رسالة من الماضي

رسالة من الماضي

30 0

الشمس تودّع مدينة جنيف، بألوانٍ برتقالية خاطفة للأنفاس، تاركةً خلفها لوحةً غارقةً في الإبداع\. في الزاوية، عاشقان يتهامسان بالغزل\. سياح يلتقطون الصور، وأطفال يركضون أمام البحيرة\. صديق يودّع صديقه بابتسامة حزينة، وأب يشتري لأطفاله الألعاب التي أوصوه بها منذ الصباح\. فتحت ليورا الباب ببطء، متنفسةً من تعب يوم طويل في مركز التحقيقات\. أسندت جبهتها على خشب الباب، ساحبت أنفاسها بصعوبة\. كأنها انقذت من الغرق في محيطٍ هائج\. الجرائم تتزايد في المدينة\. وآخر جريمة\.\.\. كانت مرعبة\. و هذا يزيد من الضغط عليهم لإيجاد القاتل، قبل  انتشار الخبر\. خلعت معطفها بحركة سريعة، كأنها تتخلص من قيود اليوم اخذت تجرّ تعبها بصمت، وتتجه نحو صالة الجلوس\. كانت الصالة فخمة، بأرضية لامعة وسجادة بيضاء في النظر الاولى و لكن النظرة الثانية\.\.\. كانت كفيلة باغتصاب عينيك من ذالك الجانب الدموي رصاصات مصطفّة أمام شاشة التلفاز، ورشاش من نوع MP5 موضوع على الأرض\. كأن أحدهم صمّم الفخامة لتخفي بشاعة الواقع\. تجاهلت كل ذلك متجهة نحو المطبخ و بالضبط الى مايوجد فوق الرف جهاز التحكم الاسود ،ضغطت الزر\. ليس لتشغيل التلفاز، ولا لفتح الباب\. بل لشيء أكثر ظلمة\.\.\. أكثر خطرًا\. باب لا في الجدار، ولا في الأرض، بل تحت رف المطبخ\. يؤدي إلى سلالم خشبية لا تظهر نهايتها، كأنها بوابة الجحيم الصوت الوحيد الذي يرافقها\.\.\. هو وقع خطواتها على الخشب\. في تلك اللحظة، لم تكن تشعر بشيء\. مشاعرها مشوشة\. كانت كأنها تتحرك كتيارات عشوائية تصتدم بجادر روحها  ثم تختفي قبل ان تفهم  شعرت بالفراغ ممتلئ و  الضجيج  صامت  كانت تريد ان تهرب ان تصرخ ولكن لا تعرف لمن او لماذا كان عقلها منفصل على قلبها كلاهما يتجادلان و هي المتفرج الوحيد تنتظر من يفوز ليجرها نحو قراراته في هاذه اللحظة الشيء الوحيد المؤكد هو ان لاشي ء مؤكد عيناها الخضراوان زاد ظلامهما، حتى تلاشى لونهما في سواد النفق\. كان البرد يزيد و النفق يضيق كلما اضافة خطوة نحو الاسفل أطراف يديها لم تعد تشعر بها\. وشفتيها بدأتا تتحولان إلى الأزرق البنفسجي\. التنفس بدئ يصعب عليها ال لكنها ببساطة تجاهلت ذلك\. واصلت النزول حتى النهاية\. ومع أول خطوة في الممر و اخرها في الدرج  تغيّر كل شيء\. الجو اصبح دافئا وزال الضيق فجأة، كأن النفق قرر منحها فرصة للحياة غريب تصميم هذا النفق عند نهاية الدرج، لا تستطيع تحمل البرد أو ضيق التنفس\. لكن ما إن تخطو أول خطوة في الممر الضيق\.\.\. يصبح كل شيء بسيطًا\. الجو دافئ، والتنفس سهل\. اكملت طريق الممر ليقابلها  باب حديدي متين وضعت يدها عل جانبه الباب و ضغطت على  زر صغير  حين لامست اصابعها الزر لم تخف و لم ترتجف لم تكن حتى هناك كأنها دمية من خيوط الوهم  ترقص على خشبة مسرح تصارع ضلالها كي تبقى واقفة حتى ينسدل الستار و يخونها الضلام و تلد الحقيقة من صمت متقن كانت مشاعرها كأنها شظايا زجاج منتشر في ثلج لا دفء يرممها و لا ألم يعيدها للحياة كانت ممزقة من الالم لحد التلاشي حتى فقدت معنى الاحساس اقتربت لتدخل الرقم السري \.  ينفتح الباب بصوت معدني ثقيل  و يظهر  امامها قاعة زلابية تمتد من الارض  الى السقف جدرانها لامعة تعكس الضوء و تكتم الصوت في وسط الغرفة تمركزة طاولة بيضاء ناصعة و من فوقها  شاشة مستطيلة تظهر  خريطة العالم بقع تضيء خطوط تتحرك في الركن الايسر  لوحة كبيرة تتشابك عليها باهتة بخيوط بيضاء كل خيط يؤدي الى ماض لم يدفن بعد شعرت نفسها انها عالقة بين الوجود و عدمه بين الفوضى و السكون بين ماض تطرده و واقع يفرض نفسه عليها دون رحمة الاضاءة البيضاء تغرق الغرفة في تناقض صارخ مع ظلام  الممر خلفها كأنها واقفة بين الين و اليانغ بين النور و العتمة بين الخير و الشر لكنها مذا تمثل؟  هل هي الخير الذي لايولد الا بعده شر؟ ام الشر الذي لايخلق الا فرصة للخير؟  خطة خطوة   بطيء لكن ثابة نحو داخل الغرفة تاركة ليورا فيرا و شخيصيتها خلف الباب تركتها كما يترك السجين الحكوم عليه بالاعدام  حريته كل ماكانت عليه بقي عند العتبة  ماعبر العتبة لم يكن بشرا بل قرار  رازثا داركوف في ذاكرة الصباح كانت المرأة التي توزع الامان و الابتسامات لكن انزلق في ذاكرة المساء كحلم ينتهي عند اول صوت وازت رأسها مع السقف مغمضة عينيها و اخذت انفاس عميقة تصل إلى اعمق نقطة في رأتيها تنفسة كأنها  اخذت حريتها بعدما كان محكوم عليها بالاعدام تشعر بالهواء البارد يتسلسل لرأتيها  برودته تشعرها بالقشعريرة أخذت كل الوقت لتعيد تشكيل اسمها الى رازثا داركوف انزلقت عينيها الخضراوان بعدما نجيا من ضلمة النفق  ليضهرا واخيرا على حقيقتهما كانت تبحث من اين تبدأ\. تركت جهاز التحكم و الهاتف في نفس اليد و اخذ خطوة لتذهب نحو الحاسوب لكن شيء على الطاولة اوقفها لحظة اثنان ثلاثة شحب وجهها، كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة\. يدها ترتجف بدون ارادة اصابعها تتجمد ترتخي تفقد السيطرة  على جسمها شبرا شبرا تنفسها أصبح ثقيلاً، متقطعًا، كأنه حكم عليها بالحرمان من الاكسيجين فيجب عليها ان تثبت برائتها\. بشهيق واحد صدرها يعلو ويهبط بجنون، وكل خلية فيها تصرخ طلبًا للأوكسجين\. للحظة، خُيِّل إليها أنها ترى ظل ملك الموت، واقفًا ينتظر أن يسحب منها الروح\. كانت تشعر ان جدران الغرفة تقترب  و تقترب لتصبح لها قفض يسحقها من الداخل جسدها روحها في حالة استنفار كل شيء بداخلها يصرخ اهربي اهربي الى اقصى نقطة لكن الهروب مجرد وهم مستحيل ركبتاها خذلتها فسقطة فوق الزجاج البارد ارتد صوت ارتطام جسدها مع الارض في الارجاء لم يبقى  سوى صوت انفاسها متقطعة مذعورة تنهش الهواء كما لوكان عدوا كل نفس معركة كل زفير فشل كأنها تغرق في اليابسة دقات قلبها كانت سريعة الى حد انها ظنت لوهلة انها توقفت\.\.\. عضلاتها تشنجة فجأة كأن شاحنة  عبرت فوقها  ثم عادت لدهس شعرت ان ارضية الغرفة تتحرك بها  تسحبها ثم تعيدها لكنها في نفس المكان لطالما كانت في نفس المكان كل شيء يتحرك الا هي تجلس في زاوية الغرفة، ترتعد ليس بسبب البرد، بل بسبب ماضيها\. ماضيها الذي يدور في دوائر، حيث ترقص فيه أشباح الألم كلما حاولت الهروب\. وفي كل مرة تفر، تكتشف أنها تقع في نفس الألم مرة أخرى، ولكن بوجه جديد وصوت مغاير، لكنه يحمل نفس الوجع\. كل الم كل خيبة كل اختبار\.\. تعلمته بقسوة و خيبة تتسلل ظلال الماضي إلى حاضرنا، متلبسةً بذكريات أطول من أعمارنا\. كم من لحظات نعيشها نتيجة لقرارات لم نختارها، وذكريات لم نتمكن من دفنها، لكنها لا تزال تؤثر علينا\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شيفرة الماضي

المؤلف Celine Code
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة