--- كانت عيناها البنيّتان تنظران إلى العالم كأنّهما تبحثان فيه عن شقوق للضوء، عن أيّ معنىٍ يُطفئ جفاف روحها. اسمها "ريتا"، فتاة عربية الأصل، ذات شعر كستنائي طويل يمتدّ كظلّ الحنين على كتفيها، وبشرة بيضاء كصفحات لم تُكتب بعد. كانت تملك شخصية قويّة، لا تهاب المواجهة، ولا تضعف أمام المواقف… إلا أنها تحمل في داخلها مللاً صامتًا، كصحراء لم تزرع منذ زمن، وفراغًا روحيًا يئنّ تحت ضجيج الصمت. تلجأ إلى الروايات كأنها تتنفس بها… لا تحيا إلا بين الكلمات، لا تنام إلا بين صفحات الكتب، ولا تبكي إلا على مصير أبطال خياليين كانوا أوضح من مَن حولها. في هذا المساء، كانت ريتا تتوسّد وسادتها وكأنّها تتوسّد العالم. هاتفها المحمول يهتزّ على طرف السرير، اسم "ندى" يضيء الشاشة. ندى: – "ريتاااا، أقسم أنني سأقتحم غرفتك بالقوة لو رفضتِ مرة أخرى!" ريتا (تبتسم بفتور): – "ندى، العالم ممل… والخروج لن يصنع فرقًا، سنرى نفس الوجوه، نفس الضوضاء، نفس لا شيء." ندى (بضحكة مستفزة): – "أنتِ تصفين الحياة كأنكِ في نهاية عمرك! هيا، خارِجي من شرنقة الروايات تلك، ألا تريدين أن تصبحي يومًا بطلة قصة حقيقية؟" ريتا (تنظر إلى السقف): – "أحيانًا أشعر أنني وُلدت متأخرة جدًا… أو مبكرًا جدًا… لكن بالتأكيد في الزمن الخطأ." ندى: – "حسنًا يا فلسفية العصر، هذا الزمن الخطأ ينتظرنا فيه مقهى جديد، موسيقى هادئة، وربما، فقط ربما، شخص غريب يقول شيئًا يجعلنا نعيد التفكير بكل هذا السخف." ريتا: – "هل تظنين أن الحياة يمكن أن تتغير بفنجان قهوة؟" ندى (بمرح جاد): – "لا، لكنها قد تبدأ هناك." ضحكت ريتا، ضحكة صغيرة لكنها نادرة. كانت ندى، بنورها وشقاوتها، الشيء الوحيد الذي لا تزال ريتا تسمح له أن يربك سكونها. استسلمت أخيرًا، كما تستسلم القصيدة لنسمة ليل، وبدأت تتهيأ للخروج. ... في الطريق، كل شيء كان عاديًا… الأرصفة، الهواء، حتى شمس المغيب كانت تنسحب ببطء، كأنها تعرف ما لا يعرفه أحد. ندى تثرثر بحماس عن آخر رواية قرأتها، وريتا تنظر من نافذة السيارة بشرود، كأنها تراقب عالمًا سينتهي قبل أن يبدأ. ثم… في لحظة لا تحتمل التنبؤ… صوت انفجار خافت، تلاه صرير مفاجئ، ثم هدير سقوط شيء ثقيل… عمود حدادي ضخم، مستخدم في ترميم منزل مجاور، لم يكن مثبّتًا جيدًا. في ثوانٍ معدودة… توقفت الحياة. الأصوات صمتت. الحركة تجمّدت. الزمن انكسر. آخر ما رأته ريتا، قبل أن تغلق عيناها إلى الأبد، كان إعلانًا ضخمًا على الجدار المقابل يحمل عنوان رواية شهيرة، مكتوب عليها: "في النهاية... كل ما نبحث عنه، كان يبحث عنّا." --- 📚
R