عندما يصبح كل شيء أزرق

عندما يصبح كل شيء أزرق

18 0

When everything is Blue...

___________________________

" 𝐻𝓊𝓃𝒹𝓇𝑒𝒹 𝒮𝒽𝒶𝒹𝑒 𝑜𝒻 𝐵𝓁𝓊𝑒"

__________________

ذلك الشعور الموحِش انك ترغب في إمساكِ يد احدهم لعبور الطريق لا يفارق صدره، دائمًا يحتاجُ شخصًا بجانبه، ليس فقط نفسيًا؛ ولكن ايضًا بشكل ملموس...

وقف ينظر إلى إشارة المرور التي تلعب بالألوان الثلاثة التي لا يرى چين اي منها، شرد قليلًا ناحيتها وتذكر توبيخه مرات عديدة لعدم تعرفه على ألوانهم لسنوات طويلة، احمر، اخضر، ما هذا؟!

هو لم يعرف في حياته إلا لونين الازرق والاصفر، وكان هذا منذ زمن بعيد، فحتى ذلك اللون الاصفر انقشع الآن، وتبقى له لون واحد فقط، الازرق؛ مئة طيف من الازرق...

بدأ الناس بالعبور فعبر معهم إلى الجهة الاخرى التي هي تمامًا امام منزل جدته، طرق چين الباب عدة مرات بخفة، ثم دخل بهدوء مبتسمًا بإشراق ليستهل وجهه بجدته التي استقبلته بترحاب وسعادة بالغة، تحتضنه وتقبل وجنته وجبهته:

- مرحبًا صغيري، كيف حالك؟

- بخير جدتي، تبدين افضل اليوم، اخبرني ابي انكِ توعكتِ بالأمس...

- لا شيء فقط والدك يبالغ، كنت اشعر بقليل من الم المفاصل لا اكثر.

- الن تتوقفي عن تربية تلك الدجاجات؟ انتِ تهدرين طاقتك عليهم.

- ثم ماذا افعل؟ انا طوال النهار اجلس وحيدة.

دفعته بخفة ليجلس بجانبها ارضًا فتنهد بتعب:

- وكم مرة طلبنا منكِ ان تعيشين معنا؟

- وكم مرة علي اخبارك انني لا احب ان اعيش مع احد! كنت اطرد جدك احيانًا من المنزل...

قهقه چين بشدة ثم نظر لها بحب وقبل جبهتها بحنان:

- كما تحبي، عيشي في اي مكان تفضلينه وانا سآتي إليكِ اينما كنتِ!

ربتت على يده ليضع رأسه فوق ساقها يناظرها من الاسفل بينما هي تمرر يديها بين خصلاته الناعمة، صمتت قليلًا لتعطيه فرصة للهدوء، ثم سألت بلطف سؤالاً تعلم انه سيزعجه:

- الم تتحدث مع هانا مجددًا؟

زفر چين بضيق شديد ووضع ذراعه فوق رأسه يغطي عينيه، فأزاحت الجدة ذراعه لتتابع:

- لما تتحانق عليّ؟ انا اسألك امرًا اجب بنعم او لا...

نهض من نومته يطالعها بهدوء:

- جدتي نحن انفصلنا! انا وهانا لا نتناسب ابدًا، هي تريد اشياء معينة وانا لا يمكنني توفيرها لها...

- الا يستحق الامر ان تحاول؟ لقد بقيتم معًا لمدة طويلة، اربع سنوات ليس بالقليل.

- اربع سنوات ولم تستطع فهمي ولا مرة! كنت انا دائمًا من اتنازل! كان انا من علي التغير والتطور من اجلها ولكن هي! هي اكتفت باصطياد الاخطاء لي اكثر من تقديم المشاعر...

- حسنًا عزيزي اهدأ، لا بأس، هكذا العلاقات، إذا لم تكن مرتاحًا عليك الرحيل...

مسحت على وجهه وشعره بابتسامة هادئة؛ لتتغير ملامحه إلى الهدوء كذلك ويبتسم بدفء لها مقبلًا كف يدها:

- لقد صنعتُ لك حساء البطاطا الحلوة الذي تحبه، سأحضر لك طبقًا كبير.

صفق چين بحماس طفولي، فنهضت الجدة لتحضر له الطعام ثم نادته من الداخل لتتابع حديثها معه:

- كيف العمل؟

دخل إلى المطبخ خلفها يجيبها:

- بخير، اعمل ليلاً هذه الايام، هذا اكثر راحة لي...

- جيد، جيد، وكيف حال المشاغب الصغير؟

- فريدي! اااخ إنه يحتاج إلى إعادة تربية!

صدحت ضحكة الجدة في المنزل لتنبس بخفة:

- لقد اخبرت والدتك بهذا اخر مرة ولكنها ظنت انني ابالغ، لقد مر بي الاسبوع الماضي وصنع لي الحلوى، كما احضر بعض الطعام المجمد لتبقى بالثلاجة، قلتُ في نفسي ما هذا؟ متى كبر وعقل هكذا؟ مكث الوغد عندي لساعتين يأكل ويشرب ويرتع وفي النهاية مر عليه صديقه ليأخذ المجمد من الثلاجة بعد ان ظننت انه لي!

انفجر چين ضاحكًا بينما يقف خلفها عند باب المطبخ، حتى اعطته جدته الاطباق وجلسوا سويًا يأكلون ويتبادلون اطراف الحديث...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في مقهى صغير وسط البلدة جلست "إيڤ" مع صديقتها "جيسيكا" في انتظار طلبهم:

- جيسيكا، هل تمزحين؟ انا قطعت علاقتي بهذه السافلة منذ الثانوية، بالطبع لن اذهب...

- اسمعي إيڤ! "باتريشيا" تغيرت تمامًا ولم تعد كالسابق، منذ وفاة والدها وهي تعول نفسها واختها، اصبحت اهدأ واكثر تحمل للمسؤولية، حفل خطبتها بسيط للغاية وفي منزلها المتواضع، وهي ارادت اصلاح حياتها السابقة بالكامل، وكنتِ انتِ اهم شيء!

- لا چيسي! لن اذهب...

- كما ترغبين، ولكن هذه ليست انتِ...

تنهدت إيڤ بتعب:

- انا لا يمكنني مسامحتها على تنمرها علي، هي لم تتنمر فقط علي؛ هي اذتني حتى في دراستي ومستقبلي، وانا لا ارغب حتى برؤية وجهها الجميل كاللعنة...

- حسنًا حسنًا، اهدأي، انا اتفهمكِ، الم تتخطي بعد؟

- لا لم افعل... ولن افعل...

نظرت لها جيسيكا بشفقة...

كانت إيڤ تتدرب باجتهاد لتصبح لاعبة جمباز، ولكن بسبب تنمر باتريشيا عليها تعرضت لكسر في الحوض وانزلاق غضروفي افسد عليها فرصة ان تحصل على بطولة او حتى تتابع لعب الرياضة...

وفي العام الاخير قبل دخول الجامعة قامت باتريشيا بتبديل اوراق اختبارها بأوراق إيڤ لتنجح هي وترسب إيڤ مضطرة إلى إعادة العام بكامله!

ما فعلته باتريشيا لا يغتفر، ولكن بما ان إيڤ اكثر من مجرد شخص طيب وافقت في النهاية ان تذهب إلى حفل الخطبة، ولكن هذا لا يعني انها سامحتها!

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في المساء عاد چين إلى منزله بعد العشاء مع الجدة، ثم تركها لتنام باكرًا كما يطلب منه والده دائمًا؛ وصل چين إلى المنزل، ودخل يقبل رأس والدته ويدها ثم بحث بعينه عن اخيه:

- اين فريدي؟

- يسهر مع اصدقائه الليلة، سيذهب إلى معسكر الكرة غدًا لأجل البطولة المحلية.

- كان عليه النوم باكرًا إذًا!

- لا تقلق سيأتي متعبًا وينام فورًا.

- واين ابي؟

- يشتري بعض البقالة والدخان...

- امي اريد ان اسألك شيئًا!

همهمت له ليكمل:

- هل قابلتِ هانا مؤخرًا؟!

- لا، هل سألتك جدتك عنها مجددًا؟

- اجل...

كوبت والدته وجهه بين كفيها:

- لا تنزعج حبيبي، هي فقط تعلم ان هانا فتاة جيدة، لذلك لا يمكنها تقبل انفصالكم، ثم إنها لازالت تزور جدتك...

- هذا شأنها، انا لا اهتم...

ربتت والدته على ذراعه بينما وقف هو بجانبها يقطع الخضار ويعد طبق السلطة، ساعد چين والدته في إعداد العشاء ولم يجلس ليتناول الطعام معهم، فهو دخل يبدل ملابسه سريعًا ليخرج إلى العمل...

وصل إلى عمله، ودخل يجلس وحيدًا في المكتب الكبير يعمل بمفرده...

چين يعمل مديرًا لإدارة الحسابات في احد الشركات الكبيرة، صحيح ان العمل يكون صباحًا؛ ولكن بسبب ظروفه الخاصة يسمح له المدير بالعمل وحده ليلًا في المكتب حيث الضوء خافت وشاشات الأجهزة مغلقة...

كان چين مصابًا بإحدى حالات عمى الالوان التي لا تسمح له برؤية اي طيف من الألوان إلا الاصفر والازرق، ولكن مع الوقت ساءت الحالة حتى اختفى اللون الاصفر ايضًا، وتبقى له اللون الازرق فقط...

هذه الحالة تصحبها بعد الرعشات في العين، وحساسية للضوء الشديد، لذلك العمل مع الحاسوب صعب، ومع الإضاءة صباحًا مستحيل، ولكن حين يخفت الضوء، ويظلم العالم، يصبح اكثر وضوحًا، وبين الابيض والاسود والرمادي لا يستطيع ان يرى إلا بعض الزرقة تتخلل كل شيء...

هو لم يتمكن من الدخول الى اي مجال فني، ولا مجال قانوني، ولم يتمكن حتى من دخول مجال الهندسة، ولا الطب، بسبب حالته التي تلازمه منذ ولادته، وقد يرى البعض ان ما من مشكلة لاختفاء الالوان، ولكن! عالم باهت بلا الوان ليس فقط كئيبًا، بل إنه خطير احيانًا...

انتهى چين من عمله فجرًا، ثم خرج يسير في الطرقات المظلمة، إنه مريح ان يرى كل شيء اسود؛ لأنه اسود فعلًا، لذا الظلام مريح لعينيه، ومريح لعقله...

بينما هو شارد في بعض مسائل العمل، ويفكر في احضار هدية لفريدي قبل الذهاب إلى معسكر الفريق، تسربت إلى اذنه ضوضاء من احد الازقة الخلفية، فتسلل بهدوء ليتحقق مما يحدث، ليرى فتاة تقف بظهرها وتمسك فتاة اخرى من ملابسها تنهرها بشدة وتصرخ بها بكلام لم يتبين تفاصيله!

ولكن بعد وهلة لاحظ جسد ساقط امامهم، وقد ادرك توًا انها ربما حالة طارئة، فركض بسرعة إلى هناك وحين شعرت به الفتيات ركضن بعيدًا، بينما تصرخ إحداهما في الاخرى:

"لما فعلتِ هذا هل جننتِ؟! من انتِ؟"

ريثما وصل چين إلى هناك كانت الفتاتان تفرقوا كل منهم في اتجاه، بينما هو وجد نفسه امام جثة هامدة! فتاة في العشرينات من العمر هامدة على الارض مع ضربة شقت رأسها لنصفين!

وقف چين مشدوهًا! لا يمكنه استيعاب ما يحدث، وكل ما استطاع فعله هو إخراج هاتفه والاتصال بالطوارئ والشرطة...

كانت هناك عصا واقعة بجانبها تبدو انها سلاح الجريمة لذلك لم يلمس اي شيء، هو فقط ابتعد عن الجثة ووقف يراقبها من بعيد منتظرًا قدوم الشرطة!

جلس چين مع رعشة تسري في اطرافه لوهلة، ولكنه هدأ حين وصلت الشرطة! تلفت الضابط حوله يتساءل عن هوية من ابلغ ليظهر چين امامه ينحني بأدب:

- چين سيدي، انا من ابلغت...

مد يده يصافحه...

- المحقق ديفيد چو، شكرًا لك، هل انت بخير؟ هل يمكنك اخباري ما حدث؟

- اجل...

اخرج ديفيد من جيبه دفتر ملاحظات صغير، وقلم، وبدأ بسؤال چين وتسجيل ما يجيب به:

- ما سبب مرورك من هنا في هذه الساعة؟

- كنت عائد من العمل...

- ما طبيعة عملك؟ لما تعمل حتى هذا الوقت؟

- اعمل مديرًا لإدارة الحسابات في شركة ETC ولكن لظروف ما اعمل ليلًا.

- حسنًا، سيد ، تفضل اخبرني بالتفاصيل...

تنهد چين ليهدأ ثم افرج عن شفتيه يخبره ما حدث:

- كنت مارًا من هنا حين سمعت الضوضاء فاقتربت للتحقق، وجدت فتاتين تقفان هنا ويتقاتلون سويًا، ثم انتبهت لوجود هذا الجسد ملقى امامهم! حين بادرت بالاقتراب ركضن بعيدًا، وقالت احداهما للأخرى لما فعلتِ هذا؟ هل جننت؟

- هل يمكنك وصف اي شيء مميز بهما؟

- كان الظلامُ حالكًا، وكانوا يقفون بظهورهم لم ارى وجههم!

- كيف كانت هيأتهم؟

- كانوا متشابهات، شعرهم متوسط الطول، وقامتهم قصيرة، واحداهم تحمل حقيبة ظهر سوداء، لا شيء مميز...

تنهد ديفيد بيأس ثم فرك بين حاجبيه ونبس:

- حسنًا، شكرًا لك سيد چين، لو تذكرت شيئًا آخر ارجوك اخبرنا، ومن فضلك سنقوم باستدعائك اثناء التحقيق يرجى التعاون معنا.

- بالتأكيد سيدي اي وقت.

- شكرًا لك، يمكنك الذهاب.

عاد چين إلى منزله مرهقًا بعد يوم طويل، استطاع بصعوبة تمالك نفسه للحصول على حمام دافئ يريح اعصابه التي تلفت، ثم ذهب للنوم...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

بعد يومين في قسم الشرطة.

- انا حقًا لم اقتلها، لم افعل اقسم لك! لقد كانت فتاة بشعر احمر!

- ولكن آنسة باترسون، كاميرات المراقبة التقطتكِ بالفعل وانت تخرجين من ذلك الزقاق في نفس وقت الإبلاغ تقريبًا! وكنتِ وحدك!

تعالى بكائها وهي تنتحب إنكارًا لأي صلة لها بالجريمة!

- لقد ذهبت من الاتجاه الآخر اقسم انا لا اكذب!

- آنسة باترسون! الجميع قال ان المجني عليها باتريشيا كانت تتنمر عليكِ قديمًا، وانكم لم تلتقوا منذ الثانوية، لما ذهبتِ إلى حفل خطبتها إذًا؟

- لقد دعتني، ارسلت لي دعوة مع صديقتنا جيسيكا، واخبرتني جيسيكا انها تغيرت واصبحت مسؤولة واردت ان اعطيها فرصة، من فعلت هذا فتاة اخرى!

- انتِ تقولين انكِ لا تعرفينها! ولا تتذكرين شكلها! كيف يفترض ان نصدقك آنسة باترسون!

بدأت إيڤ بالبكاء وتقسم انها لم تفعل، وتكرر انها فتاة حمراء الشعر:

- كانت فتاة بيضاء بشعر احمر ناري ليس فيها شيء مميز إلا شعرها! اقسم، اقسم، هي من فعلت!

- ولكن الشاهد الوحيد على الامر هو الشخص الذي ابلغ، وهو بالفعل قال إنه كان يوجد فتاتان بجانب الجثة، ولكن لم يذكر اي شيء عن شعر احمر، اذا اتضح انكِ تضللين العدالة وتعرقلين التحقيق ستكونين في مشكلة!

- احضروه، احضروه ليواجهني، سيتعرف علي بالتأكيد!

ارسل ديفيد إلى چين ليحضر مجددًا، ثم جلس مع إيڤ ينظر إليها بغرابة! ليسأله ديفيد:

- نعتذر عن ازعاجك سيد چين! ولكن الآنسة تصر انك رأيتهم اثناء مغادرة موقع الجريمة، هل هذا صحيح؟

- اجل

- هل كانت هناك فتاة اخرى تصرخ عليها الانسة بارك؟

- انا سمعت إحداهما تقول للأخرى لما فعلتِ هذا؟ هل جننتِ؟ ولكنني لم اعرف اي منهم، لانهم بالفعل كانوا يولون ظهورهم لي.

انتفضت إيڤ بانفعال ورجاء تتوسله:

- فقط اخبرهم انه كان هناك فتاة ذات شعر احمر ناري معي!

- شعر احمر!

- اجل، اجل، صحيح، انت رأيتها!

- لم ارى شيئًا، ولا يمكنني الإدلاء بشهادة لست متأكدة منها.

- ولكنك رأيتها! لقد كنت تقربنا بشدة!

- لا...

طرقت إيڤ على الطاولة بغضب:

- اللعنة! انت كنت تقربنا بخطوات!

نبهها ديفيد لنبرتها الغير مهذبة، فجلست القرفصاء في زاوية الغرفة تحتضن ساقيها وتبكي بشدة، نظر لها چين بشفقة وشعر انه ربما يدمر كل شيء إذا لم يتحدث بصراحة!

شرع المحقق ديفيد ليشكره ويسمح له بالخروج، ولكن اوقفه نداء چين:

- سيدي المحقق...

انتبه إليه للحظة فأردف چين:

- انا مصاب بعمى الالوان، لا يمكنني رؤية اللون الاحمر، إذا كانت هناك فتاة ذات شعر احمر لن اعرف ذلك، اعتذر آنسة باترسون...

توقفت شهقاتها لحظة! وانتبهت حواس ديفيد نحوه:

- عمى الوان؟

- اجل عمى كامل للألوان.

تنهد ديفيد بتعب ويأس، بينما ظل چين شاردًا في اللا شيء، حتى سمح له ديفيد بالخروج، ثم جلس بيأس امام إيڤ التي ابتلعت صدمتها بصمت مجحف، هي ظنت إنه لربما لا يزال هناك امل لها ولكن لا يبدو الامر كذلك؛ ضم ديفيد يديه امامه على الطاولة ثم نبس بحسم:

- ليس لدي حل سوى استكمال حجزك لحين انتهاء التحقيق.

عاد چين إلى المنزل في العاشرة صباحاً تقريبًا، والديه في العمل، وفريدي غادر إلى المعسكر؛ دلف إلى المنزل وجلس على الاريكة يحدق في الفراغ ويتساءل ماذا لو كانت شهادته قد تقذف احدهم إلى الجحيم؟ ماذا لو سبب مشكلة اكبر؟

ألقى اللوم على نفسه لمدة ثم افاق ليدخل إلى الحمام ويملأ حوض الاستحمام؛ ثم يغوص في قاعه تاركًا لأنفه مساحة للتنفس فوق الماء، حدق في السقف من اسفل الماء؛ هو لا يرى شيء، فقط الرمادي...

امواج من الابيض والرمادي...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

مر اسبوع بعد حادثة الإدلاء بشهادته، ووصلته اخبار من قسم الشرطة بالعثور على الجاني، انها بالفعل فتاة ذات شعر احمر ناري، كانت الحبيبة السابقة لخطيب المجني عليها؛ وتم الإفراج عن المشتبه بها إيڤ باترسون.

ارتاح قليلًا لسماع الخبر، ولكنه ابقى في قلبه غصة لعدم قدرته على الاعتذار لها، فقد كاد ان يورطها في مشاكل كبيرة، ثم قرر چين الذهاب الى منزل جدته ليقص عليها ما حدث معه، وكالعادة جاء ردها مواسيًا لقلبه:

- اوه عزيزي، اتمنى ان لا تواجه مثل هذا لاحقًا، عليك دائمًا، ان تكون واضحاً بشأن هذا الشيء.

- انا واضح جدتي، واضح للغاية ولم اخفيه عن عمد، ولكن حين وجدت ان هناك علاقة باللون الاحمر كان علي التصريح بهذا...

مسدت شعره ووجنته بينما هو ينام في حجرها كالمعتاد:

- احسنت عزيزي، احسنت...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في حديقة كبيرة لإحدى المستشفيات جلست إيڤ ارضًا تفحص التربة اسفل بعض النباتات الذابلة، وبجانبها صديقتها جيسيكا تأخذ عينات من الاوراق والسيقان؛ إيڤ عالمة نباتات، ومهندسة زراعية تشرف على حدائق الزينة والحدائق العلاجية في بعض المستشفيات، وهي ليست بارعة في عملها وحسب؛ بل هي ايضًا تحبه بشدة:

- إيڤ انظري! هناك فطريات على الجذور من الاسفل...

- اممم هذا سبب سقوط الاوراق إذًا!

- إنها فطريات خمرية وستنتشر بسرعة!

- لا انها خاصة بالجذور الرطبة لا يمكنها الوصول للأماكن الجافة، لا تقلقي.

- ااااه يكفي اليوم إيڤ، اصبح ظهري يحتاج إلى تغير فقرات!

قهقهت إيڤ على تذمر صديقتها المنزعجة، ثم نهضت بحماس تمدد جسدها يمينًا ويسارًا:

- سأصعد لمدير المشفى للحظة ثم اعود، اجمعي الادوات، وإياك ان تنسي المقص كالمرة السابقة ستدفعين ثمنه!

سخرت منها جيسيكا بملامحها ثم تركتها إيڤ وصعدت إلى المدير لبعض الوقت، ثم خرجت مسرعة إلى الخارج، واثناء سيرها بالممر لمحت طيف احدهم من بعيد تعتقد انه مألوف، فاقتربت منه بتحقق:

- آه إنه هو، لما يسير مثل الزومبي هكذا؟

اخذت انفاسها واقتربت منه بحذر:

- سيد چين! مرحبًا.

نظر لها بتحقق محاولاً تذكر اين رآها من قبل، يصعب تذكرها الآن وهي في حُلة نظيفة، وشعر مرتب، وزينة وجه لطيفة؛ كانت مبعثرة ومتورمة اثر البكاء في مركز الشرطة..

ضيق عينيه في محاولة للتركيز حيث إن الضوء يزعجه، وقد لاحظت إيڤ هذا فرفعت يدها تخبئ الضوء عنه ثم مدت الاخرى تصافحه:

- انا إيڤ باترسون، المتهمة السابقة بالقتل هل تذكرتني؟!

اغمض عينيه في حرج لتبتسم هي متفهمة:

- لا تقلق لم آتي لأوبخك انـ..

- اعتذر...

- لم ارغب في الاعتذار حقًا...

- إنه واجبي ان اعتذر حين اتسبب في المشاكل...

- اعتذر ايضًا عن وضعك في موقف ثقيل عليك، لابد إنه من غير المريح لك ان تصرح بهذا!

تنهد چين بتعب ثم اومأ لها:

- لا بأس، انا معتاد على هذا.

- هل انت في زيارة لأحد؟

- لا، متابعة، من أجل عيني.

- آه حسنًا، اممم هل ترغب بتناول القهوة بعد الانتهاء!

- لقد انتهيت، ولكن شكرًا لكِ، لدي عمل.

- آه... حسنًا ربما في مرة اخرى.

غادر چين وتركها حائرة، اقشعر جسدها لرمشاته المتتالية كأنه متوتر او خائف، لترفع كتفها في يأس وتذهب، بينما عاد چين إلى منزل جدته التي استقبلته بحفاوة كالمعتاد ة، واعدت له بعض المشروبات الدافئة؛ جلس قليلًا شاردًا، ثم تفوه بسؤال:

- جدتي ماذا يعني ان تطلب مني فتاة تناول القهوة؟

- يعني انها ترغب مشاركتك وقت القهوة.

- يعني؟

اقتربت الجدة منه بمكر تسأل:

- من فعلت؟!

- اااخ.. هل تتذكرين الفتاة التي شهدتُ في قضيتها منذ مدة...

- اجل...

- انها هي.

- هل انت متأكد انها لن تضع لك السم في القهوة؟

قهقه چين بخفة وهز رأسه بيأس:

- ارجوكِ جدتي، توقفي عن مشاهدة الافلام البوليسية!

- ماذا تتوقع؟ هذا غريب، كانت الفتاة ستذهب وراء الشمس بسببك ولكن الآن تدعوك للقهوة، اليس غريبًا؟

- اجل، لذلك رفضت.

- ايها الاحمق!

نقرت بإصبعها بقوة فوق جبهته:

- اااه جدتي! لما انا احمق؟ الم تقولي ان هذا غريب؟

- لا ترفض دعوة الفتاة ابدًا.

- حقًا؟ الم تقولي توًا يمكن ان تضع لي السم في القهوة؟

- ماذا اخبرتها ايها الغبي...

- انا لست غبيًا، اخبرتها ان لدي عمل وربما لاحقا في مرة أخرى...

- كاذب، هي من اقترحت مرة اخرى...

- كيف عرفتِ؟

- انت لست بهذا الذكاء!

دور چين عينيه في ملل ثم تحدث بجدية:

- جدتي، انا اشعر بالنقص دائمًا، لا ارغب بمصداقة احد، ولا الارتباط مجددًا، كانت علاقتي مع هانا تقليدية، قدمتنا عائلتنا لبعضنا البعض، لذلك لا اعرف كيف يختار المرء شريكه.

- هناك عدة انواع من العلاقات، علاقات لا نختارها مثل الاهل، انهم روابط تولد معنا؛ وعلاقات اخرى نختارها بعناية، وهذا شخص مثل الازواج والعمل وحتى الدراسة احيانًا؛ اما ذلك النوع الثالث فهو يكون مع المؤمنين فقط!

- المؤمنون؟!

- اجل، الاشخاص الذين يؤمنون بالقدر، إنها العلاقات التي يضعها القدر في طريقنا، ربما لم نختارهم، ولم نبحث عنهم، هم فقط وقعوا في طريقنا...

- وكيف نتعامل مع هذا النوع؟

- الوضوح، عليك ان تكون واضحًا في تعاملك، وصريح مع نفسك بشأن مشاعرك، اذا شعرت انك لا ترغب بوجود احد بجانبك ابعده!

- مثلما فعلت مع هانا؟

- تمامًا، ولكن ايضًا إذا رغبت في وجود احد بجانبك، اخبره، مثلًا لو اردت احتساء القهوة مع احدهم، افعل!

تنهد چين بثقل:

- لا اعرف...

- لا بأس، دائمًا هناك فرصة اخرى.

- ماذا لو لم اقابلها مجددًا؟

- هل تريد ان تقابلها؟

- اجل... هي.... اعتذرت لي.

- هي من اعتذرت؟ لأجل ماذا؟

- لأنها جعلتني اشعر بعدم الراحة وابوح بشيء يخصني بهذا الشكل.

- أووه انها فتاة مهذبة للغاية، إذا قابلتها مجددًا ادعوها انت للقهوة.

ابتسم چين بخجل طفيف واحمرت وجنته بلطف، وهز رأسه موافقًا على اقتراح جدته.

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

بعد عدة ايام، وفي حديقة إحدى الشركات وقفت إيڤ وجيسيكا يتابعوا نمو نباتات الخريف التي بدأ موسمها للتو:

- جيسيكا انظري هناك، زهرة الثالوث تلك جميلة...

- اوه! لقد ازهرت باكرًا! لايزال لديها اسبوعين...

توسعت ابتسامة إيڤ وهمست بسعادة:

- ممم اجل، ولكنها لا تطيق الانتظار.

- لأعترف بشيء لكِ إيڤ، لم ارى في حياتي شخصاً يحب النباتات مثلك...

- النباتات كانت امل الشفاء للبشر لآلاف السنين، اعتمد عليها البشر للعلاج والطعام وحتى الزينة ونشر السعادة، انا لا احب النباتات! انا ممتنة لهم...

اطلقت جيسيكا ضحكة ساخرة ثم جمعت اشياءها وهمت بالذهاب:

- هيا، الن تذهبي للبيت؟

- لا لا، لدي مكان اذهب إليه! أراكِ لاحقًا.

ودعوا بعضهم البعض، وغادرت جيسيكا للمنزل بينما توجهت إيڤ إلى المشفى الذي قابلت فيه چين، دخلت إلى مكتب الاستقبال تسأل عن طبيب الرمد:

- مرحباً هل طبيب الرمد متواجد اليوم؟

- آجل آنستي

- جيد اريد حجز موعد...

- تفضلي بالجلوس، آخر كشف بالداخل وانتِ التالية...

جلست إيڤ تنتظر دورها حتى نادت عليها الممرضة:

- الآنسة إيڤ باترسون، تفضلي.

نهضت إيڤ ودخلت إلى الطبيب الذي جلس امامها يطالعها وهي تطالعه دون التفوه بحرف، حتى تحمحم الطبيب ينبهها:

- احم احم!

- آه... عمى الألوان!

- ما به؟

- هل حالات عمى الألوان تؤثر على رؤية الشخص الفعلية؟

- هذا سؤال عام بشكل كبير، هناك عدة انواع لعمى الألوان، مثلًا عمى الوان الاحمر والاخضر حيث يبدو فيه اللون الأخضر أكثر احمرارًا.

- يعني ان لم يرى الاخضر يمكنه رؤيته احمر، صحيح!

- اجل، والعكس يرى الاحمر اخضر.

- اتوجد حالات لا ترى كلاهما؟

- ليس الأمر إنه لا يرى اللون، هو يراه ولكن لا يمكنه التمييز هل يمكنك استيعاب الفكرة؟

- اممم ماذا عن اللون الاحمر؟ اذا لم يستطيع المريض رؤيته تمامًا، ماذا يعني؟

- يعني انه يعاني من عمى الالوان التام، وهذا نوع لا يمكن للمريض تمييز أي لون من الألوان، إذ أن كل شيء يظهر باللون الرمادي أو الأسود والأبيض، وهي أشد أنواع عمى الألوان.

- هل يؤثر هذا على عمل العين الفعلي؟

- نسبياً نعم، عند معاناة المريض من حالة العمى التام سيؤذي الضوء الساطع عينيه، وسيعاني أيضًا من الرأرأة اي رمشات متتالية لا يستطيع المريض السيطرة عليها...

- هل يوجد عمى للون الأزرق!

- لا، لأنه يمكن ان تتوقف مخاريط الالوان جميعًا ولن تؤثر على عمل العين، اما إن توقف احد مخاريط اللون الازرق مثل حالة العمى التام؛ تصبح رؤية المريض ضعيفة، ويعاني من قصر النظر، وقد يعاني من الرأرأة ايضًا، لذلك يوجد نوع يسمى العمى الكامل، وهو عدم رؤية اي لون باستثناء الازرق.

- الرأرأة... إذا هو اما مصاب بعمى كامل او تام! كيف يمكنني مراعاة نفسية الشخص بهذا النوع من العمى؟

- لا اظن ان هناك الكثير من الاشخاص مصابون بهذا النوع، طوال عملي هنا لمدة عشر سنوات لم يزورني إلا مريضان فقط مصابون بهذا.

- حقًا؟

- اجل، فتاة صغيرة منذ حوالي سبع سنوات، وشاب منذ حوالي ثلاثة سنوات.

- شاب! هل هو طويل هكذا ووسيم؟

- هل تعرفينه؟

تنهدت بتعب معلنة عن نهاية الحديث:

- لا، شكرًا لك ايها الطبيب، اعتذر عن تضيع وقتك...

خرجت إيڤ تترنح بعدما سمعته، كيف يعيش احدهم في عالم بلا الوان، ترى هل يمكنه التقاط اللون الازرق؟ ام انه يرى كل شيء ابيض واسود ورمادي؟

تشتت ذهنها حتى كادت تخرج من المبنى، لكنها ارتطمت بقوة بشخص يركض، نظرت بقوة إليه ولكنها تذكرت انها في المشفى، وبالتأكيد من يركض هو في حالة طارئة، فوقفت تتفحص الشخص الذي اصطدم بها لتفزع!

- ها! إنه انت! ايها الشاب هل انت بخير؟

اشار بيده يبعدها عنه بينما يردد:

- بخير، بخير.

نظرت له فإذا بعينيه تدمع بشدة، ولا يمكنه الرؤية جيدً، فاقتربت منه باندفاع تسنده إلى معصمها:

- سأساعدك في الصعود للطبيب، تفضل.

- لا بأس، انا سأصعد.

شدت على يده بينما يضع هو الاخرى على عينه يغطيها:

- بلا عناد! هيا اصعد معي.

استسلم چين لها، فهو بالفعل لا يرى جيدًا؛ حتى وصلوا إلى الطبيب فأشارت له بالنفي حتى لا يذكر امر زيارتها منذ قليل، وقام الطبيب بعمل اللازم له واعطاءه العلاج المطلوب مع كتابة اسم دواء آخر له، ثم خرج چين بصمت وخرجت خلفه إيڤ إلى أن وصلوا إلى مقعد الحديقة...

جلس دون التفوه بأي شيء، وجلست هي بجانبه بهدوء ايضًا:

- أنا مصاب بعمى الوان...

- اعرف...

- كامل.

نظرت له بألم وابتلعت ريقها بصعوبة:

- عمى الوان كامل؟ الا يمكنك رؤية اي لون؟!

- الازرق... فقط الازرق

تنهدت قليلاً ثم نظرت له بثقة ونبست:

- أتعلم شيئًا، لا يفوتك الكثير!

التفت لها بتعجب! وطالعها بينما تتلفت هي وتبتسم باتساع:

- هل تريد شرب القهوة معي؟

صمت للحظة ثم ابتسم بنعومة واومأ لها موافقًا:

- لنشرب القهوة...

سحبته من كم قميصه وانطلقت نحو المقهى لتحصل على كوبين من القهوة، وقضى چين معها وقتًا طويل لم يحسب مدته، تحدثا في مختلف الاشياء حديثٌ سلس ومرح، كانت مشرقة ودافئة بشكل ارغمه على مبادلتها الابتسام والبهجة، حتى إنه لم يشعر إلا وقد حل الليل وهم يتجولون بالشوارع، وبجوار النهر، والحديقة، وبين المتاجر الصغيرة...

عاد چين إلى منزله ذلك اليوم سعيدًا مبتهجًا لأول مرة منذ سنوات، تسطح على سريره يناظر السقف الرمادي في عينيه، ويتذكر احداث اليوم، والاهم من ذلك، يتذكر مشاعره اليوم!

لقد كان سعيدًا، لم يشعر بالأسى، ولم ينتبه للحظة إنه لا يرى الالوان، وكأنها ملأت ذلك الفراغ في عينه حتى لم يعد للألوان معنى...

اغمض عينيه في سلام يستمتع بإحساس الرضى الذي لم يحصل عليه ابدًا تقريبًا، حتى غط في نوم عميق...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

مرت ايام منذ لقاء چين الاول مع إيڤ، لم يحكي لجدته ما حدث، فهو فضل الاحتفاظ بهذه القطرة من السعادة بداخله. حتى جاء يوم عطلته، وذهب للسير بجانب النهر، أخذ يطالع صفحة السماء الزرقاء على فراش البحر الازرق، حيث كل شيء ازرق وصافي...

إنه مشهده المفضل الوحيد، حيث إنه الوقت الوحيد الذي يرى فيه كل شيء كما هو، ازرق...

وقف يتأمل ويستهلك جرعته الاخيرة من السعادة التي لاتزال تسري في دمائه منذ لقائه الأخير مع إيڤ، لقد التقوا عدة مرات في الفترة القصيرة التي مرت، تناولوا الغداء سويًا ذات مرة، واحتسوا القهوة عدة مرات...

شعر چين في هذه اللحظة بالرغبة في رؤيتها والتحدث معها مجددًا، ولكنه لا يعرف لها طريق!

قبل وقت الغروب قرر ان يعود ادراجه نحو منزله، ولكنه توقف امام الحديقة العامة حين لمح هيئة مألوفة له، هل هذه هي؟ نفض رأسه يبعد الفكرة عن عقله:

- لا، لا چين، بالتأكيد لن تتعرف عليها من ظهرها...

تابع طريقه بثبات ليصل إلى موقف الحافلات ينتظر حافلة منزله، ولكنه كان يتلفت خلفه كل دقيقة، حتى ظهرت امامه فجأة:

- هل تبحث عن شيء ما؟

شقت الابتسامة وجهه بسعادة حين ابصرها امامه حتى نبهته:

- سيتشنج فمك چين، كيف حالك؟

- انا بخير... بخير للغاية... هل كنتِ انتِـ..

- اجل انها انا، كنت في الحديقة منذ قليل، ما الذي تفعله هنا؟

تنهد بارتياح، ووضع يده في جيبه يبتسم برضا:

- كنت اشاهد الشيء الوحيد الجميل باللون الازرق هنا.

ظهرت علامات التعجب على وجهها، ليشير خلفه بابتسامة:

- البحر!

- اااه البحر... ومن اخبرك ان البحر هو الشيء الوحيد الجميل الازرق هنا؟!

تساءل للحظة وبدا التعجب على ملامح وجهه، لتربع يديها وتنظر له بثقة:

- لنعقد صفقة!

- صفقة؟

- اجل، لنسميها... اممم، القهوة الزرقاء...

اغمض عينيه في محاولة للتركيز واستيعاب ما تقوله لتكمل هي بذات الثقة:

- في كل مرة نلتقي تشرب معي فنجان من القهوة، وفي المقابل سأريك شيئًا جميل ازرق، اتفقنا!

- تبدو كلعبة...

- على راحتك انا قدمت عرضي، إذا كان لديك عرض افضل قدمه...

- اممم... في كل مرة تُريني شيئًا ازرق سأعطيكِ شيئًا افضل من القهوة، اتفقنا؟

- هذا يبدو افضل، وافقت!

مدت يدها لتسلم عليه كعقد للاتفاق بينما هو ابتسم بيأس:

- والآن علي الذهاب للمنزل سيرًا لأن الحافلة فاتتني...

- آه... آسفة!

قهقه بخفه وابتسم لها بنقاء:

- لا بأس المنزل ليس بعيد، لأنتظر معك حافلتك ثم اذهب انا...

اومأت موافقة، ثم اخرجت سماعات الأذن ووضعت واحدة في اذنها والاخرى في اذنه ثم اشارت بيدها رقم واحد:

- الشيء رقم واحد، اغنية لمغنى شهير تتحدث عن الأزرق.

وضع چين السماعة في اذنه وبدأ بالاندماج مع اللحن والكلمات!

What if I show you

And make it all new

Green, yellow, red, blue

Whatever seems good to you

But baby you're still blue, blue

Blue, blue

Blue, blue

Blue, blue

Blue, blue, blue

Ah-ah, ah-ah...

لما يشعر انها شيئاً خاص للغاية؟ لما يشعر انها جزء من مشاعره، لقد سحر بها..

ظل واقفًا يستمع إلى الصوت العميق الذي يغني بطريقة ساحرة، ولم يشعر بمرور الوقت بينما الاغنية تنتهي وتتكرر، حتى فتح عينيه ليجد الظلام قد حل بالفعل! نظر حوله ليتمتع برؤيته التي باتت اكثر حدة في العتمة...

نظر لها تلك التي جلست على المقعد متربعة تنظر له باهتمام؛ وابتسمت فورما التفت لها ثم مدت يدها طلباً للعطاء:

- لقد اعطيتك شيء جميل ازرق! اين مكافئتي؟

ابتسم بجانبية ثم خطف يدها سريعًا وركض إلى حيث لا تدري هي:

- چين اين تذهب؟

- تعالي، تعالي، سأريكِ شيئًا.

ركضت معه بسرعة كبيرة حتى وصلوا إلى زقاق ضيق ومعتم، فوقفت تطالعه بشك:

- اين نحن؟

- اعرفكِ على Thunder - الرعد!

نزع الغطاء من فوق كومة معدنية كانت داخل الزقاق لتجد دراجة نارية حديثة غاية في الروعة:

- ووووه! من هذا الوسيم؟ تشرفت بمعرفتك سيد رعد، هل هي لك؟

استند عليها بفخر:

- اجل، لقد كلفتني ثروة...

رمقته بنظرة قاتله مع رفع حاجبها:

- ولما تضع الشيء الذي يكلفك ثروة في زقاق كهذا؟ ماذا لو سرقت او تدمرت؟

- لا احد يسكن هنا...

- هذا ليس مبرر.

حك مؤخرة رقبته بحرج:

- أمي تمنعني من حيازتها لذلك افعل هذا سرًا.

رمشت عدة مرات بتساؤل فاجب هو على السؤال في عينيها:

- مشكلتي ان عائلتي لا تفهم تفاصيل رؤيتي، هم فقط يعتقدون انني ارى كل شيء بالأبيض والاسود، وان نظري ضعيف بسبب حركة عيني المفاجئة، ولكن الامر ليس بهذا الشكل، انا أرى بدقة اكثر في الظلام! كما يمكنني التمييز بين اختلاف درجات الالوان بدقة حتى وإن كانت كلها ظلال رمادية وسوداء ولكنني افرق بينهم جيدًا.

- والازرق؟

- اتعرف عليه بدقة ايضًا بكل درجاته، في النهاية عيني ليست بهذا السوء!

نظرت له بإعجاب كبير ثم حركت رأسها:

- لديك أعين رائعة.

- لديها طيف واحد فقط.

- بل مئة طيف، مئة طيف من الازرق.

ابتسم بأريحية كبيرة ثم فاه فجأة بحماس:

- ها... والآن ماذا؟ هل تريدين جولة ام كوب من القهوة؟

- هل تمزح؟ قهوة في الليل؟ سأضطر لأخذ جولة للأسف!

قهقه عالياً ثم قفز فوق الدراجة النارية وصعدت هي خلفه تتمسك به بقوة، فوضع على عينه نظارة حماية تبدو غريبة، وانطلق چين بالسرعة كالسهم، بخفة واحترافية يجول بها شوارع المدينة التي كانت الفارغة جراء التطوير...

طاف بها في الانحاء يدخل الازقة ويمر من اسفل الكباري، تحت اجواء الخريف الباردة، حتى توقف بها في منطقة قريبة من النهر، ثم ترجل ونزلت هي خلفه تنظر حولها، كان المكان مظلم ولكن الإضاءة الخافتة جميلة وتجعل كل شيء براق، فوقف امام النهر يتنفس الصعداء ثم بادر بالحديث بينما يطالع صفحة المشهد السوداء:

- طبيبي الراحل جاء بي هنا ذات يوم واخبرني ان العالم من هنا يشبه ما تراه عيناي في المعتاد، اخبرني ان كل شيء من هنا رمادي واسود، وان اضواء المدينة الزرقاء تنعكس على بعض الاجسام هنا وهناك لتعطي اللوحة بعض الزرقة...

- وووه إذاً انت ترى كل شيء بهذا القدر من الجمال؟

ابتسم بيأس ثم نظر لها ومال برأسه جانباً يتساءل:

- لماذا تقولين ان كل شيء جميل؟

- لا اعرف، ربما لأنني احب العالم كما هو! اشعر بالجمال في كل شيء مهما بلغ ظلامه وعتمته! لا اعترف بالقبح.

- اجل ارى هذا... هيا لأعيدك إلى المنزل لقد اظلمت...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

مرت عدة أيام، ليستيقظ چين ذلك اليوم في الثالثة عصرًا على صوت رنين الهاتف، هو ينهي عمله فجرًا واحيانًا لا يتمكن من النوم إلا في الصباح الغير باكر، لذا من الطبيعي ان ينام حتى ذلك الوقت؛ فتح المكالمة دون النظر إلى اسم المتصل:

- من!

كاد قلب إيڤ يتوقف من ثمالة الصوت:

- هل انت نائم؟

- اجل.

- انهض، انها الثالثة عصرًا وقد انهيت عملي واريد ان اراك.

- إيڤي انا متعب حقًا ولدي عمل في الليل.

- لا لا، هذا ليس عذرًا، استيقظ الآن وقابلني امام المقهى بجانب عملك...

- لا إيڤي، لا، ليس اليوم انا حقًا متعب!

- حسناً لا تأتي انا قادمة إلى منزلك.

انتفض چين فجأة بفزع، وطار النوم من عينه فورًا:

- قادم، قادم، ايتها المزعجة!

اغلق الهاتف في وجه قهقهتها المستمتعة بإزعاجه، ثم استقام بسرعة يبحث عن سترته لينتبه اخيرًا إلى والدته المستندة على الباب وتلقي السترة عليه:

- إيڤي؟

- أمي! منذ متى وانتِ هنا؟

- منذ رنين الهاتف المرتفع بكلمة blue blue blue، ماذا يحدث هنا!؟

ارتدى سترته بسرعة وهو يبتسم بخفة، ثم نهض على عجالة متوجهًا إلى المرحاض لتنادي عليه والدته من الخارج:

- متى ستأتي إيڤي لتناول العشاء؟

خرج بهلع من المرحاض بنصفه العلوي العاري مجددًا يغطي فم والدته:

- ششش امي، امي، ما الذي تقوليه؟ انها صديقة!

- اممم صديقة من اين؟ انت تعمل وحدك في المكتب، ام انك لست وحدك؟

كانت تتحدث بمكر لينفي چين بيأس:

- لا اصدقك حقًا، اسمها إيڤ، وهي صديقة فقط، اقسم!

- اي صديقة هذه التي تفزعك بهذا الشكل؟!

- تلك التي تهددني إذا لم انهض من النوم سوف تأتي للمنزل بنفسها...

قهقهت والدته بشدة ودفعته للمرحاض مجددًا:

- انهي حمامك بسرعة إذًا، لا اريدُ ضيوفًا مفاجئين في منزلي.

قهقه يستجيب لدفعها له، ثم انهى حمامه سريعًا، وغادر المنزل تحت ابتسامات والدته العذبة له...

وصل چين إلى المقهى بجانب عمله ليجدها جالسة على طاولة مطلة على الشرفة الواسعة، فاقترب منها يشاغبها:

- لا اعلم لما اصادق مزعجة مثلك، لابد انني جننت.

- انت مختل بالفعل، حسنًا لندخل في صلب الموضوع لأنني سأذهب للتسكع مع صديقاتي لاحقًا، اليوم لدي لك شيئًا آخر ازرق وجميل.

اخرجت صندوق كان بجانبها على المقعد ووضعته على الطاولة، ثم اشارات له ليفتحه، فنظر لها يرمش عدة مرات ثم فتحه:

- زهور! أهي زرقاء؟

اومأت مؤكدة بإصرار وسعادة:

- زهور الاجراس الزرقاء، إنها زهور استوائية جميلة لديها شكل الجرس ولون ازرق مميز للغاية، إذا رأيتها في حقل زهور ستلفتك هي اول شيء، كأن لا زهور في هذا العالم غيرها.

شرد چين قليلاً تجاه اصيص الزهور وهمس:

- إذاً انا أراها على حقيقتها، انها زرقاء.

- زرقاء بالكامل.

رفع بصره من الزهور إلى زهرة عينيها، نظر لها بعمق وشعر بداخله بامتنان عميق لم يعرف كيف يعبر عنه، هو لم يظن يومًا ان يكون الازرق لونًا مميز يحمل الكثير من الدفء؛ لطالما شعر منه بالبرودة والجفاء، وشعر ان العالم كئيب وممل، وقلما وجد شيئًا يبهجه:

- الازرق حزين...

- ماذا؟

هي لم تفهم معنى الجملة، ظنت ان الزهرة لا تعجبه... فأردف:

- اتعلمين؟ علمتني امي حيلة لأشعر بالألوان بشكل ما، مثلًا اخبرتني ان الهدوء والصمت الجميل كما وقت الغروب؛ حين يكون الوجود هادئ يشبه البرتقالي، فأصبحت اربط بين هذا اللون وهذا الشعور، احياناً حين اشعر بهدوء مكان ما او حدثًا ما اقدر بمشاعري إنه برتقالي.

اعجبت إيڤ كثيرًا بهذه الفكرة:

- اوه هذا رائع! علمني.

تنهد بارتياح واعتدل في جلسته ليجلس بارتخاء اكثر:

- السعادة الغامرة والكثير من الهرج والمرج يمكننا اعتباره اصفر، انا اعرف الاصفر رأيته من قبل! انه مبهج.

- حقًا؟ كيف؟

- حين كنت صغيرًا كنت ارى الاصفر والازرق بشكل جيد، كان الاصفر باهتًا بعض الشيء ولكنني كنت أميزه...

- وماذا حدث؟

- مع الوقت تلاشى هو ايضًا، وبقيتُ انا والازرق فقط في عالمي.

كانت ملامحها تتأرجح بين الشفقة والحزن واحيانًا الفخر به:

- حسنًا، سنتطرق لهذا لاحقًا، اكمل تلك الحيلة...

- اممم... اللون الوردي، يشبه إلى حد كبير الفتيات، لم تعرف امي كيف تصف هذا لي ولكنني تخيلت امرًا...

- ما هو...؟!

- ربما يكون لون شفاهكم الملونة، والظلال فوق عيونكم، وفساتينكم القصيرة؛ لا اعرف، هكذا اتخيل، ولكن بكل حال كل شيء لطيف قد يكون وردي.

- اووووه احسنت، انت بارع بهذا.

ابتسم بخجل ثم تطرق إلى اللون الازرق:

- ثم الأزرق، لم ادرك معنى اللون إلا حين علمتني امي وجوده في قوس قزح، ميزته من هنا، استطعت رؤيته بوضوح، وعلمت إنه هو.

- ولماذا تعبر عنه بالحزن ماذا اخبرتك والدتك؟

- لم تخبرني، هو يغزو عالمي بقوة، لذا...

- لا تشعر انك بخير معه، صحيح؟

اومأ مؤكدًا، فابتسمت باتساع ثم قربت اصيص الزهور منه تترقب رد فعله:

- اعتني بزرقاواتي جيدًا، اتفقنا؟

- اتفقنا...

ابتسم باتساع اكثر ثم احتضن الاصيص بيده:

- شكراً لكِ.

- والان اين مكافئتي؟

مدت يدها كالمتسولين تستجلب منه جائزتها فأحبطها بجوابه:

- اممم، هل يمكننا الاكتفاء بالقهوة اليوم؟ لدي عمل بعد قليل، ولكنني اعدك في المرة القادمة سأعوضك.

تنهدت بيأس متصنعة اللامبالاة:

- حسناً لنكتفي بالقهوة.

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في العطلة التالية كان هناك موعد لالتقائهم، واختارت إيڤ المكان بنفسها ولكنها لم تخبره:

- هل يمكنك اخباري إلى اين نذهب؟

- ألا تحب البحر؟

- أجل! ولكن...!

- هذا افضل موقع لرؤية البحر...

انهت كلامها تسحبه باندفاع إلى مبنى واسع لم يلتقط اسمه؛ ولكنه ادرك فور دخوله ماهية المكان، انه مركز الاحياء البحرية!

دخل چين ينظر حوله بانبهار إلى احواض الاسماك العملاقة، والاطفال يلهون في كل مكان، الجميع يلتقط الصور، ويشاهدون بفضول كل شيء حولهم؛ نمت الابتسامة على شفاه چين، وابتسمت معها عيناه لرؤية طيف الازرق في كل مكان:

- إنه المنزل الازرق... المحيط.

- اتيتُ إلى هنا سابقًا، ولكن المكان يبدو مختلف.

- تعالى معي!

جذبت يده باتجاه احد الابواب فدخل معها بهدوء، ليكتشف إنه بيت القروش؛ وقفت بجانبه امام الحوض الكبير تطالع سمكة القرش العملاقة التي تطفوا بالأعلى، والاسماك الكبيرة بالأسفل، ثم نظرت له بابتسامة وسألت:

- ماذا ترى؟

- سمك.

- يا إلهي معلوماتك قيمة للغاية.

انفجر چين ضاحكًا على تعبيرها الجاد، فصفعت كتفه بخفة ثم كررت السؤال:

- ماذا ترى؟ اي لون ترى؟

- أزرق ورمادي، إيڤ، لا ارى إلا هما.

- احسنت! سمكة القرش رمادية، والتونة رمادية ايضًا، معظم الاسماك رمادية وبيضاء قليلا من البطن، فقط اسماك الزينة هي الملونة.

- إذًا...

- انت تراها على حقيقتها.

اتسعت ابتسامة چين بشدة، وسُحرت عينيه بمشاهدة الاسماك، حتى انه نسي الوقت، قضوا يومهم سويًا يتجولون هنا وهناك، يشاهدون كل سمكة على حدى، ويطعمون الاسماك، ويراقبون الاسماك الكبيرة تصطاد وتأكل، كان كل شيء في هذا اليوم والمكان مريح لچين...

الإضاءة مريحة، والالوان اغلبها بارز في عينه، وكانت إيڤ مريحة ايضًا؛ هي مريحة في كل شيء، نظراتها، حديثها، حركاتها، حتى لمساتها العفوية لسحب يده وضبط وضعيات التصوير؛ كانت كنسمة خفيفة تمُر حول وبجانبه وتداعب وجهه في يوم ربيعي جميل.

انتهى اليوم، وخرجوا معًا سعداء ويبتسمون، وما إن وصلوا إلى الباب حتى استدركت إيڤ فجأة:

- صحيح! انتظر، انتظر هنا لحظة!

قبل ان يستفسر كانت قد طارت إلى الداخل، وبعد دقائق قليلة خرجت مع حوض ماء صغير بداخله سمكة زرقاء بارعة الجمال -سبحان من خلقها- لديها زعانف طويلة تدور حولها كأنها أجنحة، قطعة من الجمال تطفو في حوض صغير؛ انبهر چين بها لدرجة افقدته النطق:

- مـ.. مـ.. ما هذا؟

- انها سمكة القمر الازرق، اسماك بيتا لديها الوان عديدة وهذا اللون يعتبر الاروع بعد سمكة الملاك الابيض.

- تبدو كأنها خرجت من حُلم!

- الحياة بها الكثير من الأشياء افضل من الخيال، انظر، هذه عينة.

ظل چين شاردًا بها ولم يتفوه بأي شيء، فقربتها منه حتى وضعت الحوض في حضنه:

- إنها لك، ماذا ستسميها؟

- لي؟

- أجل، انها الشيء الجميل الازرق لليوم.

- ظننت إنها الرحلة!

- لا لا، الشيء الجميل يجب ان تحتفظ به، ماذا ستسميها؟

- ماڤي.

- ماڤي! ماذا يعني؟

- زرقاء، باللغة التركية.

- اوه! هذا مبتكر، مرحبًا ماڤي! كوني سعيدة في منزلك الجديد.

نظر لها بامتنان كبير، فمدت يدها كمتسولة مجددًا واشارت له:

- اين مكافئتي؟!

- اممم، تعالي معي...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

إنه الشتاء...

الاجواء باردة ومنعشة، اعتاد چين وإيڤ على اللقاء اسبوعيًا تقريبًا، لا ينفكوا عن الذهاب إلى الاماكن الجديدة، والتجول بالدراجة النارية والذهاب إلى التزلج، وغيره...

مرت عدة ايام منذ اخر لقاء بينهم ولم يتصل چين بها، ظلت تنتظر المكالمة بلا فائدة فبدأت هي بالاتصال المتكرر؛ عشرات الاتصالات بلا فائدة، مئات الرسائل بلا رد، هو حتى لا يفتح الرسائل! ثم انغلق الهاتف، كادت إيڤ ان تجن، اين اختفى؟ لتقرر في نهاية الامر ان تذهب لمنزله!

استيقظت في الصباح ولم تنتظر لتناول الفطور حتى، خرجت بسرعة تتجه إلى الحي الذي يقطن فيه، هي لا تعلم اين المنزل بدقة ولكن لديها فكرة عنه، حديقة صغيرة امام المنزل بها شجرة برتقال وبعض الزهور وفيها طاولة واحدة بكرسيين، وتعلم ايضاً ان والدته هي من ترعاهم...

سارت في الحي تبحث عن هذه المواصفات، الكثير من اشجار البرتقال، كيف تعلم اين هو المنزل تحديدًا؟ اه، ها هي سيدة جميلة ترعى الازهار...

اقتربت إيڤ من الحديقة لتجد سيدة في منتصف العمر، جميلة الملامح، هادئة الهيئة، تقوم بسقاية الزهور؛ فتوقفت امام الباب الخشبي الصغير وحمحمت:

- احم... هل حضرتكِ السيدة ماي؟

انتبهت السيدة ماي للواقفة خلفها فنهضت تقترب منها وتومئ بإيجاب:

- اجل إنها انا، كيف اساعدكِ؟

ابتلعت ريقها بتوتر وتلعثمت وهي تسأل:

- اممم... هل... هذا منزل...

تعرفت عليها السيدة فورًا، فابتسمت بلطف ورفعت عنها الحرج:

- چين؟ اجل...

شعرت إيڤ بالحرج قليلاً ثم سألت بهدوء:

- هل هو هنا؟

تربعت السيدة ماي واتسعت ابتسامتها، يا إلهي ابتسامتها تشبه خاصة چين كثيرًا:

- انتِ إيڤ إذًا!

- آه.. هل حضرتكِ تعرفينني؟

- اوه، اخيرًا قابلتكِ! بالتأكيد اعرفكِ، تعالي تفضلي.

- تشرفتُ بمعرفتكِ حقًا، هل چين بالداخل؟

تبعتها إيڤ إلى الداخل بينما تستمتع إلى إجابتها:

- أجل، تفضلي، إنه مصاب بالبرد منذ يومين، وقد نسيَ هاتفه في منزل الجدة لذا، ربما لم تستطيعي الوصول إليه.

- هل هو بخير؟

- لا تقلقي إنه بخير، إنه فتى مطيع تناول الدواء، ونام جيدًا، وهو يتحسن؛ هل اعد لكِ شيئًا دافئًا؟ الجو بارد للغاية...

- شكرًا لكِ سيدتي، فقط الماء.

- اي ماء هذا؟ هل انتِ شجرة؟ اجلسي سأعد لكِ بعض القهوة، هل تناولت الفطور؟

- انا بخير، شكراً لكِ...

- لم تتناولي إذًا، حسنًا، هذه غرفة چين ايقظيه حتى اعد الفطور والقهوة لكما، ها؟!

شعرت إيڤ بالراحة قليلًا، وانحنت لها تشكرها، ثم دخلت لغرفته على استحياء؛ اوه، الغرفة!

اقتربت من سريره بهدوء وجلست على طرفه،

إنه متسطح بسكون وجسده مغلف بالغطاء لا يظهر منه إلا بعضًا من وجهه ليتنفس، تأملته قليلًا أولاً حتى تحرك حركة خفيفة فعادت من شرودها، حركت خصلة شعره لتظهر عينه النائمة بعمق:

- چين، چين، استيقظ!

ابعد رأسه عنها بانزعاج ولايزال في سباته العميق:

- چين، إنها الحادية عشر ظهرًا، هيا استيقظ!

- لا اريد...

- هل لا تزال متعبًا؟

- ممم

اضحكتها همهماته النائمة اللطيفة، فمسدت على شعره برفق تحاول ايقاظه بلطف:

- حسنًا، يمكنك فقط تناول الفطور والدواء ثم عد للنوم، اتفقنا؟

نفى برأسه من بين النوم واليقظة:

- أمم أمم...

- من فضلك...

تسرب صوتها إلى عقله اخيرًا فانتفض بتعب يتأكد من وجودها:

- هل انتِ هنا حقًا؟

- اجل...

- كيف اتيتِ؟

اجابت متظاهرة بالتعالي...

- انا يمكنني الوصول إليك في اي مكان، هيا انهض السيدة ماي تعد الفطور.

شد على طرف الغطاء بعناد يبتلع ريقه ويغمض عينيه بحرج ثم اشار لها بعيدًا:

- هل يمكنكِ اعطائي سترتي من هناك؟

- ها! اسفة، اسفة، اعتذر!

انتفضت بسرعة لتخرج بتوتر، ثم عادت مرة أخرى لتعطيه السترة، فامسك رسغها برفق بينما يبتسم بجانبية:

- اهدأي إيڤ انا ارتدي ملابسي!

نظرت بطرف عينيها وكان يرتدي قميصًا دون اكمام، فتنفست الصعداء وعادت تجلس بجانبه بحرج، ففاه بينما يرتدي سترته:

- إلى اين ذهب عقلكِ؟

صفعته على كتفه فتألم قليلًا:

- مشاغب.

- خجولة...

تلمست وجهه وجبهته تطمئن على حرارته تحت ابتسامته المستمتعة:

- انت بخير، هل تشعر بألم في مكان ما؟

- لا، انا بخير الآن، اظنني سأعود للعمل غدًا.

دخلت السيدة ماي تحمل الفطور والقهوة:

- اخيرًا استيقظت، هيا هيا لتفطر.

- شكرًا لكِ امي...

اخد منها الطاولة، وقبل يدها فابتعدت إيڤ لتجلس السيدة ماي مكانها تتفحص حرارته وتضع يدها على صدره تطمئن على تنفسه:

- انت بخير، صحيح؟

- اجل لا تقلقي...

- تناول الطعام جيدًا لكي تنهي دوائك اليوم!

- حاضر امي...

ربتت على رأسه ثم نهضت مغادرة بينما تبتسم إيڤ بسعادة:

- انا جائعة كالجحيم تناول قبل انهيه انا!

قهقه چين عاليًا استمتاعًا بتناول الطعام معها بينما هي تحشر الطعام في فمه حتى انهى طعامه، ثم وضعت الطاولة على جانب منهما واعتدلت في جلستها لتواجهه:

- أنا سأذهب الآن، كنت قلقه فقط لأنك لم تتصل بي منذ عدة ايام.

- اعتذر، لقد نسيت الهاتف في منزل جدتي، واخي ليس هنا ليحضره لي.

- لا بأس، جيد انني اطمأننت عليك، سأذهب.

امسك معصمها يمنعها من النهوض:

- لا تذهبي، ابقي قليلًا!

- چين! يكفي إحراجًا، لقد اتيت فجأة دون موعد وكنتَ نائمًا، لقد تسببتُ في إزعاج، خاصة لوالدتك

- أمي هي الاكثر سعادة بوجودك هنا.

- انها امرأة جميلة، لا عجب انها انجبت وسيم مثلك.

ابتسم لها بمكر ثم اشار إلى الطاولة بقرب النافذة:

- انظري لقد اشتريت حوضًا اكبر لماڤي!

- اوه إنه لطيف، وزينته جميلة... أوه صحيح!

نظر لها بترقب واهتمام شديد فتابعت:

- غرفتك!

- ماذا؟

- انها بيضاء.

- ما رأيك؟!

- مربكة بعض الشيء، كأنها صفحة من دفتر رسم!

قهقه چين بخفة ثم اشار الى كل شيء في الغرفة:

- اردت الابتعاد عن اي شيء قد يوترني، لذلك طلبت كل الاثاث ابيض، إنه مريح.

- آجل إنه كذلك بعد البقاء هنا لفترة، كان مربكًا لي في بادئ الامر.

- لكن الآن اصبح هناك شيئًا ازرق يلمع في الزاوية.

- آجل ماڤي يبدو مناسبًا تماما للبقاء هنا.

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

بعد عدة أيام...

في منزل الجدة، كان چين وفريدي يحضران معها الطعام وينتقلون هنا وهناك لوضع الطاولة والطعام وتجهيز المائدة لهم، بينما فريدي يسرد ما حدث خلال التدريب:

- ذلك الفتى يتقصد دفعي في التدريب، اقسم لو كُسرت ساقي مرة سأصنع من ساقيه افخاذ مقلية.

- ايعع، يبدو مقرفًا!

- إنه كذلك...

تدخلت الجدة بجدية شديدة:

- إياك ان تكسر ساقك، فريدي، سأقتلك.

- لا تقلقي انا كالصخر.

جلسوا يتناولون الطعام معًا، حتى فجر فريدي سؤالاً اوقف الطعام في حلق كل من چين والجدة:,

- صحيح أخي سمعت ان هناك فتاة خرجت من غرفتك في الصباح منذ عدة ايام؟

سعل چين بشدة وتوسعت اعين الجدة تطالعه، بينما صفعه چين على مؤخرة رأسه:

- اختر الفاظك ايها الفتى، سأقص لسانك قريبًا.

نظرت الجدة إليه بتحدي كإشارة لأن يعترف الآن بكل شيء، فوضع چين الملعقة جانبًا بأدب وتحمحم ليدلي بكل شيء:

- احم احم، انها إيڤ صديقتي، وقد نسيت هاتفي هنا حين كنت مريضًا، لذلك لم تتمكن من الوصول إلي فأتت للمنزل صباحًا لتطمئن.

- اممم تطمئن، وماذا كانت تفعل في غرفتك؟

- لقد سمحت لها امي ان تيقظني ريثما تعد الفطور.

- فقط؟ ايقظتك فقط؟

ابتسم فريدي ابتسامة شريرة يضيق عينيه، ثم مال على الجدة ونبس بصوت مسموع:

- جدتي، چين ينام بصدر عاري!

طعنه چين بمرفقه في جانبه ثم مال عليه يحذره:

- المرة القادمة سأدمر مستقبلك كلاعب كرة، اتفقنا؟

اعتدل فريدي بخوف يبتعد من جانبه فابتسمت الجدة بمكر:

- بدون سترتك إذًا!

- جدتي لقد كنت مريض، اقسم انني كنت ارتدي ملابسي...

- خَسارة، كانت والدتك في البيت.

- جدتي! اقسم انها صديقتي فقط.

- يا إلهي، اعلم، اعلم، وهل قلتُ شيئًا؟ احضرها إلى هنا، اريد ان اراها.

- لا، لن احضرها...

- ستحضرها، چين! وإلا سأدمر انا مستقبلك ككائن حي.

- احم، حسنًا جدتي، حين تأتي فرصة.

- لا، حدد معها موعدًا الاسبوع القادم.

- جدتي!

- انتهى النقاش.

صفق فريدي بشماته في احراج اخيه:

- احسنتِ جدتي، انتِ رائعة...

ابتسمت الجدة بسعادة ووضعت الطعام في الاطباق لهم حتى يستمتعوا...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في الصباح التالي كانت الاجواء مثلجة، والجليد يغطي كل شيء تقريبًا، لذا توقف معظم العمل في اغلب الاماكن كعطلة رسمية، واستغل چين ذلك ليتصل بإيڤ، فجاء ردها عليه بعد ثواني:

- ماذا تفعلين؟

- اشرب الشوكولاتة الساخنة، اوه انا احب الشتاء حقًا.

قهقه چين بخفة يوافقها رأيها:

- اجل انا ايضًا احبه، هل تريدين الذهاب لمكان ما اليوم بما انها عطلة؟

- اممم لا، افضل البقاء دافئة في هذا الطقس...

- للأسف... حسنًا لا بـ

- تعالى لتجلس معي، انا اشعر بالملل.

- مـ معك!

- اجل.

- لا اظن انها فكرة جيدة...

- بلى انها كذلك، لنشاهد فيلمًا بوليسيًا، ونلعب ألعاب الفيديو.

- اممم هذه افكار جيدة، هل احضر فريدي معي؟

- آه هل هو هنا؟ اجل بالطبع احضره، وانا سأحضر جيسيكا أيضًا.

- اتفقنا، سنأتي في السادسة!

اغلق چين معها وذهب بسرعة ليوقظ فريدي النائم كالدب القطبي:

- فريدي، فريدي، فريدي، استيقظ!

- لا اريد، اذهب...

- فريدي، اخيك يحتاجك هنا!

- حين اكون نائمًا؛ انا لستُ اخيك.

- هيا اخي، لنذهب إلى إيڤ، الا تريد التعرف عليها؟

فتح فريدي إحدى عينيه ينظر بها إلى چين:

- إيڤ؟ هل انت متأكد؟

- اجل، هيا، علينا شراء بعض الاشياء قبل الذهاب.

نهض فريدي بكسل يفرك عينيه، ثم ارتدى ملابسه سريعًا، وذهب مع چين إلى المتجر؛ ساروا معًا بعربة الشراء يحكي چين المكالمة لفريدي؛ الذي استغبى شقيقه بشدة:

- إذًا، دعتك إلى منزلها فقررت اخذي معك!

- اجل.

- واستدعت هي صديقتها ايضًا؟

- صحيح.

- رباه! كم انتم مناسبين لبعضكم البعض، زوج من الاغبياء!

- ماذا؟

توقف فريدي فجأة وبدأ يتهكم عليه:

- اجواء شتوية ممتازة، افلام منزلية، شوكولاتة ساخنة؛ سوف تضيع جميعًا في سهرة جماعية سخيفة!

- ما الامر فريدي؟ هل تريدني ان اقضي معها الوقت في منزلها وحدنا؟

- لا طبعًا، العفو! القديس چين لا يمكنه فعل هذا! بدأت اشك في ميولك الحقيقية.

امسك چين اذنه يوبخه بيأس:

- كم مترًا تريد ان تقص من لسانك السليط؟ ها، ها!

- آه آه آه... انت من تدفعني لقول هذا!

- مشاغب...

- أحمق...

- قليل الادب...

- قليل الادب، نينينيني...

صفعه چين على مؤخرة رأسه بقوة يوجهه إلى الطريق:

- انظر امامك، هيا لنذهب انها السادسة تقريبًا.

اشترى چين وفريدي اللحم للشواء، وبعض المقبلات، والوجبات الخفيفة، ثم ذهبوا إلى العنوان الذي ارسلته إيڤ، دلفوا معًا ليجدوا الفتيات قد اعدوا جواً سينمائيًا ببراعة، شاشة كبيرة في منتصف المكان مع اريكة واسعة مريحة، وطاولة عليها المقبلات، والمخبوزات، والمشروبات؛ نظر فريدي إلى الغرفة بسعادة ثم اشار نحو الاجواء المثالية وهتف:

- اجل، هذا هو! إيڤ، انا احبك!

قهقه چين وإيڤ معًا على الفتى السعيد بشدة، ثم جلس فريدي على الاريكة براحة كبيرة ليتفاجأ حين خرجت جيسيكا من المطبخ:

- ماذا؟ انتِ؟

- انت مجددًا؟!

نظر چين وإيڤ نحوهم باندهاش ثم تقدم چين يتساءل:

- هل تعرفون بعضكم؟!

- هل هذا اخاك؟

- اجل.

- إنه وغد!

- أجل، انا اعلم.

- أخي! لقد كادت تقتلني.

- انا؟ انت الاحمق الذي يسير في الشوارع دون النظر جانبًا.

- وكيف لي ان ارى شخصًا يأتي من شارع جانبي ليصدمني؟

احتد الجدال بينهم، واقتربوا من بعضهم البعض ليقف چين في المنتصف حاجزًا بينهم:

- هل انتم اطفال هنا؟

- هي من بدأت!

تدخلت إيڤ كذلك لتوقف الشجار:

- حسنًا چيسي! انتهى! إنه كأخيكِ الصغير، لا تفعلي هذا.

- أخيها! هل اناديكِ آنستي إذًا؟

انفعل چين وارتفع صوته على اخيه:

- فريدي، غادر!

- ولكن چيـ...

- غادر!

خرج فريدي غاضبًا يضرب الارض بقدمه، بينما وقف چين يتنهد بتعب، فأشارت إيڤ له بعتاب:

- لم يكن عليك فعل هذا، چين! اذهب خلفه من فضلك!

زفر چين غاضبًا، ولحق بأخيه بسرعة، الذي انفعل بشدة حين اقترب منه:

- ابتعد، لا تلمسني!

- فريدي توقف! انا اسف، حسنًا!

قاومه فريدي بشدة وسحب ذراعه بعنف حتى جذبه چين نحوه وقيده بذراعيه، ذلك الفتى النحيل لديه جسد قوي كالصخرة:

- توقف، فريدي توقف!

- ماذا تريد؟ ها؟ ماذا؟ ماذا؟ ماذا! اذهب لصديقتك وصديقتها.

- انت صديقي، فريدي، انت صديقي واخي، وانت اهم منهما، توقف!

استكان فريدي بين ذراعي اخيه يزفر بعنف، إنه شديد العصبية وشديد الغضب؛ ثم انسحب من بين ذراعيه ونظر له بقوة معاتبًا دون ان ينطق، فبرر چين بسرعة:

- لقد ارتبكت لأننا امام الغرباء فقط، لا تغضب مني، ارجوك.

- بل انا غاضب.

- أعتذر.

- انا ذاهب إلى المنزل.

امسك چين ذراعه يمنعه من الذهاب:

- من فضلك، اريد قضاء المزيد من الوقت معك، انت تتركني وتذهب إلى المعسكر لوقت طويل...

تنهد فريدي باستسلام ثم دفعه ليعود معه إلى منزل إيڤ، دلفوا إلى المنزل في اجواء مغايرة عن التي تركوه فيها، جيسيكا تجلس على الاريكة مستاءة وإيڤ تنتظرهم بابتسامة معتذرة:

- اعتذر منك فريدي، لم نقصد سوء التفاهم الذي حدث.

فاهت جيسيكا بلا مبالاة:

- انت طفل بكاء بحق، ما المشكلة ان تصطدم سيارتي بك؟ انت لم تمُت بعد.

توسعت اعين الجميع بدهشة وعلى رأسهم چين الذي تبع اندهاشه قهقه خفيفة:

- سامحيه جيسيكا، هو لاعب كرة وساقه هي رأس ماله، لو اصيب ستكون مشكلة.

- أووه، حقًا؟

سخر منها فريدي بتعابير وجهه المضحكة، وتبعه قهقهة چين وإيڤ ثم سحبتهم الاخيرة نحو الداخل ليبدأوا مشاهدة الفيلم...

وبعد صراعات طويلة طوال المشاهدة، وتهاوشات كثيرة بين جيسيكا وفريدي، ناموا اخيرًا، وكانت نهاية الفيلم من نصيب چين وإيڤ فقط، وبعد ان انتهى الفيلم، قام چين ينظف المكان معها قبل ان يغادر، بينما وقفت هي امام فريدي وتساءلت:

- هل سيستطيع الاستيقاظ والمغادرة الآن؟ الطقس بارد كالجليد...!

- لا تقلقي، هو يتدرب في الصقيع ولا يتذمر.

قهقهت إيڤ ونظرت له بحنان:

- اخيك لطيف، اعتذر عن ما فعلته جيسيكا، إنها طائشة ولكن اقسم انها لطيفة عادة.

قهقه چين عالياً جراء تبريرها:

- لا بأس، فريدي يحدث المشاكل اينما ذهب.

- اممم، إذًا هل سأراك الاسبوع القادم؟

- أجل، ويمكنني ان اوفر الوقت في منتصف هذا الاسبوع ايضًا.

اتسعت ابتسامتها بشدة واومأت موافقة له، ثم اكملوا تنظيف المنزل وايقظ چين اخيه لكي يذهبوا للمنزل قبل ان يتأخر الوقت...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

مرت عدة ايام منذ لقاء مشاهدة الفيلم، وقبل عطلة نهاية الأسبوع اتصل چين بإيڤ لترد عليه بعد عدة اتصالات:

- اين انتِ...

- أووه هل اشتقت للون الازرق؟

- لا، اشتقتُ لكِ...

- ما هذه الرومانسية؟ هل اجد لك حبيبة؟

- لا شكرًا، سأجدها بنفسي.

- حسنًا روميو، قابلني في المقهى بعد 10 دقائق.

اغلق چين الهاتف وبدل ثيابه ثم غادر مسرعًا إلى المقهى، ليصل تمامًا في نفس الوقت الذي وصلت فيه، التقى بها امام الباب ولكن بدا وجهها شاحبًا، وبدت متعبة للغاية:

- ماذا بك!

- كنت انوي اخذ كوب من القهوة ولكن حقًا لا استطيع، لذا جئت اعطيك شيئًا فقط ثم اذهب.

اخرجت من حقيبتها كيس صغير به بعض الازهار المجففة:

- ما هذا؟

- إنه شاي ازرق.

- ماذا؟ هل تخدعينني الآن؟

- لا، لا افعل، قم بغليه في المنزل وسترى بنفسك.

كادت إيڤ ان تسقط ارضًا لولا ان چين اسندها بهلع:

- ماذا بكِ؟ يا إلهي جسدك يشتعل! هل يمكنني ايصالك للمنزل؟

هزت رأسها في استسلام ليحملها چين بدون تفكير ويوقف سيارة اجرة حتى منزلها، دلف بها نحو الغرفة، ووضعها في السرير، ثم احضر الماء البارد ليطبق الكمادات، وجلس بجانبها على اريكة الغرفة ينظر إلى الكيس الصغير الذي اعطته إياه، ويهمس لنفسه:

- هل هو حقًا شاي ازرق؟!

- هل اعد منه القليل؟

- لنجرب...

نهض چين نحو المطبخ ووضع الماء يغلي وبعد ان وصل إلى الغليان اسقط بتلات الزهور بداخله، ليصطبغ الماء عديم اللون؛ باللون الأزرق الفاتح كالسماء، انبهر چين بما يراه وقرب وجهه من الابريق الزجاجي يطالع اللون ينتشر في داخله، وقد نبض قلبه بسرعة، لما اصبح يشعر بالدفء لرؤية ذلك اللون؟ لما اصبح تمييزه اكثر سهولة، واكثر سعادة؟ لماذا اصبح يرى مئات الاطياف من الازرق؟

قام بصب الشاي الأزرق في كأس شفاف، ووضع ملعقة من العسل، ثم عاد إلى غرفتها وجلس جانبها يطالعها بتساؤل، لما تبدو هكذا؟ لما تبدو ملونة؟ او ربما هي صنعت له لونًا جديدًا مميزًا لا يمكن لأي شخص رؤيته!

رن هاتفه بصوت خفيض ليخرجه من شروده بها، ففتح المكالمة قبل ان تستيقظ إيڤ ولكنها بالفعل افاقت، ولم تسمع إلا جملة واحدة:

- لا لن اذهب اليوم للمكتب، وداعًا.

حاولت النهوض بتعب ليسندها حتى تجلس بهدوء:

- هل ازعجتكِ؟ انا آسف.

- لا، لا... آه، چين لما لن تذهب إلى العمل؟ يمكنني الاعتناء بنفسي اذهب انت.

- لا، لا، لن اذهب، انا هنا ولن اذهب إلى اي مكان واتركك.

- يمكن لـ"جيسيكا" ان تعتني بي حقًا.

- لا، انا سأفعل، والآن نامي، هل اعد لكِ بعض الطعام؟ ام مشروبًا دافئ؟

نظرت إيڤ نحوه كأنها تراه لأول مرة، شعرت بأن المكان اصبح دافئًا فجأة، وان قلبها ينبض بقوة لكنه هادئ في نفس الوقت، ودارت في عقلها خاطرها، ما الذي تفعله بي بحق السماء! نظرت له مبتسمة بتعب:

- شكراً لك، چين.

ربت على شعرها برفق مبتسمًا:

- لا، بل شكرًا لكِ انتِ على كل شيء.

نظرت حولها بتساؤل ثم فاهت:

- هل تناولت الشاي الذي اعطيتك إياه!

هز رأسه مؤكدًا، ثم مد يده ينوي ان يمسك يدها ولكنه تراجع:

- هيا احصلي على بعض النوم، لا تزال حرارتك مرتفعة، سأعد لكِ بعض الطعام الخفيف.

نهض بسرعة إلى المطبخ، ووقف يلتقط انفاسه ويحدث نفسه، چين! في ماذا تفكر؟ ابعد هذه الفكرة عن رأسك، هي مجرد صديقة! وهي لم تعطي اي اشارة لأكثر من ذلك، تعقل!

اشغل نفسه بصنع الطعام، وبين الحينة والاخرى يخرج ليطل عليها في الغرفة، هي غارقة في التعب وبالكاد يمكنها الاستيقاظ؛ انتهى من اعداد الطعام ومشروب دافئ ثم دخل يوقظها، وجلس على طرف السرير يعبث في خصلات شعرها الحائرة، ويكشف عن عينيها الناعسة:

- إيڤ، الطعام جاهز، هل يمكنك تناول شيء، من فضلك.

فتحت عينيها ببطء تنظر له يبتسم براحة كبيرة، ثم نهضت برفق فتحسس وجهها ورقبتها، لقد انخفضت الحرارة قليلاً ولكنها لا تزال دافئة؛ وضع الطعام امامها وبدأ يطعمها بيده شيئًا فشيئًا حتى انهت الطبق، ثم اخرج منديلا مبللاً ومسح فمها ووجهها، ثم اعطاها كوب المشروب الدافئ:

- چين، أتعلم؟ عادة ما تمر الحمى علي بشكل مؤلم ومتعب، ولكن هذه المرة مرت كأنها نسمة خفيفة، شكرًا لك.

ابتسم چين وعبث بغرتها مجددًا كالطفلة:

- حين تصابين بالحمى فقط اخبريني وسآتي فورًا...

قهقهت بخفة وبادلها چين الابتسامة الهادئة، ثم اقترب يمسك يدها مجددًا، ولكن هذه المرة هو يثق بما يفعله:

- إيڤ، لا يمكنني اعطائك القهوة اليوم لأنكِ مريضة، ولكن لا يزال يمكنني اعطائك شيئًا افضل من القهوة.

طالعته بتساؤل منتظرة الإجابة، فمال عليها بهدوء يلثم شفتيها بدفء، لتغمض عينيها مستسلمة له في سلام حتى رفع رأسه ينظر في عينيها مبتسمًا:

- لا اعرف إن كان هذا افضل من القهوة ولكـ...

قبل ان يكمل، اقتربت منه مجددًا ترد القبلة بقبلة اكثر دفئًا منها، لتهدأ اوصال چين المرتعشة، ويبتسم برضى يبادلها الحب في قبلتهما الاولى.

نظر لها مبتسمًا، ومسد على شعرها برفق، ثم سحبها بهدوء إلى عناقه يحبسها كأنه يخاف ان تهرب:

- انا احبك إيڤ، احبك!

تنهدت إيڤ بتردد ثم فصلت العناق للحظة:

- چين، الا تظن ان هذا مجرد امتنان لما افعله؟ اعني، انت فقط سعيد لأنني اساعدك.

ابتسم بدفء واجاب بما يهدئ عقلها:

- لا، انا اعرف شعور الامتنان جيدًا، وانا تخطيت مرحلة الامتنان لكِ منذ فترة، ولكن إذا كنتِ تعتقدين ان رغبتي في اعطائك كل ما لدي من مشاعر نمت حديثًا، ولم اكنها لشخص من قبل؛ هو امتنان، فأنا اكثر الاشخاص امتنانًا لكِ في العالم...

عادت إيڤو إلى عناقه مجددًا، تدس رأسها في عنقه، وتستنشق رائحة الزهور التي تفوح منه دائمًا؛ ولكن هذه المرة عن قرب، حتى نهض چين ليدخل الاطباق بعد الطعام، ووقف يجليها على الحوض إلى ان شعر بذراع يحتضنه من الخلف، ثم اسندت رأسها على ظهره وقيدت خصره بذراعيها، فترك ما بيده وجففها ثم احتضن ذراعها من مكانه وسأل برفق:

- هل تحتاجين شيئًا؟

- اجل اريد عناق.

استدار چين يعانقها بخفة، فأردفت:

- هل تعلم منذ متى وانا معجبة بك؟

نظر لها بترقب واهتمام شديد فتابعت:

- منذ ان اعترفت بإصابتك بعمى الالوان في قسم الشرطة...

جفل چين للحظة ثم انخفض لمستواها يتساءل:

- هل تمزحين إيڤ؟

هزت رأسها نفيًا:

- لا، منذ اللحظة الاولى وانا اشعر انني اريد ان اكون بجانبك، ليس بسبب عمى الالوان او انني اشفق عليك، ولكن فجأة شعرت برغبة عارمة في اعطائك الكثير، كان الامر كما لو ان المشاعر بداخلي فاضت بشكل مفاجئ، كنت افكر دائمًا بك، وأتساءل كيف يمكنني الالتقاء بك مجددًا، شكراً لأنك قابلتني مرة أخرى.

شد چين على عناقها أكثر مغمضاً عينيه في محاولة لاستجماع شتات قلبه وعقله الذي تبعثر بسببها:

- لقد كنت اعمى حقًا، ليس عن الالوان فقط، ولكن عن المشاعر ايضًا.

قضى چين اليوم معها يعتني بها ويعطيها الوقت لتنام ثم يوقظها ليعطيها الدواء؛ كان يومهم الاول سويًا مثاليًا بالكامل؛ رغم مرضها وقلقه عليها...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

إنه الربيع، انتهى الشتاء منذ ايام يودعه چين وإيڤ معاً كأحباء، وفكر چين إنه اخيرًا حان الوقت ليقدم إيڤ إلى اهله رسميًا، لذا...

- جدتي، هل يمكنني دعوة إيڤ لتناول الغداء معنا في تجمع هذا الاسبوع؟

- إيڤ؟ صديقتك؟

غمزت الجدة بجانب عينيها ليحمر وجهه واذنه خجلاً ويتذمر منها:

- جدتي! توقفي.

- حسنًا، لا بأس، ماذا تحب ان تأكل؟

- لقد كانت مريضة منذ فترة، هل يمكنك تحضير شيء خفيف على المعدة؟

- بالطبع!

نهض چين بحماس يقبل وجه جدته عدة مرات، ثم طار إلى الشرفة ليحدثها فتمتمت الجدة بينها وبين نفسها:

- أراهن على مليون دولار انها ليست صديقته فحسب.

بينما في الشرفة، جاء صوت إيڤ بخيرٍ اليوم؛ بعدما كان مرهقًا لعدة ايام:

- مرحبًا، چين.

- مرحبًا إيڤي، كيف حالكِ اليوم؟

- بخير، اين انت اليوم؟

- عند جدتي، اممم... إيڤ!

- نعم.

-انــا... اريد ان اعرفكِ على عائلتي.

- عائلة!

- اجل؟ الستِ مستعدة بعد؟! يمكنني تقديمك كصديقة فقط...

فكرت قليلًا ثم تمتمت بخفوت:

- لا اعرف، ربما انا قلقة من تقبلهم لي!

- الجميع يحبك قبل ان يعرفوكِ بالفعل، ثم لا تقلقي سأكون هنا.

- اممم، في هذه الحالة بالطبع ارغب.

- سوف آتي لأقللك في عطلة هذا الاسبوع إذًا.

- اتفقنا.

برغم توتر إيڤ الشديد الا إنها كانت سعيدة للغاية، وقلبها ينبض بفرح، فهي كل يوم تأخذ خطوة

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

واخيرًا انها عطلة نهاية الأسبوع، اجتمع في منزل الجدة والداي چين واخيه فريدي مع جدته لتناول الغداء كعادتهم منذ سنوات، وكانت السيدة ماي متحمسة لاستقبال الفتاة المتعلقة بابنها كثيرًا والتي أحبتها بالفعل منذ اللقاء الأول؛ اما الجدة، فرغبت بشدة ان تقارن بينها وبين هانا التي تخلت عن چين سابقًا، وبالتأكيد فريدي يحبها بالفعل، اما السيد جورج لا يهتم كثيرًا...

اعدت الجدة الغداء، واعدت الام الحلوى، واهتم فريدي بالمشروبات واختيار فيلم السهرة؛ اجواء حماسية لاستقبال الضيفة الوافدة؛ وقد ذهب چين ليحضرها إلى المنزل...

في منزل إيڤ، وقفت هي امام المرآة تطالع شكلها، وقد احبت ان ترتدي شيئًا يعبر عنها، فستان بسيط بدرجات عديدة من الازرق، ومن فوقه سترة من الجينز الازرق، مع ربطة شعر بيضاء، وحذاء يماثلها؛ بدت لطيفة وجذابة في زيها البسيط، ولكن ما كان يشغل عقلها حقًا أكثر من مظهرها هو مفهوم العائلة!

لم تحظى إيڤ بعائلةٍ قط، تربت مع جدتها حتى سن السادسة عشر، ثم توفيت جدتها واصبحت هي في وصاية الدولة حتى بلغت الثامنة عشر! لذلك ينتابها التوتر والقلق، ولا تعرف كيف تتصرف او كيف سيستقبلها الجميع...

وقفت مغمضة العينين امام المرآة، تضع قبضتها فوق قلبها، ولم تشعر بچين الذي فتح الباب بالفعل ودخل؛ إلا حين حاوطها بذراعيه من الخلف، فجفلت للحظة ثم شاهدته في المرآة فابتسمت:

- چين.

- يا قلب چين، لما حبيبتي متوترة؟

- هل التوتر واضح؟

- لا، ولكن بما انني اعرفك جيدًا اشعر به.

- هل سيكون كل شيء بخير؟

- اجل، لا تقلقي انا هنا.

ختم كلامه بقبلة مطمئنة على جانب عنقها، فابتسمت باطمئنان ثم استدارت لتواجهه وتنظر في عينيه برجاء:

- انا ذاهبة كصديقة، صحيح!

- الجميع يشك بنا على اي حال...

قهقهت إيڤ بشدة ثم سرقت قبلة من وجنته الناعمة وزادت عليها شكره بلطف:

- شكرًا لأنك هنا.

خرجوا سويًا يسيرون معًا حتى وصلوا إلى منزل الجدة، دخلوا إلى هناك ليجدوا الجميع في الانتظار بابتسامة لطيفة، تقدمت الام تحيها يليها فريدي الذي تلقى ضربة على مؤخرة رأسه لأنه سبق الجدة في السلام عليها؛ ثم قدمها چين إلى جدته:

- إيڤ، هذه جدتي؛ جدتي، امي، ابي، هذه إيڤ، حبيبتي.

نظر إلى اندهاشها وتعابيرها المستغربة وابتسم بدفء لها فهتفت الجدة:

- كنت اعلم هذا ايها الوغد.

قهقه چين على ردة فعل جدته، ثم تقدمت والدته تهنئه:

- آه، چينو عزيزي، تهانينا لك، اعتنوا ببعضكم البعض.

تلاها هتاف فريدي المرح:

- اوه چينو، ذوقك رائع للأسف.

قهقه الجميع ثم احتضنت الجدة إيڤ وسحبتها نحو الطاولة ليجلسوا جميعًا لتناول الطعام معاً، وبعد ان انتهى الغداء قام چين وفريدي ينظفون الصحون بينما خرجت السيدة ماي للعناية ببعض الامور، وهكذا انفردت الجدة اخيرًا بإيڤ في حديقة المنزل الصغيرة:

- اخبريني بنيتي، كيف چين معك؟

- إنه رجل رائع جدتي، هو مراعي ويهتم بي جيدًا.

- انت تعرفين بعدم قدرته على رؤية الالوان، صحيح؟

- اجل، وهذا لا يهمني كثيرًا.

اعجبت الجدة بإجابتها فتابعت الاسئلة:

- لما اعجبتِ به؟

شعرت إيڤ ببعض القلق:

- الستِ واثقة من مشاعري تجاهه؟

- لا، لا، هذا ليس مربط الفرس، إنما اريد معرفة الامر بشكل اوضح، چين منطوي ولا يتحدث كثيرًا، كما ان رؤيته المشوشة تعيق اشياء كثيرة في حياته، لذلك اتساءل كيف نبتت لديكِ مشاعر ناحيته؟

تنهدت إيڤ براحة ثم اجابت بثقة:

- إنه تمامًا لهذا السبب، چين شخص هادئ، متفاهم، يسمع اكثر مما يتحدث، يتغاضى عن رؤية التفاصيل غير المهمة، إنه شخصية ثمينة لا يمكن للجميع رؤيته بوضوح.

ابتسمت الجدة بحنان وربتت على كفها بعد ان اطمأنت:

- انتِ فتاة جيدة، ترين ما لا يمكن لغيرك رؤيته، مرحبًا بكِ فردًا من عائلتنا.

توسعت اعينها تلمع في حب وامتنان:

- انها سعادة بالغة لي ان اكون واحدة منكم، افتقد معنى العائلة منذ ولدت لذلك هذه فرصة عظيمة لامتلاك واحدة.

ربتت الجدة على ظهرها بحنو، وجلسوا يتسامرون حتى خرج فريدي يحمل طاولة المشروبات ووضعها امامهم، ثم تبعه چين بالحلوى:

- هل تتناولن هنا ام امام الفيلم؟

- چين، هل يمكنني المغادرة باكرًا! لا يمكنني البقاء لوقت متأخر.

عبس چين لها بحزن مصطنع:

- لنشاهد الفيلم فقط!

- اعتذر، انت تعلم لا يمكنني البقاء بالخارج لوقت متأخر، فمكان سكني ليس آمنًا.

تنهد باستسلام، فهي معها حق:

- حسنًا، تناولي حلوى امي على الاقل.

قبلت على مضض وسارعت في تناولها، وهكذا انتهى اليوم، وذهب چين ليوصلها إلى المنزل، وقف امام المنزل يطالعها بقلق:

- إيڤ، هل انت بخير؟ لما وجهكِ شاحب؟

- اشعر ان الحمى عادت.

وضع يده على وجهها ورقبتها يتفحص حرارتها، بدا عليها القلق ولم يعرف ماذا بها، ولكن حرارتها كانت بخير:

- لا شيء، انت بخير، هل هو التوتر؟ هل ابقى معك قليلاً بالأعلى؟

اومأت موافقة فصعد معها إلى الاعلى يمسك بيدها ليطمئنها، ثم دلفوا إلى شقتها وجلست هي على الاريكة تتنهد، فسألها برفق:

- هل ازعجك شيء ما اليوم؟ هل جدتـ...

- لا لا، كل شيء كان رائعًا، كان الجميع لطيف معي، خاصة الجدة.

- إذًا ما الامر؟

همست بتعب:

- ربما التوتر يمرضني فقط.

- أوه صحيح!، شكرًا لكِ على الشيء الجميل الازرق لليوم!

- اي شيء؟ لما احضـ...

لم يدع لها فرصة للتحدث:

- انتِ...

ثم جذبها بين ذراعيه ليغدقها بقبلة حب تلون بها كل شيء إلى الأزرق، لا إنه ليس ازرق، إنه لونها، لونها هي، لون خاص بها فقط، لا يمكن للبشر رؤيته، وسقط كل منهما في غيابات الآخر، حتى فاز بهما الليل الذي امسى سكنًا لهم...

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

ازهر الربيع في كل مكان، واكتست المدينة بالخضرة التي لا يراها چين ولكن مهلاً! هو لم يعد يهتم، فهو لديه الان مجموعة أخرى من الالوان، لقد

ابصرت عيناه اخيرًا الوانه الخاصة...

كان موعدهم هذا الاسبوع صباحًا في الحديقة العامة، اصرت إيڤ كثيرًا من اجل هذا الموعد، ولم يفهم چين السبب، ولكن لا يمكنه رفض طلب لحبيبته...

التقوا سوياً باكرًا، وتوغلوا إلى الحديقة، حتى افترشوا الارض بجانب شجرة ضخمة وسط المروج؛ وضع چين رأسه على ساق إيڤ وجلس يراقب النسمات التي تحرك الاوراق حولهم بهدوء:

- لما اصررتِ على الموعد هنا؟

- اممم سأريك شيئًا جميل ازرق اليوم.

ابتسم باسترخاء، شعر لأول مرة انه لا يهتم، ليس لأنه سئم، او لم يعد يريد، ولكن لأنه مكتفي برؤيتها:

- آه إيڤ، لن توقفي تلك العادة، ما هو إذًا؟

- اممم، شيئًا لا يظهر إلا في الربيع.

نظرت حولها تراقب المكان بينما تمرر يديها بين خصلاته الناعمة، الامر الذي دفعه لسحب يديها وتقبيل باطنها، فابتسمت حين شعرت بشفتيه تستقر فوق باطن يدها ثم هتفت بخفوت:

- ها هي چين، انظر!

نهض چين بحماس ينظر إلى حيث اشارت، إنها فراشة! فراشة زرقاء بأطراف سوداء جعلت من مظهرها مخملي جميل، نبتت الابتسامة على ثغره تلقائيًا، وافترشت السعادة وجهه وهو يتابعها بعينيه تهبط هنا وهناك وتحط فوق بتلات الزهور، ثم استدار ينظر لها ويسأل بفضول كطفل:

- هل هناك زهور اخرى زرقاء؟

- بالطبع، هناك المزيد.

- مثل ماذا؟

نهضت إيڤ واخذته معها تتجول في ربوع الحديثة بحثاً عنهم:

- آه انظر هناك، انها زهرة البرونيرا انظر كم هي صغيرة، حظك من السماء، انها تنمو في بداية الربيع فقط.

طالعها بابتسامة وهي تشرح حول الزهور، فهو يعرف كم تحب عملها، وكم تعشق الزهور، وتشع عينيها سعادة حين تتحدث عنهم، ولهذا السبب سألها، لكي يرى ذلك الشغف؛ تابعت إيڤ:

- انظر هنا ايضًا، هل تعرف! هذه الزهرة تسمى "لا تنساني" دارت حولها اسطورة ان من يرتديها لا ينساه من يحب ابدًا.

- اوه حقًا، إذًا هل ارتدي القليل منها؟

قهقهت إيڤ بخجل ثم اخذت واحدة منها تضعها في شعره:

- واحدة تكفي، لا اظنني سأنساك يومًا، وايضًا هناك نوع من القرنفل ازرق، وزهور الهندباء زرقاء.

ابتسم چين باتساع ثم داعب خصلاتها المتدلية على جبهتها وهمس لها:

- اممم الان ثبتت نظريتي.

- اي نظرية؟

- انني امتلك افضل زهرة في هذه الحديقة.

قهقهت بسعادة ليقترب من وجهها ويهمس:

- لنذهب إلى البيت، اشتقتُ لكِ.

ִֶָ. ..𓂃 ִֶָ🦋་༘࿐

في التجمع العائلي التالي اصر چين على حضور إيڤ رغم رفضها في بادئ الامر، هي ترغب في إعطاءه مساحة ووقت مع عائلته؛ لكنه تغلب عليها في نهاية الامر.

اجتمعت العائلة كالمعتاد وانتهى العشاء بلطف، ثم

اخذ چين بيدها ووقف امام الجميع بابتسامة واسعة، ثم نبس:

- إيڤ، في كل مرة نلتقي منذ ما يقرب من عام وانتِ تعطيني شيئًا جميل ازرق، اليوم انا من ارغب بإعطائك شيءٌ أزرق جميل.

ابتسم الجميع فهم يعرفون هذه القصة بدقة، ويتابعون لعبتهم بشغف منذ ان اخبرهم چين؛ اقترب منها وقبل رأسها ثم يدها، واخيرًا اخرج خاتمًا من الماس تتوسطه ماسة زرقاء بشكل قلب صغير، فغرت إيڤ فاهها ولم تستطع التحدث، ليردف:

- هل يمكنكِ ان تكونين انتِ الشيء الازرق الجميل في حياتي كل يوم، هل يمكنكِ البقاء معي حتى إن اختفت كل الالوان حولي؟

ترقرقت دمعة باردة من لؤلؤتها، وحركت رأسها بإيجاب توافق على العرض بسعادة، فوضع چين الخاتم في يدها وقبلها بجانبه، صفق فريدي فرحًا وابتسمت الام والجدة وأعطوهم مباركتهم...

بعد مرور شهرين

بينما ترتب إيڤ بعض التحف فوق احد ارفف منزلهم الجديد الذي اسسوه معًا شيئًا فشيئًا؛ سألت:

- چين هل نسينا إحضار شيء؟

- لا عزيزتي كل شيء جاهز بالفعل!

- ولكن هناك عامل توصيل بالخارج.

- اوه! صحيح، إنهما شريكان السكن.

- ماذا شريكان؟ بماذا يهذي هذا؟

خرجت خلفه بسرعة لتجد قفص رائع بداخله زوج من العصافير باللون الازرق والابيض، فانفرجت اساريرها بسعادة واقتربت من القفص تداعبهم:

- اوه جييين انهم في غاية اللطف، يا إلهي، أحببتهم.

حمل چين القفص إلى داخل المنزل ليضعه في المكان الذي قرره من قبل، ثم ضمها نحوه ينظران عن كثب إلى منزلهما الذي اكتمل اخيرًا...

منزلٌ هادئ، الوانه مريحة بين الابيض والاسود والازرق، عشرات الدرجات من الازرق التي هي مريحة للعين ومهدئة للقلب؛ نظر نحو كل شيء يبتسم بإشراق ثم نبس براحة:

- اظن اننا جاهزون الآن للزواج.

- چين! صحيح، اين سنقضي شهر العسل؟

- فادهو...

- فادهو!، هااا، المالديف؟ ولكن لما هناك؟

- اممم هناك شيء جميل ازرق هناك اريد ان اريك إياه.

- ما هو؟

- مكان ما حيث يصبح كل شيء ازرق.

💙🩵🤍

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مئة طيف من الأزرق

المؤلف Sou Shii
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة