اسمي سوينيو... هكذا تُنطق في اللغة الإسبانية، وتعني أحلام. لكن هذا الاسم لا يُقال بصوت عالٍ، لأنه ليس اسمًا عاديًا، بل هو اسم روحي، لا يعرفه غيري، أما الاسم الاخر فهو زوس و تعني الحلوى لم أكن أفهم الأحلام. كنت طفلة عادية، أو هكذا ظننت. حين كنت في العاشرة، كانت أحلامي مجرد صور تتلاشى عند الاستيقاظ، مثل فقاعات صابون في شمس الشتاء. لكن شيئًا تغيّر… شيء لم أستطع تفسيره، ولا الهرب منه. كنت أظن أن كل شيء طبيعي… إلى أن بدأ يتكرّر كل شيء بدأ من هناك. كنت أقف فجأة في مكان لا يشبه أي شيء في عالمي. مطبخ بيت عمي، لكنّه بدا غريبًا، صامتًا، وكأن الزمن مجمّد فيه. ثم ظهرت. امرأة طويلة، بشعر أسود، وعيون تعرفني. لم تقل من هي، لكنها نادتني باسمي قالت سوينيو وكأنها تعرفني منذ وُلدت. لم تسحبني من يدي، بل نظرت إليّ، وفجأة وجدت نفسي معها… في مكان آخر. قصر... أو هكذا بدا. جدرانه عالية، أرضيته تلمع، وضوء أبيض هادئ ينساب من السقف دون مصدر. في قلب القاعة، كان هناك صندوق أزرق. فتحته، ووجدت داخله ثلاث كبسات: كبسة خضراء... كانت الأكثر لمعانًا. كبسة حمراء غامقة، تبدو وكأنها تحذير. وكبسة صغيرة في الزاوية، تشبه كبسة المصباح، بالكاد تُرى. قالت المرأة بصوت ناعم: "إذا شعرتِ أنكِ لا تريدين البقاء هنا... كبسة الخروج هي هذه." وأشارت إلى الصغيرة في الزاوية. ثم نظرت إليّ طويلًا، وكأنها تنتظر أن أفهم شيئًا لم يُقال. لكنني لم أفهم. كنت خائفة… ثم استيقظت في ذلك الصباح، اختفى الصندوق الأزرق. استيقظت وأنا أفتش في ذاكرتي عن المرأة، عن القصر، عن الضوء الأبيض… لكن كل شيء كان ضبابيًا. فقط شعور غريب ظل في صدري، وكأنني عبرت بابًا لن يُغلق بعد اليوم. كان اليوم الأول من السنة الدراسية. دخلت باب المدرسة الجديدة وأنا أبتسم بثقة. رأسي مرفوع، خطواتي سريعة، وقلبي مليء بالحماس. أنا الطفلة الاجتماعية التي لا تخاف من الغرباء. أحب الحديث، وأحب الضحك، وأؤمن بأن العالم يتسع لقلبي… حتى وإن كنت في مدرسة لا أعرف فيها أحدًا. وصلت إلى فصلي. رائحة الطباشير، أصوات الطلاب، دفاتر جديدة على الطاولات... كل شيء كان ينتظرني. وقفت أمام الجميع وقلت بثبات: "مرحبًا، أنا الطالبة الجديدة." عرفتهم على اسمي، عمري، هواياتي… كلمات بسيطة، لكنني كنت واثقة وكأنني في بيتي. بحثت عن مقعد، واخترت المقعد الأخير وكان بجانبي فتى يجلس عند النافذة جلست وأخرجت دفتري وقلمي. الهواء العليل يدخل من النافذة، والضوء يغمر الصف. ثم التفت. الى الفتى الجالس بجانبي. مائل بجسده نحو الخارج، رأسه مستند إلى يده، وعيناه تتأملان السماء بملل. حين نظرت إليه، استدار فجأة وحدّق بي. كانت نظرته مملوءة بالغرور، لا ترحيب فيها ولا حتى فضول. لم ينطق بحرف واحد. فقط نظر، ثم عاد إلى سكونه. مر الدرس الأول، ومع نهايته، استدار إليّ وقال فجأة: "هاي، أيتها القصيرة... لا تجلسي هنا مجددًا. هذا مكاني. انقلي أغراضك." ارتفعت حاجباي من المفاجأة، لكنني لم أتحرك. نظرت إليه ببرود، ثم قلت بثقة: "وهل مكتوب اسمك عليه؟ لا؟ إذن سأبقى. اعتد على وجودي." رفع حاجبه باستغراب، وكأن أحدًا لم يجرؤ أن يرد عليه من قبل. ضحك ساخرًا، وقال: "واضح أنك لا تعرفين من أنا." قلت، وأنا أضع دفتري أمامي بهدوء: "لا أعرفك… ولا أحتاج أن أعرف. أنا لا أسمح لأحد أن يدفعني بعيدًا." صمت لحظة، ثم اقترب قليلًا وقال بنبرة منخفضة: "أنتِ جريئة أكثر من اللازم." فأجبته، دون أن أشيح ببصري: "وأنت مغرور أكثر من اللازم." ضحك بعض الطلاب، وبدأت الهمسات تنتشر في الفصل. وفجأة، ركض أحدهم إلى الباب، وصرخ: "معلمة! في شجار بالصف!" دخلت المعلمة بغضب: "ما الذي يحدث هنا؟!" رفع البعض أيديهم وأشاروا إلى الفتى الجالس بجانبي. قال أحدهم بصوت واضح: "سلا يا أستاذة، هدد الطالبة الجديدة وقال لها تخرج من المقعد." نظرت إليّ، ثم إليه. "سلا؟ مرة أخرى؟! كم مرة قلت لك توقف عن افتعال المشاكل؟" ثم التفتت إليّ، وربتت على كتفي: "اجلسي مكانك، هذا مقعدك الآن. ولن يُزعجك أحد بعد اليوم." ظل سلا صامتًا، ينظر من النافذة، لكني لمحته يبتسم بخفة. ابتسمت أنا أيضًا، دون أن أريه. في تلك اللحظة، لم أكن أعرف أن هذا الفتى المغرور... سيكون أول من يدخل إلى عالمي، دون أن يدري --- الفصل الرابع: الخطأ استمر الحلم، يتكرر، بنفس القصر، بنفس الصندوق، بنفس المرأة. وكل مرة كنت أكتفي بالمراقبة… أفتح الصندوق، أتأمل، أستيقظ. حتى جاء الليل الذي تغيّر فيه كل شيء. أخطأت. ضغطت على الكبسة الخضراء. شعرت بانزلاق غريب. كل شيء حولي أصبح مشوشًا. أردت الاستيقاظ… قفزت، صرخت، ركضت… لكن لا فائدة. همست لنفسي في النهاية: "ربما… هذا حلمي." ثم فتحت ذراعيّ… وحلّقت. رغم أن اليوم الدراسي قارب على النهاية، إلا أنني لم أذهب مباشرة نحو البوابة كما فعل الجميع. شيءٌ ما جعلني أتباطأ، أغيّر طريقي، وأتسلل عبر الممرات الخلفية للمدرسة. كأن خطواتي كانت تهمس لي: اذهبي إلى هناك… هناك حيث لا يجرؤ أحد على الاقتراب. وصلت قرب الساحة الخلفية، حيث أشجار الكينا تقف صامتة مثل حراس الزمن. رائحة التراب الرطب، والهواء الساكن، وصوت… ضحكات خافتة، ونبرة استهزاء. اقتربت أكثر. رأيتهم. سلا واقف، ورفاقه يدفعون فتى أصغر منهم إلى الجدار، يسخرون منه، ويدفعونه كلما حاول التحدث أو النهوض. لم أتمالك نفسي. لم أفكر، لم أتردد. تقدّمت، وقلت بصوتٍ هادئ، لكنه ثابت: "اتركوه." توقفت الحركة. رفع سلا رأسه إليّ، وعيناه تلمعان بالدهشة والغيظ. "ماذا؟" رفعت بصري بثقة، رغم أن قلبي كان ينبض بقوة: "قلت… اتركوه." ضحك أحد أصدقائه، وسأل باستهزاء: "أوه، هل لدينا بطلة هنا؟" لكن سلا لم يضحك. لم يُجب بكلمة، بل مشى نحوي. وفي لحظة، دفعني بقوة إلى الجدار. اصطدمت ظهري بخشونة بالحائط البارد، لكني لم أُظهر ألمًا. نظرت إلى عينيه. كانتا مشتعلتين… ولكن ليس بالغضب فقط. صرخ بصوتٍ منخفض لكنه حاد: "هل تريدين أن تكوني مكانه؟! لماذا تتدخلين فيما لا يعنيك؟!" لم أجب. تجمّدت عيناي في عينيه. رأيت فيهما شيئًا آخر… شيءً مُتعبًا. حزينًا ربما. مرت لحظة طويلة، ثم التفت إلى الجدار، كأن صوته انكسر فجأة: "لم يكن لك أن تري هذا." سحب يديه، وأشاح ببصره. "ارحلي قبل أن اغير رأيي." لكن صوته لم يكن تهديدًا. كان كأنه يناشدني… بصمت. غادر أصدقاؤه، وبقي هو واقفًا أمامي، ثم ابتعد خطوة. تراجعت أنا، وضعت يدي على ظهري قليلاً، ولم أزل أنظر إليه. للمرة الأولى… بدا كأنه ليس سلا الذي يراه الجميع. لم أقل شيئًا. ومضيت. لكن خطواتي كانت أبطأ هذه المرة، وكأن قلبي ترك شيئًا صغيرًا في ذلك المكان… خلف المدرسة --- حين عدت إلى المنزل، كان المطبخ يغلي برائحة البهارات. "زوس رجعتِ؟" قالت أمي وهي ترفع الغطاء عن قدر يغلي بالبخار. ابتسمت، وضعت حقيبتي جانبًا، وسألتها بفضول: "ماذا تطبخين؟" "شوربة خضار. نحتاج لبعض البطاطا والفلفل من السوق. هل تذهبين؟" أخذت القائمة منها، ارتديت الحذاء بسرعة، وخرجت. كان السوق قريبًا، لكنه مزدحم. أصوات الباعة، أصوات الدراجات، أطفال يركضون بين الأرصفة، وامرأة تساوم على سعر الباذنجان. توقفت أمام بائع يضع فواكه بألوان براقة، اشتريت البطاطا والفلفل، ثم لمحت محلًا صغيرًا يبيع حلوى. اشتريت قطعة صغيرة من السكاكر الحمراء، وضعتها في جيبي سرًا. عدت إلى المنزل، قدمت الأغراض لأمي، ثم اختفيت في غرفتي. لم أكن مرتاحة. رغم كل شيء، لا تزال هذه المدينة الجديدة غريبة عليّ. البيوت مختلفة، الشوارع ضيقة، والوجوه… لا أميزها بعد. قررت أن أخرج قليلًا، "للهجوم" كما كنت أسميه — استكشاف المدينة وحدي. مشيت في الحارة القديمة خلف البقالة، حيث الأرض ترابية والبيوت متقاربة كأنها تهمس لبعضها. أحببت ذلك الشارع رغم ضيقه، شعرت أنه يخفي قصصًا كثيرة. لكن… لم أكن وحدي. ثلاثة فتيان ظهروا من خلف الجدار، أوقفوني. لم يكونوا غرباء تمامًا — كانوا أصدقاء سلا. نفس الوجوه التي رأيتها خلف المدرسة. اقترب أحدهم، وقال بابتسامة خبيثة: "أوه… أليست هي بطلتنا الجديدة؟" ضحك الآخر، وأضاف: "ما الذي تفعلينه هنا وحدك؟ هل تحاولين إنقاذ سكان الحي؟" وقفت مكاني. قلبـي بدأ يدق بسرعة، لكن وجهي بقي جامدًا. "اتركوني." قلت بثبات، وأنا أضغط على قبضتي. اقترب أحدهم أكثر، كأنّه يتحداني. شعرت أن جسمي سيتجمد، أنني صغيرة وضعيفة بالنسبة لهم… لكنني لم أتحرك للوراء. ثم، وبدون تفكير… انحنيت، أمسكت حفنة من التراب، ورميتها في وجهه. ارتبك، تراجع وهو يمسح عينيه، فاغتنمت الفرصة. أمسكت حفنة أخرى، ورميتها على الثاني، ثم صرخت: "اقتربوا أكثر وسأرمي كل التراب في هذا الشارع عليكم!" تجمّدوا لحظة. نظر بعضهم للآخر، ثم ضحك أحدهم وقال: "أنتِ مجنونة!" وغادروا، يضحكون ويتمتمون بشيء لم أسمعه جيدًا. وقفت وحدي، أنفاسي سريعة، يدي ترتجف، لكن ملامحي لا تزال مشدودة. لم أكن معتادة على الخوف. كنت طفلة… نعم، لكنني لم أكن أسمح لأحد أن يراني ضعيفة. نفضت التراب عن يدي، وعدت إلى المنزل. وعندما أغلقت الباب خلفي… لم أكن أعلم أن هذا الليل سيأخذني إلى مكان آخر تمامًا. --- في تلك الليلة، كان كل شيء ساكنًا. البيت غارق في الظلمة، والنافذة نصف مفتوحة، والهواء يتسلل بهدوء. لكنّ نومي لم يكن هادئًا. رأسي كان مثقلًا، كأن أحدهم يجذبني إلى أعماق لا أعرفها. ثم… أجد نفسي فجأة في غرفة مظلمة، لا نوافذ فيها، لا أبواب. أنا مستلقية على سرير قديم، مغطّى بملاءة داكنة، ويداي مقيدتان بالحبال. الصمت ثقيل. أنفاسي متقطعة. ثم… صوت خطوات. بطيئة، ثقيلة. يقترب. لكن لا أحد يظهر. الهواء صار أكثر برودة، كأن أحدًا يزحف خلف الجدار. ثم أشعر بشيء يقترب من وجهي، لا أراه… لكن أنفاسي تتوقف. شيء يضغط على صدري، وجسدي لا يتحرك. أصرخ — لكن صوتي لا يخرج. "أمي…!" همست داخل الحلم، بلا صوت. ثم ظهر ظل على الجدار. طويل. ممدود. اقترب. حتى شعرت بنفسه البارد على خدي. وفي لحظة… فتح فمه — لكن لا صوت، فقط سواد، سوادٌ كثيف يريد ابتلاعي. حاولت المقاومة. حاولت أن أتحرك… أن أصرخ. لكنني كنت محبوسة داخلي. وفجأة، صحوت. جلست على سريري وأنا ألهث، وقلبي يدق كطبول الحرب. ركضت خارج الغرفة، عبر الممر الطويل، حتى وصلت للمطبخ حيث كانت أمي تقلب شيئًا في المقلاة. نظرت إليّ بقلق: "زوس؟ ما بك؟" ارتميت في حضنها، وقلت بصوتٍ مرتجف: "كان هناك أحد… حاول إيذائي. كنت مربوطة… ولم أستطع الصراخ." ربّتت على ظهري بهدوء، ومسحت على رأسي: "كان حلمًا فقط يا صغيرة… لا تقلقي، أنا هنا." ثم ذهبت بي إلى غرفة والديّ، وقالت لي بهدوء: "ستنامين معنا الليلة." تسللت بينهما، وضعت رأسي على الوسادة بجوار صدر أمي. لكن قلبي ظلّ يقفز كلما أغمضت عيني. ذلك الكابوس… لم يكن مجرد حلم. شعرت أن هناك شيئًا انكسر داخلي تلك الليلة. وكأن أحدًا فتح الباب الأول لعالمٍ آخر… دون أن يُغلقه خلفه.