داخل الغرفة 303 حيث الهواء يشبه السجن، وقف يونغ وو متجمدًا للحظة، تنفساته ثقيلة وكأنها تحاول اقتلاع نفسه من هذا المكان الذي لم يشبه أي ملجأ عرفه من قبل\. الجدران كانت قريبة، مغطاة ببقع الرطوبة، والطلاء المتقشر كأنه يذرف دموع صامتة\. النوافذ محكمة الإغلاق، تحبس ضوءًا باهتًا لا يلامس سوى الزوايا المعتمة\. لم يكن هناك هاتف، ولا أي وسيلة اتصال\. كان الزمان والمكان وكأنهما يتآمران على انغلاقه في هذا السجن المجهول\. كل شيء هنا يعيد له صورته في مرآة مغبشة، لكن بدون ملامحه، مجرد ظل ضبابي من شخص ضائع\. صمت الغرفة لم يكن إلا بداية\. فجأة، من خلف الجدار، بدأ صوت خافت، هامس، كأنه نحيب مخنوق: "**هل تسمع؟ هو هنا\.\.\. لا أحد يستطيع الهروب\."** دار رأس يونغ وو ببطء، يبحث عن مصدر الصوت، لكنه لم يجد شيئًا سوى الظلال التي تلعب بأركان الغرفة\. لحظات مرت لكنه بدأ يشعر بأن المكان نفسه يتحرك من حوله\. الجدران، التي كانت جامدة حتى الآن، بدأت تتنفس\. طفيفًا واضحًا كأنها تبتلع الهواء الذي يتنفسه\. وهناك في زاوية الغرفة، انعكاس الضوء الخافت كشف عن شكل يتحرك\. قلبه تسارع بقوة لكن عندما حاول الاقتراب، اختفى الشكل وكأن الأرض ابتلعته\. لم يكن وحيدًا هناك\.\.\.\. \.\.\.\.\.\.\.\. في الخارج، في طابق آخر من المبنى، كان مينهو يتابع بحذر عبر كاميرات قديمة، أجهزته متناثرة على طاولة مغطاة بالخرائط والعلامات الغامضة\. عيناه تحترقان بالتركيز، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة قاتمة\. مينهو: "**كل خطوة تخطوها، كل تنفس تأخذه… مراقب**\." كانت أصابع مينهو تنقر على الخريطة، تعلن مواقع خطيرة داخل المبنى، علامات حمراء توحي بمصائر مأساوية\. كانت النقاط الحمراء على الخريطة تتلألأ بخفة، كأنها تهمس بأسرار خطيرة تنتظر الكشف\. مينهو جلس بلا حركة، يركز بحدة، وكأن عقله غارق في متاهة لا يستطيع الخروج منها\. عينيه تحملان ثقل ذكريات غير معلنة، ورغم هدوءه الظاهري، كان داخله صراع مستمر بين ماضيه الغامض والواقع القاسي الذي يعيشه الآن\. بصمت هادئ، أخذ يراقب إحدى الشاشات لفترة طويلة يتابع كل تفصيل صغير وكأنه ينتظر لحظة حاسمة\. حينما ارتسمت تلك الابتسامة الباردة على وجهه، لم تكن فرحا بل تهديدا خفيا ،يُشعر من يراه بأنه أكثر من مجرد مراقب\. مينهو، برغم غموضه، بدا كأنه مرتبط بالنُزل بطريقة لا يستطيع أحد فهمها، وكأن حياته كلها تدور حول مراقبة ما يحدث فيه، بلا هوادة، بلا توقف\. لنعد إلى يونغ وو، الذي لم يعد يفرق بين الحقيقة والخيال\. وقع في دوامة من أصوات متداخلة وهمسات لا تتوقف، بعضها يبدو كنداء من أسماء تعرفها روحه قبل جسده\. ضوء خافت من المرآة بدأ يرمش، يكشف وجهًا لم يكن له، وجه كاسانو\. ابتسامة باردة، عينان تضربان بوهج لا يرحم\. اليقين هو أن هذه ليست مجرد غرفة عادية وأنه لم يدخل مجرد نُزل… بل إلى لعبة قاتلة تبدأ فصولها الآن\. \-\-\-\- في الغرفة 303؛ كان يونغ وو يجلس على الأرض، ظهره إلى الحائط، كأنّ الجدران تمنحه نوعًا من الأمان وسط الصمت الثقيل\. يداه لا تزالان ترتجفان منذ أن لمح ذلك الظل ينعكس في النافذة\. لم يكن متأكدًا مما رآه؛ لكنّه يعلم جيدًا أنه لم يكن وحيدًا في انعكاسه\. عيناه انتقلتا ببطء إلى المرآة المغبشة\. رغب في مسحها، لكنه تراجع بخوف\. لم يكن مستعدًا لرؤية شيء آخر لا يجب أن يكون هناك\. كانت المرآة مجرد سطح، لكنه شعر بها تراقبه، كما لو أنها نافذة لشخص آخر يراقبه من الجانب الآخر للعالم\. في الطابق الثاني، كانت خطوات خفيفة تتردد عبر الممر، منتظمة، واثقة، لكنها باردة كأنها لا تنتمي إلى جسدٍ حيٍّ\. توقفت أمام باب ما، ثم طرقة واحدة… ثم صمت مطبق\. يونغ وو أغلق عينيه بقوة\. داخله صراع يعصف: هل هو في خطر؟ هل ما يحدث حقيقي أم أنه محض هلوسات من قلة النوم، من الإرهاق؟\!، من المدينة؟؟\! لكنه في أعماقه كان يعلم أن هذه الجدران تحتفظ بأشياء لا تراها العين\. فجأة\!\! جاء صوت من خلف الباب\. لم يكن واضحًا، أشبه بهمس رجل يتحدث بإيطالية مشوّهة، كلماتها تتكسر داخل الجدران\. اقترب بخطوات مترددة، لصق أذنه بالخشب، وحبس أنفاسه\. **"…Non può uscire… non ancora…"** لم يفهم كل المعنى، لكنه سمعها بوضوح: "**لا يمكنه الخروج… ليس بعد\."** تراجع، ويده على مقبض الباب، لكنه تذكّر الجملة خلف اللوحة: حين تغلق الباب، لا تفتحه ثانية\.\.\. مهما سمعت\. جفّ حلقه، وأبعد يده بسرعة، كأن الباب يحمل شحنة كهربائية خفية\. في مكان آخر من المبنى، داخل غرفة دافئة بشكل مريب، جلست امرأة بشعر قصير ووشم أفعى صغير خلف أذنها اليمنى، تدعى "إلينا"، تكتب شيئًا على دفتر جلدي أسود\. كانت تتابع عبر مذياع قديم أصواتًا خافتة تأتي من الطابق الثالث\. إلينا: "**الولد يتحرك\. جيد\. إن استمر على هذا النحو… سيوقظ البقية**\." إلى جانبها، جلس رجل كوري في منتصف الثلاثينيات، يدعى "جانغ موك"، يضع سماعات على أذنيه ويومض بنظره بين جهاز التسجيل والمذياع، كأن الموسيقى التي يسمعها تخبره شيئًا لا يسمعه سواه\. جانغ موك \(بهمس\): "**أصوات الغرفة 303 بدأت تتغير… النغمة ارتفعت قليلاً\."** إلينا \(بابتسامة بطيئة\): "**نحن نقترب\. فقط دعه يكسر أول وهم… بعدها، سيتكفل الباقي بأنفسهم\."** في تلك اللحظة، شعر يونغ وو بشيء يتحرك تحت السرير\. لم يرَ شيئًا، لكنه سمع الخشخشة\. ببطء، انحنى، لكن قبل أن ينظر، سقط كتاب صغير من فوق المكتب، كأن أحدًا دفعه عن عمد\. اقترب منه\. غلافه متهالك، لا عنوان، فقط اسم محفور بلون باهت: "سانغ هون"\. قلب الصفحة الأولى\. صورة قديمة لرجل يحمل ملامح تشبهه… لكن العيون مختلفة\. العيون في الصورة كانت شاحبة، خاوية، كأنها مرت بسنوات من الرعب\. أراد تمزيق الصفحة، لكنه لم يستطع\. شيء فيه منعه\. أغلق الكتاب ووضعه جانبًا، ثم وقف وبدأ يتنفس ببطء، محاولًا استعادة توازنه\. لكنه لم يكن يعلم أن عيونًا كثيرة كانت تراقبه… من زوايا لا يعرف بوجودها\. \. \. \. \. بعد ساعة من الصمت المضغوط، دوى صوت خافت في الممر، أشبه بصفير كهربائي، تلته طرقات خفيفة على باب الغرفة 303\. هذه المرة، لم يكن الصوت غامضًا أو هامسًا\. كان واضحًا، صريحًا، لكن نبرته غير مألوفة\. "**السيد يونغ وو؟ هل يمكننا الدخول؟"** تجمّد في مكانه\. الصوت نسائي، حازم، ولهجته كورية بإيقاع أوروبي\. تردد للحظة، ثم سحب الكرسي، وضعه خلف الباب، وتحدث من خلاله: "**من أنتم؟"** جاء الجواب بسرعة: "**أنا إلينا\. أعمل في النُزل،** **ومعي السيد جانغ\. لسنا هنا لنؤذيك\."** فتح الباب بحذر، فظهرت أمامه امرأة بشعر داكن قصير وسترة جلدية ضيقة، وخلفها رجل يبدو غريب الأطوار، يحمل جهاز تسجيل محمول وسماعات تتدلى من عنقه\. إلينا نظرت إلى الغرفة، ثم إلى يونغ وو: "**ما رأيته اليوم… لا تحاول تفسيره\. ليس الآن\."** يونغ وو لم يجب، فقط سمح لهما بالدخول\. جلس على حافة السرير، بينما تجولت إلينا داخل الغرفة كأنها تعرفها جيدًا\. توقفت أمام اللوحة المعلقة، ابتسمت دون أن تلمسها، ثم التفتت إليه: "**هل سمعت الهمسات؟ أو رأيت وجهًا غير وجهك في المرآة؟"** هز رأسه ببطء: "**رأيت شيئًا في النافذة\. ولا أريد أن أعرف ما هو**\." ضحكت بخفة، ثم جلست على المكتب: "**ستعرف… شئت أم أبيت\."** جانغ موك تحدث أخيرًا، صوته ناعم كأنّه مغنٍّ تعب من الغناء: "**الغرفة 303 ليست كغيرها\. هي نقطة التقاء\. كل شخص نزل فيها… ترك جزءًا منه خلفه\."** يونغ وو: "**أي نوع من النُزل هذا؟ أنتم تتحدثون وكأنني دخلت لعالم غير حقيقي\."** إلينا \(وهي تتقاطع ساقيها\): "**لست بعيدًا عن الحقيقة\. نحن لا ندير نُزلاً للسياح\. نحن نحرس حدودًا\. هناك أشياء تسكن هنا\. بعضها كان بشريًا\."** صمت ثقيل سقط بين الجميع، إلى أن فتح الباب فجأة دون طرق\. وقف مينهو عند العتبة، بوجهه الجامد كعادته\. لم يبدُ مندهشًا، وكأن حضوره في هذه اللحظة كان متوقعًا\. مينهو \(بصوت هادئ\): "**كفى تلميحات\. إن كان سيبقى… يجب أن يعرف القواعد\."** إلينا رفعت حاجبها: "**ألم يكن ذلك دورك؟"** مينهو تجاهلها، ووجّه كلامه ليونغ وو: "**لا تخرج من الغرفة بعد منتصف الليل، حتى لو سقط السقف\. لا ترد على من يناديك باسمك ثلاث مرات\. ولا تدخل الطابق الخامس\."** يونغ وو \(بصوت مرتجف\): "**لماذا؟ ماذا يوجد في الطابق الخامس؟"** جاوبه جانغ موك، بنظرة شاردة نحو السقف: "**الذين لم يغادروا قط\."** تلاقت العيون في صمت\. ثم تنهّد مينهو، واستدار مغادرًا، لكنه توقف وقال دون أن يلتفت: "**ما بدأ في هذه الليلة… لن ينتهي إلا بأحد أمرين: أن تكسر الحلم\. أو أن تصبح جزءًا منه\."** وانغلق الباب خلفه كأن جدارًا سقط\.\. \-\-\- يتبع\.\.\.\.\.
jh_foreaders