت، وقد لاحظت "فيرا" هذا، لكنها لم تُعره اهتماماً، بل قالت: "إذا مرضتِ، آخذكِ لأحسن طبيب في إيطاليا..." ابتسمت الخادمة "مارغريت" للخادمة الأخرى "ميدورا"، التي كانت قد ربتها، ومع ذلك، فكلٌّ في مكانه... هي خادمة ليس إلا، والأخرى "فيرا موروفا". انتهت "مارغريت" أولاً من الأكل، ثم نهضت، فلحقت بها "ميدورا" مباشرة، بينما بقيت "فيرا" بمفردها تحت المطر تستمتع به... المطر يذكّرها بالأمل... بالحياة... وهو... تنهدت حين سمعت صوت ركض يقترب منها، وحين فتحت عينيها، رأته: "ماريو" يحمل مظلة سوداء يغطي بها جسده، وقال: "لقد اقترب موعد الحفل، سيدتي." تنهدت مرة أخرى بكسل... لم تكن ترغب بالذهاب، ولكن المسؤولية تنادي. وضع سترته على الأرض دون أن تقول شيئاً، فأساساً فوق العشب بعض الحجارة التي تستطيع أن تمشي عليها، لكنها لم تمانع، ومشت فوق سترته بينما هو يرفع المظلة فوق رأسها حتى تدخل. توجهت مباشرة إلى غرفتها، فوجدت "ميدورا" تقوم بكيّ ثوبها. وما إن جلست أمام المرآة، حتى دخلت "مارغريت" تُعلمها بوصول خبيرة المكياج والشعر وأخرى للأظافر. دخلن، ثم باشرن العمل بأقصى جهد لإرضاء "فيرا"، فهي صعبة المراس ولا ترضى بأي شيء. الفستان كان قصيراً، مصنوعاً من الساتان الوردي الفاتح، بتصميم "أوف شولدر" مع كمّات منفوخة، يمتاز بخصر ضيّق وتنورة واسعة، أنثوي وأنيق. وتحت الفستان طبقة داخلية بيضاء تُظهر من خلاله بعض التفاصيل الرقيقة. أما شعرها القصير، فكانت قد ثبّتته من الأمام باستعمال الجل المثبّت، بدا مبللاً لكنه لم يكن كذلك، وأبرز ملامحها الحادة. ولم تكن مستحضرات التجميل مبالغاً فيها، بل بسيطة ورقيقة، تكفي للغرض. وهي أصلاً لا تضعها إلا في مناسبات كهذه. كانت تنظر لنفسها في المرآة الطويلة، حين دخل "ماريو" بسرعة، وانتظر حتى خرج الجميع من الغرفة، ثم قال: "هناك إشاعات تقول إنه سيكون في الحفلة." نظرت إليه ببرود، رفعت حاجباً، ثم قالت: "ماريو... لا أريد إشاعات، تأكد من الخبر أولاً ثم أخبرني في وقتٍ مبكر، لا قبل عشر دقائق." أنزل رأسه معتذراً، وتنهدت هي بانزعاج من تقصيره. ولكن... من هو الذي يتحدثون عنه؟ ارتدت كعباً أسود كسواد قلبها، ثم خرجت من الغرفة، و"ماريو" يتبعها... بعد أول خطوة خارج باب القصر، قال: "الفهد الأسود أم المرقط؟" نظرت إليه بحدة، وأشارت بإصبعها للأسود، ليدخلوه السيارة، ثم قاموا بتجفيفه لأن المطر لا يزال يهطل، فركبت بجانبه وبدأت تلاعبه. فريق عمل والدها، الرئيس السابق، هو من يتكفل بالحفلات كهذه، لذا فهي ليست قلقة إطلاقاً من وجود خلل، ولو بسيط. أقلّ ما يقال عنهم: محترفون. في الطريق، وبفعل الجو، خانتها ذكرياتها، وانبثقت لقطة... لقطة كانت بداية عذابها. --- فلاش باك: "أحقاً أعجبته؟ وكم سيعطيك؟" قالت والدة "فيرا" البيولوجية بفرح لوالدها، فنظر الاثنان إلى "فيرا" التي كانت تلعب بكرة بلاستيكية حمراء مرسوم عليها نجوم سوداء. وحين لاحظت نظراتهم، ابتسمت ببراءة... لا تعلم ما القادم. "ثلاثمئة دولار أمريكي." عبست الأم بعدم فهم، ثم سألت مجدداً: "وكم هذا المبلغ باليورو؟" لم يكن الأب يملك الجواب، لكنه قال بغباء مبتذل: "إنه مبلغ كبير، يا امرأة." ابتسمت المرأة بفرح، وبدأت تصفق، فأضاف هو: "هيا، انهضي واجمعي ملابسها." قالت: "ألم تقل إنها أعجبته؟ إذن سيشتري لها ملابس جديدة وجميلة." اقتربت منهم الفتاة الصغيرة، وقالت: "أمي، هل سنذهب للسوق؟" تجاهلتها، وسألت الأب... الأبوة بالنسبة له كانت مجرد إشاعة، أو كأنها أسطورة هندية. "ومتى سيأتون لأخذها؟" "لا تكوني غبية يا امرأة، هو سيخلّصنا منها ويدفع لنا، وفوق كل هذا، يأتي هو؟ بالتأكيد نحن من سنأخذها لهم اليوم." نهضت المرأة بسرعة وقالت: "إذن، هيا... ماذا ننتظر؟" ونهض الرجل متحمساً، حاملاً الطفلة على كتفيه. وهي فعلاً ظنّت أنهم ذاهبون للسوق... لكنها لم تكن تعلم أي نوع من "الأسواق" تلك. --- سلموها لصاحب القصر، كان في منتصف الثلاثينات، غير متزوج، يعيش مع إخوته وزوجاتهم وأبنائهم، والبنات يجعلونهن خدماً تحت مسمى "التربية". ولكن حين أخذوا "فيرا" إلى هناك، أُعفيَ عن البقية، وعادوا لحياة الرفاهية. في أول يوم لها في ذلك القصر، بكت بحرقة من أجل والديها... طفلة لا تفقه شيئاً عن شرّ الحياة. لكنهم لم يفهموا هذا، فعاقبوها؛ أولاً بالضرب من جميع أفراد الأسرة، وثانياً برميها في الإسطبل. ظنت أنها انتهت، ونامت على القش، لكنها لم تكن تعلم أن الجحيم قد بدأ للتو. دخل ذلك الرجل الأعزب بابتسامة على وجهه. فتحت عينيها، ورأته يبتسم... فابتسمت له. --- "سيدتي... لقد وصلنا." تكلم "ماريو"، ففزعت "فيرا" بخفة، إذ كانت قد انغمست في ذكرياتها كأنها تعيشها في الحاضر... "اسبقني إلى الخارج." قالت بخفوت، ليخرج هو. وبدأت تلوّح بيديها أمام عينيها كي تتراجع تلك الدموع... على الأقل لساعة، أو ساعتين في الحد الأقصى. تنهدت، ثم ارتدت قناع البرود: شفاه نازلة مُحتقِرة، عيون نائمة باردة، يدان مرخيتان، مشية موزونة. وحين دخلت القاعة، وزّعت عينيها على الديكور والمكان والتفاصيل أولاً... ثم على الناس. وكان هناك... في أحد الزوايا، ينظر إليها كالشبح وهو يشرب النبيذ الأحمر... يتخيل أنه دمها. هي أيضاً انتبهت له ونظرت إليه، ليهمس لها "ماريو" راجياً منها أن تبتعد عنه كي لا يتحول الحفل إلى بركة دماء. هي النار، وهو الوقود... ومعاً يحترقان، ويحرقان كل ما حولهما. ورغم أنها ابتعدت، لم تُنزِل عينيها، وهي حين استقرّت في مكانها، ثبّتت نظرتها عليه... لم تكن نظرات، بل رصاصاً... نيراناً متطايرة. الحفلة لا تمتّ له بصلة... لكنه وغد يريد إفساد اللحظة، وهي حقيرة لن تسمح له بسهولة. --- حان وقت تسليم الجوائز... الفقرة الأهمّ في هذا الحفل. نادى المقدم: "فيرا موروفا". لم تبتسم، ولم تُبدِ أي ردة فعل... حتى ملامحها لم تهتز. كانوا يصفقون، لكنها لم تكترث. حين وصلت إلى المنصة، ابتعد المقدم عن مكبّر الصوت لتُلقي خطابها، لكنها أخذت الجائزة وعادت أدراجها دون أن تنطق بكلمة. متوقَّع... لم يحاسبها أحد، لكنهم لم يستطيعوا كتمان دهشتهم. الصمت عندها موهبة، ولكن... حين جلست مجدداً على طاولتها قرب "ماريو"، رمت له الجائزة باستهتار، وقالت: "ضعها في السيارة، وإن استيقظ نمري، اجعله ينام ثانية." ثم أضافت بينها وبين نفسها، باستياء: "على كل حال، لقد أفسد تخطيطاتي." الآخر قرأ شفتيها، وفهم ما قالته لـ"ماريو"، وبما أمرته... فابتسم بسخرية جانبية، ثم نادوا اسمه: "رينزو ڤيتش... إلى المنصة، رجاء." صُدمت بشدة، حتى عدّلت جلستها وفتحت عينيها بصدمة، فاقترب منها "ماريو"، فشدّت ربطة عنقه حتى قربته منها، وقالت بين أسنانها بغضب: "ما نوع هذا الحفل، أيها الخسيس؟" نطق الآخر بتوتر وتلعثم: "حفل توزيع الجوائز، سيدتي..." ثم أخرج هاتفه بسرعة ليتأكد من البيان، وقال: "مكتوب أن هذا لذكرى الشركة السنوية، ليس..." دفعتْه، بينما الآخر كان قد أنهى خطابه القصير الذي لم يُجهّزه مسبقاً، وكانت على ملامحه ابتسامة نصر مستفزة جعلتها في موقف صعب وهي تحاول كتمان غضبها. "لقد تلاعب مجدداً... ألعابه الدنيئة لم تنتهِ؟ لا بأس، أيها الوغد." ثم نهضت بسرعة، وأمرت "ماريو" ألا يلحق بها، فانصاع لأوامرها وبقي جالساً، بينما خرجت هي من الباب الخلفي، لأن في الأمام توجد الصحافة. اتجهت إلى سيارتها بسرعة قبل أن يلاحظ أحد، فتحت خزانة القفازات، وأخرجت منها سلاحًا وسكينًا، ثم خرجت مرة أخرى وذهبت لتبحث عن سيارته... لم تكن تعرف أيّها سيارته بالضبط، ولكنها بحثت... حتى وصلت لطريق مسدود. لم يكن مسدودًا، بل كان مُعاقًا بـ "رينزو"... كان واقفًا كالشبح، يضم ذراعيه إلى صدره، يرتدي قفازات جلدية ومعطفًا أسود، كلّه أسود، ما عدا بشرته البيضاء التي بدت كصفحة ثلجية في ليلٍ مطير. وقفت "فيرا" تناظره ببرود. قال بنبرة منخفضة: "غبتِ لسنة كاملة... ولم تفهمي بعد." عبست بعدم فهم، ولم تحاول أن تفهم. اقترب خطوة، واقتربت خطوة، حتى لم يبقَ بينهما إلا خطوة واحدة. قالت: "المكان ليس مناسبًا." ردّ دون أن يغيّر نبرته: "أقول نفس الشيء." ثم أكملت طريقها، وهو كذلك في الاتجاه المعاكس. كانا لا يزالان في الخارج، تحديدًا عند مدخل موقف السيارات، ومن المؤكد أن أي شيء – أياً كان – لن يُفعل أمام العلن. كان لموقف السيارات بابان متقابلان... دخلت "فيرا" من الباب الأيسر، و"رينزو" من الأيمن. وبدون مقدمات، ولا إنذار، أطلق الاثنان الرصاص على بعضهما في ذات اللحظة. هي تجنّبت الرصاصة، وهو لم يفعل، لأن رصاصتها لم تكن لتصيبه. الصوت كان عالياً، سيجلب الأضواء، فرمت سلاحها، أما هو فأعاد مسدسه خلف ظهره، ثم نزع معطفه وستره، لكنه لم يخلع القفازات. "فيرا" حين تجنّبت الرصاصة، التوى كاحلها بفعل الكعب العالي، لذا بقيت في مكانها، لا استسلاماً، بل لتُظهر ذلك عمداً. اقترب منها وأمسك عنقها، رفعها إلى الأعلى... كانت تختنق، وكانت قبضته المشدودة حول رقبتها تؤلمها، لكنها لم تكن من أولئك الذين يستسلمون بسهولة. ضربت وجهه بقدمها، ثم دفعته بكعبها، فسقطت هي على الأرض، وتراجع هو يمسك فكه، وقال: "ما هذه الضربات الضعيفة مثلك؟ ألا يمكنني الحصول على خصم قوي لمرة واحدة؟" قالها بصوت عالٍ ضاحك، وهي بدأت تشعر بالقرف منه. خلعت حذاءها، ثم جرت نحوه. وحين وصلت إليه، قفزت فوقه، استقرت على ظهره، وشدّت شعره للخلف ليرتد بجسده معها. أكان ضعيفًا؟ أم أنها أصبحت أقوى منه؟ أمسك بيديها، مال للأمام، وسحبها بقوة وسرعة، حتى أصبحت أمامه على الأرض. بدأت تلهث، ثم أخرجت سكينًا كان مربوطًا في فخذها، نهضت من جديد، وقالت: "لقد طالت مدة بقائك." تقدّمت نحوه، لكن السقطة السابقة جعلتها تشعر بالدوار... تجاهلت الأمر، اقتربت ببطء، وهو لا يزال يضحك. "ضعيفة..." ابتسمت بجانبية، أنزلت رأسها، ورفعت يدها التي تمسك بالسكين، وأرادت أن تغرسها فيه، لكنه أمسك بيدها، ودفعها بقوة بقدمه. هناك شيء خاطئ... شعرت به "فيرا"، وكذلك "رينزو". هي أضعف منه، نعم، لكن ليس إلى هذه الدرجة. المعركة بالكاد بدأت... فما الذي أصابها؟ رفعت نظرها إليه، لكن لم ترَ "رينزو"... رأت ما هو أسوأ. ذلك العجوز... هو من كان أمامها الآن. أحسّت بالرهبة، بالخوف، وبدأت أطرافها ترتجف، والدموع تتجمع في عينيها. "رينزو" كان لا يزال واقفًا في مكانه، يضم ذراعيه إلى صدره، ينظر إليها باستغراب، بينما كانت تناظره هي بخوف. بدأ "رينزو" يفكر... ربما حان وقت التخلص منها، وهي في أضعف حالاتها. لكنه لم يتحرك، وفجأة، دخل "ماريو" راكضًا نحو رئيسته، بينما التقط "رينزو" معطفه وستره من على الأرض وتوجّه نحو الخروج. "سيدتي! سيدتي، أفيقي! هل أنتِ بخير؟!" هذا ما سمعه "رينزو" قبل أن يلتفت، ليرى خصمه... مغشيًا عليها. هناك خطب... وأيًا يكن هذا الخطب، فعليه أن يبقى طويلاً... ليجد هو الفرصة المناسبة، ويتخلص منها. همس لنفسه، قبل أن يخطو أول خطوة خارج الموقف.
_duaruby_