الحقيقة الناقصة

الحقيقة الناقصة

14 0

‎في المطبخ الهادئ الذي غمرته رائحة الفانيليا والسكر المكرمل، كانت يليانا تدور بخفة حول المنضدة الخشبية، ثوبها الأبيض الطويل يتمايل كلما ضحكت، وشعرها الداكن يتطاير خلفها كما لو كان يراقص الضوء المتسلل من النوافذ\. كانت تحمل وعاء الطحين بينما يقف إلى جوارها آرين، صديقها الذي لم يتخلَ عن محاولاته ليكون جزءًا من عالمها، منذ أن ظهرت فجأة في المدرسة ذات صباح خريفي، شاردة النظرات، غريبة الروح\. ‎آرين، بشعره البني الفوضوي ودراجته النارية التي لا تفارق رنينها أذنَيّ السيد هارلن ، كان يثرثر بحماس وهو يحاول أن يخفي ارتباكه أمامها\. في يده ملعقة خشبية يغرف بها عجينة الكعك بعبث، فيما يقول: ــ "أقسم أنني لم أساعد في خبز شيء طوال حياتي\.\.\. لكن لعيد ميلادك، أفعل المعجزات\." ‎ضحكت يليانا، ضحكتها كانت موسيقى، خفيفة كنسيم ناعم، تنظر إليه من طرف عينيها، وفي قلبها شيء لا تفهمه\.\.\. إحساس دافئ كوهج شمس الشتاء، يخيفها ويجذبها في آنٍ واحد \. ‎مارلين، صديقتها المقرّبة، كانت تتكئ على باب المطبخ، شعرها الذهبي ينساب على كتفيها كأنه نُسِج من ضوء القمر\. جمالها لافت، يشبه الأميرات في القصص التي لم تعد تؤمن بها يليانا منذ زمن\.\.\. لكنها لم تشعر يومًا بالغيرة منها، بل بالامتنان، لأنها لم تتركها يومًا\. ‎تتبادل الثلاثة الضحكات، يتناثر الطحين على الأرض، وتُعلَّق الزينة في الأرجاء\. كانت يليانا تحاول أن تصنع لحظة لا تُنسى\.\.\. عيد ميلادها الثامن عشر، وكأنها تشعر في قرارة قلبها أن هذا اليوم سيكون مختلفًا، أن شيئًا غريبًا ينتظرها خلف الستار\. ‎وعند طرف المطبخ، وقفت ميرا تراقبهم بصمت\. يدها تمسح على منديلها، وعيناها تلمعان بالدموع\. لم تكن يليانا ابنتها من رحمها، بل من قدرٍ نزل عليها ذات ليلة مثل المعجزة\. تذكرت ذلك اليوم حين وجدوها ملفوفة في حرير غريبة مطرز بخيوط الذهب ، عنقها يحمل قلادة تشع وكأنها قلب ينبض ، قلبها ينبض رغم البرد والضياع \. ‎همست ميرا لنفسها: ــ "كنتِ هدية الله\.\.\. حين خذلتنا الحياة\." ‎اقتربت ميرا منهم، تحتضن مشهد الشباب والضحك والكعكة غير المتقنة، ثم قالت بابتسامة تخفي ألم السنين: ــ "يبدو أني سأسمح لكم بالفوضى هذه الليلة\.\.\. بشرط أن تتذوقوا كعكتكم قبل أن تحترق\." ‎ضحك الجميع، والتفتت يليانا نحو أمها ميرا ، عيناها تغرورقان بشيء لم تفهمه بعد\. قالت لها بهدوء: ــ "أمي\.\.\." كلمة خرجت منها كانها للمرة الأولى تقول أمي ، خرجت كأنها كانت نائمة بين ضلوعها طويلاً\. ‎تجمدت الجدة، ثم فتحت ذراعيها، وركضت إليها يليانا كما تركض طفلة لا تريد شيئًا سوى حضن لا يسأل، فقط يحتويها\. ‎كان ذلك اليوم دافئًا، عاديًا في ظاهره\.\.\. لكنه حمل في أعماقه نُذر التغيير\. وفي الزاوية، كان آرين ينظر إليها، يحاول أن يجد الكلمات\.\.\. لكنه قرر أن لا يبوح اليوم\. لا تزال هناك لحظات أجمل، وهو سيصنعها لها، ولو اضطر أن يحرق كل كعك العالم ليجعلها تبتسم \. ‎في تلك اللحظة التي امتدت فيها ذراعا يليانا نحو ميرا ، وعانقتها كما لم تفعل من قبل، أحسّت السيدة ميرا بشيءٍ يتداعى في أعماقها\.\.\. كأن جدارًا بُني بالصبر والأسرار بدأ يتصدّع، وكأن الزمن قرّر أخيرًا أن يطالبها بما كتمته طويلًا\. ‎همست يليانا، صوتها مرتجف وقلبها نابض بالعرفان: ــ "أمي\.\.\. شكرًا\.\.\. شكرًا لأنكِ لم تتركيني\.\.\. شكرًا لأنكِ كنتِ عالمي\.\.\. كنتِ كل شيء\." ‎لم تستطع ميرا أن تُخفي دموعها\. ضمّتها أكثر، حتى شعرت بأنفاسها على عنقها، ورائحة شعرها التي كبرت عليها منذ كانت طفلة لا تعرف الكلام\. ــ "يا صغيرتي\.\.\." همست، ونظرت إلى السقف كأنها تخاطب السماء: ‎"ما كنتُ أظن أنني قادرة على الأمومة حتى عرفتكِ\. كنتِ أضعف من أن تبكي حين جئتِ إلينا، ومع هذا\.\.\. كنتِ أقوى من أن تُنسى\. الرب لم يمنحنا طفلًا، لكنه وهبنا ملاكًا لا يعرف من أين جاء، ولا إلى أين سيقوده القدر\." ‎ثم تنفست ميرا ببطء، تتأمل ملامح يليانا التي بدأت تكتمل، أنوثتها التي بدأت تتفتح، ونظرتها التي ما عادت طفلة\. شيء في روحها أخبرها أن الوقت اقترب، نظرت نحو الباب، وتذكرت اتفاقها مع زوجها السيد هارلن\.\.\. أن موعد الحقيقة لم يعد بعيدًا \. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. أفاقت من شرودها على وقع خطوات مألوفة، ودخل السيد هارلن، يرتدي بدلته الرمادية العتيقة، ودلف خلفه السيد جيرمي العزيز صديق العائلة، رجلٌ أشيبُ الشعر، طويل القامة، بعينين دافئتين تلمعان بالحكمة \. ابتسمت يليانا حين رأتهم ، وركضت نحوهم تحتضنهم ، \.\.\.\.\.\.\. ‎انقضى المساء وقد خلّف وراءه صدى ضحكات، وعبق شموع ذابت على مهل، وأمنيات همسها الأصدقاء في أذن الليل\. رحل الجميع، وبقي الهدوء كستارٍ مخملي يُسدل على المسرح بعد عرضٍ بهيّ\. ‎أما يليانا، فجلست عند حافة الكنبة، ترتب طرف فستانها، وعيناها تلمعان ببقايا الفرح\. كانت تشعر بشيءٍ غريب يسري في صدرها، مزيج من الامتنان واللهفة، كأن روحها تتسع لأكثر مما تحتمل\. إنها بلغت الثامنة عشرة\.\.\. رقمٌ له سحره، طعمه الخاص، وكأن العالم قد انتقل إلى مرحلةٍ أخرى فقط لأنها كبرت عامًا آخر\. ‎سمعت خطواتٍ هادئة تقترب من رواق البيت، ثم طُرِق الباب بخفة\. التفتت لتجد السيد هارلن، يدخل وخلفه يقف جيرمي \. ‎ابتسم هارلن وهو يفتح ذراعيه: ــ "عزيزتي\.\.\. لم أنسَ وعدي لكِ\." ‎ثم التفت إلى صديقه وقال: ــ "تعالي، جيرمي\.\.\. دعنا نُهدي أجمل فتاة في هذا العالم هديتها\." ‎تقدّم جيرمي بخطى واثقة، يحمل صندوقًا أنيقًا ملفوفًا بورقٍ أسود ومربوط بشريطٍ ذهبي، وقال بصوته العميق، المليء بالمودة: ــ "عيد ميلاد سعيد، آنستي\. لا أعتقد أني قابلت فتاةً تُشبهك من قبل\.\.\. وهذه، هدية من صديقٍ لا يحب الهدايا العادية\." ‎أخذت يليانا الهدية بيديها المرتجفتين قليلًا من الفرح، وقالت وهي تضحك: ــ "إن لم تكن كتبًا، سأُعيدها\!" ‎ضحك الاثنان، وقال جيرمي مازحًا: ــ "وهل أتجرأ أن أُهديكِ غير ما تهوين؟ افتحي\.\.\. واكتشفي\." ‎فعلت، وكأن الزمن توقف للحظة\.\.\. كان داخل الصندوق مجموعة نادرة من الكتب القديمة، أغلفتها من الجلد المعتق، وعناوينها محببة لقلبها، بعضها نسخ أولى من روايات قرأتها، وأخرى كانت تتمنى اقتناءها منذ أعوام\. ‎شهقت، وعيناها بللتهما الدموع: ــ "جيرمي\.\.\. أنت لا تُدرك ماذا يعني هذا لي\.\.\. هذه الكتب، كأنها تعرفني \. ‎اقترب هارلن منها، وانحنى ليقبل جبينها بلطفٍ أبوي، ثم جلس إلى جانبها وقال بصوتٍ خفيض: ــ "أنتِ تعرفين أننا لم ننجب\.\.\. لكن الرب حين قرر أن يُعطينا ابنة، أرسل لنا النور في صورة طفلة \.\.\. تلك الطفلة كبرت\.\.\. وأصبحت اليوم شابة تملأ البيت حكايات وسعادة\." ‎تعلّقت يليانا بعينيه، صمتت قليلًا، وكأنها تنتظر شيئًا، إحساسًا، اعترافًا\.\.\. لكن هارلن اكتفى بأن مدّ يده إلى جيبه، وأخرج صندوقًا صغيرًا من المخمل\. ‎ــ "وهذه\.\.\." قال وهو يفتحه أمامها، ليُظهر قلادة \.\.\. ــ "هذه\.\.\. كانت من نصيبك، منذ زمنٍ بعيد\. وقد حان وقت أن تعود لكِ\. ‎تسمرت يليانا في مكانها، وعيناها لم تُفارقا القلادة التي كانت تستقر في راحة يد جدها\.\.\. شيء ما في ذلك الوهج الصامت شدّ أنفاسها، كأن الكون كله اختصر نفسه في قطعة صغيرة من الضوء\. ‎"يا إلهي\.\.\." همست داخل نفسها، دون أن تقوى على النطق بصوتٍ مسموع\. ‎كانت القلادة أشبه بقطعة من السماء، لا، بل كأنها قُطعت من قلب الليل نفسه\.\.\. سلسلتها رفيعة، تُشبه خيوط الفجر حين تتسلل من خلف الغيوم، أما الحجر الذي يتدلّى منها، فكان بيضاويًا بلونٍ غريب لا يمكن وصفه\.\.\. مزيج من الأزرق العميق، والأسود المتوهج، كأن داخله بحر يضجّ بالعواصف والنجوم\. ‎لم يكن حجرًا جامدًا\.\.\. بل كأن فيه حياة، كأنها ترى فيه انعكاس نبضها، أو سمعَت فيه أنينًا قديمًا تعرفه دون أن تذكر متى سمعته\. ‎"كيف\.\.\. أشعر أنني أعرفها؟" ‎لم تستطع أن تُبعد عينيها عنها، فقد كانت هناك جاذبية غريبة، تشدها، لا بقوةٍ مادية، بل بنداء داخلي\.\.\. كأن روحها تستيقظ، كأن ذاكرة قديمة تغمر قلبها، كأنها\.\.\. عائدة إلى مكانٍ لم تزره قط، لكنها تنتمي إليه \. ‎راودها شعورٌ غريب، أنها حين تلمسها\.\.\. لن تعود كما كانت\. أن شيئًا ما سيتبدّل، أن نبض الكون سيتغير في عروقها\. ‎مدّت يدها ببطء، وخفّة، كمن يلامس حلماً يخاف أن يتبدد، تلمّست سطح الحجر البارد\.\.\. لكنه ما لبث أن دَفِئَ بين أصابعها، ارتعشت يدها ‎شعرت يليانا بلمسةٍ خفيفة على كتفها، ناعمة لكن عميقة الأثر\.\.\. استفاقت من بحر الذهول، والتفتت لتجد ميرا، تنظر إليها بعينين يقطر منهما الحنان، والشيء الآخر\.\.\. ذاك الذي لم تستطع تسميته، لكنه يشبه الخوف\. ‎جلست ميرا إلى جانبها بهدوء، ثم تبعها السيد هارلن، يضع يده على كتفها الآخر، وعلى وجهه ملامح رجل يحمل عبئًا صامتًا منذ سنوات\. خلفهما جلس جيرمي، وقد بدا عليه التردد، رغم صلابته المعتادة\. ‎قالت ميرا، بصوتٍ مبحوح فيه رجفة: ــ "يليانا\.\.\. هناك شيء، آن الأوان أن تعرفيه\." ‎اتسعت عينا يليانا، وكأن قلبها كان ينتظر تلك الكلمات منذ زمن\.\.\. كأن روحها كانت تعلم أن هناك خطب \. ‎"أعلم أنكما تبنيتماني من الميتم\.\.\." قالت بصوت خافت، "لكنني\.\.\. لطالما شعرت\.\.\. أن هناك ما هو أعمق\." ‎أومأ هارلن، وقال بحزم الأبوة: ــ "لم نأخذكِ من ميتم، عزيزتي\.\.\. بل وجدناكِ\. وجدناكِ في ليلة لا تشبه أيّ ليلة\. " ‎تنفست ميرا عميقًا، وأسندت ظهرها للحافة، كأنها تسترجع المشهد: ــ "كانت عاصفة شديدة تضرب القرية\.\.\. والرعد يمزّق السماء، حين سمعنا طرقًا خافتًا على الباب الأمامي\.\.\." ‎قاطعهما جيرمي، وقد انحنى بجذعه للأمام، وعيناه معلقتان بوجه يليانا: ــ "خرجتُ أنا أولاً\.\.\. كنت قد أتيت لأشاركهما العشاء\.\.\. لم نكن نتوقع أن نجدكِ هناك\." ‎قالها بصوتٍ فيه دهشة ما زالت عالقة في صدره حتى بعد كل تلك السنين\. ‎تابعت ميرا، وصوتها يرتجف: ــ "كنتِ هناك، على عتبة الباب\.\.\. لا تبكين\.\.\. لا تتحركين\.\.\. ملفوفة في عباءة حريرية مذهلة، لم أرَ مثلها في حياتي\.\.\. كانت مُطرزة بخيوط ذهب، تنبض بنقوشٍ لم نفهمها، أقرب إلى رموز لا تشبه لغتنا، ولا عالمنا\." ‎همس هارلن، وكأن الصورة ما زالت محفورة في ذاكرته: ــ "وعنقكِ\.\.\. كانت القلادة هذه\.\.\. نعم، هذه نفسها\.\.\. تتدلّى وسط صدرك، وتُشِعّ نورًا خافتًا\.\.\. نورًا حيًا\.\.\. كأنها تتنفس\. " ‎هزّ جيرمي رأسه نفيًا، وقال بصوتٍ غامض: ــ "لا نعلم من أين أتيتِ، لكننا نعلم أنكِ لستِ عادية\.\.\. لم تكوني يومًا عادية، يا يليانا\.\.\. ‎ارتجف قلبها، ونظرت إلى القلادة التي أصبحت الآن أدفأ، أبهى، وكأنها تتجاوب مع ما قيل \.\. •\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_• ‎يا أنقياء الحرف، يا عشّاق الحكايا وأرواح القصص\.\.\. ها أنا ذا، أضع بين أيديكم أولى خيوط قدري، أول بوحٍ من قلبي، أول ومضة من عالمي الذي ظلّ يهمس لي طويلاً\.\.\. حتى قررتُ أخيرًا أن أُصغي\. ✧✦✧ ‎هذه ليست قصة عابرة\.\.\. بل بداية قدر\. فتاة تحمل علامة لا تشبه أي وسم، وقدرٌ خُطّ بالحبر والسحر والدم\.\.\. ✧✦✧ ‎\(البارت الأول من روايتي "علامة الملك"\) ها قد خرج للنور\.\.\. فكونوا أنتم شمسي التي تسنده، وانثروا كلماتكم حوله، شجّعوني، أرشدوني، وانتقدوني بمحبة\.\.\. فأنا لا أطلب الكمال، بل أتمنى أن أُلامس قلوبكم كما لامستني هذه القصة \.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

علامة الملك King's sign

المؤلف : Mimi .
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة