تسارعت حركة القدمين مع كل ثانية، من مشي إلى هرولة ثم جري سريع\. تخلل الهواء الصيفي المنعش رئتي الفتى اليافع ذو الرابعة عشر عامًا، وتحركت خصلاته الكستنائية مع الريح، وهو يسابق الوقت ويقطع الطريق من قلب القرية التي أصبحت على خبرٍ أفزع سكانها، قاصدًا منزله في طرفها\. تراءى له منزله بعد دقائق شعر بها سنينًا، ولم يلبث أن دفع الباب ودخله مناديًا بلهفة خالطها الفزع والاستعجال «**أمي\! أين أنت؟» ** تكرر نداءه وهو يبحث عنها في الطابق السفلي، ثم سارع يرتقي الدرجات الخشبية نحو الأعلى، وقد بدأت الأفكار السوداء تجتاح عقله حين لم يأته جوابها\. «**أمي\!» ** نادها وهو يبحث في الردهة الضيقة، ثم اتجه ناحية غرفة والديه، لكنه سرعان ما توقف أمام باب غرفته المفتوح، يلمح والدته داخلها تربط صرتين قماشيتين بوجه حازم وجاد\. ** «لمَ لم تجيبيني؟ أصدر الملك مرسوم إقرار خيانة السيد مارسل وأغلب سكان القرية، سيصلون لأسر الجميع قريبًا\!»** سارع يتحدث بقلق، يخطو نحوها واضعًا عينيه الفريدتين عليها، فهمهمت بثبات وإصرار تمد له إحدى الصرتين الكبيرتين «**أعلم، احمل هذه» ** حملها دون فهم يلاحقها بعينيه، ثم ارتبك حين اقتربت منه، تلف حول كتفيه رداءً أخضر قاتم من الكتان، ثم شرعت تعقده حول رقبته\. «ماذا تفعلين\!» «لا تنزع القبعة عن رأسك، غط عينيك جيدًا ولا تدع أحدًا يراهما، وقلادتك ها هي، لا تدع أحدًا يلمحها أو يعرف عنها، على الإطلاق، احمها كأنك تحم حياتك، إن كاد أحدهم يحصل عليها ويعرف أنها ملكك فتخلص منها دون تردد» «أمي\!» هتف بها ابنها يراها تتحدث بأشياء غريبة دون توقف، تضع القلادة حول عنقه ثم تخفيها أسفل قميصه اللبني قصير الأكمام، فوضعت عينيها البنيتين في عينيه متحدثة بحزم «هيا، سنغادر» ثم تحركت، تجره من ذراعه برغم طول جسده الذي أصبح يقاربها طولًا وبنيته الجسدية القوية، فانقاد لحركتها طاعةً لها سائلًا بقلق «أين سنذهب؟ أخبرك أن رجال الملك سيأسرون الجميع\! لا بد أنهم قد طوقوا القرية من كل الجهات\! قلبها مليء بالمرج والناس لا تعلم أين تذهب\!» «سنجد طريقة» علقت والدته باقتضاب تصل للأسفل، وهو يتبعها يحاول أن لا يتعثر فيؤذيها، لكنه هتف بها شاعرًا أنها لا تأخذ الوضع على محمل الجد «ألا تستمعين لي\! الوضع سيء بالفعل والفرار سيثير الشكوك نحونا\! ثم ماذا عن أبي\!» «عزام\!» نهرته والدته فجأة تلتفت له تقربه منها، ووجهها الحازم كما لم يره من قبل يقابل وجهه الغض اليافع، ثم تحدثت «سنجد طريقة، والدك سيلحق بنا بالتأكيد، وإن لم يفعل فلا بأس، أن لا تقع أسيرًا في أيدي رجال الملك ولا يتم بيعك كعبد، هذا هو الأمر الأهم الآن، لذا اتبعني بصمت» «إن أمسكوا بنا ستثبت خيانتنا ونُقتل\!» «هذا أفضل من أن تكون عبدًا\!» هتفت والدته بوجهه حين فشل في تمالك أعصابه ورفع صوته، وقد لعب القلق والتوتر بأعصابها وهي تستشعر وقتهما الضيق، لكن بدا أن لابنها رأي آخر، فقد تلفت حوله بقلة حيلة ثم عاد يلتفت لها متحدثًا يحاول الترفق بنبرته «العبد يمكنه التحرر، لكن الميت لا يعود، أمي أرجوك\! ماذا دهاك\! ثم كيف لنا أن نتخلى عن أبي\!» «لا يمكنهم الإمساك بك\! يجب علي حمايتك من أن تقع عبدًا في أيديهم\! والدك سيتدبر أمره\!» «أمي أتوسل إليك\! ما هذا الذي تقولينه الآن\!» هتف بها ابنها بحرقة وعدم فهم حين اشتد عليه صراخها، يجهل سبب تغير حالها الذي يألفه بها، فلأمه دومًا وجه بشوش سموح، لا تسقط البسمة الهادئة والحانية عنه، ولا يخلو صوتها الهادئ من الدفء واللطف على الإطلاق\. هذا ما شهده منذ وعى لدنياه، لذا حالتها حاليًّا، كلماتها، نظراتها الحازمة كأنها تحمل أسرار الدنيا فيها، كل شيء كان يربكه مع ما يحدث في القرية حاليًّا\. «اتبعني ولا تجادل، إن لم تشأ فسأذهب وحدي» وسرعان ما تغير أسلوب حديث والدته مجددًا، من عال لمنخفض، لكن الحزم هو هو، ما زال يتملك كل حرف في كلماتها، حتى جعلت ابنها الوحيد عاجزًا أمامها، يحدق بها غير قادر على التصرف، ثم أجفل قلقًا حين سحبت منه الصرة التي يحملها، تضعها أسفل ذراعها، وتعطيه نظرة غريبة مرتجفة لا تفسر\. بدا كأنها ما زالت تريد الحديث، أن هناك كلمات محبوسة بين شفتيها الجافتين اللتين بالعادة تغطيهما بحمرة شفاه وردية ناعمة، لكنها كتمت ما تبقى لها من كلمات بحزم، تعطيه نظرة أخيرة، ثم تستدير تغادر، قابضة بشدة على الصرتين، وهي تعلم تمام العلم ما سيكون رد فعل ابنها\. «أعطني هاتين، سأحملهما عنك» فسرعان ما تبعها، يسحب الصرتين المليئتين بالثياب البسيطة وبعض الطعام الخفيف، مستمعًا لأمرها دون أن تلتفت له «لا تدع أحدًا يرى عينيك» «حاضر» «ولا قلادتك، تخلص منها إن كنت تظن أنك غير قادر على إخفائها» «حاضر، سأفعل» هذه المرة أجابها بهدوء، والعجز ينخر بداخله، وهو يتبع خطواتها المهرولة في أحراش الغابة المتشابكة راجيًا بداخله أن يمر الأمر على خير، وعقله كله عند والده\. كان الطقس في ديرينا الجبلية يزداد برودة يومًا بعد يوم إثر دخول الشتاء، التحف ناس المدينة بالثياب الصوفية والثقيلة، وتطلعوا لاحتفالات الشواء وتجمع أفراد الأسرة أمام المدفأة حيث القصص تحكى والأحداث تتناقل\. كانت جميع العائلات متحمسة للتجمعات، يملؤها الود والمزاح، عدا عائلة واحدة ربما\.\. عائلة مورين النبيلة التي تحكم المدينة بأمر من الملك\. قبع قصر مورين أعلى التلة الوحيدة في ديرينا، يلفه نهر مور من الشمال والغرب، ثم يمتد جنوبًا يشق مدينة ديرينا إلى قسمين، مشكلًا بذلك شريانًا يمد المدينة بالمياه على طول السنة، وجاعلًا ديرينا تنعم باستقرار غذائي شبه دائم\. «يبدو حصاد المزارعين لهذه السنة جيدًا» تحدثت وضحى، السيدة الثلاثينية، ابنة سيدة العائلة الوحيدة، وهي تتفقد الأوراق الملئ بتقارير عن حصاد السنة بعد انقضاء الخريف، ثم تنهدت تضع الورقة التي التفت بشكل طبيعي في السلة جوارها\. كانت تجلس في ردهة جناح والدتها، على كرسي بدا كالعرش لشدة بذخه، مرتدية ثوبًا تركوازيًّا زينته خيوط الفضة بنقوش متقنة، يجعل خضراوتيها وشعرها الناعم شديد الشقرة يبرزان أكثر\. «دائمًا ما تغادر والدتي في الوقت الحرج» علقت السيدة الشقراء، متعبة من تصفح التقارير منذ صباح اليوم، ثم التفتت لكريمة، سيدة الخدم اليافعة ذات الخامسة والعشرين عامًا، والواقفة على مقربة منها، سائلة بهدوء «أين ياسين وأريج؟» «السيد ياسين غادر بعد الإفطار كالمعتاد لساحة التدريب، سيعود في موعد وجبة الغداء بعد ساعة ليحضر على طاولة الطعام، ثم يأخذ دروسه في المكتبة بإشراف من المعلم ليو\. أما الآنسة أريج فلديها دروسها في المكتبة مع المعلمة ميلتون، وبعد وجبة الغداء ستحضر بعض دروس التطريز» «آه، تلك الهواية المملة مجددًا» همهمت وضحى بلا اهتمام، بعد أن تلقت التقرير اليومي لنهار ابنيها، وأخفضت كريمة ذات الملامح النحيفة عينيها بصمت، ثم انتبهت حين سألت وضحى تنهض من مكانها لتغادر الردهة نحو حديقة القصر، في جولة مشي قبل وجبة الغداء وبعد ساعات من الجلوس لتفقد التقارير، تتبعها خادمتيها وكريمة «أمن أخبار عن والدتي؟» «اشترت السيدة كريمان بعض العبيد، وهي في طريقها لمحطتها الأخيرة، حيث قرية قد يصدر فيها أمر الحاكم بالخيانة لذا هناك احتمال أن يتم أسر سكانها وبيعهم كعبيد، ربما ستشتري آخر دفعة من هناك قبل عودتها» «كيف تسمح لمن صدر فيهم حكم الخيانة بالعيش في القصر، أنا حقًّا لا أفهمها» همهمت وضحى، تشعر بالنسيم البارد حال خروجها من القصر نحو حديقة الزهور الخلفية، ثم التفتت لكريمة متحدثة «يمكنك المغادرة» تعادت حوافر الخيل وتقاطعت طرق رجال الملك وهم يطوقون القرية بالكامل، تعالى صراخهم في بعض الأماكن، يجرون الفارين من القرية الصغيرة التي حكم على جميع ساكنيها بالاستعباد، واختلط ضجيجهم مع صوت الغابة وقاطنيها وصوت الطيور الفارة من أعشاشها بسبب الضوضاء الدخيلة على منطقتها\. شمالًا امتد جزء من الغابة حتى أعلى نقطة لما بدا أنه جبل، وانتهى الجزء الآخر بمنحدر حاد أسفله أرض قفر، وفي نقطة انتهاء الجبل أو بدايته امتد ممر طويل متعرج بالكاد يسع ثلاثة أشخاص، كمنفذ يصل القرية بما حولها من القرى\. هناك ظهر فتى شاب، يقف حذرًا جوار والدته الجريحة، المتكئة على جدار الجبل جوارها، وعينيه الفريدتين المخفيتين تحدقان بالواقف أمامهما، المتشح بخرق من السوادء وبين أصابع كفه اليسرى سيف منحن لمع نصله حتى كاد يعميه\. «ماذا تريد منا؟» هتف عزام بهدوء، لا يرفع عينيه من على قاطع طريقهما الغريب، برغم شعوره بالإلحاح ليحدق يسارًا خلفه، حيث قبعت نهاية الغابة على سفح المنحدر، هناك حيث انطلق سهم خدش ساق والدته قبل دقائق\. «لا أعتقد أنك في وضع مؤات لطرح الأسئلة» تحدث الواقف، بنبرة بدا فيها بعض الثقل نتيجة إصابة في اللسان، وكفه تدير السيف من مقبضه بشكل مريح وبطيء، مما جعل عزام يتحفز أكثر وهو يحدق به مبتلعًا ريقه\. لم يكن عاجزًا عن القتال، في مملكة لا يسمح فيها للطبقة العاملة بامتلاك الأسلحة وتعلم القتال والمصارعة بالأيدي، كان هو أحد الشذوذات، وربما والده أيضًا، فقد امتلك كل خبرته بعد أن حرص والده على تعليمه كل ما يحتاجه دون أي تقصير\. لكنه لم يستطع ترك والدته التي تمسك بأعلى عرقوبها النازف محدقة بالواقف أمامهما بصمت وفي عقلها ألف فكرة، فقد كان يقف حاليًا في نطاق السهم الذي أصابها، يسترها بجسده\. «ما سبب اعتراضكما لطريقنا؟ كان سؤالًا واضحًا فأجب» لكنه عاد يتحدث بهدوء، وكفه تنسل خفية نحو أسفل قميصه جهة ظهره، ينوي سحب خنجره الذي لا يملك سواه حاليًّا\. تمنى لو يستطيع الذهاب لمخزن الأسلحة الذي ملأه إثر تدريبه وأخفاه عميقًا في الغابة، عله يستطيع أخذ سيف يحميه ووالدته بسكل أكثر فعالية، لكنه عاجز حاليًّا، لذا سحب الخنجر بهدوء، لكنه توقف متفاجئًا للحظة حين جاء صوت خصمه اللا مبال «عودا أدراجكما» الجملة شتت تركيزه\. لم يفهم ما معنى هذا الأمر المريب، لكن والدته الجالسة فوق بركة دماء صغيرة جراء جرح قدمها شخصت عينيها برعب\. ‹لقد جاؤوا لأجله\! لقد عرفوه\!› الجملة طرقت وعيها بهلع، وبجهد تمالكت نفسها من أن لا ترفع عينيها لابنها، تقضم شفتيها بقوة حتى كادت تجرحها\. «ماذا تريد؟» وظهر صوت عزام المتشوش، وهو يميل برأسه قليلًا وفي عينيه حيرة خالصة، لكن المتشح بالسواد لم يكلف نفسه عناء إعادة الأمر، بل تقدم بضع خطوات مهددًا «أم أعيدكما بطريقتي\!» في تلك اللحظة بدا وكأن والدته نست جرحها وانتفضت واقفة، تمد ذراعها أمام ابنها الوحيد، وتحدق بالذي توقف مكانه بحدة وهلع، هاتفة بعلو «ابتعد عنا\! لا شأن لك بنا\!» «أمي\!» همس عزام دون فهم ينادي والدته محدقًا بجانب وجهها، ثم انتبه مصخيًا سمعه حين ظهر صوت قريب لحوافر جياد، مما جعل الأفكار تتابع في عقله في ثوان قبل أن يضعها موضع التنفيذ، ودون تردد شرع يتحرك، يجعل والدته تجفل متفاجئة، غير قادرة على مواكبته\. سرعان ما نزع وشاحه يرميه في الجرف، كما تحرك يفك عقدة وشاح والدته تحت ارتباكها ومحاولتها سؤاله عما يفعله، ثم رماه بالجرف مائلًا بجسده نحو صرتيهما، ودون تردد شق العقدتين بخنجره ثم رمى الصرتين بما فيهما للمنحدر بقوة، يجعل محتوياتهما تتبعثر قبل أن تسقط حيث لا يعلم، ووالدته تناديه بهلع تراه يرمي خنجره بعد ذلك «عزام\! ماذا تفعل\!» «سيحضر رجال الملك قريبًا، فغادر» هتف عزام بالواقف يحدق به بحزم متجاهلًا اعتراض والدته وهو يسحبها برفق خلفه، وعينيه تظهران بوضوح في شمس ما قبل الظهيرة، تلمعان كحجرين من الكهرمان، فتأوه المقابل له بنوع من التراخي والفتور، قبل أن ينبس ضاحكًا باستخفاف وهو يغمد سيفه «لم أتوقع أن أرى عينين صفراوتين في حياتي، هذا مثير للاهتمام» وعلى عكس كلماته، لم يكن هناك أي اهتمام صريح فيها، بل إنه استدار بعدها ينوي المغادرة، لولا صوت الحوافر الذي أحاط بهم أتبعه صوت جهور يهتف بعلو «فرسان الملك يحاصرون المكان، سلموا أنفسكم واكشفوا عن هوياتكم» التفت عزام ووالدته للأعلى، حيث وقف رجال الملك على جيادهم أعلى منهم، حيث الغابة الكثيفة، ورفع المتشح بالسواد عينيه بفتور بالمثل، مشيرًا بإبهامه للخلف حيث عزام ووالدته، ولم يكد يتحدث حتى جاء صوت عزام الجهور يتحدث مع قائد الفرسان، يستدل عليه من اختلاف زيه والأوسمة على صدره «نحن من سكان القرية، أردنا الوصول لدار الاجتماعات فيها بعد سماعنا بما حدث لكن هذا الغريب ظهر أمامنا ودفعنا إلى هنا، والدتي مصابة بسهم مجهول يبدو أنه لشخص تابع له، إنه مختبئ في الغابة خلفنا» سارع يحور ويحرف ما حدث، علّ الطرفين ينشغلا ببعضهما، بالرغم من أنه شتم داخليًّا حين رأى أنه لا يوجد سوى خمسة من رجال الملك، كان هناك حدس داخلي يخبره، أنه حتى لو كان هذا الغريب وحيدًا دون رام السهام فلن يستطيع خمسة من رجال الملك إيقافه أيضًا\. «يا لك من سريع في السرد» وكما توقع، فلم يظهر أي أثر للخوف على المقابل لهما، بل علق ضاحكًا بخفوت يلتفت له، ثم رفع كفيه المشوهتين واللتين ظهر فيهما أثار تدل على حمله الأسلحة لفترة طويلة، ورفع رأسه لقائد المجموعة متحدثًا بذات الفتور والنبرة الثقيلة «سأغادر وأنتم خذوا هذين، لا عداء بيننا» «من أنت؟» «ما شأنك؟» أمال المعني برأسه بسؤال ظهر فيه لمحة من الاستحقار والكبرياء، مما بدا أنه استفز القائد الذي اكفهر وجهه قبل أن يهتف «قوموا بأسر هذا الخائن\!» وسرعان ما انحدر اثنين من المقاتلين المتشحين بلباس رجال الملك من خلفه، ساحبين سيوفهم ودروعهم، فيم هتف عزام مذهولًا من تجاهلهم لقراءة الوضع بعناية «هناك رام سهام في الغابة\!» وبالفعل، لم يحتج الواقف الغريب أن يرفع سيفه حتى ليواجه اللذين اندفعا نحوه، فقد انطلق سهم تلاه آخر، أصابهما بدقة في رقبتيهما فخرا صريعين وسقطت جثة أحدهما في المنحدر كدمية ترتطم بالصخور حتى استقرت أرضًا ككومة من اللحم والعظام والقماش\. هذه اللحظة بدا أن قائد المجموعة قد عاد له رشده\. «أطلقوا التحذير\! هناك دخلاء\!» هتف بعلو، وتحرك أحد رجاله يسحب قرنًا من حزامه ويرفعه ينفخ فيه، فانطلق صوت عال انتشر في المكان حتى وصل أطراف القرية، جاذبًا انتباه كل المقاتلين في الغابة الشائكة، وانتباه شخص آخر أيضًا\. «فلنغادر» تحرك عزام يمسك ذراع والدته، يراقب المتشح بالسواد الذي سحب سيفه وتسلق المنحدر الصغير بسرعة لا تصدق نحو بقية الحرس وقائدهم ثم انخرط معهم في اشتباك عنيف جاعلًا قلب عزام يغرق بين ضلوعه\. كان مقاتلًا عنيفًا وسريعًا لا يرحم\. لم يكن لديه أي فرصة في مقارعته بسيف، فما بالك بخنجر\! لذا كان ممتنًّا أن رجال الملك ظهروا في هذه اللحظة ليجذبوا انتباهه\. «ماذا يريد هذا منا\!» رغم ذلك ظل هذا السؤال يعبث بعقله، وهو يدعم والدته ليعودا أدراجهما، فالتحذير سيجلب انتباه كل المقاتلين القريبين، وسينخرطا بدورهما في الأمر الذي قد يسبب موتهما المحتم، لكنهما ما كادا يخطوان خطوة حتى سقطت جثة أحد مقاتلي الملك أمامهما، بالأحرى\.\. جثة القائد\. «لقد تسببتما لي بالكثير من المشاكل» جاء صوت المتشح بالسواد من خلفهما، بنبرة إرهاق خفية، فالتفت كلاهما للخلف، يريانه قد اصطبغ بحمرة قانية على ثيابه مما دل على وحشية قتاله، فسارعت أمينة تدفع بابنها خلفها متحدثة بحذر وحزم «سنعود أدراجنا فاتركنا وشأننا، ألم ترد ذلك منذ البداية؟» «ربما بعد أن تدفعا لي أتعابي» علق المعني بجملة مجهولة، لكن معناها بدا في لفه لسيفه المثقل بالدماء بحركة دائرية واقترابه منهما، فدفعت أمينة ابنها بخلفها والجزع يظهر في عينيها، تفكر بشكل محموم كيف ستخرج ابنها من هذا المأزق\. ولم تكد تهمس له بالهرب وقد بقي قرابة المترين بينهما وبين خصمهما المستمتع بمحاصرتهما، حتى ظهر صوت حفيف من الأعلى تبعه سقوط جسد قوي وسريع على قاطع طريقهما الذي ابتعد بخفة شاعرًا بنصل سيف يشحذ ذراعه\. «أبي\!» نبس عزام بذهول يحدق بالظهر العريض لوالده الذي يحجب الآخر عنهما، يلمح جروحه الكثيرة وبقع الدماء الني تملأ ثيابه وعرجة ساقه اليسرى بشكل طفيف، ثم انتبه حين سمعه يهتف بقوة دون أن يلتفت لهما «لقد تخلصتُ من رام السهام، خذي عزام وعودا للقرية، حالًا\!» «لـ\.\. لكن\.\.» «أسرعي\! لقد قُتل جميع رجال الملك في الغابة، إن رآكما أحد هنا فسيتم إعدامكما لاتهامكما بالتواطؤ مع القاتلين، خذا المسار الجانبي كي تتفاديا الاصطدام بجثث المقاتلين حتى تصلا لساحة القرية» «ها قد وصل الخائن، تبدو حالتك مزرية» صوت ضحك خصمهم المستهتر ظهر بخفوت في آخر جملة لوالد عزام، والذي نبس بوجهه يرفع سيفه بحزم «اترك ابني وشأنه» «ابنك\!» ضحك المتشح بالسواد مستمتعًا وهو يندفع نحوه دون تردد، وأجفلت أمينة لبرهة قبل أن تستدير تسحب ابنها المذهول مما يحدث ومما سمع بسرعة، متجاهلة ألم جرح ساقها الحارق، تسمعه يناديها متمتمًا بصدمة «أمي\! أبي\.\.» «سيتدبر أمره» تحدثت والدته تقاطعه بحزم، وهما يغرقان في أشجار الغابة الكثيفة، لكن عزام سحب ذراعه منها فجأة في لحظة، واستدار يحدق بالمنحدر الذي يظهر خافتًا إثر تشابك الأفرع والأوراق، وأنفاسه ترتفع رويدًا\. «عزام\!» «أبي\!» سارعت والدته تلتفت تمسكه من ذراعه، لكن صوت ابنها المفجوع بلمحة من الاختناق جذب انتباهها، لتحدق حيث يفعل شاعرة بالبرد يغزو أطرافها\. كانت ترى لمعان نصل السيف الملطخ بالدماء مخترقًا ظهر زوجها، وقد تهدلت ذراعيه واختفى سيفه الذي كان يمسكه قبل دقائق، ثم ارتجف قلبها كما شفتيها وهي ترى السيف يُدفع بعنف للأعلى، يكاد يشق الجسد نصفين، قبل أن يُسحب، ويسقط الجسد ساكنًا نحو المنحدر الحاد\. تخدرت أطرافها، تقدمت خطوة للأمام والدموع تملأ عينيها، لكنها حالما رمشت عادت لرشدها، وهي ترى قاتل زوجها يلتفت باتجاه هروبهما، فسارعت تمسك بمعصم ابنها الساكن كأن على رأسه الطير، وتسحبه مهمهمة بصوت متحشرج «أسرع\! أسرع\!» وهذه المرة انقاد لها ابنها دون اعتراض، دون كلمة، بوجوم شديد، وذهول يملأ قسمات وجهه\. يعودان أدراجهما طواعية نحو القدر الذي حاولا الفرار منه\. تتابعت خطى الخادمات بتؤدة، يملأن طاولة قاعة الطعام المليئة بعلامات البذخ بالكثير من الأصناف، بين لحم مشوي وسمك مبخر ودجاج محمر في الفرن، وأنواع السلطات والخبز الطازج الذي ما زال البخار يفوح من شرائحه المقطعة بدقة\. ترشدهن سيدة الخدم اليافعة، كريمة، قبل أن ينحني الجميع برفق حين دخلت وضحى، وفي إثرها ابنتها، أريج، ذات الاثني عشر عامًا، بملامح هادئة لا تعطي نظرة للخدم كعادتها منذ سنة مضت\. لم تكن الإبنة الصغرى تشبه والدتها في شيء، فبدءًا من شعرها الكثيف شديد السواد والاسترسال، وعينيها السوداوتين الواسعتين مما دل على رؤيتها الواسعة للأمور، والمخفيتين أسفل غرة كثيفة، ثم لملامحها الناعمة المتناقضة مع ملامح والدتها الحادة والبارزة، وصولًا لذوقيهما في كل شيء، حتى الملابس\. «يجب أن ترتدي شيئًا أكثر فخامة، غرفة ثيابك تمتلئ بالفساتين التي لم تُستخدم قط\!» كانت وضحى من ابتدأت الحديث، وقد جلست على الكرسي المبطن الذي يرأس المائدة، عوضًا عن والدتها الغائبة، في حين لم ترفع أريج عينيها ناحيتها وهي تعلق بهدوء، تحمل ملعقتها متجاهلة أنها يجب أن تنتظر قدوم شقيقها الأكبر «لا أحبها، إنها مبهرجة» كانت دومًا ما تحب الألوان الناعمة والمشرقة بغير تكلف، أحبت الخيوط المحبوكة وحبات اللؤلؤ أكثر من الأحجار الكريمة التي تملأ الفساتين على ذائقة والدتها، ودائمًا ما ترفض تسريح شعرها بتسريحات معقدة وفضلت تركه منسدلًا غالبًا مع غرَّة كثيفة تغطي ناصيتها وجبهتها حتى رموش عينيها\. لكن بدا أن كل اختياراتها لا تروق والدتها\. «أتظنين المال يسقط من السماء\! واتركي الملعقة\! انتظري شقيقك\!» تركت أريج الملعقة بضيق ترتد للخلف بجلوسها، متجاهلة الرد على حديث والدتها الأخير، وما كادت والدتها تنهرها حتى سمع صوت خطوات ثابتة تقترب من المدخل، ثم ظهر ياسين الابن الأكبر ذو الرابعة عشر عامًا وبضعة أشهر، بشعره الأشقر المبعثر، وعينيه فريدتي اللون، المختلط بين عشبي سائد وعسلي دافئ ورمادي بدا كلون دخيل يظهر أكثر حين يرتدي ثيابًا داكنة، والأهم، ثيابه العادية بالنسبة لابن عائلة نبيلة\.\. العادية جدًّا لدرجة استفزاز والدته\. «أنت أيضًا تظن أن المال يسقط من السماء\!» تحدثت يائسة تراه يجلس عن يمينها، فتحدث بهدوء يسحب ملعقته «مساء النور والدتي» «أظهر بعض الاحترام» علقت وضحى، بنبرة عادية، تجعله وأريج التي كادت تغرف الحساء بملعقتها يتركان ما بيديهما، والأخرى تحدق بعيدًا تنفخ خديها كاتمة زفرة ضجر كادت تصدر منها، تسمع والدتها تردف تنهر أخيها الأكبر «ارتد ثيابًا لائقة تليق بك كوريث لعائلة مورين\! متى آخر مرة ارتديت ثياب وريث العائلة؟» «إنها ثقيلة ومبهرجة، وأنا أريد أن أرتاح، أيضًا، أنا جائع، كان التدريب شاقًّا اليوم» تحدث الأشقر بشكل عرضي، ثم حمل ملعقته وشرع يتناول حساءه، فحذت شقيقته الصغرى حذوه، تسمع والدتها تكمل عتابها الذي اعتادا عليه «بم سيضرك ارتداء الثياب اللائقة بالعائلة لبضع ساعات فقط\!» «إنها ثقيلة، تشعرني بالحر» «نحن على أعتاب الشتاء\!» «جسدي من النوع الساخن» تعاقبت الجمل بينهما، والدته باستنكارها وهو بهدوءه، وحالما رأته لا يستجيب لها حتى وجهت الدفة نحو أريج، تحمله اللوم على تصرفاتها «أظهر بعض الأفعال الحسنة، شقيقتك أصبحت تتعلم منك\!» «لمَ علي التعلم منه\! لدي شخصيتي، هو ليس مرجعًا» تحدثت أريج بهدوء دون الالتفات لهما، وأومأ ياسين برأسه يستحسن كلامها منشغلًا بتناول طعامه بالمثل، فأنبتهما والدتهما باستياء «ما دامت أفكاركما تتفق هكذا فلا أعلم ما بال بغضكما بعضكما البعض» «ابنك يتصرف كالملاك المصلح» علقت أريج، وقد بدا بعض الانزعاج على نبرتها هذه المرة، فرفع ياسين عينيه نحوها بنظرات ثابتة، ثم تحدث «حين تنضجين وتتوقفين عن إثارة المشاكل مع الخادمات بسبب ودون سبب سأتوقف عن التدخل» ويبدو أن تعليقه قد أثار حفيظة شقيقته، فقد رفعت سوداوتيها ناحيته بحدة، لكنه لم يترك لها مجالًا للرد وهو يلتفت لوالدته مغيرًا الموضوع «بشأن هذا، مجددًا\! جدتي تشتري العبيد\! ثم ما بال ذوقها وهي تبحث عن الذكور اليافعين ذوي الملامح والسمات الفريدة والنادرة\! أصبح لدينا كل ألوان الشعر والعيون والبشرة في جناح الخدم\! سيحسب من يعلم أن لديها ميولًا من نوعٍ ما\!» «ياسين\!» هتفت والدته توبخه بصدمة من كلماته، في حين كتمت أريج ضحكتها بجهد وهي تحاول الانشغال بطعامها، أما الأشقر فمد يده يأخذ شريحة من اللحم المشوي معلقًا بلا مبالاة «هذا ما سيقوله أي شخص يعلم بتصرفات جدتي، صدقًّا يا والدتي، ألا ترين تصرفاتها غريبة\!» «سيدة العائلة تفعل ما تريد وتتصرف وفق ما تراه صحيحًا\! استلم قيادة العائلة ثم يمكنك فعل ما تشاء\!» وها قد وصلوا للنقطة التي تجعله يصمت يهز رأسه مسايرًا الموضوع، لشدة ما يكرهها، لكنه هذه المرة أدلى بتعليقه بفتور «أتمنى أن تحضر أشخاصًا جديرين بالاهتمام هذه المرة» ثم عمَّ الصمت الرتيب قاعة الطعام، دون نية من أي أحد لمشاركة تفاصيل أي موضوع بينهم\. بدار الاجتماعات في القرية الصغيرة، تم جمع النساء والأطفال والفتية الذين تقل أعمارهم عن التسعة عشر، أما الرجال فقد بقوا في الخارج، ينتظرهم مصير يجهله الجميع\. في ركن من الأركان قبعت امرأةٌ تضم طفلها الباكِ ذو الستة أعوام إلى صدرها وهي تربت عليه بقلق كاد يفتك بعظامها، دموعها لا تتوقف عن النزول هي الأخرى جاهلة بمصير زوجها وابنيها الشابين\. في زاوية أخرى، فتىً يافع لم يكد يتجاوز الثامنة عشرة، متسمر لشهوده مقتل عائلته التي كان يكدح لأجلها ليل نهار، فقط ليرى ابتسامة أخته الرائعة التي تستقبله كل يوم بأحاديثها الممتعة، حضن والدته الحنون الذي ينسيه كل ما يمر به من تعب وألم، ثم أخيه الصغير\.\. ذا السبعة أعوام، الذي لطالما رآه قدوته حتى أصبح يقلده في كل تحركاته\. دمعة حارقة انسلت من جفنيه وهو يتذكر صراخهم بين نيران المنزل الذي اشتعل بهم، ثم انقلبت إلى بكاء أحرق روحه قبل خده، وانكفأ يشد ذراعيه حول نفسه، لعله يغادر هذه الحياة إليهم\! إلى حياته\! كانت هذه نماذج قليلة من بين الكثير من المآسي التي أصبحت عليها القرية الصغيرة التي بالكاد تحوي بضعة وعشرين عائلة، القرية التي لم تدرك بم يمكن لمزارعين وصانعي حرف بسيطين من أمثالهم أن يزعزعوا أمان الملك حتى أرسل لهم مقاتليه لينزعوا سلامهم وأرواح أحباءهم بهذه الوحشية\. وقلة منهم أدركوا الحقيقة، أدركوا أز هذا هو مصير الضعفاء في هذه المملكة ذات العدالة الزائفة، التي تدوسها الأقدام وتلوكها أفواه أصحاب النفوذ، ليرموا بها في أقرب سلة مهملات تصادفهم\. وبين كل هذه المشاعر المتضاربة، كان التوتر يضرب مشاعر أمينة، وقد تشابك شعرها البني وملأه الغبار كما ثيابها وبشرتها البيضاء\. كان مصابها ومصاب ابنها الوحيد كبيرًا، لم تكن تتوقع مطلقًا أن يموت زوجها الذي شاركها أقسى وأفضل أوقات حياتها أمامها، على يد قاتل لم تتوقع ظهوره\. لكنها لم تستطع التعبير عن حزنها أو حتى التفكير بمصيرها، فقد كان ابنها يأخذ كل اهتمامها حاليًا\.\. بقلق، وتوتر من ماض شعرت بالرعب حين أدركت أنه يلاحقها متوعدًا أن يختطف منها ابنها الذي حمته طويلًا، وبهلع من أن يتهور ابنها كستنائي الشعر ويدخل في جدال مع أي من الفرسان عديمي الرحمة\. «أوغاد، ذاك القاتل ورفيقه الملاعين الأوغاد\!» همس المعني بخفوت، وشعرت والدته التي عادت من أفكارها بتشدد جسده، فقوت قبضتيها قليلًا وهمست منتفضة «اهدأ\! لا تلفت انتباه رجال الملك\!» «لقد قُتل والدي، دون سبب وعلى يد قاتل مجهول لا نعرف ما يريد\!» نبس المعني بصوت خافت ونبرة قاسية، وهو يلتفت لوالدته للخلف، وارتدت خصلاته الكستنائية على عينيه، حينها لمحت والدته أكثر ما هو فريد به، أكثر ما يقلقها حالما تنظر له، صفراوتيه البارزتين بين حشد من الأعين العادية، يحيط بهما احمرار فاضح جراء تمالكه بكاءه\.\. وغضبه، لكنها تجاهلت مشاعره ونهرته بخفوت وهي تعدل جسده «تمالك نفسك\! لكل شيء وقته\!» لم تكن تريد جلب اهتمام هي في غنىً عنه من ناحية الفرسان، الأهم، لم تكن تريد جلب اهتمام أفراد العائلات النبيلة الذين يبتاعون العبيد، كان هناك فكرة وحيدة في رأسها، أنها يجب أن تختفي هي وابنها ولو عنى ذلك أن تحفر نفقًا أسفل الأرض\. في الجزيرة، كان الحكم السائد هو حكم الملك، تتبعه عائلته الحاكمة، ثم العائلات النبيلة التي يتم اختيار إحداها كل عقد لحمل ختم العائلات فتتحدث باسم جميع العائلات داخل البلاط، ثم الفرسان، ثم التجار وبعدها أصحاب الحرف والمهن، وآخرها هم المزارعين أسفلهم العبيد والمتسولون ومدقعي الفقر الذين يموت أغلبهم\. كان أغلب من في هذه القرية والذين لا يزيدون على ثلاثة وعشرين بيتًا من المزارعين وأصحاب الحرف والمهن، كان هذا\.\. حتى أصبحوا الآن ضمن العبيد بسبب تهمة خيانة صدرت في حق سيد القرية الذي لم يُعرف منه سوى بشاشته وتسامحه وسعيه لحل مشاكل أهل قريته، يرافقه في التهمة بضعة من كبار الحرفيين والمزارعين والتجار فيها\. شد عزام على أسنانه بعد نهر والدته له، قبضتيه في حضنه وكهرمانيتيه تدوران على أهل قريته المفجوعين والغارقين في البكاء والأسى، وقلبه يغرق في مزيج من الغضب والعجز واليأس، لكنه انتفض بعد برهة، عاقدًا حاجبيه قبل أن تتسع عينيه بقلق ويهمس فجأة «ليلى\! أين ليلى؟» توترت أعصابه وهو يدور بعينيه بين الحاضرين بهلع وسرعة، يبحث عنها، الشقراء القريبة منه بمثابة أخته الكبرى، من كانت تبكي لمصيبة أصابتها من حيث لا تعلم، من وعدها بحمايتها\. «أمي\! ليلى\! ليلى، أين ليلى؟» همس بهلع حين لم يجدها، وهو يستدير لوالدته، والتي سرعان همست له بسرعة مفجوعة «فلنبحث عنها حالما تهدأ الأمور، اهدأ الآن يا عزام\! أترجاك\!» سكن ابنها باهتًا وهو يحدق بها للحظة، بعينين هادئتين ضياعًا وقلقًا دفينًا، جاعلًا غصة تستقر بحلقها، تحدق به يشيح بوجهه عنها، بصفراوتين مليئتين بأسى تدافع على قلبه دون أي اعتبار لينه خلال بضع ساعات\. «سيكون كل شيء بخير، دعنا نتخلص من هذه المشكلة أولًا» لذا حاولت مواساته، تحدق به بأسى، قبل أن تتجمد كفيها للحظة وتشد على شفتيها محاولة تمالك نفسها وهي تسمع صوت ابنها يتمتم «أسنكون بخير وقد قتل والدي وشق جسده ثم رمي في جرف لا قاع له\!» ولم تجد هذه المرة مواساة أعظم من الصمت، فالحروف خنقتها، والذكرى الطرية ما زالت تكوي قلبها\. أما في خارج الدار، فقد اقتيد رجال القرية في عربات أسوأ من عربات الحيوانات نحو مصير مجهول، فيم تحرك فرسان الملك يفتشون كل منزل ويسلبون كل ما فيه بسبب أو بدونه\. «سيتم بيع الجميع عدا الرجال كعبيد، لذا هذه المنازل ومحتوياتها لا فائدة منها» تحدث أحد الفرسان متهكمًا، وهو يرى أكوام الثياب وأدوات المنزل والطعام تطرح أرضًا مشكلة عدة أكوام كبيرة، معطيًا نفسه ورفاقه عذرًا يسوغ لهم ما يقترفونه، والذين تعالت ضحكاتهم إثر نكتته، قبل أن يسرع أحد الفرسان باتجاهه، وحالما رآه حتى هتف به «أقبضتم على القتلة؟» «ما زال الرجال يفتشون الغابة حضرة نائب القائد، لكن\.\. لدي خبر آخر» تردد الفارس، يحدق بنائب القائد المقتول سلفًا بتوتر واضطراب، ثم أتبع بما فسر حالته «عربة عائلة مورين تلوح في الأفق رفقة عربتين تابعتين لها وخادمها وبضعة حراس، قال الفرسان أنها سيدة العائلة، أتت لشراء العبيد» «بهذه السرعة\!» رفع نائب القائد حاجبيه الأشقرين مستغربًا، ثم تلفت في رجاله القريبين متسائلًا «أهناك من سرب أمر الهجوم؟» «ريما هذا السبب في مقتل رجالنا في طرف الغابة\! هناك من نصب لنا فخًّا حضرة النائب\!» أسرع أحد تلفرسان يحلل الوضع، وشرد النائب لبرهة يفكر بجدية الأمر، قبل أن يلتفت ناحية الفارس الذي ينتظر منه أمرًا بكيفية التصرف مع قافلة عائلة مورين وتحدث «اسمحوا لعربة السيدة وحدها بالدخول رفقة خادمها» وسرعان ما تم تنفيذ الأمر، وأصبحت عربة العائلة الفضية تقف قرب مكان وقوف النائب وسيدة العائلة تواجهه بوقفة مستقيمة تدل على مكانتها وكبريائها خلفها يقف خادمها الطويل والشاب\. «يشرفني الوقوف مقابل سيدة عائلة مورين النبيلة، أنا ريجون نيرفال نائب قائد النخبة لفرسان الملك، ألي أن أعلم ما سبب تواجد السيدة في مكان كهذا؟» «جئت لشراء بعض العبيد، علمتُ أن القرية خضعت لتحقيق بسبب خيانة سيدها، لذا وضعتها في خطة رحلتي علِّي أجني بعض الفوائد، ومما أرى، يبدو أن التهمة قد ثبتت بالفعل» كانت حجتها قوية وجاهزة، لكن ذلك لم يقنع النائب، ورغم ذلك، لم يكن بيده شيء لدحضها أو أي سلطة للتحقيق مع سيدة عائلة نبيلة أخذت ختم العائلات في عقود مضت، لذا وافقها بهدوء «لديكِ فراسة مثيرة للإعجاب سيدتي، لا عجب وجود ذلك في عائلة مورين العريقة، تفضلي معي، سأقودك حيث جمعنا العبيد، أتمنى أن تجدي مرادك بينهم» «لا داع، فقط أحضر لي الفتية ذوي السمات المميزة والغير مألوفة» تحدثت كريمان دون تردد وببساطة شديدة، تجعل بعض أعين الفرسان تتطلع ناحيتها بشك وريبة، غير قادرين على فهم المغزى من طلباتها أو رؤية ملامحها المخفية أسفل وشاحها المتدل من على قبعتها العريضة، ثم بعد هنية أومأ نائب القائد برأسه بشكل بطيء أظهر حيرته الشديدة، آمرًا رجاله بشكل عشوائي، يدير وجهه نحوهم وعينيه لا تحيدان عن الشخصية النحيفة الثابتة أمامه\. «أحضروا لسيدة عائلة مورين النبيلة ما ترغب به» وسرعان ما تحرك حارسي بوابة دار الاجتماعات يفتحان الباب على مصراعيه، ليدخل اثنين من الفرسان يجلبان ما أمرت به السيدة الدخيلة والغريبة\. كانت امينة تواسي ابنها الساكن بتربيتات متفرقة على جسده، تارة على ظهره، وتارة على ذراعيه ثم رأسه، تحدق بكتفيه المتهدلتين فتشعر أنها تكاد تعجز عن التنفس مختنقة بغصتها\. لم تعلم أين بدأت تسوء الامور، لقد حرصت وزوجها كل الحرص على الابتعاد عن الأعين، سكنوا بتواضع في أطراف قرية صغيرة تكاد تكون مهجورة، لم يرفعا سقف أحلامهما، كل ما أرادته هو حماية الشاب الذي أصبح يافعًا وتوفير الأمان له من كابوس ينتظره، وقد شاركها زوجها الهدف بعد بضع سنوات، حين أصبح عزام طفلًا واعيًا وأظهر ذكاءه المشرق وإبداعه الدافئ\. كل ما أراداه له هي السعادة وحسب، لكن ييدو أن هدفًا ضئيلًا كهذا بعيدٌ عن متناول كفيهما وقدرتهما\. أغمضت عينيها تتمالك نفسها، وعلى وجهها ارتسم الكدر دون حساب، ثم انتبهت تلتفت ليسارها حين سمعت كالجميع صوت انفتاح البوابة، تبعها دخول حارسين يصرخ أحدهما بصوت جهور «فليفصل الفتية عن النساء والفتيات، تحركوا أيها العبيد\!» تلفت الجميع حولهم بهلع وارتباك برغم كلمات الفارس الواضحة، بدا وكأنها صعبت على فهمهم، بل ربما كانت صعبة التنفيذ والتطبيق على الروابط بينهم\. «طفلي ما يزال في السادسة\! لا تفرقه عني أتوسل إليك\!» توسلت المرأة الباكية للفارس حين اقترب منها، لكنها بدت كمن تتحدث في أذن صماء، فقد تحول توسلها لبكاء منها وصغيرها المفجوع في لحظة حالما انتزعه منها الفارس كأنه ليس ببشر، وحالما كاد يرميه جانبًا والأم تتشبث به منتحبة تحاول التمسك بابنها حتى هتف به رفيقه «لا شيء مميز فيه، اتركه» حينها انتبه الفارس للأمر وأخفض نظراته يحدق بالصغير المفجوع للحظة، وقد اختلط عويله ببكاء وتوسلات البقية وغسلت دموعه وجهه ذو الملامح العادية، ثم تركه دون تردد أو تفكير فسارعت والدته تلتقفه تهدهده في حضنها، مبتعدة نحو الزاوية أكثر كأنها تريد اختراق الجدار\. انتهت إحدى مصائبها، لكنها بدأت مصيبة أخرى في بقعة أخرى من دار الاجتماعات، حيث أمينة التي كانت تحدق بما يحدث بربكة، قبل أن تصل كلمات الفارس الثاني مسمعها، جاعلًا وجهها يشحب واللون يفر منه\. «شيء مميز\!» همهمت مذعورة، ثم أخفضت عينيها بسرعة لابنها الجالس يعطيها ظهره، محدقًا حوله دون أن يكون واعيًا لما يحدث، فعقله جزء منه لا يتوقف عن إعادة مشهد شق جسد والده، وجزء آخر يحوم في أمر ليلى واختفائها المفاجئ، حتى انتبه حين شدت كف قوية على ساعده وصدح صوت عال أزعج أذنه «هنا واحد\!» ثم صوت والدته الهلع وهي تقبض على معصم الفارس «لا\! لا\! اتركه\!» في لحظة أصبح محيط عزام الساكن معركة شد وجذب بين والدته المفجوعة والفارس الذي يمسكه بقوة آلمته\. «أبعدي كفيك يا امرأة\! هذا مصيركم المحتوم\! أتعترضين على أمر ملكي\!» هتف الفارس بأمينة حين رأى جلَدها وإصرارها على فكاك ابنها الصامت من بين كفيه، وتقدم الأول ذو المزاج الخشن منهما بصمت وعينين لا تبشران بخير\. أما أمينة، فبدت كأنما فقدت عقلها وهي ترى ابنها يكاد يؤخذ أمام عينيها، فقد عافرت تفك كف الرجل عن ساعد ابنها حتى انحنت تكاد تعضه، وما إن لمست أسنانها كفع حتى أفلت الفارس عزام هاتفًا بغضب «أيتها المجنونة\!» «تخلص منها» وسرعان ما جاء صوت رفيقه الذي أصبح قريبًا لا يفصله عنهما سوى بضعة أمتار، بانزعاج واضح وهو يسحب سيفه من غمده، يرى التي احتضنت ابنها تضم رأسه لها برغم طوله المقارب لها، حتى كأنها تريد إخفاءه في ضلوعها\. «اتركوه\! لن تأخذوا ابني مني ولو قتلتموني\! ابتعدوا عنا\! اتركونا وشأننا\! لسنا بخونة\!» تتابع هتاف أمينة المليء بالحرقة والهلع الذي أفقدها صلابتها، ورفع الفارس المتقدم سيفه عاليًّا يريد التخلص منها، قبل أن يأتي صوت هادئ وثابت من جهة البوابة، يجعله يتوقف «ما الذي يحدث هنا؟» وسرعان ما توجهت الأنظار البائسة نحو السيدة ذات الثوب الأخضر الفاخر الذي تعلوه عباءة حمراء مخملية، وقد اختبأت ملامح وجهها أسفل طبقات من الدانتيل السكري المتدلي من على قبعة كزينة ببضعة أحجار كريمة، وكفيها تسفل قفازين سكريين لامعين من الحرير\. أما الفارسين فقد لمحا نائب قائد فرقتهما وهو يحدق بهما بامتعاض من إثارتهما كل هذه الجلبة\. كل لفت انتباهه ما أهمه، عدا أمينة، التي تجمدت حالما وقع الصوت الرنان في أذنيها كالكابوس\. ‹هذا\.\. هذا مستحيل\!› همهمت داخليًّا بهلع، ثم التفتت ببطء ناحية الباب، مبتهلة داخلها أن يكون ما تظنه مجرد اشتباه، لكنها سارعت تشيح بوجهها وجهها حين رأت السيدة الواقفة قد اختفت ملامحها عن الجميع\. كانت غارقة في هلعها، حتى جاء صوت الحارس الذي كاد ينتزع عزام منها، يجعل ساقيها تضعفان وترتجفان كأنهما لم تعرفا الثبات يومًا «نعتذر لسيدة عائلة مورين النبيلة عن الإزعاج الحاصل، فقط وجدنا فتى بالسمات التي تريدينها، بسعر كستنائي وعينين صفراوتين، لا أحد غيره ذو سمات مميزة كما يبدو، لكن والدته مستميتة لمنعه عنا» ‹مورين\!› كررت أمينة الكلمة بداخلها بذهول ورعب امتلك كيانها، وكفيها وذراعيها تشدان الخناق على ابنها الذي ما زال ساكنًا كأن ما يحدث لا يعنيه، ثم انتفض كتفيها بخفة حين سمعت الصوت الأنثوي الثابت مجددًا «جيد، هذا ما أطلبه، جهزوه، ثم أخبروني بسعره» ثم استدارت تريد الابتعاد، لكنها عادت تلتفت للفارسين، متحدثة بنبرتها الرتيبة «آه، واتركوا والدته حية، قد ترغب بها إحدى العائلات، فلنساء القرى مهارات لا يمكن التغافل عنها، ثم هل يقتل فرسان الملك العبيد\! ظننتكم أكثر حرصًا على حياتهم التي تعلمون كم تفيد النبلاء\!» التفتت بوجهها ناحية نائب القائد آخر كلماتها المبطنة بالسخرية واللوم والانتقاص، فسارع ريجون يتحدث بهدوء لا يبدي انفعاله من تسلطها في مكان عملهم «سأحرص أن لا يتكرر ذلك سيدة مورين، ثقي بذلك» «سآخذ كلماتك على محمل الجد\.\.» علقت كريمان تريد المغادرة، لكن جملتها سرعان ما بُترت كما نتباهها وانتباه الواقفين عند الباب، وانجذب للصراع بين الأم الشرسة التي بدت وكأنها مستعدة لدفع حياتها ثمنًا كي يتركوا ابنها والفارسين القاسيين\. كانت تدفع الأول وتقاوم الثاني\. تحاول انتزاع ابنها من بين يديهما انتزاعًا، وقد جلبت انتباه الجميع، حتى جيرانها في القرية الصغيرة، وغفلوا عن صمت الفتى الذي يتأرجح يمينًا ويسارًا بين الفارسين ووالدته التي تدافع عنه باستماتة، عدا شخص وحيد\. فصمته المطبق جعل كريمان سيدة عائلة مورين تحدق ناحيته باهتمام، تدرسه من خلف حجابها، قبل أن تتحدث لنائب القائد بهدوء «أفقدوها وعيها وأحضروه» ثم راقبت تشوش نظرات عزام حين لاحظ تقدم نائب القائد منهم، يفك حزامه عن سيفه المغمود ثم يرفع قبضته عاليًا، ويهوي به على مؤخرة رأس أمينة، يجعلها تسقط على الأرص بجلبة قوية غائبة عن وعيها\. «أمي\!» نبس بها عزام بذهول يراقب والدته الممتدة على الأرض، ثم لمح أصابعها التي ترتجف قرب قدميه، محاولة للاقتراب منه، لكن ذراع نائب القائد كانت أسرع ناحيته منها، فقد قبض على ساعده بقسوة وعنف، ثم اقتاده للخارج، يجعله يلوي عنقه للخلف بملامح مفجوعة على والدته التي تُرِكت مرمية مكانها كأن لا قيمة لها\. كان يراقب الدماء التي تشكلت أسفل رأسها، قبل أن تهرع إليها سيدة قريبة منها، تقلب جسدها وتناديها تحاول إيقاظها، وتجعل وجهها يقابل نطاق رؤية عزام المخلوع فؤاده على حالها\. لطالما رأى شعرها البني الناعم مرتبًا ومسرحًا للأعلى، لكنه الآن كان مبعثرًا، متسخًا، والكثير من الخصلات التصقت بوجه والدته المتعرق\. لا بد أنه يزعجها\. هكذا فكر وهو يحدق بعينيها المغمضتين بسكون، يلمح خطًّا من الدموع انحدر على صدغها حتى التقى بالأرض القاسية، ووجهها الذي لطالما كان دافئًا بشوشًا مليئًا بالحياة كان شاحبًا هذه المرة، مليئًا بالخدوش التي آلمته كأنها مصابه\. كان هذا آخر ما رآه منها، بعد سنوات من ابتسامة والدته، كان آخر عهده بها هو وجه شاحب، وعينين تنفتحان ببطء، ثم تمتلئان بالدموع وهي ترى البوابة تغلق خلف ملامح ابنها المفزوعة\.