نقطه انكسار.

نقطه انكسار.

16 0

**أغمض عينيه بنفاد صبر، ينتظر أن تنتهي جلسة التوبيخ هذه، ويتمنى من كل قلبه أن يخرج من هنا بأقل الخسائر الممكنة\.** **— "لقد تماديت كثيرًا يا سيادة النقيب\!"** **حدق نحو الذي يصيح به منذ أن أتى، قبل حتى أن يشرب قهوته التي تعينه على التعايش وسط هؤلاء** **"الملاعين\."** **— "سيدي، أنا لم أفعـ—"** **قاطعه صراخ رئيسه في العمل:** **— "بلى\!\! بلى فعلت الكثير، عندما تتهم رجلًا من أكبر رجال الأعمال الأجانب، والذي يُعد من أقوى المستثمرين الذين تعتمد عليهم الصناعة المصرية، بتجارة الآثار والمواد المخدرة، وتشُك أيضًا أنه يمتلك بيوت دعارة\! إذن أنت لا تتهم رجل أعمال، بل ابن إبليس يا أغبى من أنجبت نقابة الضباط\!"** **أدرك أنه لا فائدة من النقاش مع ذلك الرجل، الذي يبدو كأن شياطين العالم تلبسته\.** **لكن، في محاولة أخيرة للدفاع عن نفسه، قال:** **— "سيدي، لقد اعترف عليه أحـ—"** **قاطعه رئيسه للمرة الثانية، جاعلًا إياه يعض شفتيه ببغض:** **— "اعتراف باطل\! حققنا في الأمر، وتوصلت بنا الأدلة إلى أنه مجرد ادعاء كيدي فحسب\.\.\. والآن نكتشف أن سيادة النقيب عاصم المبجل لا زال يبحث في الأمر، بعد إغلاق القضية\!"** **تنهد محاولًا كبح جماح غضبه، ناظرًا للماثل أمامه\.** **— "عاصم بني، سأتحدث الآن كخالك، وليس رئيسك في العمل\. عقوبة اتهامك الباطل لرجل مهم كهذا هي إيقافك عن العمل، ولكن بعدما توسطنا لك، وساهم تفانيك واجتهادك في تخفيف الحكم، تم الاكتفاء بمنعك من القضايا من هذا النوع\.\.\. والآن اسمح لي أن أخبرك أنك في شبه إجازة مفتوحة\.** **لذلك، اذهب إلى منزلك، ورتب نفسك، وعُد لرشدك، ولا تقلق\.\.\. مكتبك في انتظارك\."** **حدق عاصم نحوه بجمود يعاكس داخله المشتعل، وحياه باحترام، متجهًا نحو الخارج بغضب مكبوت\.** **اتجه إلى مكتبه يلملم أشياءه وهو يفكر في حجة يواجه بها والده، الذي أفنى سنوات عمره ليصبح ما هو عليه، ويحقق حلم والده كي يتفاخر به أمام أعمامه\.** **تنهد بثقل\.\.\. فهذه هي بداية اليوم، كيف ستكون نهايته؟\!** **دخل عليه صديقه "سعد"، يحاول أن يتبين من ملامحه ما حدث، ولم يجد أمامه سوى الوجوم، ليتنهد سائلًا بقلة حيلة:** **— "إذا؟"** **— "إجازة مفتوحة، أي فصلي لفترة معينة لكن بشكل راقٍ بعض الشيء\."** **قالها بسخرية لاذعة\.** **قال "سعد" بنبرة متسائلة:** **— "ماذا ستقول لأبيك؟"** **— "ماذا تظن أنت؟ سأشاركه خيبتي لكي يشمت بي؟\!"** **أنهى حديثه باستياء ساخر\.** **راقبه صديقه بشفقة وهو يخرج، تبعه متنهدًا ليكمل أعماله التي لا تنتهي\.** **في المساء** **رتب حقائبه مستعدًا للعودة لتلك القرية التي نشأ بها، والتي تسكنها أسرته\. يحاول تهيئة نفسه للمواجهة بينه وبين أبيه، الذي لن يتعجب إن طرده من المنزل، بل هو متأكد أنه سيفعل، لكنه سيذهب على أي حال\.\.\.** **حمل حقيبته على كتفه وسار بها في طريقه إلى السيارة التي طلبها من هاتفه\.** **وأثناء رحلته، كان ينظر للمباني العمرانية الحديثة، يودّع حياة المدن\. فهو يبدو أنه سيغيب عنها طويلًا، عائدًا لتلك القرية، التي أقصى أنواع الرفاهية فيها هو عرض العم "رضا" عليه اثنين كيلو جرام من الطماطم بسعر عشرة جنيهات بدلًا من خمسة عشر\!** **يا الله\.\.\. طيف له أن يترك عرضًا كهذا ويأتي للمدينة المملة؟** **كان يسخر من نفسه وهو يحدق أمامه\.** **إن سألتموه عن أكثر ما يعشق بعد عمله، فسيقول: "التجول بالسيارة ليلًا"، حيث لا وجود لأحد سواه ونفسه وأضواء المدينة التي لا تفشل في إبهاره\.** **طاله شبح النوم وقد غفا دون أن يشعر\.** **رغم أن المسافة ليست بالبعيدة، ولا بالقريبة جدًا، إلا أن إرهاقه تمكّن منه\.** **توقفت السيارة بعد دقائق في حيهم "حي السيدة"، دفع للسائق الأجرة، وحمل حقيبته وهو يتنفس بعمق، يستعد لمواجهة أبيه\.** **وقد قرر في نفسه أنه لن يقف صامتًا، محني الرأس، كعادته عندما يتلقى توبيخ أبيه الدائم له\.** **لكن تلك المرة\.\.\. لا، لن يسكت عن حق كرامته التي تتبخر في حضرة والده\.** **كان الشارع فارغًا من البشر، والحياة مظلمة بشكل أثار جزعه وهزّ ثباته، ولكنه تماسَك، وانطلق حيث شقته التي تقع في الدور الخامس\.** **طرق الباب بخفة، ومع كل طرقة يضيق قلبه بجزع\.** **شعر بأن صوته اختفى نتيجة الغصة التي في حلقه، عندما فتح أبيه الباب\.** **اقترب ليحتضنه بشوق مصطنع\.\.\.** **كان عناقًا باردًا، خاليًا من أي مشاعر\.** **ابتعد عن أبيه برفق، وقد سمع صوت أمه بالداخل:** **— "من الطارق يا عبده؟"** **يا الله\!\! اشتاقها واشتاق صوتها\.\.\.** **— "إنه أنا، أمي\!"** **صاح بصوت مختنق من فرط مشاعره\.** **اقتربت أمه من الباب تحدق نحوه بصدمة، وقد تجمع الدمع في عينيها، ناطقة بنبرة ملتاعة:** **— "عاصم\!\!\.\."** **لم تستطع التحكم في مشاعرها، وركضت إليه باكية بحرقة، ضامة إياه في عناق، رغم قوته، إلا أنه كان بفيض حنان، استكان بين ذراعيها وسكنت فوضى رأسه تمامًا\.\.\.** **قطع تلك اللحظات صوت أبيه يقول بجمود:** **— "لِمَ عدت؟\!"** **شهقت والدته، تحدق نحو أبيه بعتاب، وهو أدركه الخوف وقد نسي تمامًا ما خطط له، قال بصوت، رغم محاولته جعله ثابتًا، إلا أن اهتزازه أظهر مدى ارتباكه:** **— "لا\.\.\. لا شيء، أبي\. إنه\.\.\. إنه فقط\.\.\. إجازة، نعم، إجازة\."** **صاح أبيه صيحة أجفلته:** **— "كاذب\!\.\."** **أكمل كلامه بغضب:** **— "خالك معتصم أخبرني كل شيء، أخبرني عن خيبتك التي أصبحت حديث كل من هب ودب في المديرية\."** **شحب وجهه، وحدق نحو والده محاولًا أن يبرر أي شيء:** **— "صدقني، أبي، أنا لم أُخطئ\.\.\. لم أخطئ، أقسم لك\! لقد\.\.\. لقد كان ذلك الرجل له الكثير من الأعمال المشبوهة، كل شيء يحكي ذلك\. من الأساس هو مشبوه في بلاده، جميع المصانع التي يمولها أو يرتبط اسمه بها، دائمًا ما تكون مكانًا لاستلام أو توزيع دفعات من المواد المخدرة، أبي\.\.\. أقسم ل—"** **لم يكد يُكمل حديثه، وإذا بصفعة تهبط على قلبه لتكسره قبل وجهه\.** **حدق نحو أبيه بانكسار، وقد علم ما التالي\.\.\.** **كان يستمع لصرخات أمه التي تحاول منع أبيه من أن يُغلق الباب في وجهه، لكنه فعل\.** **ها هو، كما تجري العادة، يجلس على رصيف الشارع، الذي لطالما احتضنه عندما يحتد النقاش بينه وبين والده، لينتهي به الأمر جالسًا عليه يتأمل النجوم\.** **هو لا يحب ذلك الحي، ولا يحب دياره\.** **هي لم تكن له يومًا "دار"، بل كانت دائمًا جحيمًا\.** **قضى نصف طفولته على أرصفة الشوارع، والنصف الآخر يقضيه في الشجار مع أبيه\.** **تنهد بثقل، وعندما كانت عيناه تدور في المكان، ثبتت على مكان ما وحدّق نحوه بدهشة\.** **يا الله\.\.\! أهذا حقيقي؟\!** **رأى رجلًا أمامه، غريب الهيئة، يمسك فحمة بين يديه ويرسم على الجدار\.** **لا يعلم إن كان يرسم أم يُجسد ما بداخله\.** **تلك الرسمة\.\.\. لمسته؟\!\.\. نعم، وبقوة، لدرجة لم يستطع كبح دموعه\.** **كانت الرسمة لرجل مُكبّل، وهناك يد تكمم فمه\.** **رغم أن لا ملامح للرجل المرسوم، إلا أن هيئته تصرخ وجعًا مزّق نياط قلبه، جاعلًا منه ينهار\.\.\.** **بتأكيد، ليس لأجل الرسمة، ولكنها أيقظت بداخله أحداثًا دفنها منذ زمن\.** **بكى بعنف، وهو يسترجع شريط حياته أمام عينيه\.\.\.** **كل ذلك تحت أنظار الرسام، الذي كان يحدق نحوه بنظرات مبهمة\.\.\.** **"مؤمن\."**

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل مؤمن

المؤلف JANA
2025/07/17 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة