حين يُولد الظل

حين يُولد الظل

19 0

لم يأتِ المساءُ على البادية إلا محمولًا برياحٍ تعرفها الرمال كما تعرفها القلوب التي تعيش في عزلةٍ منسية بين الجبال والوديان. في بيتٍ طينيٍّ صغير، لا يضيئه سوى مصباحٍ يتراقص نوره بين جدرانٍ مشققة، وُلدت الطفلة… رماد.

ليلة ولادتها لم تكن كأي ليلة، حتى الكلاب خارج السياج لم تنبح، كأن شيئًا أكبر من خوفها كان يطوف حول الدار. جدتها التي كانت تهمس بالأدعية حين وضعت يدها على جبين الرضيعة، توقّفت فجأة… شعرت بأن هذه الطفلة لا تشبه بقية البشر، كأنها تحمل شيئًا آخر في عينيها المغلقتين، شيئًا يراقبهم جميعًا من خلف جفنيها.

لكن من يجرؤ على قول ذلك لوالدها، الشيخ عبد الله؟

رجلٌ لا يعرف إلا العناد، يرفض الخرافات كما يرفض أن يُقال له إن بيته مَسكون. رفع ابنته بين ذراعيه كأنها حمل ثقيل من العار والخوف، وأعلن: «اسمها رماد، وما بعد الرماد شيء.»

أما أمها نورية، فقد اكتفت بالصمت. قلبها يعرف أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول. كانت تسمع تلك الليلة شيئًا ما يهمس قرب نافذتها… ولم تكن قادرة على النطق.

في الزوايا، هناك كيان كان يشاهد كل شيء. لا أحد يراه، لا أحد يسمعه. سائح كان يقف هناك، بين الضوء والظل، ينظر إلى المولودة التي انتظرها طويلًا… الطفلة التي ستكون يومًا ما له.

ومنذ تلك الليلة، لم يكن هناك راحة في هذا البيت.

تساقطت النخيل فجأة. اختفت المواشي بلا أثر. غرباء ابتعدوا عنهم بلا سبب. وكلما كبرت رماد، كبر معها ظلٌّ لا يعرف الرحمة.

أما عبد المحسن، أخوها الأكبر، فكان يقول ضاحكًا بين أصدقائه:

> «أختي ما يمسها أحد… حتى الهوى يخاف منها.»

لكن عبد المحسن لم يكن يعلم…

الذي يبعد الهواء عنها ليس خوف الناس، بل عين لا تغلق أبدًا، قلب لا يملُّ الحراسة، وروح لا تعرف النسيان

منذ تلك الليلة… بدأت الحكاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رماد الجن

المؤلف Harlett ????
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة